الآية رقم (80) - الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ

يسوق الحقّ سبحانه وتعالى لهم دليلاً آخر على طلاقة قدرته، فإن كنتم تُكذِّبون بالبعث، فانظروا إلى هذه الآية المادّيّة الّتي تشاهدونها، فالّذي يُحيي العظام الّتي رَمَّتْ وأصبحت باليةً هو الّذي جعل لكم من الشّجر الأخضر ناراً تُوقِدونها، فيشتعل العود الأخضر، والخضرة دليل الرّطوبة والمائيّة، فكيف تأتي النّار من الماء، هذه آيةٌ يروْنَها في البيئات العربيّة كلّ يوم، ومعلومٌ أنّ الحطب هو أوّل وقود عرفه الإنسان واستخدمه بسلام؛ لأنّه أصْفَى وقود، وهو صِحّيٌّ لا يلوّث البيئة، ولا يضرّ بها.

الآية رقم (81) - أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ

هذا تَرقٍّ في الدّليل، فبعد أنْ ذكر سبحانه وتعالى آية جَعْل الشّجر الأخضر ناراً، يسوق الدّليل الأقوى، وهو خَلْق السّموات والأرض، السّموات دليلٌ من العلوّ الثّابت الّذي لا يتغيّر، والأرض دليلٌ ملامسٌ لنا، نشاهده ونباشره، وحيثيّة هذه الآية جاءت في آيةٍ أخرى، حيث قال الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[غافر]، فإنْ قال قائلٌ: لماذا خَلْق السّموات والأرض مع أنّها لا تحسّ ولا تتكلّم ولا تعلم.. أكبر من خَلْق النّاس؟ نقول: نعم خَلْق السّموات والأرض أكبر من خَلْق النّاس؛ لأنّها منذ خلقها الله جل جلاله على حالها لم تتغيّر، وستظلّ إلى قيام السّاعة، أمّا أنت أيّها الإنسان فتموت، وقد يموت الإنسان وهو طفلٌ، وقد يموت وهو جنينٌ في بطن أمّه، وقد يموت وهو شابٌّ، وهو شيخٌ هَرِم، وقصارى ما يمكن أن يصل إليه في الدّنيا مئة عام أو يزيد عليها بضعة أعوام، فأين عمر الإنسان من عمر الشّمس أو القمر أو الأرض؟ إنّنا نتوارد على هذا الكون أفراداً وأمماً ودولاً، تذهب جميعها وتَفْنى وتبقى السّماء والأرض كما هي لا يطرأ عليها تغيير، ولا تخرج عن قانون التّسخير في شيءٍ أبداً، ومنذ أن خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون ما رأينا كوكباً خرج عن فلكه، ولا تخلَّف عن موعده، أو امتنع عن أداء مهمّته، هذا حال الجمادات في السّموات والأرض، فما حالكم أنتم أيّها العقلاء؟ لو تحدَّثنا في المادّة فهي تبقى وأنتم تموتون، وفي المعاني والقيم تتساند هذه الجمادات، وأنتم تتعاندون وتختلفون وتتصارعون، فأيُّكم أحسن خَلْقاً وأكبر؟! لذلك يجيب الحقّ سبحانه وتعالى على هذا الاستفهام المنفي: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾، فيقول:

﴿ بَلَى ﴾: أي نعم قادرٌ.

﴿ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾: وخلَّاق صيغة مبالغة من خالق، ليؤكّد هذه القضيّة لكلّ مكذِّب بها، وهو سبحانه وتعالى ﴿الْعَلِيمُ﴾؛ أي بمَنْ خلق

الآية رقم (82) - إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا ﴾: هنا إشارةٌ لطيفةٌ من الحقّ سبحانه وتعالى لكلّ مُكذِّب بالبعث، كأنّ الله سبحانه وتعالى يقول لهم: يا مَنْ تكذِّبون بقدرة الله عز وجل على بَعْث العظام الّتي رمَّتْ، أتظنّون أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق بعلاج كما تخلقون أنتم، الله سبحانه وتعالى الخالق لا يخلق بعلاجٍ، وإنّما يخلق بكلمة ﴿كُنْ﴾، بل يخلق سبحانه وتعالى بمجرّد مراده، فإنْ أراد شيئاً كان، من غير أنْ يقول ويأمر، وما كلمة ﴿كُنْ﴾ إلّا لتقريب المسألة إلى أذهاننا، وسبق أنْ أوضحنا هذه العمليّة بمثال، ولله المثل الأعلى، قلنا: كيف تنكر أيّها الإنسان قدرة الله سبحانه وتعالى، وقد أفاض عليك بمثلها في ذات نفسك، فأنت مثلاً حينما تريد أنْ تقوم من مجلسك، ماذا تفعل؟ هل تأمر العضلات أنْ تتحرّك، بل هل تعرف أصلاً ما هي العضلات المسؤولة وما الأعصاب الّتي تتحكّم في هذه العمليّة؟ إنّك تقوم بمجرّد إرادتك للقيام وليس لك دَخْلٌ فيها، بدليل أنّ الطّفل الصّغير الّذي لا يعرف عن تكوين جسمه شيئاً يقوم إذا أراد القيام، فإذا كنتَ أنت أيّها الإنسان تنفعل لك الأشياء من غير أنْ تقولَ لها: انفعلي، فهل يليق بك أنْ تُكذِّب بهذا في حقّ ربّك وخالقك جلّ وعلا؟ فإنْ قُلْتَ: فلماذا لا آمر أعضائي وأقول لها: اعملي كذا وكذا؟ نقول: الحقّ سبحانه وتعالى يقول للشّيء: ﴿كُنْ﴾؛ لأنّه سبحانه وتعالى يعلم أنّ الأشياء ستأتمر بأمره، ولن تخرج عن مراده، إنّما هل أنت واثقٌ أنّها ستأتمر بأمرك إنْ أمرتها؟ إنّك لا تثق بهذه المسألة بدليل أنّ الله سبحانه وتعالى حين يسلب الإنسان هذه القدرة تخرج أعضاؤه عن طاعته، فيريد أنْ يقوم فلا يستطيع، تشلّ الأعضاء فلا يتحرّك، فمجرّد إرادة المخلوق تسيطر على جوارحه، فهل نستبعد أن تكون إرادة الخالق الأعلى سبحانه وتعالى تسيطر على هذا الكون المخلوق له جل جلاله؟! وكلمة ﴿كُنْ﴾ يقولها الله سبحانه وتعالى ليقرِّب لنا فَهْم المسألة، ويقولها؛ لأنّ الأشياء لا تتخلّف أبداً عن طاعته والانفعال لأمره، لذلك قال سبحانه وتعالى موضّحاً استجابة الأرض لأمره جل جلاله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق]؛ أي حَقَّ لها أنْ تسمع وأنْ تطيع.

﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي للشّيء الّذي لم يُوجد بَعْد، فكيف يخاطبه وهو ما يزال غَيْباً، قالوا: الخالق سبحانه وتعالى خلق الأشياء كلّها أزلاً في عالمٍ اسمه: (عالم المثال)، فالأشياء موجودةٌ بالفعل، لكن تنتظر الأمر بالظّهور والخروج إلى عالم الوجود؛ لذلك قال أحد العارفين: أمورٌ يُبديها ولا يبتديها

الآية رقم (83) - فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

عرفنا في الآية السّابقة أنّ الحقّ سبحانه وتعالى إذا قال: ﴿كُنْ﴾ انفعلتْ له الأشياء وأطاعت، وقلنا: إذا ورد لله سبحانه وتعالى وَصْف يُوصف به البشر، فعلينا أنْ نأخذه في إطار: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشّورى: من الآية 11]، فطبيعيّ أنْ تختم هذه الآيات والسّورة كلّها بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَسُبْحَانَ﴾: وهو تنزيهٌ له عن أن يُشبهه أحدٌ، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

﴿مَلَكُوتُ ﴾: من ملك، وهذه المادّة الميم واللّام والكاف تُستخدم على معانٍ أربعة:

الأوّل: نقول: مالك، وهو كلّ مَنْ ملَك شيئاً ولو كان يسيراً، فلو كان لا يملك إلّا الثّوب الّذي يلبسه يُسمَّى مالك.

الثّاني: نقول: مَلِك، وهو الّذي يملك مَنْ مَلَك؛ أي يملك أنْ يتصرّف فيه وفي إدارة حركته.

الثّالث: كلمة الـمُلْك، وهي أن يترقّى الملك في أمورٍ ظاهرةٍ يعرفها النّاس.

الرّابع: كلمة الملكوت، ويُراد بها الملْك المستور غير الظّاهر، وهو أقوى وأعمّ من الـمُلْك.

وقد يكون الشّيء من عالم الملكوت، ثمّ يصير إلى عالم الـمُلك مثل الأشياء الّتي كانت غيباً واكتشفها الإنسان أو ابتكرها، فصارت مشهودة، وهناك أشياء تظلّ دائماً في عالم الملكوت لا نعرف عنها شيئاً إلّا في الآخرة، وهذا النّوع هو الّذي يُكذِّبون به، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: من الآية 75]، يُطلعه الله تعالى على عالم الملكوت؛ لأنّه عندما أطلعه على عالم الملْك وابتلاه نجح في الابتلاء بتفوّق، نجح في مراحل حياته كلّها، لذلك صار أهلاً أنْ يُطلِعه الله سبحانه وتعالى على أسرار الكون، وعلى عالم الملكوت، وأسرار الملكوت لا يعلمها إلّا الله سبحانه وتعالى، وقد بيّن سبحانه وتعالى بعضها لبعض الأنبياء عليهم السلام، وكلمة: ﴿مَلَكُوتُ﴾ تحمل معنى المبالغة، مثل: رحموت وجبروت ورهبوت، فهي للمبالغة في الملْك، لكن نلحظ عند علماء القراءات أنّ أحدهم يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة]، فيقول: (مَلِكِ يوم الدين) من غير صيغة المبالغة، قالوا: لأنّ الكلام عن يوم الدّين، وفي هذا اليوم الملْك كلّه لله سبحانه وتعالى وليس لأحدٍ مُلْك، ولا حتّى الثّوب الّذي يرتديه.

﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: أي يوم القيامة، فالمرجع والمآل إليه، قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه]، فكونوا على ذِكْرٍ لهذه الحقيقة، فمَنْ لم يؤمن بنعمة الخَلْق ترهبه نعمة الإعادة والمرجع، فأنتم ما خُلِقْتم عبثاً، ولن تُتْرَكُوا سُدىً.

 

❀       ❀       ❀

تَمَّ بِفَضْلِ اللهِ تعالى تَفْسِيرُ سورة يــــس

 

الحمدُ لله الّذي جعلَ القُرآنَ الكريم نُوراً لا يُطْفَأُ مِصبَاحُهُ، وسِرَاجاً لا يَخْبُو تَوَقُّدُه، ومَنهَجاً لا يَضِلُّ سَالِكُهُ، وفُرقَاناً لا يَخمَدُ بُرهانُهُ، وبُنياناً لا تُهْدَمُ أحكامُهُ، وحَقَّاً لا يُخْذَلُ أعوانُهُ.

اللَّهمَّ ارْفَعْنا بالقُرآنِ الكريمِ في دَرَجِ الجِنَانِ، وارْفَعْ عَنَّا بِفَضْلِهِ الأحْزانَ، وزوِّدْنا بِفَضْلِهِ مِنَ الخَيراتِ الحِسانِ، وَضَاعِفْ لَنا الأُجُورَ بِرَحْمَتِكَ وإحْسَانِكَ يا وَاهِبَ المِنَنِ الحِسَانِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لِقُرْآنِكَ خَاشِعِينَ، وَبِلَيلِكَ قَائِمِينَ رَاكِعِينَ سَاجِدِينَ، وَبِعِبَادَتِكَ مُخْلِصِينَ، وَلِحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم تَابِعينَ، وَبِحُبِّكَ وَاصِلِينَ، وَلِجَنَّتِكَ مُسْتَحِقِّينَ، وَلِوَجْهِكَ الكَريمِ نَاظِرينَ، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ.

اللّهمَّ اجْعَلنَا ممَّن تأدَّبَ بآدابِ القرآنِ، وائتمرَ بأوامرِه، وانتهى بنواهيه، والتمسَ غرائبَ علومِه، وخشَعَ لسماعِه، وخضعَ لكلامِه، وآمنَ بمتشابِهه، وعَمِلَ بمُحكَمِه، واستنَّ بسُنَّتِه، وحافظَ على واجباتِه، وعَمَّرَ بتلاوتِه جميعَ أوقاتِه، ولم يغفَلْ عن تلاوتِه في حالةٍ من حالاتِه.

اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا بِتَرْكِ المعَاصِي دَائِماً مَا أَحْيَيْتَنَا، وَارْحَمْنَا بِتَرْكِ مَا لا يعنِينَا، وارْزُقْنَا حُسْنَ النَّظَرِ فِيمَا يُرْضِيكَ عَنَّا، وَأَلْزِمْ قُلُوبَنَا حِفْظَ كِتَابِكَ كَمَا عَلَّمْتَنَا، وَنَوِّرْ بِهِ أَبْصَارَنَا، واشْرَحْ بِهِ صُدُورَنَا، واجْعَلْنَا نَتْلُوهُ كَمَا يُرْضِيكَ عَنَّا، وافْتَحْ بِهِ قُلُوبَنَا، وَأَطْلِقْ بِهِ أَلْسِنَتَنَا.

سُبْحَانَ ربِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وسَلامٌ عَلى الـمُرْسَلِينَ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَـمِين.

الآية رقم (77) - أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ

﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾: بمعنى يعلم؛ لأنّ الإنسان لم يَرَ عمليّة الخَلْق في نفسه، فإنْ قلتَ: فمَنِ الّذي أعلمه؟ ومَنِ الّذي عرَّفه أنّ الله سبحانه وتعالى هو الخالق؟ قالوا: عرف الإنسانُ هذه الحقيقة؛ لأنّ في الكون كمالاً لم يدَّعه أحدٌ من الخَلْق، ونلحظ على سياق هذه الآيات أنّ الحقّ سبحانه وتعالى قال في الآيات السّابقة: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ﴾ [يس]، وهنا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ فخاطب الإنسان، ولم يخاطب الجماعة، قال المفسّرون: لأنّ هذه الآية نزلت في أُبَيِّ بن خلفٍ، فعَنْ أَبِي مَالِكٍ: أَنَّ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ جَاءَ بِعَظْمٍ حَائِلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَفَتَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَيَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرَمَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُحْيِيَكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ»([1])، أو يُراد بالإنسان مطلق الإنسان، فهي لكلّ مُكذِّب بالبعث ممَّنْ هم على شاكلة أُبيٍّ.

﴿ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾: العلم التّجريبيّ لم يصل إلى شيءٍ في مسألة الخَلْق هذه إلّا مؤخّراً، ويحاول على استحياء كشف بعض أسرار خَلْق الإنسان ممّا لم نكُنْ نعرف عنها شيئاً من قبل، والنّطفة هي الجوهر والميكروب أو الجرثومة الفعَّالة الّتي تسبّب الإخصاب حين تصل إلى البويضة، وهذه النّطفة تسبح في سائلٍ هو المنيّ وتعيش فيه؛ لذلك قال سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة]، وقد أثبت العلم التّجريبيّ الحديث أنّ النّطفة هي المسؤولة عن تحديد الذّكورة أو الأنوثة، والبويضة ما هي إلّا وعاء فقط، فلا دَخْلَ للمرأة في هذه المسألة، بدليل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة]؛ أي من النّطفة، والنّطفة ميكروب متنَاهٍ في الصِّغر، لا يُرَى إلّا بالمجهر، ورحم الله سبحانه وتعالى العقّاد الّذي قال كلمةً موجزةً تصوّر هذا الصِّغَر، فقال: إنّ أنسال العالم كلّه -يعني النُّطَف الّتي كوَّنتهم- يمكن أن توضع في نصف كُشتبان الخياطة، فسبحان الخالق الّذي يُخرِج من هذه النّطفة المتناهية الصِّغر إنساناً كاملاً، ويُنشىء منها العظام الصّلبة والعضلات نصف الصّلبة والرّخْوة، وأنشأ منها الغضاريف والأعصاب والدّم السّائل والمخ.. إلخ، هذا في الجسم المادّيّ، والأعجب منه ما يحتويه هذا الجسم من العقل الّذي يفهم، واللّسان الّذي ينطق ويتذوّق، والعين الّتي ترى، واليد الّتي تبطش، والأنف الّذي يشمّ، والأنامل الّتي تلمس، والرِّجْل الّتي تسعى، هذه كلّها من النّطفة، هذا الميكروب الّذي لا يُرى بالعين المجرّدة، هذه النّطفة الّتي عبَّر عنها القرآن الكريم بالماء المهين. وبعد أنْ خلق الإنسان من هذه النّطفة ومن هذا الماء المهين فوجئنا بأنّه:

﴿ خَصِيمٌ ﴾: يعني عدوّ لدود.

﴿ مُبِينٌ ﴾: يعني يلدّ في العناد، يبين عن مواهب العداء عنده إبانةً واضحة، والإنسان لا يكون مُبيناً لغيره إلّا إذا بَانَ الشّيء في نفسه هو؛ لأنّ فاقد الشّيء لا يعطيه، فالمدرّس الفاشل هو الّذي لا يستطيع أن ينقل المعلومة لتلاميذه؛ لأنّ المعلومة غير واضحة عنده، ولو كانت واضحة في ذهنه لاستطاع أنْ ينقلها بأيِّ أسلوب، فالمعنى ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي يُحسِن الإبانة عَمَّا في نفسه.

وعجيبٌ أنّ هذا كلّه كامنٌ في النّطفة، وعجيبٌ أيضاً أن ينقل الإنسانُ هذه الخصومةَ من ذات نفسه، ومن خصومته لأعدائه إلى خصومة ربّه وخالقه، لذلك قال سبحانه وتعالى بعدها مُصوِّراً هذه الخصومة لا مع أُبَيِّ بن خلف سبب نزول الآيات، إنّما مع كلّ مَنْ هو على شاكلة أُبَيٍّ:

([1]) مسند الحارث: كتاب التّفسير، سورة يس، الحديث رقم (719).

الآية رقم (78) - وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ

تحدَّثنا عن ضرب المثل سابقاً وقُلْنا: الضّرب إيقاع جسمٍ على جسمٍ بعنف، ويُشترط فيه أن يكون الضّاربُ أقوى من المضروب، وإلّا كانت النّتيجة عكسيّة، ومن ذلك قول الرّافعيّ رحمه الله:

أَيا هَازِئاً مِنْ صُنُوفِ القَدَرِ
وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعَصَا                     .
  بنفْسِكَ تُعنف لَا بالقَدَر
ضَربْتَ العَصَا أَمْ ضرَبْتَ الحَجَر؟
.

﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا ﴾: أي أبيّ بن خلف، والمثل الّذي ضربه أنْ أخذ عَظْماً قد بَلِي، وراح يُفتِّته أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أتزعم يا محمّد أنّ ربّك سيحيي هذا بعد أن صار إلى ما ترى؟ وإنْ كانت هذه الآيات نزلت في أُبيِّ بن خلف، إلّا أنّها لا تقتصر عليه، إنّما تشمل كلّ مُكذِّب بالبعث، مُنكر لهذه القضيّة.

﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾: يعني لو تذكَّر خَلْقه هو، وتأمّل في ذات نفسه وجد الدّليل على ما يُكذِّب به؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى خلقه من العدم، فصار له وجود، فإذا مات بقيتْ منه هذه البقايا الّتي يُفتِّتها منثورة في الأرض، ومعلوم بحسب ما تفهمه العقول أنّ الإيجاد من موجود أهون من الإيجاد من العدم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرّوم: من الآية 27]، فالحقّ سبحانه وتعالى في هذه الآية يخاطبنا على قَدْر عقولنا ووَفق منطقنا، وإلّا فلا يُقال في حقّه تعالى: هَيِّن وأهون، ولا سهل وأسهل، هذا يُقال في حقّ البشر فحسب، لكنّه تقريبٌ لأذهاننا.

﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾: حينما ألقى هذا السّؤال على الكافرين المكذِّبين بالبعث قالوا: لا أحد يستطيع أنْ يُحيي الموتى، لماذا؟ لأنّه يقيس المسألة على عَجْز القدرة في البشر، لا على طلاقة القدرة في الخالق سبحانه وتعالى، والعجيب أنّ الله عز وجل يُثبت للإنسان صفة الخَلْق، فيقول: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: من الآية 14]، والإنسان ينكر ويُكذِّب بقدرة الله سبحانه وتعالى في الخَلْق، فإذا كان ربّك لم يَضِنّ عليك بأنّك خالقٌ، كالّذي يتزوّج ويُنجب ولداً، فيقال: جاء من الأمّ والأب، فلا تضنّ عليه بأنّه أحسن الخالقين، وإذا وجدتَ صفةً لله سبحانه وتعالى ووصف بها البشر فلا بُدَّ أنْ تأخذها في إطار: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشّورى: من الآية 11].

﴿ رَمِيمٌ ﴾: قديمة بالية تتفتّت.

ثمّ يردُّ الحقّ سبحانه وتعالى على هذا المكذِّب وأمثاله بقوله:

الآية رقم (79) - قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ

﴿أَنْشَأَهَا﴾: يعني من العدم، وأنْ ينشئها من موجودٍ أَوْلَى.

﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: في الرّدّ على هذا المكذِّب يوحي بأنّ هناك مرّةً أخرى، وإحياءً آخر غير الأوّل.

﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾: أي بالخَلْق الأوّل من عدم وبالخَلْق الثّاني (وهي رميم)، وهو عليمٌ كيف يُكلِّف الإنسان، وكيف يجازيه، وعلى قَدْر التّكليف يكون الجزاء.

الآية رقم (76) - فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

يُسلِّي الحقّ سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ويُطيِّب خاطره، ويبيّن له وهو في شدّةٍ بأنّ سنّته عز وجل في الرّسل جميعاً أنّه جل جلاله ما أرسل رسولاً وخذله أبداً، وأنّ النّاس سيستنكرون ويجحدون، وما كانت الشّدّة في رحلة وموكب الرّسالات إلّا تصفيةً لنفوس المؤمنين، وتمحيصاً لهم، وتصحيحاً للعقيدة، حتّى لا يبقى إلّا المؤمن الحقّ الّذي يتحمّل مسؤوليّة الرّسالة والدّفاع عنها، لذلك يقول سبحانه وتعالى مخاطباً نبيّه صلى الله عليه وسلم:

﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾: لا تحزن يا محمّد، والحزن: أسف النّفس على عدم تحقيق ما يتمنّى الإنسان وطُروء ما يفسد، فَإِنْ حَزِن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقبضَتْ نفسه، يُسلِّيه الّذي أرسله؛ لأنّه سبحانه وتعالى يحصي عليهم كلّ شيءٍ، ويعلم ما يُسِرُّون وما يعلنون.

﴿ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾: لها معنيان:

1- الّذين واجهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا قسمين: القسم الأوّل واجهه بشجاعةٍ، فأعلن بلسانه ما في قلبه من أنّه لا يؤمن به، وهؤلاء هم الكَفَرة، والقسم الثّاني آمن بلسانه وكتم الكفر في قلبه، وهؤلاء هم المنافقون، فمعنى: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾؛ أي من النّفاق، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الكفر.

2- أو: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ من الإيمان الحقيقيّ بك، وأنّك رسولٌ وأمينٌ وصادقٌ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الكفر، بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النّمل: من الآية 14]، بدليل أنّهم لم يُكذِّبوا القرآن الكريم، ولم يعترضوا عليه، إنّما اعتراضهم أنْ ينزل على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم بالذّات، لذلك قالوا كما حكى عنهم القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزّخرف: من الآية 31]، لذلك قال سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: من الآية 65]، بعضهم فَهِمَ أنّ عبارة: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ هي قول الكافرين، لكن كيف يقولها الكافر؟ إنّما قالها الله سبحانه وتعالى تذييلاً لقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾  لماذا؟ لأنّ العزّة لله سبحانه وتعالى جميعاً، وهم ليس لهم أيّ قيمةٍ.

بعد أن تكلّم الحقّ سبحانه وتعالى عن آياته في الآفاق، في الأرض وفي الشّمس والقمر والفُلْك والدّوابّ والأنعام، يتكلّم سبحانه وتعالى عن آياته في النّفس الإنسانيّة، فإذا كانت الآيات في الآفاق من حولهم لم تلفتهم إلى الله عز وجل، فهذه هي آياته في ذات أنفسهم الّتي لا تفارقهم:

الآية رقم (63) - هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ

﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾: عدّ التّخويفَ من جهنّم وعداً من المولى سبحانه وتعالى لا وعيداً، والوعد يكون في الخير، والوعيد في الشّرّ، وقد سَمَّى الله تبارك وتعالى ذلك وعداً؛ لأنّ التّحذير من الشّرّ قبل الوقوع فيه يُعَدُّ خيراً؛ لأنّ الإنسان يستطيع تدارك الأمر، وتصحيح الخطأ، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾؛ أي الّتي هي بانتظاركم، وهي الوعد الحقّ الّذي وعده الله سبحانه وتعالى لأولئك الّذين جحدوا وكفروا بالله عز وجل وبنعمه.

الآية رقم (64) - اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

﴿ اصْلَوْهَا ﴾: ادخلوها، واصْطَلُوا بنارها، واحترقوا بلَظَاها.

﴿ الْيَوْمَ ﴾: أي يوم الجزاء الّذي يُحاسب به النّاس، أمّا ما كان قبل ذلك فقد مضى ومضتْ معه اللّذّات وجاء الآن وقت الحساب، فبقيتْ التَّبِعات، ولم يعُد أمامهم إلّا النّار يحترقون فيها.

﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾: هذه النّار ليست ظُلْماً، إنّما هي جزاء كفركم وجحودكم بنِعَم الله عز وجل، وهذا تقريعٌ لهم؛ لأنّهم لم يعرفوا نِعَم الله سبحانه وتعالى ولم يشكروه عليها.

الآية رقم (65) - الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

﴿ الْيَوْمَ ﴾: أي يوم القيامة والجزاء.

﴿ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ﴾: نضرب عليها فلا يستطيعون الكلام، فالأفواه مَنَاط الكلام، وقبل أن يختم الله سبحانه وتعالى على أفواههم في الآخرة ختم على قلوبهم في الدّنيا، بالأمس ختم اللهُ عز وجل على القلوب فلا يدخلها إيمانٌ ولا يخرج منها كفرٌ، واليوم ختم جل جلاله على الأفواه ومنعهم الكلام، حتّى لا يعتذرون ولا يستغفرون، فقد مضى وقت الاستغفار، فالمقام هنا مقام حسابٍ لا عمل، فلا جدوى من الاستغفار اليوم، ولا فائدة من الاعتذار، بل انتهى أوان الكلام والمنطق، ولم يعُد للّسان دَوْرٌ، فاليوم تُغْلَق الأفواه وتُقيَّد الألسنة لتنطق الجوارح.

﴿ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾: القياس كان يقتضي أنْ يقول الله سبحانه وتعالى حسب فهمنا البشريّ: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ ومثلها: (ونُنْطِق أيديهم ونُشهِد أرجلهم)، لكنّ السّياق القرآنيّ هنا مختلف، فبعد أنْ يختمَ الله سبحانه وتعالى على أفواههم تُكلِّمنا أيديهم تطوّعاً لا أمراً، وتشهد أرجلهم تطوّعاً لا أمراً، فلم يقل المولى سبحانه وتعالى للأيدي: تكلّمي، ولم يقل للأرجل: اشهدي، وإنّما تطوّعتْ هذه الجوارح بالشّهادة، مع أنّها هي الجوارح ذاتها الّتي بُوشِرت بها المعاصي والذّنوب في الدّنيا، ومع ذلك فإنّها تشهد عليهم، أمّا والإنسان الآن في الآخرة، وقد تحرّرتْ الجوارحُ من تبعيّتها للنّفس الواعية، وأصبح الملْكُ كلّه والتّفويض كلّه لله سبحانه وتعالى، فالآن تتكلّم الجوارحُ بما تريد، وتشهد بما كان أمام ربّ العالمين.

أمّا مسألة الأعمال، فلماذا أسند التّكلّم للأيدي، والشّهادة للأرجل؟ نقول: لأنّ جمهرة الأعمال عادةً تُسند إلى الأيدي، حتّى لو كان المشي وسيلة العمل، وطالما أنّ الأيدي تتكلّم، فكأنّها أصبحتْ مُدَّعيةً تحتاج إلى شاهدٍ فتشهد الأرجل.

أمّا مسألة كيف تنطق الأيدي؟ فالّذي أنطق اللّسان وهو قطعةٌ من لحمٍ ودمٍ قادرٌ على أنْ يُنْطِق باقي الأعضاء، الأيدي أو غيرها، وما دام الفعلُ لله سبحانه وتعالى فلا داعيَ للسّؤال عن الكيفيّة، ثمّ إنّ الأيدي فيها من الأعصاب أكثر ممّا في أعضاء الكلام.

﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ولم يقُلْ: بما كانوا يعملون؛ لأنّ هناك فرقاً بين إنسانٍ يُقبل على المعصية لكنّه لا يفرح بها، بل يندم عليها ويعاقب نفسه على ارتكابها، وآخر يعدّ ارتكاب المعصية مكسباً فيفرح بها، ويتحدّث عنها ويتباهى بارتكابها.

ومن حيث التّحقيق اللّغويّ لمادّة (كسب)، فإنّ هذا الفعل يأتي مجرّداً (كسب)، ويدلّ على الرّبح في البيع والشّراء، وعلى العمل يأتي من الإنسان طبيعيّاً، لا تكلُّفَ فيه ولا افتعال، وغالباً ما يُستخدم في الخير.

ويأتي هذا الفعل مزيداً بالهمزة والتّاء (اكتسب)، ويدلّ على الافتعال والتّكلّف، وتُستخدم هذه الصّيغة في الإثم، وقد أوضحنا هذه المسألة سابقاً فقلنا: إنّ الإنسان حين يفعل الخير يأتي الفعلُ منه طبيعيّاً تلقائيّاً، أمّا الشّرّ فيتلصّص له ويحتال؛ ذلك لأنّ الخير هَيِّنٌ ليِّنٌ سهلٌ مقبولٌ، أمّا الإثم فشَاقٌّ مخجلٌ، فإذا جاءت (كسب) محلّ (اكتسب)، فاعلم أنّ صاحب المعصية ومرتكب الإثم قد تعوَّد عليه وألِفه.

الآية رقم (69) - وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ

﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي نحن، لا المجتمع ولا البيئة الّتي يعيش فيها؛ لذلك كانت الأمّيّة في رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً؛ لأنّه لو لم يكُنْ أمّيّاً لكانت ثقافته من الخَلْق، أمَّا أمّيّته فتعني أنّه أخذ ثقافته وعلمه من الله عز وجل، والحقّ سبحانه وتعالى يقرّر هذه الحقيقة بقوله:

﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾: لَكُنَّا علّمناه غير الشّعر، فرسول الله صلى الله عليه وسلم مُعلَّمٌ من ربّه جل جلاله، لم يأخذ شيئاً من البشر، وقد يُظَنُّ أنّ الله سبحانه وتعالى لم يُعلِّمه الشّعر؛ لأنّ الشّعر يحتاج إلى ثقافةٍ لغويّةٍ وعِلْمٍ بالأوزان والقوافي، ولا بُدَّ له من الحِسِّ المرهف والأذن الموسيقيّة إلى آخر هذه الأدوات الّتي يحتاجها الشّاعر، وربّما لم تتوفّر هذه الأدوات لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنّها لم تتوفّر لكثيرين غيره، فيردّ الله سبحانه وتعالى هذا الظّنّ، ويقول:

﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾: يعني لم نُعلّمه الشّعر لنقصٍ في إمكانيّاته، فلو أراد أنْ يقول شعراً لَقَالَ الشّعر على أحسن مَا يُقَال، لكن لا ينبغي له ذلك؛ لأنّ مهمّة الرّسول خلاف مهمّة الشّاعر، فأغلب الشّعر يكون في الخيال، فإذا دخل في الخير ضَعُفَ ولَانَ؛ ذلك لأنّ طبيعة الشّعر أن ينطلق ويُحلِّق في الخيال، وأن يقول الشّاعر ما يحلو له أيّاً كانت غايته، أمّا أصحاب الرّسالات فهم أصحاب القيم والأخلاق، ولا يمكن أنْ يحصروا أنفسهم في شعرٍ أبداً، وسيّدنا حسّان بن ثابت رضي الله عنه، كان شاعراً مجيداً في الجاهليّة، فلمّا أسلم أصبح يلتزم بما يأمره به النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ دفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاتّهام بأنّ طبيعته ليست شاعريّة، أو أنّه غير مُرْهف الحسّ، وأنّ أذنه غير موسيقيّة، إلى آخر هذا الهراء، وكيف يُتَّهم بهذا مَنْ علَّمه الله جلّ وعلا؟ والنّبيّ صلى الله عليه وسلم جاء بالقرآن الكريم، وهذا ما امتاز به صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النّجم]، ومهمّة الرّسول صلى الله عليه وسلم بلاغ القرآن الكريم عن الله سبحانه وتعالى.

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾: (إن) هنا بمعنى (ما) النّافية، يعني: ما هذا القرآن إلّا تذكيرٌ لمن يعقل.

﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾: أي بيِّنٌ واضحٌ يُتلَى، وقد يكون له نَغَمٌ ألذّ في أذن الوَرع من الشّعر، لذلك بعض النّاس يسمع القرآن الكريم فيأخذه إعجابٌ، ولو سألته تجده لا يعرف ما يحدث له؛ لأنّ الّذي يتكلّم هو الله سبحانه وتعالى، فالله تعالى يتكلّم بالكلام الّذي يؤثّر ويستميل المخلوق لله الّذي ما يزال على فطرته الّتي فطر النّاس عليها، فإنْ خرج عن هذه الفطرة لم يؤثّر فيه القرآن الكريم هذا التّأثير؛ ذلك لأنّ القرآن الكريم واحدٌ، أمَّا الفطرة المستقبلة فتختلف، والحقّ سبحانه وتعالى يشرح لنا هذه المسألة في قوله جل جلاله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾[محمّد: من الآية 16]، فأمره الله سبحانه وتعالى أنْ يردّ عليهم: ﴿ قُلْ هُوَ ﴾ [فصّلت: من الآية 44]؛ أي القرآن، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصّلت: من الآية 44]؛ ذلك لأنّ فاعلَ الشّيء غير القابل له، فالله سبحانه وتعالى جعله رحمةً وهدىً للمؤمنين، فمَنْ تلقّى كلام الله سبحانه وتعالى بفطرةٍ سليمةٍ فهمه وتأثّر به، ومن لا يستقبل القرآن الكريم بصفاء قلبٍ فهو عليه عمىً، ويكون على قلبه ران، فلا يفهم عن الله سبحانه وتعالى ولا يتأثّر بكلامه.

الآية رقم (70) - لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ

﴿ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا ﴾: نعم، سمّاهم أحياء، لكنّهم أحياء الحياة المادّيّة الّتي تنتهي بالموت، إنّما هناك حياةٌ أخرى بالقيم الرّوحيّة، وهذه لا يظهر أثرها إلّا بعد الموت، والنّاس جميعاً يشتركون في الحياة المادّيّة؛ لكن في الإنسان الّذي يؤمن تكون الرّوح -الّتي تحيا بها المادّة- تتغذّى بالقيم، وحياة القيم ترتقي بالإنسان لتعطيه قيمةً في الآخرة، فإذا شاء الله سبحانه وتعالى أُعْطِي الإنسانُ حياةً موصولةً كما أُعطي سيّدنا يحيى عليه السلام، فلمّا دعا سيّدنا زكريّا عليه السلام ربّه عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم]، فأجابه الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم]، فبشَّره الله جل جلاله بالغلام، وسمَّاه اسماً يدلّ على أنّه سيعطيه حياةً موصولةً، وهذا لا يكون إلّا للشّهداء؛ لذلك مات سيّدنا يحيى عليه السلام شهيداً.

﴿ وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾: أي يستحقّ لهم العذاب؛ لأنّهم لم ينتفعوا بالإنذار.

الآية رقم (71) - أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ

هنا نقلهم الحقّ سبحانه وتعالى إلى مجال المادّة الّتي لا يستطيعون إنكارها:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾: الرّؤية يصحّ أن تكون رؤيةً بصريّةً أو رؤيةً علميّةً.

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ﴾: قوله سبحانه وتعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ينفي المشاركة، يعني: هذه صنعتنا وخَلْقنا لم يشاركنا فيه أحدٌ، ولم يساعدنا فيه أحدٌ، بل هو خَلْق الله سبحانه وتعالى وحده.

﴿أَيْدِينَا﴾: عندما يقول سبحانه وتعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [الفتح: من الآية 10]، أو ﴿أَيْدِينَا﴾ فعلينا أن ننزّهه سبحانه وتعالى عن الشّبيه والمثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشّورى: من الآية 11]، فلا تشبيه لله سبحانه وتعالى مع الخلق لا بالذّات ولا الصّفات ولا الأفعال.

﴿ أَنْعَامًا ﴾: هي الأنعام الّتي ذُكرت في سورة الأنعام: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[الأنعام]، وهي البقر والإبل والغنم والماعز، وسمّيت أنعاماً؛ لأنّها النّعمة البارزة في أشياء متعدّدة، ننتفع بها في حياتنا، فنأخذ منها الصّوف والوبر والجلود والألبان، ونحمل عليها الأثقال، وهذه كلّها نِعَمٌ واضحة في البيئة العربيّة.

ثمّ إنّ خَلْق الأنعام في ذاته نعمةٌ، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ نعمةٌ أخرى؛ لأنّ هناك حيوانات أخرى متوحّشة لا تُملَك إلّا بالصّيد والقوّة، وهي قليلة النّفع إذا ما قُورِنت بالمستأنسة الّتي ينتفع بها الإنسان، فيسوقها ويركبها ويحلبها.

الآية رقم (72) - وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ ﴾: ثمّ نعمة التّذليل، وإلّا فإذا خلقها الله سبحانه وتعالى ولم يُذلِّلها ما استطاع الإنسانُ تذليلها، ولا الاستفادة منها، فالجمل مثلاً مع ضخامة حجمه وقوّته، إلّا أنّ الطّفل يسوقه ويُنيخه ويركبه، كيف؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى ذَلَّله وسخَّره، أمّا الثّعبان فمع صِغَر حجمه إلّا أنّنا نخاف ونهرب منه؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لم يُذلِّله لنا، بل البرغوث في الفراش يشاغب على الإنسان ويُقلِقه، وليس للإنسان سلطانٌ عليه، فخَلْق هذه الأنعام في ذاته نعمةٌ، وتملّكها نعمةٌ، وتذليلها نعمةٌ، وهذه النِّعم للمؤمن والكافر على السّواء؛ لأنّها من عطاء الرّبوبيّة، فكان عليهم أن يسألوا أنفسهم: كيف نكفر بالله سبحانه وتعالى وهو يوالي علينا هذه النِّعَم كلّها؟ وليت الأمر يقف عند كفرهم، إنّما يتعدّى ذلك حين يمنعون الرّسل عليهم السلام من نَشْر دعوتهم.

﴿ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾: أي ما يُركَب من الدّوابّ، ورَكُوب مثل قولنا: شاة حَلُوب؛ أي تُحلَب.

﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾: أي من لبنها وهي حيّةٌ، واللّبن نأخذ منه الجبن والزّبدة.. إلخ.

الآية رقم (73) - وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ

﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ﴾: مشارب جمع مشرب، والمراد القِرْبة الّتي كانوا يشربون بها، وتُصنع من جلود هذه الحيوانات، أو يُراد بالمشارب ما يُشرَب من ألبانها، واللّبن وإنْ كان يُشرب من الأنثى إلّا أنّ الذّكر سببٌ فيه، فلولا أنّها حملتْ ما كان منها اللّبن، ثمّ تُختَم هذه النِّعَم بقوله سبحانه وتعالى:

﴿ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾: هكذا بأسلوب الاستفهام ليجيبوا هم، فالله سبحانه وتعالى لا يقول لهم: اشكروني على هذه النِّعم، إنّما يقرّرهم: أهذه تستوجب الشّكر أم لا؟ ثمّ لو شكرتم فسوف تتعرّضون لعطاءٍ آخر وزيادة: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾[إبراهيم: من الآية 7]، فكان يجب عليهم أن يشكروا الله سبحانه وتعالى على نِعَمه، وأن تدعوهم هذه النِّعَم إلى الإيمان بهذا الإله الـمُنعِم الّذي يُوالي عليهم نِعَمه ظاهرةً وباطنةً، ولِمَ لا؟! والإنسان عبدٌ لمن يُحسِن إليه، فالله سبحانه وتعالى أنعم علينا بهذه النّعم كلّها، أفلا يستحقّ أنْ يُعبد ويُشكر؟! وليت الأمر ينتهي بهم عند حَدِّ عدم الشّكر، إنّما يقول القرآن الكريم عنهم:

الآية رقم (74) - وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ

﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾: عجيبٌ أن يحكي القرآن الكريم عنهم هذا بعد أن شرح الله سبحانه وتعالى لهم آياته الّتي تثبت وجوده الأعلى ووحدانيّته الكبرى، ففي الآفاق حول الإنسان آيات، وفي نفسه آيات، فمَنِ انصرف عن الأولى أو غفل عنها، فكيف يغفل عن الأخرى، وهي في نفسه وذاته الّتي لا تفارقه، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصّلت: من الآية 53]، ومع ذلك: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾؛ أي عبدوها من دون الله سبحانه وتعالى، لماذا؟

﴿ لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ﴾: صحيحٌ أنّ الإنسان يتّخذ إلهاً لينصره في شدّته، لكن إذا كان هذا الإله الّذي يُرجَع إليه في الشّدّة هو الّذي يحتاج مَن يُصلحه إنْ كسَرَتْه الرّيح، أو أطاحت به العوارض، فكيف يُتَّخذ إلهاً؟! لذلك نجد سيّدنا إبراهيم عليه السلام عندما حطّم الأصنام سأله قومه: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء]، لذلك يردّ الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله

الآية رقم (75) - لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ

﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾: فهم لا ينصرون عابديهم، إنّما العابدون هم الّذين ينصرونهم، ويوم القيامة سيجمعهم الله سبحانه وتعالى معاً، لا يُحشر العابد من غير المعبود لتكون المواجهة، فيُحشَر الجميع معاً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصّافّات]، وقال جل جلاله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصّافّات]؛ أي أحضروهم معهم في النّار، العابد والمعبود، والمعنى أنّ هذه الأصنام ستكون وقوداً للنّار الّتي يُعذَّب بها عابدوها.

وبعد ذلك يعود السّياق القرآنيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الآية رقم (67) - وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ

﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ ﴾: فالأمر لا ينتهي عند العمى والطّمس على الأعين، إنّما هناك ما هو أشدّ، أنْ يمسخهم في أماكنهم ويجمّدهم فيها، فلا يستطيعون حراكاً.

والمراد بالمسخ؛ أي يجمدوا في مكانهم فلا يتحرّكون، أو مسخناهم يعني: حوَّلنا صورهم إلى صورٍ قبيحةٍ، إذلالاً وإهانةً لهم.

والمعنى الأوّل أوجه؛ لأنّه سبحانه وتعالى قال بعدها:

﴿ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ ﴾؛ لأنّهم تجمّدوا في أماكنهم، فلا حركة لهم لا إلى الأمام بالمضيِّ في الطّريق الجديد الّذي هم مُقبلون عليه، ولا حتّى العودة في الطّريق الّذي أتوا منه وألِفُوه.

الآية رقم (68) - وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ

﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾: الحقّ سبحانه وتعالى قد أعذر بأنّه أنذر، وأعذر؛ لأنّه قال لهم: لا تعبدوا الشّيطان، وبيَّن عداوته، وقال: اعبدوني واسلكوا صراطي المستقيم، فليس لهم عذرٌ حين كفروا بالله سبحانه وتعالى وأطاعوا الشّيطان وعبدوه، لكنّهم قد يعتذرون من ناحيةٍ أخرى فيقولون: يا ربّ، أنت أخذتنا، ولو عشْنا لاهتدينا وعُدْنا إلى الصّراط المستقيم، فيردّ الله جل جلاله عليهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: من الآية 37]؛ أي قد عمَّرناكم عمراً طويلاً يكفي للتّذكُّر والعودة فلم تعودوا، ثمّ إنّ التّعمير يُورِث الضّعف والوَهَن وعدم القدرة، فأنت أوّل الحياة عندك فتوّة وقوّة ونشاط بدنيّ وذهنيّ، لكن مع الكِبَر تضعف البنية، وتقِلُّ القوّة العضليّة والعقليّة، ويعود الإنسان إلى الضّعف الّذي بدأ به وهو طفلٌ صغيرٌ، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النّحل: من الآية 70]، فإذا كنتم لم تعودوا ولم ترعووا في فترة القوّة وسلامة العقل والتّفكير، أتعودون في فترة الهَرم والضّعف والنّسيان؟ لذلك يقول هنا الحقّ سبحانه وتعالى:

﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾: نطيل عمره ونَمُدّ له فيه.

﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾: الانتكاس: العودة إلى الوراء، والرّجوع إلى ما كنتَ عليه أوّلاً، فَطُول العمر يعود بالإنسان إلى مرحلة الطّفولة الأولى، فهو نكسة في حقّه حين يصير شيخاً هرماً لا يستطيع الحراك ولا الكلام، وتأخذ ذاكرتُه في الضّعف فينسى ويخرف، فهو كالطّفل تماماً يحتاج مَنْ يحمله ويُطعمه ويُزيل عنه الأذى.. إلخ، فهل في هذه الحال عودة؟ وهل ينفع معها تفكُّرٌ وتدبُّر؟

﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾: يعني أين عقولكم في هذه المسألة؟ والحقّ سبحانه وتعالى يسوقها بأسلوب الاستفهام، ولا يأتي بها على سبيل الإخبار ليجيبوا هم ويُقِرُّوا على أنفسهم بعدم التّعقُّل.