الآية رقم (2) - أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: الكتاب أُحكمت آياته وفصّلت لغايةٍ، وهي ألّا نعبد إلّا الله سبحانه وتعالى، والعبادة ليست هي الصّلاة والصّيام والحجّ والزّكاة فقط، فهذه أركان العبادة، بل هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر ونهى، وهي منهج (افعل) و(لا تفعل)، والعبادة الّتي لا يوجد عليها جزاءٌ لا تُسمّى عبادةً، لذلك يجب أن نلاحظ أنّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ وهناك فارقٌ بينها وبين: (اعبدوا الله)، فكأنّه يواجه قوماً لهم عبادةٌ متوجّهةٌ إلى مَن لا يستحقّ العبادة؛ أي للتّماثيل، فيريد أن ينهاهم ويُثبت العبادة له وحده جل جلاله، نفيٌ وإثباتٌ، كقولنا: أشهد أن لا إله إلّا الله، ننفي أوّلاً وجود إلهٍ غير الله، ونُثبت الألوهيّة له جل جلاله، فالبداية ألّا تعبدوا الأصنام وتوجيه العبادة لله سبحانه وتعالى، ولو نظرنا إلى الأوامر والنّواهي لوجدناها تستوعب أقضية الحياة كلّها، من القمّة شهادة أن لا إله إلّا الله إلى إماطة الأذى عن الطّريق، قال ﷺ: «الإيمان بضعٌ وسبعون، أو بضعٌ وستّون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق»([1])، أمّا حديث النّبيّ ﷺ: «بُني الإسلامُ على خمس: شهادة أنْ لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله، وإقامِ الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان»([2])، فيحاول أعداء الإسلام أن يحدّدوا الدّين في هذه الأركان، وهذا خطأٌ، فالإسلام هو العبادة في كلّ ما أمر ونهى.

﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: الإنذار والبشارة هي الإخبار بأمرٍ لم يأت بعد، النّذير مَن يُنذر الكافرين والمشركين والعصاة بعذاب الله سبحانه وتعالى، والبشير مَن يُبشّر القوم بالخبر السّارّ.

(([1] صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، الحديث رقم (35).

(([2] صحيح البخاريّ: كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النّبيّ ﷺ: «بني الإسلام على خمس»، الحديث رقم (8).

الآية رقم (3) - وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ

﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾: يبيّن الله سبحانه وتعالى أنّه على العبد أن يستغفر من ذنوبه السّابقة الّتي وقع فيها، ويتوب ويرجع إلى منهج الله سبحانه وتعالى لينال الفضل من الحقّ سبحانه وتعالى، فدرء المفسدة مقدّمٌ على جلب المصلحة، وحين يُعجّل العبد بالتّوبة إلى الله سبحانه وتعالى، فهو يعلم أنّ ذنباً قد وقع منه وتحقّق.

﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾: الحسن هنا له مقاييس، وهذا يُقاس باعتبار الغاية، فحين نضمّ الغاية إلى الفعل نعرف معنى الحسن.

﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: حتّى تنتهي حياة الإنسان.

﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾: بعض أهل المعرفة يفهم هذا القول الكريم بأنّ الإنسان الّذي يفيض على غيره ممّا آتاه الله سبحانه وتعالى، يُعطيه جل جلاله بالزّيادة ما يعوّضه عن الّذي نقص، أو الله سبحانه وتعالى يُعطي كلّ صاحب فضلٍ فضلاً منه جل جلاله، وفضل الله سبحانه وتعالى فوق كلّ فضلٍ.

﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: فإن أعرضوا عنك، فأبلغهم يا محمّد أنّك تخاف عليهم من عذاب اليوم الآخر، مرّةً يصف عذاب اليوم الآخر بالكبير، ومرّةً يصفه بالعظيم، ومرّةً يصفه بالـمُهين، فعذاب الله سبحانه وتعالى لا ينتهي.

الآية رقم (4) - إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: أي إلى الله سبحانه وتعالى مرجعكم، فيثيب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته، والمرجع؛ أي رجوعكم أو زمن رجوعكم أو مكان الرّجوع كلّه إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: لأنّه سبحانه وتعالى القادر على الإيجاد والإمداد وعلى البداية والنّهاية، فهو القادر على كلّ شيءٍ.

الآية رقم (5) - أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

﴿أَلَا إِنَّهُمْ﴾: إذا وُجدت ﴿أَلَا﴾ في أوّل الكلام فنعلم أنّها للتّنبيه.

﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: ثنيت الشّيء؛ أي طويته وجعلته جزأين متّصلين فوق بعضهما بعضاً، وحين يُثني الإنسان صدره فهو يثنيه إلى الأمام ناحية بطنه، ويُداري بذلك وجهه، والغرض هنا من مداراة الوجه هو إخفاء الملامح؛ لأنّ انفعال النّفس البشريّة ينضح على الوجه، وهم كارهون للرّسول الكريم وحاقدون عليه، ولا يريدون أن يلحظ ﷺ معلَم ملامحهم من انفعالاتٍ تفضح مواجيدهم الكارهة.

﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: وهم قد استغشوا ثيابهم، وغطّوا وجوههم مداراةً لانفعالات الكراهية الّتي تحملها هذه الوجوه، قال القرطبيّ في تفسيره: إنّهم إن دارَوا على النّبيّ ﷺ، فلا يستطيعون أن يداروا على ربّ النّبيّ ﷺ، بدليل قول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فما لا يدركه بصر محمّدٍ، فربّ محمّدٍ سيعلمه، وما دام يعلم ما يسرّون، فمن باب أولى أنّه يعلم ما يعلنون.

﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ذات تفيد الصّحبة، ذات الصّدور؛ أي الأمور الـمُصاحبة للصّدور، والقلب محلّ المعتقدات الّتي أصبحت حقائق ثابتةً، وعليها تدور حركة الحياة، ويُقصد بذات الصّدور؛ أي المعاني الّتي لا تفارق الصّدور سواءً كانت حقداً أم كراهيةً، أو هي الأحاسيس الّتي لا تظهر في الحركة العاديّة سواءً أكانت نيّةً حسنةً أم نيّةً سيّئةً.

الآية رقم (105) - وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: يُكنّى الإنسان بالوجه، والمراد أن يقوم الإنسان.

﴿حَنِيفًا﴾: الحنيف: المائل عن الشّرك.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: يُخاطب النّبيّ ﷺ ليكون الخطاب موجّهاً لبقيّة النّاس، أمّا النّبيّ ﷺ فهو معصومٌ، وهو أوّل المؤمنين.

الآية رقم (106) - وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾: يجب أن يعلم الإنسان أنّه لا يضرّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يصل ولا يقطع، ولا يخفض ولا يرفع إلّا الله سبحانه وتعالى، وعندما يقول للنّبيّ ﷺ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ فهو يُخاطب أتباع النّبيّ ﷺ من خلاله ﷺ.

﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: كلّ مَن يعتقد أنّ هناك من يضرّ وينفع غير الله سبحانه وتعالى فهو من الظّالمين، وقد بيّن النّبيّ ﷺ هذا، فعن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: كنت خلفت رسول الله ﷺ يوماً فقال: «يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلّا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلّا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصُّحُف»([1]).

([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب صفة القيامة والرّقائق والورع عن رسول الله ﷺ، الحديث رقم (2516).

الآية رقم (107) - وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: لدينا مسٌّ ولمسٌ وإصابةٌ، فجاء بأقلّ شيءٍ وهو المسّ، فإيّاك أن تعتقد أنّه يكشف الضّرّ أحدٌ سوى الله سبحانه وتعالى فالجأ إليه وحده، وخذ بالأسباب، اعقلها وتوكّل عليه سبحانه وتعالى، ففي المرض مثلاً عليك أن تتداوى: «تداووا، فإنّ الله تعالى لم يضع داءً إلّا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ؛ الهرم»([1])، لكنّه قال في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشّعراء}، فأنت تذهب إلى الطّبيب، ولكنّ الشّفاء بيد الله سبحانه وتعالى، فمن شروط كشف الضّرّ ودفع البلاء وإرادة الخيرات أن تأخذ بسنّة الله سبحانه وتعالى بكونه، فهو جعل لكلّ سببٍ مسبِّباً.

﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: فلا رادّ لفضل الله سبحانه وتعالى إذا أراد بهذا الإنسان خيراً.

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ذيّل الآية بأنّه غفورٌ رحيمٌ؛ لأنّه من ضمن كشف الضّرّ وإرادة الفضل، أن يكون الله سبحانه وتعالى تجاوز عن السّيّئات، وغفر الزّلّات، ورفع الدّرجات، وأعطى الرّحمات، فهو غفورٌ رحيمٌ.

([1]) سنن أبي داوود: كتاب الطّبّ، باب في الرّجل يتداوى، الحديث رقم (3855).

الآية رقم (108) - قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: الحقّ: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيّر، وهو خطابٌ للبشريّة.

﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فهو لا يهتدي لله سبحانه وتعالى.

﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: وليس لها؛ لأنّ هذا الضّلال سيؤدّي إلى الخسران في الدّنيا والآخرة.

﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: لستُ وكيلاً عليكم، والوكيل هو مَن يحمل عنك القضيّة .

الآية رقم (109) - وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

أمرٌ طبيعيٌّ أن يتّبع النّبيّ ﷺ ما أوحي إليه من ربّه، ولكن قلنا: بأنّ خطاب النّبيّ ﷺ ليُبلّغ الأمّة، ويتّبعوا المنهج؛ لأنّ النّبيّ ﷺ بشرٌ، وببشريّته هو قدوةٌ وأسوةٌ للبشريّة، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ {الأحزاب}، والله سبحانه وتعالى هو الخالق، فعندما يُخاطب الأنبياء 4 يُخاطبهم بصيغة البشريّة الّتي يجب أن تنسحب على كلّ البشر الّذين يؤمنون بهم، وفي هذه الآية الكريمة أمران: أن نتبّع القرآن الكريم، وأن نصبر، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ {البقرة}؛ لأنّ الصّلاة صلةٌ مع الله سبحانه وتعالى.

﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: الله سبحانه وتعالى هو خير الحاكمين؛ لأنّه قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ {الزّلزلة}.

تفسير سورة هود

هذه السّورة هي السّورة الحادية عشرة في ترتيب سور القرآن الكريم، وهي سورةٌ مكيّةٌ على قول الحسن وعِكرمة وغيرهما، وقال ابن عبّاس 8 وقتادة: إلّا آيةً واحدةً مدنيّةً وهي: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (114)﴾، سمّيّت باسم النّبيّ هود عليه السلام الّذي أُرسل إلى قوم ثمود، وقد ذُكر في السّورة اسم النّبيّ هود خمس مرّات، وفي الحديث عن أبي عليّ السّريّ قال: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، روي عنك أنّك قلت: شيّبتني هودٌ، قال: «نعم»، فقلت : ما الّذي شيّبك, قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: لا، ولكن قوله: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ {هود: من الآية 112}([1])، وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، عجّل إليك الشّيب! قال: «شيّبتني هود وأخواتها؛ الحاقّة والواقعة وعمّ يتساءلون وهل أتاك حديث الغاشية»([2]).

([1]) شعب الإيمان: بابٌ في تعظيم القرآن، باب ذكر سورة هود، الحديث رقم (2439).

([2]) كنز العمّال: كتاب الأذكار من قسم الأفعال من الكتاب الثّاني من حرف الهمزة، باب البقرة، الحديث رقم (4092).

الآية رقم (1) - الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ

﴿الر﴾: تبدأ الآية بحروفٍ مقطّعةٍ، وهذه الأحرف هي نصف الأحرف الأبجديّة، كلّ حرفٍ من تلك الحروف يُنطق باسمه -كما ذكرنا سابقاً-؛ لأنّ الرّسول ﷺ سمعها هكذا من جبريل عليه السلام، وكتاب الله سبحانه وتعالى له مفاتيح، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده.

﴿كِتَابٌ﴾: إطلاق كلمة الكتاب على القرآن الكريم؛ لأنّه مكتوبٌ، وقرآنٌ؛ لأنّه مقروءٌ، والكتابة في الأزمنة القديمة لم تكن مسألةً سهلةً، فلم يكن يُكتب إلّا النّفيس من الأعمال، والقرآن الكريم كتابٌ؛ لأنّه في الأصل مكتوبٌ في اللّوح المحفوظ.

﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾: أُحكِمت تدلّ على أمرٍ مُحسوسٍ، وهو إتقان البناء بحيث يُمنع عنه الفساد، فلا خلل فيه ولا تناقض ولا تعارض ولا انهيار، وشاء الله سبحانه وتعالى أن يصف القرآن الكريم، وهو الجامع لكلّ المنهج، بأنّه كتابٌ أُحكِمَت آياته، فخذوا من هذه الأحكام ما يمنع فسادكم؛ لأنّ القرآن الكريم جاء على هيئةٍ تمنع الفساد، ويؤدّي للإصلاح والصّلاح، ونزل جملةً واحدةً من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، وجاء الوحي بعد ذلك حسب الأحداث الّتي تتطلّب الأحكام، فالقرآن الكريم قد أُحكم أوّلاً ثمّ فُصّل، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، فنجد القرآن الكريم منوّعاً، مرّةً يتكلّم في العقيدة وقمّتها، ومرّةً يتكلّم في النّبوّة وموكبها الرّساليّ، ومرّةً يتكلّم في الأحكام، ومرّةً يتكلّم في القصص والأخلاقيّات، ومرّةً في الكونيّات، ومرّةً في علم الفرائض والمواريث، فيبيّن الله سبحانه وتعالى أنّ القرآن الكريم بُني على الإحكام فنزل مُحكماً جملةً واحدةً، وجاءت الأحداث مناسبةً لينزل من السّماء الدّنيا نجوماً مفرّقاً تُناسب كلّ حدثٍ يحدث مع الرّسول الكريم.

فالإحكام لا يتناقض مع التّفصيل؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي أحكم، وهو الّذي فصّل، وهو حكيمٌ بما يناسب الأحكام، وخبيرٌ بما يناسب التّفصيل، بطلاقةٍ غير متناهيةٍ.

الآية رقم (98) - فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ

قصّ لنا سبحانه وتعالى في هذه السّورة بعضاً من قصص مواكب الرّسل، فجاء بقصّة نوحٍ عليه السلام في إطنابٍ، ثمّ جاء بخبرٍ عن رسلٍ لم يخبرنا عنهم شيئاً، ثمّ جاء بقصّة موسى وهارون عليهما السّلام، والآن يونس عليه السلام الّتي سُمّيت السّورة باسمه، وكأنّ السّورة تضمّ ثلاثاً من الرّسالات رسالة نوحٍ، ورسالة موسى وهارون، ورسالة يونس، ولسائلٍ أن يسأل: لماذا جاء بهؤلاء في هذه السّورة؟ ولقد تعب المفسّرون كثيراً، وحاولوا أن يتلمّسوا الحكمة في ذلك، ولماذا لم تأت في هذه السّورة قصّة هودٍ أو صالحٍ أو شعيبٍ؟ بعضهم رأى الحكمة أنّ الله سبحانه وتعالى يعرض موكب الرّسالة وموكب المعارضين لكلّ رسول والنّتيجة الّتي انتهى إليها أمر الأعداء، ونجد الّذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى هنا في هذه السّورة قد أُهلكوا بنوعٍ واحدٍ، فمن ذُكر في هذه السّورة من الرّسل له علاقةٌ بالماء، أمّا بقيّة الموكب الرّساليّ فلم تكن لهم علاقةٌ بالماء، ونحن نعرف أنّ الماء به الحياة وبه الإهلاك؛ لأنّ واهب الحياة يهب الحياة بالشّيء ويُهلك بالشّيء ذاته، فطلاقة القدرة الإلهيّة هي الّتي تستولي على كلّ شيءٍ، وهذا ما يرد في هذه السّورة، وقد أرسل الله سبحانه وتعالى سيّدنا يونس عليه السلام إلى أكثر من مئة ألفٍ، وهم الأمّة الوحيدة في هذا المجال الّتي استثناها الله سبحانه وتعالى من الإهلاك، فقد أغرق قوم نوحٍ وقوم فرعون الّذين كذّبوا الرّسل، لكنّ قوم يونس عندما رأوا إشارات البأس والعذاب آمنوا فأنجاهم الله سبحانه وتعالى.

﴿فَلَوْلَا﴾: إذا دخلت (لولا) على جملةٍ اسميّةٍ فهي حرف امتناعٍ لوجود، أمّا إذا دخلت على جملةٍ فعليّةٍ فيُقال عنها: أداة تحضيضٍ وحثٍّ، كقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾  {التّوبة: من الآية 122}، والمقصود هنا: لو أنّ هناك قريةً آمنت قبل أن ينزل بها العذاب لأنجيناها، كما أنجينا قوم يونس الّذين لم يُصبهم العذاب؛ لأنّهم آمنوا قبل أن ينزل بهم، فالإيمان نفع قرية قوم يونس.

﴿كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾: كلمة قرية تعني مكاناً مُهيّأً، أهله متوطّنون فيه، فإذا مرّ عليهم زائرٌ في أيّ وقتٍ وجد عندهم طعاماً.

﴿آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾: قرية قوم يونس بن متّى اسمها نينوى، تقع في العراق ناحية الموصل، فمن هو يونس؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ {الأنبياء}، وكلمة مُغاضب تختلف عن كلمة غاضب، الغاضب هو الّذي يغضب دون أن يُغضبه أحدٌ، لكنّ الـمُغاضب هو من أغضبه غيره، وقد سمّي سيّدنا يونس عليه السلام بذي النّون؛ لأنّ اسمه اقترن بالحوت الّذي ابتلعه، وقد دعا يونس عليه السلام قومه إلى الإيمان فكفروا به في البداية، فخرج مغاضباً -من الـمُفاعلة؛ أي أنّهم أغضبوه- وتركهم ظنّاً منه أنّ الحقّ سبحانه وتعالى لن يضيّق عليه، فالأرض واسعةٌ، ويستطيع أن يذهب إلى مكانٍ آخر، لكن كان من المفروض أن يتحمّل الأذى الصّادر منهم، وعندما ذهب النّبيّ ﷺ إلى الطّائف يطلب من أهلها النّصرة بعد أن آذاه قومه في مكّة، ولم يجد نصيراً، ورجموه بالحجارة، جلس النّبيّ ﷺ قريباً من بستان، قال ابن إسحاق: فلمّا رآه ابنا رَبِيعَة، عُتْبَةُ وشَيْبَةُ وما لَقِيَ تحَرّكَت له رَحِمُهُما فدعوا غلاماً لهما نصرانيّاً، يقال له: عَدّاسٌ، فقالا له: خذ قِطْفاً مِن العِنَبِ فضعه في هذا الطّبق ثمّ اذهب به إلى ذلك الرّجل فقل له يأكل منه، ففعل عَدّاسٌ، ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يَدَيْ رسول الله ﷺ ثمّ قال له: كُلْ، فلمّا وضع رسول الله ﷺ فيه يده قال: «باسم الله»، ثمّ أكل، فنظر عَدّاسٌ في وجهه ثمّ قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ: «ومِن أهل أيّ البلاد أنت يا عَدّاسُ، وما دِينُك؟»، قَالَ: نصرانيّ، وأنا رجلٌ مِن أهل نِينَوَى، فَقَالَ رسول الله ﷺ: «مِن قرية الرّجل الصّالح يُونُسَ بن مَتّى؟» فقال له عَدّاسٌ: وما يدريك مَا يُونُس بن مَتّى؟ فقال رسول الله ﷺ: «ذاك أخي، كان نبيّاً، وأنا نبيّ»، فأكبّ عَدّاسٌ على رسول الله ﷺ يُقَبّلُ رأسه ويديه وقدميه، قَالَ: يَقُولُ ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك، فلمّا جاءهما عَدّاسٌ قالا له: ويلك يا عَدّاسُ، ما لك تُقَبّلُ رأس هذا الرّجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيّدي، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ مِن هذا، لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلّا نبيٌّ، قالا له: ويحك يا عَدّاسُ، لا يصرفنّك عن دينك، فإنّ دينك خيرٌ من دينه([1]).

﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: عندما تأثّر سيّدنا يونس عليه السلام وحزن وغضب لعدم استجابة قومه له، رأوا غيماً يملأ السّماء وعواصف، فألقى الله سبحانه وتعالى في خواطرهم أنّ هذه العواصف هي بداية عذاب الله عز وجللهم، فهرعوا إلى ذوي الرّأي فيهم، فأشاروا عليهم أنّ هذه بوادر عذابٍ من الله جل جلاله، وقالوا: عليكم بإرضاء يونس؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي أرسله، فهرع النّاس إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى الحيّ الّذي لا يموت ليكشف عنهم الغمّة، وذهب قوم يونس عليه السلام لاسترضائه، وحين رضي عنهم أخذوا ينظرون في المظالم الّتي ارتكبوها، حتّى إنّ الرّجل منهم كان ينقض ويهدم جدار بيته؛ لأنّ فيه حجراً قد اختلسه من جارٍ له، وكشف الله سبحانه وتعالى عنهم العذاب، وعذاب الخزي في الحياة الدّنيا يمكن أن نراه مجسّداً فيمن افترى وتكبّر على النّاس، ثمّ يراه النّاس في هوانٍ ومذلّةٍ، وهذا من عذاب الخزي في الدّنيا، ولا شكّ أنّ عذاب الآخرة أشدّ.

﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: نجوا من الهلاك، لكن متّعناهم إلى حينٍ؛ أي حتّى ينتهي أجلهم بالموت الطّبيعيّ.

([1]) الرّوض الأنف: ج 2، ص 231.

الآية رقم (99) - وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾: جاءت هذه الآية الكريمة عند نهاية قصص بعض مواكب الرّسل، فبيّن الله سبحانه وتعالى للنّاس جميعاً أنّه لا يحتاج إلى عبادتهم، فهو قديمٌ أزليٌّ بصفات الكمال كلّها من قبل أن يخلق الخلق، فهو لا ينتفع من خلقِه، وإنّما هو ينفعُ خلقَه، فالإيمان لمصلحة الإنسان، وهنا تأكيدٌ من الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي من دون استثناء أحدٍ.

﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: لقد كان النّبيّ ﷺ حريصاً على إيمان القوم، يدعوهم ليل نهار، فقال له الله سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ {الشّعراء}، وبعد أن قصّ جل جلاله هذه القصص المتعلّقة بالأنبياء السّابقين، نوحٍ وموسى ويونس 4، قال للنّبيّ ﷺ ومن خلاله للنّاس جميعاً: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، فالله سبحانه وتعالى يريد دين قلوبٍ، وليس دين قوالب، وهو يستطيع أن يُخضِع القلوب والقوالب كما أخضع السّماوات والأرض: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ {فصِّلت}، والله سبحانه وتعالى جعل الملائكة مجبولين على الطّاعة، فقال جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ {التّحريم: من الآية 6}، فطلاقة قدرته ومشيئته سبحانه وتعالى لا حدود لها، فهو يستطيع أن يجعل النّاس جميعاً مؤمنين، لكن ليس المطلوب إيمان الإجبار، ومن هنا جاء قوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ {البقرة: من الآية 256}، فالإيمان المطلوب يكون نتيجة تفكّر الإنسان، ودعوة الدّين لا تكون بإجبار النّاس، والإيمان قضيّةٌ عقائديّةٌ تخضع لحريّة الاختيار، والإسلام عندما دخل البلدان والأقطار جاء لحماية حريّة اختيار النّاس، بدليل أنّه ترك من كان نصرانيّاً على نصرانيّته، ومن كان يهوديّاً على يهوديّته، وترك النّاس في اختيارهم كما يريدون، ولم يُجبر أحداً أبداً على اعتناق الإسلام، وهنا يُخاطب النّبيّ ﷺ الّذي يتمنّى أن يؤمن النّاس كلّهم؛ لأنّه يعلم بأنّ الخير في الإيمان، وأنّ الإنسان سيعود إلى ربّه وسيُحاسب على عمله، ولكنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب أمّة النّبيّ ﷺ من خلال النّبيّ ﷺ ليقول: الدّين لا يكون بالإكراه أبداً.

الآية رقم (100) - وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: الله سبحانه وتعالى هو الّذي أراد أن يكون للإنسان اختيارٌ، فبمشيئته جل جلاله جعل لك مشيئةً في الاختيار، فأنت لم تخرج عن مشيئة الله جل جلاله.

﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾: الرّجس هو العذاب.

﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: لم يقل: لا يؤمنون، ولا على الّذين يفسدون، بل قال: ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ لأنّ العقل هو ضابط الخيارات بين البدائل، وهو يكبح جماح الشّهوات، فإذا لم يكن لهذا العقل هوىً، لا بدّ له من أن يختار الإيمان.

الآية رقم (101) - قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هذه دعوةٌ ليتفكّر الإنسان، ولينظر في السّماوات والأرض، وهي دعوةٌ إلى العلم؛ أي أعمِل العقل والفكر، فالعقل يحجزنا عن الانطلاق إلى الشّهوات، ويحثّنا على العلم، ويُخطِئ من يعتقد أو يظنّ أنّ العقل يفتح الباب أمام الانطلاق اللّا مسؤول باسم الحريّة، فليس هذا بعاقلٍ.

﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فهم قد سدّوا منافذ الإيمان في قلوبهم.

الآية رقم (102) - فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ

مهما بلغت الأمم من علمٍ وحضارةٍ، إذا لم تكن هذه الحضارة موصولةً بالسّماء، فلا بدّ أنّها زائلةٌ، ومستنقع الشّهوات لا بدّ أن يؤدّي إلى السّقطات، والأديان السّماويّة كلّها جاءت لترفع النّاس ليفعلوا الخير.

﴿ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾: أيّام الّذين مضوا.

الآية رقم (103) - ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: وهذه رسالةٌ للنّبيّ ﷺ، وهو يُكابد ويُعاني من مشركي قريش.

﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فمن حقّ المؤمنين على الله سبحانه وتعالى أن ينجّيهم من كيد ومكر وظلم هؤلاء الظّالمين.

الآية رقم (104) - قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾: أي في ريبٍ من دين الإسلام الّذي أدعوكم إليه.

﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾: من الأوثان الّتي لا تعقل.

﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾: الّذي يتوفّى الأنفس هو الله سبحانه وتعالى، وجاء بهذه الحيثيّة ليذكّر أنّ الإنسان مآله إلى الموت، ولم يستطع أحدٌ أن يدّعي لنفسه بأنّه يَتَوفَّى الأنفس، فالوفاة والموت والحياة بيد الله وحده جل جلاله.

﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: الأمر للنّبيّ ﷺ، ومن خلاله للأمّة كلّها، فالأمر الإلهيّ أن يؤمن النّاس بالله سبحانه وتعالى، وأن يتركوا الدّعوات الّتي لا صحّة لها، ولا يقبلها عقلٌ ولا منطقٌ ولا فِكرٌ.

الآية رقم (89) - قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ

﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ﴾: كان موسى عليه السلام يدعو، وكان هارون يقول: آمين، فعندما أمّن على هذا الدّعاء أصبح شريكاً فيه.

﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: استمرّا على طريق الاستقامة.

﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: سيّدنا موسى عليه السلام بقي على دعوته مع كلّ عناد وكفر وإجرام فرعون وقومه، واستقام على هذا السّبيل كما أمره الله سبحانه وتعالى هو وهارون عليهما السّلام.

الآية رقم (90) - وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

لم يأت القصص القرآنيّ كقصّةٍ، وإنّما جاء كعبرةٍ وعظةٍ يخدم الوظيفة الإيمانيّة للسّورة، فلا نجد قصّةً متكاملةً باستثناء سورة (يوسف)، بينما باقي القصص القرآنيّ جاءت مقطّعةً في سياق السّور القرآنيّة، فسورة (إبراهيم) لا نجد فيها قصّة سيّدنا إبراهيم كاملةً، بل لقطةً من اللّقطات؛ لأنّ القرآن الكريم كلام ربٍّ وليس كلام عبدٍ، وهذا هو الفارق، فالقصص البشريّ يركّز إمّا على الشّخصيّة أو الأحداث الّتي تدور حولها الشّخصيّات، والقصص البشريّ فيه نسبةٌ من الخطأ والصّواب، أمّا القصص القرآنيّ فكلّ كلمةٍ وكلّ حرفٍ يأتي فهو مِصداقٌ لواقعٍ حدث، وليس خاضعاً للتّجارب، وأكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم هو موسى عليه السلام شيخ أنبياء بني إسرائيل؛ لأنّ شعب بني إسرائيل اختصّه الله سبحانه وتعالى بأمورٍ كثيرةٍ، وهو أكثر شعبٍ عاند وجحد، وأصبح أتباعه الآن سبب مشكلات البشريّة.

في الآية السّابقة عندما قال الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ أجيبت الدّعوة، لكن جاء التّنفيذ بعد سنواتٍ عندما غرق فرعون، وجاء مقطع الغرق هنا مباشرةً دون ذكر التّفصيلات الّتي جاءت في سورٍ أخرى.

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ جاوزنا؛ لأنّ الاجتياز لم يكن بأسبابٍ بشريّةٍ، بل بفعلٍ يخرج عن أسباب البشر، وذلك عندما فلق الله سبحانه وتعالى البحر لموسى عليه السلام فاستطاع أن يجتاز، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ {الشّعراء}، كيف تحوّل الماء إلى جبالٍ، يفصل بينها طريقاً يبساً، يسير فيها موسى عليه السلام وقومه مطمئنّين؟ لا بدّ أنّها معيّة الله سبحانه وتعالى الّتي تحميه، وهي تفسيرٌ لقوله جل جلاله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ {الشّعراء}.

﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: تبعهم فرعون بجنوده لعلّه يدركهم، فأراد سيّدنا موسى عليه السلام بمجرّد نجاحه بالعبور أن يضرب البحر بعصاه من أجل أن يعود إلى قانون السّيولة كيلا يلحق به فرعون، لكنّ الله تعالى بعزّته وقدرته يريد أن يُهلك ويُنجي بالشّيء ذاته، فأوحى لموسى عليه السلام قائلاً: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ {الدّخان}؛ أي اترك البحر على حاله فينخدع فرعون وجنوده، وما إن ينزل فرعون وآخر جنديٍّ معه إلى الممرّات الّتي بين البحر المفلوق، سيعود البحر من غير أن تضربه بعصاك؛ لأنّ الفعل ليس للعصا، بل لربّ العصا، سيعود الماء إلى حالة السّيولة فيغرق فرعون وجنوده، ففرعون لم يتبعهم من أجل أن يكلّمهم ويعيدهم، بل أراد أن يبغي ويعتدي عليهم رغبةً في الانتقام والإذلال والعدوان.

﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: يصوّر القرآن الكريم هنا في لقطةٍ سريعةٍ لحظة غرق فرعون، والإدراك: أن يلحق شيءٌ بشيءٍ، فكيف تحوّل الغرق هنا إلى معنى شيءٍ يلاحق فرعون؟ الجواب: كأنّ الغرق جنديٌّ من الجنود له عقلٌ ينفعل فيجري إلى الأحداث، فالماء والغرق جندٌ من جنود الله سبحانه وتعالى.

﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: هنا يدّعي الإيمان ويقول: ﴿ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي ليس فقط آمنت، لكن أستسلم لأوامر الله سبحانه وتعالى، لكنّ الله جل جلاله لم ولن يقبل الإيمان في هذه اللّحظات؛ لأنّه أصبح إيماناً إجباريّاً، والله سبحانه وتعالى يريد منّا إيماناً اختياريّاً.