الآية رقم (21) - وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾: لقد سلّط الله سبحانه وتعالى على قريش القحط، فمرّوا بسنواتٍ كتلك الّتي أصابت مصر في أيّام يوسف عليه السلام، ثمّ جاء لهم بالرّحمة من بعد ذلك، ومن المفروض أن يعودوا ويؤمنوا برسالة رسول الله ﷺ بعد أن علموا أنّ ما مسّهم من الجدب والقحط كان بسبب مكرهم بالنّبيّ ﷺ، فالمولى سبحانه وتعالى  أذاقهم رحمةً من بعد الضّرّاء الّتي مسّتهم.

﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ﴾: الكلام الملتوي الّذي لا يريد أن يعترف برحمة الله سبحانه وتعالى، والادّعاء أن سقوط المطر كان بالحظّ؛ أي محاولة الالتفاف لتجريد هذه العجائب الّتي هي من صنع الله سبحانه وتعالى، وعلينا أن نعلم أنّ العلم وقوانينه هبةٌ من الله سبحانه وتعالى، وهو الوحيد القادر على أن يوقف الأسباب، وهو الفعّال لما يريد، وكلّ خيرٍ لا يُنسب إلّا إليه سبحانه وتعالى، وقد بيّن سبحانه وتعالى أنّه قيّومٌ على القوانين الّتي تحكم وتضبط الكون وفي أيّ وقتٍ يشاء يخرقها تبارك وتعالى، والمكر هو الكيد الخفيّ، مأخوذٌ من التفاف أغصان الشّجر كالضّفيرة، فلا تعرف منبت ورقة الشّجر ومن أيّ غصنٍ خرجت، وقد تكيد لمساويك من البشر، لكن لن تقدر أبداً على أن تكيد لمن هو أعلى منك، وهو الله جلّ وعلا.

﴿ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾: هذه اسمها في اللّغة العربيّة المشاكلة اللّفظيّة، فهو أسرع استدراجاً لكم وعقوبةً منكم من المكر في آياته عز وجل.

﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾: فكلّ تبييتٍ بخفاءٍ يُكتب، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)﴾ ]الانفطار[، هذا المكر والتّحايل وكلّ ما تقومون بها مكتوبٌ عند الله سبحانه وتعالى من قِبل رسله الكرام وهم الملائكة 4.

الآية رقم (22) - هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾: كلمة يسيّركم تدلّ على أنّ الّذي يسيّر هو الله سبحانه وتعالى، لكنّنا نجد في القرآن الكريم آياتٍ تنسب السّير إلى البشر، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ]الأنعام[، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ﴾ ]القصص: من الآية 29[، وقوله عز وجل:  ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ ]سبأ: من الآية 18[، وقد توّهم بعضهم أنّ في ذلك تعارضاً، لكنّنا لو فطنّا إلى تعريف الفاعل عند أصحاب النّحو كيف يرفعونه لعرفنا كيف تكون المشيئة الإلهيّة، مثلاً: في اللّغة العربيّة حين نقول: نجح أحمد، فهل هو الّذي نجح؟ أو أنّ الّذي سمح له بالنّجاح شخصٌ آخر؟ المصحّح، الأستاذ، الّذي كتب الأسئلة، هم من سمحوا له بالنّجاح تقديراً لإجاباته، لكن هنا الفاعل يأتي أنّه أحمد، وأحمد لم ينجح بنفسه، كذلك في اللّغة عندما تقول: مات فلانٌ، ما إعراب مات؟ مات: فعلٌ ماضٍ، فلانٌ: فاعلٌ، فهل فلانٌ فعل الموت بنفسه؟ الجواب: إنّ الموت وقع عليه واتّصف به؛ لأنّ تعريف الفاعل هو اسمٌ يدلّ على مَن فعل الفعل أو اتّصف به، وهنا إذا أردنا أن ننسب الأشياء إلى السّببيّة، قلنا بالسّبب: سار الإنسان، لكن بالحقيقة هل يستطيع أن يسير لولا أنّ الله سبحانه وتعالى سيّره وجعل له الأقدام الّتي يسير عليها أو الفلك أو السّيارات أو … إلخ؟ فأيّ حركةٍ للإنسان تعود إلى الله سبحانه وتعالى، وكلّ أسباب الوجود إن نظرنا إليها مباشرةً وجدناها منسوبةً إلى من هو فاعلٌ لها بشكلٍ مباشرٍ، لكن إن تتبّعنا السّبب وجدنا أنّها تُنسب إلى الله جل جلاله، فإذا سألك أحدهم: مَن صنع الكرسيّ؟ تُجيب: النّجّار، وإذا سألت النّجّار: مِن أين أتيت بالخشب؟ فيقول: مِن التّاجر، فتسأل التّاجر: مِن أين استوردت الخشب؟ يقول: مِن بلاد الغابات.. وهكذا، إذاً تسلسل كلّ حركةٍ في الوجود لا بدّ أن ينتهي إلى واجب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى، نحن نقرأ في القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾ ]النّجم[، فسبحانه خلق الضّحك والبكاء، والسّير في البرّ والبحر كلاهما مختلفٌ عن الآخر، فالسّير في البرّ شيءٌ وفي البحر شيءٌ آخر، فإذا سار الإنسان في الأرض على اليابسة وانقطعت به السّبل، فيمكن أن يستصرخ أحداً من المارّة أو ينتظر حتّى يأتي أحدٌ ويساعده، أمّا المرور في البحر فهو أصعب وأخطر إذ لا توجد فيه طرقٌ ولا أناسٌ، ولا يمكن أن يستصرخ أحداً، لذلك نجد أنّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية قال: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ فتحدّث عن السّير في البحر وترك البرّ؛ لأنّ البحر أصعب.

﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ﴾: الفلك: هي السّفن، وتأتي مرّةً مفردةً ومرّةً بالجمع، والوزن واحدٌ في الحالّتين، فعندما تحدّث سبحانه وتعالى عن سيّدنا نوح عليه السلام قال: ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ ]هود: من الآية 37[، فهي سفينةٌ واحدةٌ سمّاها فلكاً، هذه الحالة لها نظائر في اللّغة العربيّة مثل: أُسد، تأتي بالإفراد وبالجمع.

﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: يصف الرّيح هنا بأنّها طيّبةٌ، والقرآن الكريم بطبيعة أسلوبه حين يتكلّم عن الرّيح بلفظ الإفراد يكون المقصود بها العذاب، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ]الأحقاف[، وإذا تكلّم عنها بلفظ الجمع فهي للرّحمة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ]الحجر: من الآية 22[، ويقول سبحانه وتعالى أيضاً: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ]الأعراف: من الآية 57[، ونجد أنّ القرآن الكريم فصّل أمر الرّياح وأوضح مهمّتها، فمثلاً الأبنية الضّخمة مثل ناطحات السّحاب لا تثبت بمكانها إلّا نتيجة توازن تيّارات الهواء من حولها؛ أي الرّياح تأتي من أكثر من اتّجاه، فإن حدث تفريغٌ للهواء باتّجاه جانبٍ من جوانب البناء ينهار، هذا ما نراه الآن بطريقة الهدم، وهنا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ يمكن أن تُفسّر هنا بالسّفن الشّراعيّة الّتي تسير بالهواء المتجمّع في أشرعتها، ولكن مع حدوث تقدّمٍ في صناعة السّفن تعدّى الشّراع، وانتقل إلى البخار ثمّ إلى الكهرباء، فإنّ كلمة الحقّ سبحانه وتعالى فيها إعجازٌ، فهي تستوعب مراحل الارتقاء بالاختراعات البشريّة؛ لأنّ كلمة الرّيح وردت في القرآن الكريم بمعنى القوّة أيّاً كانت، هواءً أو محرّكاً يسير بأيّ طاقةٍ، ذريّةٍ أو نوويّةٍ أو كهربائيّةٍ، والدّليل على ذلك قول الحقّ سبحانه وتعالى : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ ]الأنفال: من الآية 46[؛ أي قوّتكم، فإعجاز القرآن الكريم في الكلمة الّتي جاءت بها تستوعب العقول البشريّة في العهود القادمة وتطوّر العلم، ولا تصادم العقل البشريّ وقت النّزول، وهذا القول الكريم يضمّ ثلاث وقائع: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ الوجود في الفلك هذه واحدةٌ، الثّانية جريان الفلك بريحٍ طيّبةٍ، ثمّ الفرح بها، هذه ثلاثة أشياء جاءت في فعل الشّرط، ثمّ يأتي جواب الشّرط فيه ثلاثة أشياء أيضاً، أوّل هذه الأشياء في جواب الشّرط: ﴿ جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ الثّاني: ﴿ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾، الثّالث: ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾.

﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾: هي الرّيح المدمّرة والمغرقة.

﴿ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: الموج عمليّاً يأتي من الأسفل، والرّيح تأتي من الأعلى فترفع الموج ليدخل إلى السّفينة، ويقاس ارتفاع الموج كلّ يومٍ حسب قوّة الرّيح، فحين تكون الرّيح خفيفةً يظهر سطح مياه البحر مجعّداً، وحين تكون الرّيح ساكنةً نجد صفحة المياه مبسوطةً، وقد جاءتهم الرّيح العاصف فازداد عنف الموج.

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾.: نتيجة ازدياد عنف الموج ظنّوا أنّهم قد أُحيط بهم وانتهوا؛ أي غرقوا، والإحاطة: هي عدم وجود منفدٍ للفرار، لذلك نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يتكلّم عن الكافرين بقوله: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ]البقرة: من الآية 19[، فليس هناك منفدٌ يفلتون منه، وفي هذه الآية لحظة الظّنّ أنّهم قد أُحيط بهم يبدؤون بالدّعاء، ويتركون حالة الاعتزاز بأنفسهم، ويتّجهون إلى الله سبحانه وتعالى  الّذي أنكروه، ففي لحظة الخطر لا يمكن لأحدٍ أن يكذب على نفسه أو يخدعها، ولذلك نجد سيّدنا الإمام جعفر الصّادق رضي الله عنه في حوارٍ بينه وبين سائلٍ سأله عن الله سبحانه وتعالى، قال الإمام للسّائل: ألم تركب البحر؟ فقال: بلى، قال: هل حدث مرّةً أن هاجت بكم الرّيح عاصفة؟ قال: نعم، قال: وانقطع الأمل بالملّاحين ووسائل النّجاة؟ قال: نعم، قال: فهل خطر ببالك وانقدح في نفسك أنّ هنالك من يستطيع أن ينجيك إن شاء؟ قال: نعم، قال الإمام جعفر: فذلك هو الله. كذلك هؤلاء الّذين كفروا بالله سبحانه وتعالى لجؤوا إليه حين عصفت بهم الرّيح وعلا عليهم الموج.

﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: هذا يعني أنّهم لم يدعوه فقط، بل دعوه بإخلاصٍ، وأقرّوا بوحدانيّته تبارك وتعالى، وأنّه لا شريك له؛ لأنّهم يعلمون أنّ هذا الشّريك لن ينفعهم بهذه الحالة أبداً.

الآية رقم (23) - فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: بعد أن أنجاهم الله سبحانه وتعالى جاءت (إذا) الفجائيّة لتوضّح لنا أنّهم بغوا على الفور، فلم ينتظروا أن تمرّ فترةٌ زمنيّةٌ بينهم وبين الدّعاء والضّراعة، والبغي: هو تجاوز الحدّ في الظّلم أو في الفساد والإفساد، فالإنسان إذا أخرج أيّ شيءٍ عن صلاحه، يُقال: بغى عليه، مثلاً إن حفرت في طريقٍ ممهّدٍ تكون قد أفسدته، إذا ألقيت نفايةً في بئرٍ يشرب منه النّاس فهذا إفسادٌ وبغيٌ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينا صورة البغي الممثّلة في الاعتداء، فيقول صلى الله عليه وسلم: «أسرع الخير ثواباً البرّ وصلة الرّحم، وأسرع الشّرّ عقوبةً البغي وقطيعة الرّحم»([1])، فالحقّ سبحانه وتعالى لا يؤخّر عقاب البغي وقطيعة الرّحم إلى الآخرة، بل يعاقب عليهما في الدّنيا حتّى يتوازن المجتمع، ويقول النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام محذّراً: «لا تبغ ولا تكن باغياً»([2])؛ لأنّ الباغي الفاسد يصنع خللاً في توازن المجتمعات حيث يتحوّل إلى إنسانٍ يحترف أخذ الأموال والاختلاس والرّشوة والسّرقة، ويكسُل عن أيّ عملٍ.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾: أطلق الحقّ سبحانه وتعالى قضيّةً عامّةً.

﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾: أي وباله عائدٌ عليكم.

ﱣﲖ ﲗ ﲘﱢ: الله سبحانه وتعالى يخاطب الباغي قائلاً: يا من تريد أن تأخذ حقّ غيرك اعلم أنّ قصارى ما تستطيع أن تأخذه هو بعضٌ من متاع الدّنيا، ثمّ ستُجازى بعد ذلك في الآخرة.

﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ ﴾ وحين نرجع إلى الله سبحانه وتعالى فلا ظلم أبداً، يقول جلّ وعلا: ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾ ]غافر: من الآية 17[؛ لأنّه سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ ]الأنبياء: من الآية 47[.

﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾: فلكلّ فعلٍ مقابلٌ؛ ثوابٌ أو عقابٌ.

([1]) سنن ابن ماجه: كتاب الزّهد، باب البغي، الحديث رقم (4212).

([2]) شعب الإيمان: الرّابع والأربعون من شعب الإيمان وهو بابٌ في تحريم أعراض النّاس وما يلزم من ترك الوقوع فيها، فصل فيما ورد من الأخبار في التّشديد على من اقترض من عرض أخيه المسلم شيئاً بسبٍّ أو غيره، الحديث رقم (6671).

الآية رقم (24) - إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أراد الله سبحانه وتعالى أن يضرب لنا مثلاً، والمثل: هو شيءٌ نريد أن نمثّله بشيءٍ آخر، كمن يقول لك: ألا تعرف فلاناً؟ فتقول: لا أعرفه، فيردّ عليك قائلاً: إنّه مثل فلانٍ بالشّكل، وهكذا عرّفت المجهول بمعلومٍ.

﴿ كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: الماء الّذي ينزل من السّماء هو الماء الصّالح للريّ والسّقي، والمياه الّتي في الوجود هي مخازنٌ للحياة، وغالباً ما تكون مالحةً كمياه البحار والمحيطات، وشاء الله سبحانه وتعالى ذلك لحمايتها من العفن والفساد، ثمّ تتمّ عمليّة تقطير المياه بأشعة الشّمس الّتي تحوّل الماء إلى بخارٍ، ويتجمّع كسحابٍ ثمّ يسقط ماءً عذباً مقطّراً صالحاً للشّرب.

﴿ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: الاختلاط: هو اجتماع شيئين أو أشياء على هيئة الانفصال، بحيث يمكن أن تعزل هذا عن ذاك، فإن خلطنا مثلاً حبّات الفول مع حبّات الحمّص، فنستطيع أن نفصل أيّاً منهما عن الآخر، وهو يختلف عن المزج، ومثاله: إذا عُصِرَت ليمونةٌ على ماءٍ محلّىً بالسّكر يذوب كلّ جزيءٍ من اللّيمون والسّكر في جزيئات الماء، وهنا يقول سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ قد يُفهم من ذلك أنّ الماء والنّبات قد اختلطا معاً، لكنّ النّبات كما نعلم كائنٌ حيٌّ مخلوقٌ من الماء مصداقاً لقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ ]الأنبياء: من الآية 30[، ولا بدّ أن نلفت الأنظار إلى الفارق بين (باء الخلط) و(باء السّببيّة) فالباء هنا في هذه الآية هي (باء السّببيّة)، لذلك يكون المعنى: فاختلط بسببه نبات الأرض، فبعد سقوط المطر نجد أنّ المياه تغطي الأرض، وبعد ذلك بأيّامٍ أو أسابيع نجد سطح الأرض مغطّىً بالمزروعات المختلطة المتشابكة.

﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾: المثل الّذي نحن بصدده هنا هو تشبيه الحياة الدّنيا بأمرٍ نُدركه، وهو الزّرع الّذي يرتوي بالمطر، وبعد أن يأخذ حظّه في الازدهار والجمال ينتهي، كذلك الدّنيا.

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: الزّخرف: هو الشّيء الجميل المستميل للنّفس تسرّ به حينما تراه.

﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: تتزيّن الدّنيا بالألوان المتنوّعة في تنسيقٍ بديعٍ.

﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾: مهما ظنّ النّاس أنّهم قادرون على هذه الدّنيا وعلى تحقيق الأهداف فيها، فهناك حقيقةٌ لا يمكن أن تغيب عنهم وهي أنّها إلى زوالٍ، فلا خلود ولا بقاء فيها.

﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾: يصبح كلّ شيءٍ حصيداً؛ أي محصوداً منتهياً، وهذا ما نراه في حياتنا، فالدّنيا بكلّ جمالها الّذي نراه تذوي، وما نراه من بديع ألوانها يذبل.

﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾: أي كأنّها لم يكن لها وجودٌ، فإذا كانت الدّنيا كلّها مثل عمليّة الزّرع في الأرض الّذي ينمو ويزدهر ويزدان ثمّ ينتهي، ألا يجب أن ننتبه إلى أنّ كلّ زخرفٍ إلى زوالٍ، وعلينا ألّا نُفتن بزينة الدّنيا ومتاعها، ونحرص على ألّا نبغي في الأرض؛ لأنّ البغي هو ضمن متاع الحياة الدّنيا الزّائلة.

﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: الإسلام يُخاطب العقل دائماً، ويُعمل الفكر، والتعقّل: هو أن تأتي بالمقدّمات لتستنبط وترى إلى أيّ نتائج تصل، أمّا التّذكّر: فيعني ألّا تنسى وألّا تغفل عن الأمر المهمّ، أمّا التّفكّر: فهو أن تُعمل الفكر، والفارق بين الفكر والعقل هو أنّ العقل أداة التّفكّر، والتّدبّر: هو ألّا ننظر إلى ظواهر الأشياء، بل إلى المعطيات الخفيّة في أيّ أمرٍ، لذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ ]محمّد[؛ أي اجعل بصيرتك تمحّص البدايات والنّهايات لتعرف أنّ المرجع والمصير إلى الله تعالى، والعاقل هو من يعدّ نفسه للقاء الله سبحانه وتعالى، وقد يرهق الإنسان نفسه في الدّنيا الفانية، لكنّ الرّاحة لا تكون إلّا في الآخرة.

الآية رقم (25) - وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾: هي الآخرة الّتي تختلف عن دار الأكدار دار الدّنيا المليئة بالمتاعب، الدّنيا الّتي تزهو وتتزخرف ثمّ تنتهي إلى حطامٍ، لذلك يدعو الله سبحانه وتعالى إلى دارٍ أخرى هي دار السّلام؛ لأنّ من المنغّصات على أهل الدّنيا أنّ الواحد منهم قد يأخذ حظّاً من الجاه والمال والصّحّة ولكنّه في ظلّ أرقٍ من أمرين: الأوّل هو الخوف من أن يفارقه هذا النّعيم وهو حيٌّ، والثّاني أن يفارق هو هذا النّعيم بالموت، وهذا هو ديدن الدّنيا، أمّا الآخرة فالإنسان يحيا فيها في نعيمٍ مقيمٍ.

دار السّلام: هي دار الله سبحانه وتعالى، فهو السّلام، أمّا البشر فمنهم من يُعطيك السّلام، لكنّه يُكنّ لك غيره، أو قد يعطيك السّلام، ويريد بك السّلام، لكنّه من الأغيار يتغيّر، فلا يستطيع أن يعطيك السّلام دائماً، لكن إذا جاء السّلام من السّلام جل جلاله فهو سلامٌ من ربٍّ لا يُعجزه شيءٌ ولا يعوذه شيءٌ ولا تلحق به الأغيار، لذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) ﴾ ]الرّعد[.

﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾: الهداية نوعان: هداية الدّلالة وهداية المعونة، فمن أخذ المنهج سهّل الله سبحانه وتعالى له طريق الصّراط المستقيم، وهي هداية المعونة.

الآية رقم (13) - وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ

﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾: قرون: جمع قرنٍ، والقرن يأتي من المقارنة، وقد يكون القرن لشيءٍ اشترك فيه النّاس جميعاً، يُقال مثلاً: قرن الزّلازل؛ لوجود زلازل فيه، أو حدثٍ معيّنٍ عمّ النّاس جميعاً، وحسب المدّة الزّمنيّة فالقرن هو مئة عامٍ.

﴿ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾: الإهلاك لا يكون إلّا عند الظّلم، ومعناه: نقل الحقّ من صاحبه إلى غيره، وخلق السّماوات والأرض قام على العدل وليس على الظّلم، والعدل هو الأساس، لذلك عندما يعمّ الظّلم يكون الإهلاك، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) ﴾  ]الرّحمن[، وقال عز وجل: ﴿ ۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) ﴾ ]النّساء[.

﴿ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: الحجّة هي الكتب السّماويّة الّتي جاءتهم، والمعجزات الّتي بيّنها الرّسل الكرام، وأثبتوا فيها صدق البلاغ عن الله سبحانه وتعالى، لكنّ المولى سبحانه وتعالى يعلم ما سيقوم به النّاس، ويعلم أحوالهم.

 ﴿ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾: فسبق في علم الله سبحانه وتعالى، لكن قد يقول قائلٌ: ما ذنبهم؟ والجواب: هذا علم الله جل جلاله الكاشف، نضرب مثلاً من باب التّقريب إلى الأذهان، أبٌ وأمٌّ أرادا الخروج من البيت وتركا أولادهما فقالا لهم: تركنا في الثّلاجة اللّبن والزّيتون وصحناً فيه دجاجٌ مع الأرز فكلوا ما شئتم، وأثناء خروجهما تحدّثا إلى بعضهما أنّهما يعلمان أنّ الأولاد لن يأكلوا الدّجاج والأرز؛ لأنّه يحتاج إلى تسخينٍ، بل سيستسهلون أكل اللّبن والزّيتون، فهما يعرفان مسبقاً ما سيختارونه، ولكنّهما تركا لهم الخيار، ولله المثل الأعلى، فالمولى سبحانه وتعالى  عندما قال: ﴿ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ فهو جل جلاله بعلمه الكاشف يعلم بأنّهم لن يؤمنوا.

 ﴿كَذَلِكَ ﴾: مثل حال هؤلاء الّذين أهلكناهم.

﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: هم الّذين أجرموا بحقّ الآخرين، وأجرموا بظلمهم لأنفسهم؛ لأنّ الشّرك ظلمٌ عظيمٌ.

الآية رقم (14) - ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ﴾: الخليفة: هو الّذي يخلف غيره، والله تعالى بيّن منذ خلق آدم عليه السلام مهمّة النّاس: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾  ]البقرة: من الآية 30[، خليفةً؛ أي يخلف الإنسان الّذي سبقه، أو بمعنى خليفةً عن الله جل جلاله في الأرض؛ لينفّذ أوامره ويأخذ بأسبابه في دنياه.

﴿ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾: أي أنّكم أتيتم بعد من كانوا قبلكم.

﴿ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾: المراد هنا نظر العلم الّذي يُعطي الحجّة على الخلق؛ أي أنّ الله سبحانه وتعالى  يعلم ماذا سنعمل، لكنّ علمه سبحانه وتعالى من سينصر منهجه هو أمرٌ غيبيٌّ، فحتّى لا يقول أحدٌ: إنّ انتصار المنهج جاء صدفةً، بل يريد الحقّ سبحانه وتعالى  أن يجعل نصرة منهجه الّذي أراده للخلق بيد النّاس وليس فرضاً على النّاس، فالله سبحانه وتعالى  يأمر بـ: (افعل) و(لا تفعل)، وترك الخيار للنّاس في أن يؤمنوا أو لا، أن يعملوا بالمنهج الّذي جاء به أو لا، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾؛ أي حتّى تكون حجّةً عليهم، فيكون المعنى: جعلناكم خلائف في الأرض من بعد القوم الّذين أجرموا والّذين ظلموا، لننظر هل ستسيرون على الخطا ذاتها أو أنّكم ستعملون العمل الصّالح الّذي أمركم الله سبحانه وتعالى  به؟ والله جل جلاله أعلم بذلك، ولكنّ علمه سبحانه وتعالى هو علمٌ كاشفٌ أزليٌّ، ولا علاقة للإنسان بعلم الله عز وجل، ولا يملك أن يحتجّ به، والإنسان مخيّرٌ مأمورٌ بأن يعمل الصّالحات ويترك الشّرور والآثام، وسيُحاسب على اختياره.

الآية رقم (15) - وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾: الآيات قد يُراد بها آياتٌ كونيّةٌ، وهي العجائب الّتي في الكون، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ ﴾  ] فصّلت: من الآية 37[، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ﴾  ] الرّوم: من الآية 21[، وقد تأتي بمعنى المعجزة، وهي دليلٌ على صدق الرّسل 4 في البلاغ عن الله سبحانه وتعالى، وقد تأتي بمعنى آيات القرآن الكريم.

﴿ بَيِّنَاتٍ﴾: أي واضحات.

﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾: وهم الّذين لا يؤمنون بالإله ولا البعث؛ لأنّهم قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾  ]الجاثية: من الآية 24[، وقالوا: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾  ]الصّافّات[، والإنسان الّذي لا يؤمن بالبعث لا يؤمن بلقاء الله سبحانه وتعالى، وسيُفاجأ بالإله الّذي أنكره، وستكون المفاجأة صعبةً عليه، أمّا الّذي يؤمن بالبعث فهو يؤمن بلقاء الله عز وجل ويعدّ نفسه لهذا اللّقاء بالعبادة والعمل الصّالح.

﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾: هم يطلبون طلبين: قرآناً غير هذا، أو تبديل بعض الآيات الّتي جاءت فيه، يريدون حذف الآيات الّتي تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات الّتي تتوعّد بسوء المصير للمكذّبين، فيأتي الجواب من الله سبحانه وتعالى على شقٍّ واحدٍ ممّا طلبوه، وهو المطلب الثّاني يقول عز وجل: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ فلم يردّ الحقّ سبحانه وتعالى  على قولهم: ﴿ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا ﴾؛ لأنّ الإتيان بقرآنٍ غير هذا يتطلّب تغييراً للكلّ، لكنّ التّبديل هو الأمر السّهل، وقد نفى الأسهل ليعلموا أنّ طلب الأصعب منفيٌّ من طبيعته، فاكتفى بالرّدّ على المطلب الثّاني.

﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ ﴾: أمر الله سبحانه وتعالى النّبيّ ﷺ أن يبيّن لهم أنّ أمر التّبديل ممكنٌ، لكن ليس من عند رسول الله ﷺ، بل بأمرٍ من الله جل جلاله، وقد قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ﴾ ]النّحل: من الآية 101[، فأجاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما أمره الله سبحانه وتعالى.

﴿ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾: أي من جهتي، ويسمّون التّلقاء هنا: الجهة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ ﴾ ]القصص: من الآية 22[، تلقاء؛ أي جهة مدين، وتلقاء قد تأتي بمعنى اللّقاء، تقول: لقيت فلاناً؛ أي أنا وفلانٌ التقينا في مكانٍ واحدٍ فنحن نوجد فيه.

﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾: يبيّن النّبيّ ﷺ بأنّه وحيٌ يوحى، فهو لا يـأتي بالقرآن الكريم من عند نفسه، بل بوحيٍ من الله سبحانه وتعالى.

﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾: أي أنّه ﷺ لو جاء بشيءٍ من عنده ففي هذا معصيةٌ لله سبحانه وتعالى ، ونحن نعلم أنّ رسول الله ﷺ لم يُعرف عنه أنّه كان شاعراً ولا كاتباً، وبعد نزول الوحي عليه من الله سبحانه وتعالى جاء القرآن الكريم في منتهى البلاغة والإعجاز والإحكام، وقد نزل الوحي عليه ﷺ وهو في الأربعين من عمره، ولا توجد عبقريّةٌ تؤجّل إلى هذه المرحلة من العمر.

الآية رقم (16) - قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

يقول النّبيّ ﷺ للّذين طلبوا تغيير القرآن أو تبديله: لقد عشت طوال عمري معكم، ولم تكن لي قوّة بلاغةٍ أو شعرٍ أكتمها حتّى بلغت الأربعين، ورأيتم أنّه ﷺ لم يجلس إلى معلّمٍ، واتّهموه مع ذلك بقولهم: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ ]النّحل: من الآية 103[، ففضحهم الحقّ سبحانه وتعالى بأنّه أنزل في القرآن الكريم: ﴿ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)﴾ ]النّحل: من الآية 103[، والنّبيّ ﷺ لم يخرج من شبه الجزيرة العربيّة قبل البعثة، ولم يقرأ مؤلّفات أحدٍ، فمن أين جاء القرآن الكريم؟ لقد جاء من الله سبحانه وتعالى ولا داعي للاتّهام أنّ القرآن الكريم من عند محمّد ﷺ.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ يدلّنا على أنّ القضيّة الّتي كذّبوا فيها رسول الله ﷺ نشأت من عدم استعمال العقل، فلو أنّهم استعملوا عقولهم في استخدام المقدّمات المحسوسة الّتي يؤمنون ويسلّمون بها لانتهوا إلى القضيّة الإيمانيّة الّتي يقولها رسول الله ﷺ، ومهمّة العقل دائماً مأخوذةٌ من اشتقاقه، فالعقل مأخوذٌ من عِقالٍ كعِقال البعير، وهو الحبل الّذي يربط بين ساقي الجمل حتّى لا ينهض ولا يتحرّك إلى أن نحتاج هذه الحركة، فالعقل إنّما جاء ليحكم الـمَلَكات؛ لأنّ كلّ مَلكةٍ في الإنسان لها نزوعٌ إلى شيءٍ، فالعين لها مَلَكة أن ترى كلّ شيءٍ، فيقول لها العقل: لا تشاهدي ذلك؛ لأنّه منظرٌ سيؤذيك، والأذن تحبّ أن تسمع كلّ قولٍ، فيقول لها العقل: لا تسمعي حتّى لا يضرّك، فالعقل هو الضّابط على بقيّة الجوارح، وكذلك كلمة الحكمة مأخوذةٌ من الحَكَمَ، وهو اللّجام الّذي يوضع في فم الفرس حتّى لا يجمح وتظلّ حركته محسوبةً، فلا يتحرّك إلّا بالاتّجاه الّذي تريد، فشاء الحقّ سبحانه وتعالى أن يميّز الإنسان بالعقل والحكمة ليقيم الموازين لـمَلَكَات النّفس، فخذوا أيّها النّاس المقدّمات الـمُحسوسة الّتي تؤمنون بها وتشاهدونها وتسلّمون بها؛ لتستنبطوا أنّه ما جاء هذا الكلام من عند محمّد ﷺ وإنّما من عند الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (17) - فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ

كيف يمكن للرّسول ﷺ أن يكذب على الله جل جلاله، وهو لم يكذب عليهم في حياته وأموره معهم، وقد جرّبوا ذلك؟ إنّ الّذي لم يكذب في أوّل حياته ليس من المعقول أن يكذب في كبره.

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: عندما يكذب الكاذب يفعل ذلك ليدلّس على الّذين أمامه، فهل يكذب أحدٌ على من يعرف الأمور على حقيقتها وهو الله سبحانه وتعالى؟ لا أحد قادرٌ على ذلك، ومن يكذب على البشر المساوين له يظلمهم، لكن الأظلم منه هو من يكذب على الله سبحانه وتعالى ويقول: هذا من عند الله عز وجل.

﴿افْتَرَى﴾: الافتراء: هو كذبٌ متعمّدٌ، فمن الجائز أن يقول الإنسان قضيّةً يعتقد أنّها واقعةٌ بإخبار من يثق به، ثمّ يتبيّن بعد ذلك أنّها غير واقعةٍ، فهذا كذبٌ لكنّه غير متعمّدٍ.

﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾: أي بحججه ورسله وآيات كتابه.

     ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: لم يحدّد مَن المجرم، بل ترك الحكم للسّامع، كأن تقول لإنسانٍ في قضيّةٍ بينك وبينه: احكم أنت، فعندما تفوّض هذا الإنسان بالحكم فإنّه لن يصل إلّا لما تريد.

الآية رقم (18) - وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: هذه الأصنام الّتي كانوا يعبدونها لا تأمرهم بشيءٍ ولا تنهاهم عن شيءٍ، لذلك لا تصحّ عبادتها؛ لأنّ العبادة طاعةٌ، تتطلّب أمراً ونهياً، والمشركون كانوا هم مَن يقترحون الأوامر والنّواهي، وهو أمرٌ لا يليق؛ لأنّ المعبود هو الّذي عليه أن يحدّد أوجه الأوامر والنّواهي، ومن الحمق أن يعبد أحدٌ الأصنام؛ لأنّها لا تضرّ مَن خالفها ولا تنفع مَن عبدها.

﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: عندما تجادلهم وتثبت لهم بأنّ تلك الأصنام لا تضرّ ولا تنفع، تجد من يكابر قائلاً: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهم بهذا القول يعترفون أنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي ينفع ويضرّ، لكنّهم اتّخذوا شفعاء عنده عز وجل على مزاجهم وعن محبّتهم لهذه الأصنام، وهل هناك شفاعةٌ دون إذنٍ من المشفوع عنده؟ من أجل ذلك جاء الأمر من الحقّ سبحانه وتعالى لرسول الله ﷺ:

﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: فمن أين جئتم بقضيّة شفاعة الأصنام لكم عند الله جل جلاله؟ إنّها قضيّةٌ لا وجود لها، وسبحانه لم يبلّغ أنّ هناك أصناماً تشفع، فقولكم هذا فيه كذبٌ متعمّدٌ وافتراءٌ على الله عز وجل، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: كقوله عز وجل: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ]الحجرات[، وهو ردٌّ على من يريد تشريعاتٍ على هواه.

﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾: تنزيهٌ له سبحانه وتعالى  فهو الخالق لكلّ شيءٍ، ويعلم كلّ شيءٍ، وقضيّة شفاعة الأصنام إنّما هي قضيّةٌ مفتراةٌ لا وجود لها، وهي ليست من أمر الله سبحانه وتعالى ، والشّراكة هي طلب معونةٍ إمّا مِن المساوي وإمّا من الأعلى، والله سبحانه وتعالى  لا يوجد له مساوٍ ولا أعلى جل جلاله، وهو منزَّهٌ عن أن يُشرَك به؛ لأنّ الشّريك إنّما يكون ليُساعد شريكه، والله جل جلاله لا يحتاج إلى أحدٍ في مُلكيّة وإدارة الكون.

الآية رقم (19) - وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾: وقد جاءت آيةٌ في سورة (البقرة) مشابهةٌ لهذه الآية، وإن اختلف الأسلوب، وهي قوله سبحانه وتعالى:

﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ]البقرة[، الّذين يقرؤون القرآن الكريم بسطحيّةٍ وعدم تعمّقٍ قد لا يلتفتون إلى الآيات الّتي تتشابه بالمعنى العامّ، هذه الآيات توازن بين المعاني فلا تضارب بينها على الإطلاق، والاختلاف الّذي حدث بين النّاس جاء في آية البقرة في المؤخّرة، بينما الاختلاف في هذه الآية جاء في المقدّمة، وهذا دليلٌ على أنّ النّاس كانوا أمّةً واحدةً على الإيمان، فآدم عليه السلام كان على الإيمان، وليس هناك أناسٌ أولى من أناسٍ عند الخالق سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى  عندما أنزل آدم عليه السلام إلى الأرض أنزل معه المنهاج (افعل) و(لا تفعل)، وأنزل معه الهداية، وبعد مرور مرحلةٍ من الزّمن اختلفوا على هذه الهداية، فلا بدّ أن ينزل إليهم رسولٌ يذكّرهم.

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾: أمر الله سبحانه وتعالى  وقضاؤه سبق بأن هؤلاء النّاس الّذين اختلفوا وجحدوا لو شاء الله سبحانه وتعالى لأهلكهم، ولكنّ مشيئته جل جلاله بأن يبعث الرّسل والرّسالات لتذكّر النّاس بعهد الفطرة كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ ]الأعراف[، فكلّ إنسانٍ يولد على الفطرة، وهذه الفطرة أوّلاً هي الإيمان الّذي سبق، ثانياً إنّ آدم عليه السلام أوّل إنسانٍ نزل إلى الأرض، كان مؤمناً ولديه المنهج، فكان النّاس أمّةً واحدةً فاختلفوا، وقد شاء الله سبحانه وتعالى  أن تكون للإنسان مشيئةٌ يختار بها بين الخير والشّرّ.

الآية رقم (20) - وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ

﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: لماذا لم يصدّقوا آيات القرآن الكريم وهي معجزةٌ بالنّسبة إليهم؟ الجواب: إنّ استقبال القرآن الكريم فرعٌ لتصديق الرّسول صلى الله عليه وسلم، وقد حدث هذا اللّبس عندهم؛ لأنّهم ظنّوا أنّ الآية هي الآية المحسوسة الكونيّة، فكانوا يريدون معجزةً مشهودةً مثل عصا موسى عليه السلام، وما علموا أنّ الآيات الّتي سبق بها الرّسل 4 جاءت لتناسب أزمان رسالاتهم ومواقعهم من المرسل إليهم، لذلك كانت حسيّةً كعصا موسى عليه السلام، ونار إبراهيم عليه السلام، وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام…، أمّا رسالة النّبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم فهي عامّةٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ، ولو جعل الله سبحانه وتعالى  له آيةً حسيّةً؛ أي معجزةً مثل العصا لآمن بها من شاهدها فقط، ولأصبحت بالنّسبة إلينا خبراً لمن لم يشاهدها، ومعجزة رسول الله محمّد : الباقية إلى قيام السّاعة، هي القرآن الكريم، وقد تحدّثت كتب السّيرة بأنّ الماء نبع من بين أصابع النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن معجزة الإسراء والمعراج، وغيرهما الكثير، لكنّ المعجزة الأساسيّة الباقية هي معجزة القرآن الكريم، هنا يقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، إذا دخلت (لولا) على جملةٍ اسميّةٍ فالمقصود بها عدم حدوث شيءٍ لوجود شيءٍ آخر، كقول إنسانٍ لآخر: لولا أنّ زيداً عندك لأتيتك، وبذلك ينعدم ذهابه إلى فلانٍ لوجود زيدٍ عنده، وبهذا تكون (لولا) حرف امتناعٍ لوجود، وكذلك كلمة (لو ما) إن وجدناها تدخل على جملةٍ اسميّةٍ فلنعرف أنّها امتناع شيءٍ لوجود شيءٍ آخر، أمّا إن دخلت (لولا) على جملةٍ فعليّةٍ فلنعلم أنّها للتّحضيض والعرض، وقد قالوا: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وكأنّهم لا يعترفون بالقرآن الكريم، وطلبوا آيةً حسّيّةً، لذلك نجد الحقّ سبحانه وتعالى يقول في موقعٍ آخر في القرآن الكريم: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ ]القصص: من الآية 48[، وقولهم هذا كان تشبّثاً بالكفر مع أنّهم شهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاشوا معه في أحواله كلّها، وحدثت الآيات الحسّيّة ورآها من آمن في ذلك الوقت، أمّا هم فلم يؤمنوا، ومنهم مَن طلب آياتٍ اقترحوها بأنفسهم على الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92)﴾ ]الإسراء[، والآيات لا تكون باقتراح المرسَل إليهم، بل بتفضّل المرسِل سبحانه وتعالى، قال عز وجل: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ]الإسراء: من الآية 59[، على ذلك يكون قولهم بطلب الآيات مدحوضاً؛ لأنّ الحقّ سبحانه وتعالى قد أرسل الآيات من قبل وكذّب بها الأوّلون.

﴿ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾: يعلّم الحقّ سبحانه وتعالى رسوله جواباً احتياطيّاً؛ أي من الممكن أن يُنزّل الحقّ سبحانه وتعالى آيةً حسّيّةً ومن الممكن ألّا يُنزّل، فرسول الله ﷺ  لا يحكم على ربّه جل جلاله؛ لأنّ الغيب أمرٌ يخصّه سبحانه وتعالى وحده، إن شاء جعل ما في الغيب مشاهداً وإن شاء جعله غيباً مُطلقاً، وليس عليكم إلّا الانتظار، ويعلن رسول الله ﷺ أنّه معهم من المنتظرين.

الآية رقم (5) - هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾: بعد أن بيّن الحقّ سبحانه وتعالى  أنّه خلق السّماء والأرض والكون كلّه وسخّره للإنسان، جاء لنا بنِعَمٍ من آياته الّتي خلقها وجعلها سبحانه وتعالى  سبباً لقوام حياتنا، فالشّمس هي الّتي تنضج لنا كلّ شيءٍ في الوجود، وتعطي لكلّ كائنٍ الإشعاع الخاصّ به، كما أنّها تبخّر المياه، لينزل بعد ذلك عذباً فراتاً يرتوي منه الإنسان، وتشرب منه الأنعام، وتروى به الزّروع، وهي الأمّ لمجموعةٍ من الكواكب الّتي تدور حولها، فدورة الأرض حول الشّمس تمثّل السّنة، ودورة الأرض حول نفسها تمثّل اليوم، ولو نظرنا إلى المعنى السّطحيّ للشّمس والقمر لقلنا: إنّ الشّمس تعطي نوراً وكذلك القمر، ولكنّ النّظرة العلميّة والعميقة تتطلّب أن نفرّق، فالشّمس تعطي ضياءً وليس نوراً، وهناك فارقٌ بين الضّياء والنّور، فالضّياء يكون ذاتيّاً من المضيء، تصحبه الحرارة والدّفء، أمّا النّور فهو ضوءٌ ليس فيه حرارةٌ، كنور القمر الّذي هو انعكاسٌ لضوء الشّمس، ونوره حليمٌ فلا نحتاج إلى ظلٍّ لنستظلّ من حرارته، قال الحقّ سبحانه وتعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾، وكلمة (ضياء) إمّا أن نعتبرها مصدراً؛ مثل صام صياماً قام قياماً ضاء ضياءً، وإمّا أن نعتبرها جمعاً مثل حوض جمعه حياض، روض جمعه رياض.. فكلمة (ضياء) تصلح أن تكون جمعاً وتصلح أن تكون مفرداً، وحين يجيء اللّفظ صالحاً للجمع والإفراد لا بدّ أن يكون له عند البليغ في اللّغة مَلحظٌ؛ لأنّه يحتمل هذه المعاني كلّها، وقبل معرفتنا أسرار ضوء الشّمس لننظر لماذا كلمة ضياء جمع؟ بعد تقدّم العلم حلّل ضوء الشّمس فوجد أنّ ألوان الطّيف سبعةٌ؛ منها ضوءٌ أحمرٌ وأخضرٌ وأصفرٌ… فضياء تعبّر عن تعدّد الألوان المخزونة في ضياء الشّمس انظروا إلى الإعجاز القرآنيّ، وإن قلت: ضياء مثل قيام وصيام فهذا يصلح في المعنى العامّ لاستيعاب العقول في زمن النّزول، لذلك قلنا وما زلنا نقول: كان القرآن الكريم ينزل بما تحتمله العقول المعاصرة لنزوله، وإن كانت لا تعرف المعاني العلميّة للظّواهر، لكن عندما يأتي العلم ويكتشفها نجد أنّها موجودةٌ ومكتنزةٌ بالقرآن الكريم، يقول سبحانه وتعالى  في آياتٍ أخرى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا﴾ ]الفرقان[، والسّراج هو الّذي يعطي الضّوء والحرارة، وهو وصفٌ دقيقٌ ومناسبٌ للشّمس.

﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾: كلمة قدّره تعود في ظاهر الأمر إلى القمر؛ لأنّه آخر مذكورٍ، لكن في الواقع الشّمس لها منازل أيضاً، لماذا قال قدّره؟ لأنّ هناك شيءٌ اسمه (الجعل) فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ، فالجعل جاء في أمرين اثنين، هذا الجعل ذاته جعله الله سبحانه وتعالى  يقدّر به الزّمن، فهو صالحٌ للاثنين: للشّمس وللقمر.

﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾: في العبادات نحتاج إلى تحديدٍ، كتحديد بداية شهر رمضان لنمارس عبادة الصّوم، وتحديد أشهر الحجّ، كذلك تحتاج المرأة إلى حساب شهور العدّة، هذه التّقديرات كلّها تخضع للهلال، فهو علامةٌ واضحةٌ يبدأ صغيراً ثمّ يكبر ثمّ يصغر، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ {يس}، والعرجون هو ما نسمّيه السّباطة، شكله كشمروخ البلح الّذي كانوا يصنعون منه قديماً المكانس الّتي يكنسون بها البيوت في الرّيف، وهكذا أعطانا الحقّ سبحانه وتعالى  تشبيهاً من البيئة الّتي عاش فيها العربيّ القديم، وفي أوّل الشّهر نرى الهلال علامةً مُخبرةً عن بدايته، وهكذا تعلّم الإنسان أن يحسب الشّهور بتقدير منازل القمر بالنّسبة للسّنة، فالحقّ سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ]  التّوبة: من الآية 36[، والتّقدير هنا اثنا عشر شهراً هلاليّاً، أمّا اليوم فيقدّر بالشّمس، لذلك تدخل الشّمس في تقدير المنازل.

﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: الحقّ هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيّر، وحين نتأمّل مسار الأفلاك ومسار الشّمس والقمر لا نجد فيها خلافاً، بل نجد مراصد الغرب وغيره تُعلن مواعيد وجود القمر والأرض والشّمس، وتُحدّد مواعيد ظاهرتي الكسوف للشّمس والخسوف للقمر، وتكون غايةً في الدّقّة من خلال الحسابات العلميّة، وهذا ما سبق به القرآن الكريم، يقول سبحانه وتعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ] يس[، وهذا القول للحكيم العليم أثبت حكماً للنّاس كانوا يعتقدونه سابقاً، ونفى حكماً آخر، فالنّاس في ذلك الوقت كانوا يعتقدون أنّ اللّيل قبل النّهار بدليل أنّ تحديد اللّيلة الأولى في رمضان هو الميعاد ليبدأ به شهر الصّوم، وما داموا قد حكموا بأنّ اللّيل يسبق النّهار، فلا بدّ من حكمٍ مقابلٍ وهو أنّ النّهار لا يسبق اللّيل، وجاء القرآن الكريم إلى القضيّة المتّفق عليها وتركها وهي أنّ النّهار لا يسبق اللّيل مثل ما اعتقد النّاس في ذلك الوقت، ونفى أن يسبق اللّيل النّهار، فصحَّح الله سبحانه وتعالى المفاهيم، هكذا يعرض الحقّ سبحانه وتعالى  الكونيّات عرضاً رمزيّاً في القرآن الكريم؛ لأنّه لو جاء التّوضيح العلميّ وقت النّزول لكذّب النّاس القرآن الكريم، فلم يكشف الحقّ سبحانه وتعالى  الحقائق الكونيّة كلّها، بل أشار إليها بما يحتمل قبول الإنسان بمعلوماته البسيطة في ذلك الوقت لها، فما دام النّهار لا يسبق اللّيل، ولا اللّيل يسبق النّهار، فكيف جاء هذا الأمر إذاً؟ إنّ الحقّ سبحانه وتعالى خلق الشّمس والأرض على هيئةٍ يوجد فيها اللّيل والنّهار معاً، ولا يكون ذلك إلّا إذا كانت الأرض كرويّةً، نصفها مواجهٌ للشّمس ويكون الوقت فيه نهاراً، والنّصف غير المواجه لها يكون الوقت فيه ليلاً، ثمّ تدور الأرض فيأتي النّهار إلى القسم الّذي كان ليلاً، ويأتي اللّيل للقسم الّذي كان نهاراً، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ]الفرقان[، فبيّن الحقّ سبحانه وتعالى أنّ اللّيل والنّهار خلفةً؛ أي أنّ كلّاً منهما كان موجوداً من البدء؛ ولأنّ الأرض تدور جاء النّهار في البلاد الّتي تشرق فيها الشّمس وجاء اللّيل في البلاد الّتي تغيب عنها الشّمس، وتتابع اللّيل والنّهار، فالحقّ سبحانه وتعالى حكى في القرآن الكريم عن الأمور الكونيّة الّتي سوف تكتشفها العقول بعد نزول القرآن الكريم بألف عامٍ، وعالجها بحكمةٍ ودقّةٍ لا مثيل لها.

﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: فصّل الحقّ سبحانه وتعالى  لنا آياته.

الآية رقم (6) - إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ

بيّن الحقّ سبحانه وتعالى اختلاف اللّيل عن النّهار ممّا يؤكّد أنّهما وُجِدا معاً، وعطف عليها:

﴿ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾: فسبحانه خلق الكون وما فيه من مقوّمات حياةٍ من مأكلٍ ومشربٍ وهواءٍ وغير ذلك، ثمّ سخّره لخدمة الإنسان، فقد جاء جل جلاله بالمخلوقات الأخرى مجملةً بعد أن جاء بذكر الشّمس والقمر كآيتين منفصلتين، ثمّ ذكر السّماوات والأرض وما فيهما من آياتٍ أخرى، من رعدٍ وبرقٍ وسحابٍ ونجومٍ وعناصر في الكون وهواءٍ… إلخ، كلّ ذلك مجملٌ في قوله سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنّه لو أراد U أن يفصّل لذكر كثيراً من الآيات والنّعم، وهو القائل سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ]إبراهيم: من الآية 34[.

﴿لَآيَاتٍ﴾: الآيات تطلق ويُراد بها ثلاثة معانٍ، الأوّل: آيات القرآن الكريم، الثّاني: المعجزة الدّالة على صدق الرّسول صلى الله عليه وسلم، الثّالث: بمعنى أنّها عجيبةٌ من عجائب الكون واضحةٌ في الوجود، تدلّ على عظمة الله سبحانه وتعالى ، هذه الآيات خلقها الله سبحانه وتعالى  لتلفت البشر إلى مكوّن هذه الآيات.

﴿لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾: الّذين يتّقون هم الّذين يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، ويأخذون بجوامع الخير، ويأتمرون بما أمر الله سبحانه وتعالى ، وينتهون عمّا نهى عنه، ويزيدون في إحسانهم.

الآية رقم (7) - إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ

﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: الرّجاء: هو طلب شيءٍ محبوبٍ متوقّعٍ، والتّمنّي: طلب شيءٍ محبوبٍ لا يمكن حدوثه، لكن تعلن تمنّيك له، كقول الشّاعر:

ألا ليت الشّباب يعود يوماً       فأخبـــــــره بمــــــا فعــــل المشــــــيب

هو لن يعود، وهنا يقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾، هم لا يرجون لقاء الله عز وجل؛ لأنّ الّذي يرجو لقاء الله جل جلاله هو من أعدّ نفسه لهذا اللّقاء؛ ليستقبل ثواب الله جل جلاله، لكن الّذي لم يقدِّم عملاً يؤهّله لثواب الله سبحانه وتعالى ، بل قدَّم ما يؤهّله لعقاب الله عز وجل، كيف له أن يرجو لقاء الله سبحانه وتعالى ؟ إنّه لا يرجو ذلك أبداً، نرى مثلاً الشّهيد الّذي يقدّم نفسه للشّهادة، وهي أعزّ شيءٍ عنده يفعل ذلك لوثوقه بأنّ ما يستقبله بالاستشهاد هو خيرٌ ممّا يتركه من الحياة، فالّذي يرجو لقاء الله عز وجل هو الّذي يعدّ نفسه لهذا اللّقاء.

﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾: لم يعملوا للآخرة، بل اكتفوا ورضوا بالحياة الدّنيا، وقد سمّى الله سبحانه وتعالى هذه الدّار اسماً، كان يجب علينا بمجرّد سماعه أن ننصرف عنها، وهو (الحياة الدّنيا)، فلا يوجد اسمٌ أقلّ من ذلك، والمقابل هو الحياة العُليا.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾: الغفلة: هي ذهاب المعنى عن النّفس، فما دام المعنى موجوداً في النّفس توجد اليقظة، فالغفلة عكس اليقظة، الّتي هي استقرار المعنى في النّفس.

وبما أنّ الغفلة هي ذهاب المعنى عن النّفس وانطماسه، فإنّ هؤلاء الّذين يمرّون بآياتنا وهم عنها غافلون لن ينتفعوا بشيءٍ منها.

الآية رقم (8) - أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ

﴿أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: مأواهم؛ أي مثواهم ومقامهم.

﴿ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾: أي بسبب ما كانوا يعملون من ذنوبٍ وسيّئاتٍ.

الآية رقم (9) - إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾: يجب أن ننتبه أنّه لم يرد ذكر الإيمان في كتاب الله سبحانه وتعالى  إلّا مقترناً بالعمل الصّالح، كقوله سبحانه وتعالى:  ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾] العصر[، فلا بدّ للإيمان من ترجمانٍ، وقد بيّنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «الإيمان بِضعٌ وسبعون، أو بِضعٌ وستّون شُعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق»([1])، حتّى إماطة الأذى عن الطّريق كشوكٍ تميطه عن طريق النّاس هو شعبةٌ من شُعب الإيمان؛ أي أنّ للإيمان وظائف، فإذا آمنت ولم تقم بوظائف الإيمان كان إيمانك شكليّاً: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ ﴾ ] الحجرات: من الآية 14[، فقد آمنوا بالشّكل فقط، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل»([2]).

﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ﴾: الآية هنا تتحدّث عن الآخرة، بدليل أنّه قال: ﴿ جْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾، فهل هناك هدايةٌ في الآخرة؟ الجواب: يُحتمل أن تكون هذه الهداية تتعلق بالدّنيا، ويُحتمل أن تكون في الآخرة، فكيف نفسّرها؟ عندما يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ يَهْدِيهِمْ ﴾ الهداية هي دلالةٌ على الخير، ففي الدّنيا من أراد أن يكون طريقه الإيمان بالله تعالى فلا بدّ أن يعينه الله سبحانه وتعالى  على ذلك، لذلك قال جل جلاله: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾]  البقرة[،فهذا جزءٌ من الهداية أن يشرح الله سبحانه وتعالى  صدرك للعبادة، وبما أنّ الهداية دلالةٌ على الخير، فإنّ هذه الهداية تنقسم إلى نوعين في الحياة الدّنيا: الأولى: هداية دلالةٍ، فالقرآن الكريم هو هدايةٌ للبشر بغضّ النّظر عن انتماءاتهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾] الإسراء: من الآية 9[، فإن أخذت بهداية الدّلالة جاءتك هداية المعونة من الله سبحانه وتعالى ، وهي النّوع الثّاني من الهداية، وهي المقصودة في هذه الآية بقوله سبحانه وتعالى : ﴿ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ﴾؛ أي نتيجة سلوكهم طريق الإيمان أعانهم الله عز وجل وزادهم هدىً، كما قال سبحانه وتعالى  في موضعٍ آخر: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾] محمّد[، هذا التّفسير إن كان المقصود بها هداية الدّنيا، أمّا إن كانت في الآخرة فنقول: الآخرة ليس فيها تكليفٌ، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم ﴾ ]الحديد: من الآية 12[، فهداية الآخرة هي النّور الّذي يسعى بين أيديهم، ويهديهم إلى طريق الجنّة نتيجة الإيمان في الدّنيا ورجحان كفّة حسناتهم.

﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾: المعلوم أنّه حيث توجد الأنهار توجد الأشجار والخضرة، وهذا تعبيرٌ عن نعيم الآخرة، ولكن هذا التّعبير هو تقريبٌ لما في مخيّلة الإنسان في الدّنيا، وليس تعبيراً عن حقيقة ما هو موجودٌ في الدّنيا، بدليل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾  ]الرّعد: من الآية 35[؛ أي الوصف الّذي يرد للجنّة هو مَثَلٌ يُقرِّب للأذهان كيفيّتها، فأيّ شيءٍ لا يُعطى اسماً إلّا بعد وجوده وحضور معناه إلى الذّهن، فإذا لم يكن هذا الشّيء موجوداً فلا نستطيع أن نقدّره، فما يتعلّق بالغيب نأخذه كما ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الجنّة كما وصفها النّبيّ ﷺ: «فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ»([3]).

(([1] صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان، الحديث رقم (35).

([2]) مصنّف ابن أبي شيبة: كتاب الإيمان والرّؤيا، باب منه، الحديث رقم (30351).

([3]) صحيح مسلم: كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، الحديث رقم (2825).

الآية رقم (10) - دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾: دعواهم؛ أي دعاؤهم، وهذه عبادة تلذّذٍ، وهي اعترافٌ بالنّعمة، فالإنسان يستقبل هذه النّعم العظيمة في الجنّة بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، ولغة التّسبيح هي لغة الملائكة والسّماوات والأرض، قال سبحانه وتعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) ﴾   ] الإسراء[، يستقبل المؤمن هذه النّعم بالتّسبيح، فيُنهي هذا الأمر بالحمد، فيقول في بداية رؤية هذا النّعيم: ﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ﴾.

﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾: السّلام: هو الاطمئنان والرّضا، وعدم شعور الإنسان بأيّ اضطرابٍ أو قلقٍ، كما وصف سبحانه وتعالى حياة أهل الجنّة في موضعٍ آخر بقوله: ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)﴾ ]يس[، حتّى الملائكة تستقبلهم بالسّلام: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) ﴾ ] الرّعد[، فالسّلام هو رمزٌ للرّضا، وهو موجودٌ في كلّ ما يتعلّق بالجنّة، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾؛ أي إشاعة السّلام قولاً وعملاً ونفساً واطمئناناً.

﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾: بيّن الله سبحانه وتعالى أنّ الحمد هو اللّغة السّائدة بعد السّلام والتّسبيح، فحال المؤمنين في الجنّة ما بين التّسبيح والسّلام والحمد، فهم في اطمئنانٍ كاملٍ، لذلك قال النّبيّ ﷺ: «استكثروا من الباقيات الصّالحات»، قيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: «التّكبير والتّهليل والتّحميد والتّسبيح ولا حول ولا قوّة إلّا بالله»([1])؛ لأنّها ستبقى معنا في الجنّة بإذن الله سبحانه وتعالى .

([1]) مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد: المجلّد التّاسع، الحديث رقم (16836).

الآية رقم (11) - وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

هذه قضيّةٌ عقديّةٌ مهمّةٌ جدّاً، وتثير الإشكالات دائماً، حتّى أعداء الإسلام والّذين يتربّصون الشّرّ به من الصّهاينة والغرب والمستشرقين يقولون: ما هي قضيّة الدّعاء؟ من مئات السّنين نراكم وأنتم ترفعون أيديكم للسّماء وتدعون ولا يوجد مجيبٌ، وهنا يجيب الله سبحانه وتعالى على معنىً من معاني الدّعاء قائلاً: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، وفي موضعٍ آخر يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾  ]الإسراء[، فلا أحد يعرف تقدير الأمور، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ]البقرة: من الآية 216[، فالإنسان قد يدعو بمقاييس الخير عنده، فتكون هذه المقاييس مقلوبةً، والخير الّذي يراه، الله سبحانه وتعالى  يرى الخير في غيره، أمّا قضيّة الدّعاء فهي من العقائد الأساسيّة؛ لأنّ «الدّعاء هو العبادة»([1])، كما قال نبيّنا ﷺ، ويقول الله سبحانه وتعالى:  ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ]غافر: من الآية 60[، وبما أنّ الله سبحانه وتعالى  سيستجيب فعلينا ألّا نحمل همّ الإجابة كما يقول سيّدنا عمر رضي الله عنه، بل نحمل همّ الدّعاء؛ لأنّ له شروطاً، هذه الشّروط بيّنها الله سبحانه وتعالى ، فقال عز وجل: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ ]البقرة: من الآية 186[، أين فعل الأمر؟ هو في قوله سبحانه وتعالى :﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ ]البقرة: من الآية 186[، فإذا أردت أن تكون مُستجاب الدّعاء، فلا بدّ أن تُجيب الأوامر، لذلك يقول النّبيّ ﷺ: «رُبَّ أشعثٍ أغبر ذي طمرين مصفّحٍ عن أبواب النّاس لو أقسم على الله لأبرّه»([2])، ويقول ﷺ: «أيّها النّاس، إنّ الله طيّبٌ لا يقبل إلّا طيّباً، وإنّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المُرسَلين فقال:﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾] المؤمنون[، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ ] البقرة: من الآية 172[، ثمّ ذكر الرّجل يُطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء: يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذِّيَ بالحرام، فأنّى يُستَجاب لذلك؟»([3])، فلا يمكن أن يُستجاب له إذا كان قد غُذّي من حرامٍ، فهناك شروطٌ لاستجابة الدّعاء، وهناك مقاييس الخير أيضاً، حتّى ولو أنّ الشّروط محقّقةٌ، فالله سبحانه وتعالى بمشيئته يقرّر لون الإجابة فيمكن أن يدعو الإنسان بأمرٍ، والله سبحانه وتعالى  يدفع عنه أمراً آخر بهذا الدّعاء، ومثال ذلك: إنسانٌ مريضٌ قد استفحل فيه المرض، فيقول: يا ربّ، أرحني، والرّاحة لا تكون إلّا في الموت، والموت له أجلٌ، فبرأيه هو يطلب الخير بهذا الدّعاء، ولكن حقيقة مقاييس الخير يقدّرها المولى سبحانه وتعالى ، فيدفع عنه، أو يتحوّل هذا الدّعاء إلى عبادةٍ يؤجر عليها، ويكون الثّواب في الآخرة على كلّ دعوةٍ دعاها.

﴿فَنَذَرُ﴾: أي ندع.

﴿ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾: الطّغيان: هو تجاوز الحدّ.

الّذي يرجو لقاء الله سبحانه وتعالى هو من استعدّ لهذا اللّقاء، والّذين لا يرجون لقاء الله جل جلاله لم يستعدّوا للقائه عز وجل، فيتركهم المولى سبحانه وتعالى في إسرافهم وتجاوزهم وطغيانهم.

﴿يَعْمَهُونَ﴾: العمه يكون للبصيرة، والعمى للعين.

([1]) سنن أبي داود: كتاب سجود القرآن، باب الدّعاء، الحديث رقم (1479).

([2]) المعجم الأوسط للطّبرانيّ: ج 1، ص 264، الحديث رقم (861).

([3]) صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصّدقة من الكسب الطّيّب وتربيتها، الحديث رقم (1015).