الآية رقم (109) - وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ

﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾: أي كلّفوا أنفسهم كثيراً بالحلف بأنّهم لو جاءتهم آيةٌ ليؤمنوا بالله سبحانه وتعالى، فقالوا: أنزل من السّماء آيةً كي نراها، كلّم الموتى، افعل أيّ شيءٍ يكون فيه معجزةٌ حتّى نؤمن، وهنا ستجد بأنّك أمام مشهدٍ لهؤلاء الّذين أشركوا بالله سبحانه وتعالى، والّذين أُغلقت أبصارهم وقلوبهم عن الإيمان بالله عزَّ وجلّ، فكأنّ المولى سبحانه وتعالى يقول لهم: نحن لا نريد أعناقاً تخضع ولكنّنا نريد قلوباً تخشع.

﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾: لننظر إلى دقّة كلام الله سبحانه وتعالى والفارق بينه وبين كلام البشر، قال سبحانه وتعالى: ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، ولم يقل: (يؤمنون)؛ لأنّ هذا كلام ربٍّ لا كلام عبدٍ، هذا القرآن العظيم هو كلام الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى لا يوجد لديه زمنٌ، فأراد سبحانه وتعالى أوّلاً أن يعطي جواباً للفئتين لفئة المؤمنين الّذين قالوا: ربّما ينزّل الله سبحانه وتعالى آياتٍ ومعجزاتٍ فيؤمن هؤلاء، فيعطيهم سبحانه وتعالى الجواب: هؤلاء لا يؤمنون ابتداءً لذلك قال جلَّ جلاله: في بداية سورة (البقرة): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة]، لماذا؟ الجواب: ﴿خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ [البقرة]، إذاً هناك ختمٌ مطبوعٌ على قلوبهم، فالله سبحانه وتعالى يعطيك النّتيجة بأنّهم لا يؤمنون، فإيّاكم أن تقولوا: بأنّه لو نزلت آيةٌ لآمن بعضهم، فهم لا يؤمنون حتّى لو نزلت معجزةٌ من السّماء؛ لأنّه قد خُتم على قلوبهم، فالله تبارك وتعالى مطّلعٌ على قلوبهم بأنّهم لا يؤمنون، فعندما يعطي الجواب يعطي جواب إلهٍ، ولا يعطي جواب بشرٍ، والجواب للفئتين، والله سبحانه وتعالى مطّلعٌ بأنّهم منذ البداية أغلقوا قلوبهم عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى فأعطى جواباً قطعيّاً خبريّاً مستمرّاً.

الآية رقم (107) - وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ

﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ﴾: هذه قضيّةٌ يجب أن تكون دائماً أمام أعيننا، أي كافرٍ لم يكفر قهراً عن الله سبحانه وتعالى، وإنّما لأنّ الله سبحانه وتعالى أرخى له الزّمام بالاختيار، فلا نجبر النّاس، ولا نكلّف أنفسنا أكثر ممّا كلّفنا المولى تبارك وتعالى، فنحن لا نريد أعناقاً ولا قوالبَ، نحن نريد قلوباً وهذا هو الأساس من هذه الآية الّتي نتحدّث عنها الآن، ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾: الله سبحانه وتعالى وكيلٌ، والله عزَّ وجلّ حفيظٌ، أنت لست حفيظاً عليهم، ولست وكيلاً عليهم، وإنّما أنت مذكّرٌ لهم يا محمّد، وهذا هو أساس الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية مرتبطةٌ بالآية الّتي تليها بطريقة الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى الّتي حدّد القرآن الكريم معالمها.

الآية رقم (108) - وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

هذه الآية هي حجّةٌ بالنّسبة للدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى وإلى مبادئ وشريعة الإسلام، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية طريق الدّعوة إليه بأنّه لا يكون بالشّجار والخصام والقهر والكلام البذيء والسّباب، لذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ﴾ لماذا؟ حتّى لا يتجاوزوا فيسبّوا الله جلّ وعلا ﴿عَدْوًا﴾ وهو تجاوز الحدّ؛ لأنّهم قد أشركوا بالله سبحانه وتعالى، فعليك أن تقدّم النّصيحة بشكلٍ مقبولٍ بالنّسبة للنّاس، لتغيير ما ألفوا عليه من عاداتٍ، فلا بدّ من الحوار، أمّا الشّتائم والقهر والقوّة والعنف والعدوان فهي ليست الطّريق، لذلك نقول: الإسلام هو دين اللّطف، وليس دين العنف، فكلّ الاتّهامات الّتي توجّه لديننا الإسلاميّ هي باطلةٌ، فالله تبارك وتعالى بيّن بشكلٍ قاطعٍ بأنّ طريق الدّعوة هو: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النّحل: من الآية 125]، وليس بالّتي هي أسوأ، حتّى لو سبّوا.

الآية رقم (106) - اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ

﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾: أي داوم وتابع واستمرّ، والوحي: هو الإعلام بخفاءٍ، فاستمرّ ولا تلتفت إليهم، ولا تحزن عليهم، ولا تكن في ضَيقٍ ممّا يمكرون يا محمّد.

﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: أعرض عنهم، ولا تجلس معهم، بلّغهم وأعرض عنهم، فأنت لم تؤمر بأن تقاتلهم ليؤمنوا.

الآية رقم (105) - وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

﴿نُصَرِّفُ الآيَاتِ﴾: نقلّب، أي نقلّب الآيات، نبيّن الآيات، نوضّحها، أي كلّ ما يتعلّق بالآيات الكونيّة والآيات القرآنيّة الموجودة والمبثوثة في هذا الكون.

﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾: ويقولون درست: هم قالوا: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النّحل]، فاتّهموا النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنّه تعلّم هذا القرآن الكريم تعليماً، وليس من ربّه عزَّ وجلّ.

﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: فالنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مكلّفٌ بالتّشريع، وهو يبيّن ما نزل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النّحل: من الآية 44]، فأيّ بيانٍ من غير النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يمكن أن يؤخذ به، ويُضرب به عرض الحائط.

الآية رقم (104) - قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ

كان يتحدّث عن الأبصار، والآن يتحدّث عن البصائر:

﴿قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾: ما الفارق بين البصائر والأبصار؟ البصائر: جمع بصيرة، وهي للمؤمن فقط؛ لأنّها تتعلّق بالقلب، وتكون للإشراقات والمعنويّات والقلب، فنور القيم لا يأتي إلّا للقلب، أمّا الأبصار: فهي للعين، وتكون للمؤمن والكافر والنّاس كافّةً.

﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾: لأنّ الإنسان لن يكون له إلّا جزاء العمل، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى﴾ [النّجم].

﴿وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾: الحفيظ: اسمٌ من أسماء الله الحسنى، أي يحفظكم من الشّرك، فقل يا محمّد: أنا لست عليكم بحفيظٍ ولست عليكم بجبّار: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية].

الآية رقم (103) - لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ

﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾: الأبصار: جمع بصائر، والبصر آلة إدراكٍ لها قانونٌ، لكنّ الإدراك هو الإحاطة، قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشّعراء: من الآية 61]، أي أُحيط بنا، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أي إنّك لا يمكن أن ترى الله سبحانه وتعالى في الحياة الدّنيا، ولو أدركته لحدّدته، والقادر لا ينقلب مقدوراً.

﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾: الله سبحانه وتعالى يحيط بكلّ شيءٍ، يحيط بالنّاس والأبصار؛ لأنّ البصر هو عبارةٌ عن آلةٍ لها قانونٌ، تستطيع أن ترى عبر مسافةٍ معيّنةٍ، لكن إذا فصلتْ بينك وبين الجسم الّذي أمامك مسافةٌ فإنّك لن تراه، مع أنّه موجودٌ؛ لأنّ الإبصار هو عبارةٌ عن إشعاعٍ يخرج من الشّيء المبصَر إلى العين فتراه ضمن قانونٍ، فالله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تدركه الأبصار أبداً، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾؛ لأنّه هو خالق الأبصار.

﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾: الله سبحانه وتعالى لطيفٌ بعباده، اللّهمّ إنّا نسألك اللّطف الخفيّ، اللّطف الإلهيّ هو: إذا ناديته لبّاك، وإذا قصدته آواك، وإذا أحببته أدناك، وإذا أطعته كفاك، وإذا أعرضت عنه دعاك، وإذا أقرضته من ماله عافاك، هذا جزءٌ من اللّطف، هذا اللّطف يكون في المنح وفي المنع، اللّهمّ إنّا لا نسألك ردّ القضاء، ولكن نسألك اللّطف فيه، هذا هو معنى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وهذا ما نسمّيه اللّفّ والنّشر، فلا تدركه الأبصار؛ لأنّه لطيفٌ، ويدرك الأبصار؛ لأنّه خبيرٌ.

الآية رقم (102) - ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ

﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾: الله سبحانه وتعالى واجب الوجود، أي توجب الطّاعة الألوهيّة والرّبوبيّة، والرّبّ: هو المربّي والمعطي والمنعم، والإله: هو المعبود الـمُطاع، ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ هي شهادة الذّات للذّات، وهذه أعظم شهادةٍ على الإطلاق، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران]، الله سبحانه وتعالى شهد هو أوّلاً بأنّه لا إله إلّا هو، فهذه الشّهادة هي شهادة الذّات للذّات، وهي أكبر من أيّ شهادةٍ أخرى، لذلك قال بعد أن بيّن كلّ الآيات والحجج والدّلائل، مَن فالق الحبّ والنّوى، وفالق الإصباح، بعد كلّ هذه الآيات قال: ﴿ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾، إذاً أنت تتعرّف على الله سبحانه وتعالى من خلال خلقه.

﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: هو خلق كلّ شيءٍ، فلا يمكن لمخلوقٍ أن ينازعه في الـمُلك.

الآية رقم (100) - وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ

﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾: الجنّ: مادّةٌ من الجيم والنّون وتعني السّتر، سمّوا بذلك؛ لأنّهم مستورون عن أعين البشر، وليس كلّ ما لا ندركه غير موجودٍ، والجنّ مخلوقاتٌ من خلق الله سبحانه وتعالى، وهم مكلّفون مثلنا بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريات]، وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يبيّن للنّاس أنّ القضيّة الأساسيّة هي الشّرك بالله سبحانه وتعالى، وليست بمن تُشرك، إن كان بالجنّ أو بالملائكة أو بالأصنام أو بالشّمس أو بالقمر.. فقال جلّ وعلا: ﴿وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾، ولم يقل: (وجعلوا الجنّ شركاء لله)،

﴿وَخَلَقَهُمْ﴾: لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الخالق، فإذاً لا يكون له شريكٌ من خلقه.

﴿وَخَرَقُواْ لَهُ﴾: خرقٌ: معناه إيجاد فجوةٍ في الشّيء، خرقوا: أي اختلقوا، كذباً متعمّداً.

﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: أي لا علم لهم بما يتعلّق بصفات الله سبحانه وتعالى، ولا بأفعاله، ولا بذاته سبحانه وتعالى.

إذاً هم اختلقوا له بنين وبنات، سبحانه وتعالى عمّا يصفون.

الآية رقم (101) - بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾: بديع خلق على غير مثالٍ سابقٍ، فإن أردنا تقريب الأمر، عندما نصنع شيئاً يكون له في مخيّلتنا مثالٌ فنصنعه وفق هذا المثال، فإن أردنا أن نصنع كوباً فنستحضر في أذهاننا شكل الكوب لنصنع كوباً ونزيّنه، أمّا البديع فهو الّذي يخلق على غير مثالٍ سابقٍ.

﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾: فطالما أنّه سبحانه وتعالى بديعٌ، أوجد السّماوات والأرض على غير مثالٍ سابقٍ، فلا يمكن أن يطرأ عليه الابن أو الابنة أو الصّاحبة؛ لأنّ هذا يُنقص من صفات الكمال، وأيّ ولدٍ أو صاحبةٍ لله جلَّ جلاله كما ادّعوا، سبحان الله وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فهو طارئٌ يطرأ، والله عزَّ وجلّ لا يطرأ عليه شيءٌ.

﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: ليس فقط خلق كلّ شيءٍ، بل هو بكلّ شيءٍ عليمٌ، كلّ شيءٍ في هذا الوجود من السّماوات والأرض والملائكة والجنّ والإنسان والشّجر والنّبات والحيوان والإنسان، فسبحانه بديع السّماوات والأرض، وهو الخالق جلّ وعلا، لا يغيب شيءٌ عن علمه عزَّ وجلّ.

الآية رقم (99) - وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء﴾: عندما تقدّم العلم علمنا أنّ الماء الّذي ينزل من السّماء مصدره الأرض، فالبحار والمحيطات المائيّة تشكّل ثلاثة أرباع الكرة الأرضيّة، فهي أكبر من مساحة اليابسة، وتقوم الشّمس بتبخير المياه، وعندما يمرّ هذا البخار بطبقات هواءٍ معيّنةٍ يتشكّل السّحاب، بعد ذلك ينزل المطر بعمليّةٍ دقيقةٍ لا يعلم كنّهها إلّا الله سبحانه وتعالى.

﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: ما معنى نبات كلّ شيءٍ؟ أيّ نبات كلّ شيءٍ حيٍّ ترونه، أو نبات كلّ شيءٍ حتّى الحجر، فكلّ شيءٍ له حياةٌ، لماذا قال: فأخرجنا، ولم يقل: فأخرج؟ الجواب: لاعتقادك عند خروج النّبات أنّك أنت من زرع وحرث، فأنت الّذي تُخرج، لذلك قال: (فأخرجنا)، أي نحن، ومن خلال أسبابنا في الأرض أخرجنا.

﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾: خضراً هل هو اللّون الأخضر؟ لماذا قال خضراً؟ هو لونٌ أخضر ومعه غضاضةٌ، اللّون للعين أخضر، والغضاضة للمس لطراوته يسمّونه خضراً.

الآية رقم (95) - إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ

﴿إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: عندما تسمع لفظ الجلالة: ((الله)) سبحانه وتعالى، فاعلم بأنّه واجب الوجود، وهو الاسم الجامع لكلّ صفات الجلال والجمال، والله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى، وهي تعبّر عن صفاته سبحانه وتعالى.

فالق: أي شاقق الحبّ والنّوى، والحبّ: هو ما لا نواة له، مثل الشّعير والقمح والأرز، أمّا النّوى: مثل البلح والمشمش والدّرّاق والخوخ، فله نواةٌ.

فبدء الحياة من فلق الحبّ والنّوى، حيث يخرج جُذيرٌ ليّنٌ ينزل في الأرض الّتي تحتاج إلى فأس حتّى تُشقّ فيشقّها، وتخرج سُوقٌ فوق التّراب.

﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: الله سبحانه وتعالى يخرج الحيّ من الميت بكلمة: ﴿كُن﴾ لكنّه أخرج الحيّ من الميّت من التّراب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه].

الآية رقم (98) - وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ

﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: والله سبحانه وتعالى يقول في موضعٍ آخر: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذّاريات]، فكيف يقول: ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؟ والجواب: أنّ الخلق كان من نفسٍ واحدةٍ، فبالاستقراء الاستدلاليّ الزّمنيّ نجد هذا، الآن في القرن الواحد والعشرين عدد سكّان الأرض تقريباً بحدود ستّة ملياراتٍ، في القرن العشرين أقلّ من ستّة ملياراتٍ، في القرن التّاسع عشر أقلّ، في القرن الثّامن عشر أقلّ، في القرن العاشر أقلّ.. وهكذا كلّما عدنا قرناً من الزّمن تناقص عدد السّكان في هذا الكون، إلى أن نصل إلى نفسٍ واحدةٍ، وهو آدم عليه السَّلام.

﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: لقد كنّا مستقرّين في الأصلاب، فاستودعنا الله جلّ وعلا في الأرحام، وكنّا مستقرّين في الدّنيا فاستودعنا الحقّ عزَّ وجلّ في القبور، حتّى نستقرّ في الآخرة وهو الاستقرار النّهائيّ بالنّسبة للإنسان.

الآية رقم (97) - وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

النّجم هو الكوكب السّاطع الّذي يضيء من ذاته، ولا يمكن أن نتخيّل السّماء من غير نجومٍ، ففي الماضي كانوا يهتدون بها في ظلمات البرّ والبحر، وليس ذلك فقط، بل هي أيضاً للحساب، وقد فصّل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات وبيّنها ووضّحها لقومٍ يعلمون.

يقول المولى سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة]، لماذا لم يقل: لا أقسم بالنّجوم؟ لأنّك عندما ترى النّجم لا ترى النّجم ذاته، بل ترى موقع النّجم، العلم اكتشف ذلك؛ لأنّ سرعة الضّوء حتّى تصل إلى عينيك يكون النّجم قد تحرّك من مكانه، لذلك ترى موقع النّجم ولا ترى النّجم، لكنّك تعتقد أنّك ترى النّجم. فالقرآن الكريم لم يصادم العقل وقت النّزول، ولم يفرغ عطاؤه، فهو صالحٌ لكلّ زمانٍ ومكانٍ وفي كلّ عصرٍ من العصور يستمدّ العقل البشريّ من عطاء القرآن الكريم ما يناسب هذا العقل.

﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: الآية تعني العجيبة، والآيات هي مجموع الكلمات في القرآن الكريم، والآيات هي العجائب.

الآية رقم (96) - فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾: تعني شاقق الإصباح، هل هو عند طلوع الشّمس أو أنّه قبل طلوع الشّمس؟ الجواب: هو الزّمان الّذي تتوضّح فيه الأشياء أمام رؤية العين، لذلك نجد أنّ الله سبحانه وتعالى من فضله على خلقه جعل الإصباح قبل خروج نور الشّمس أو ضياء الشّمس على العينين، فهذا الأمر هو من رحمته سبحانه وتعالى، ويتدرّج هذا الضّوء فهو نورٌ هادئٌ يبدّد الظّلمة حتّى تطلع الشّمس، فعندما يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾: أي أنّه ينشقّ عن الظّلمة ليكون الإصباح؛ لأنّ الظّلمة متراكمةٌ.

﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾: هناك نعمتان متتاليتان، النّعمة الأولى الإصباح وتدرّج النّهار، والثّانية اللّيل والسّكن، فمن فضل الله سبحانه وتعالى علينا أنّه خلق لنا ما يقيم حياتنا، فهو يمنع عنك إشعاع الشّمس في اللّيل، وبعد تقدّم العلم وجدنا أنّ تعرّض الإنسان لأشعة التّصوير قد تسبّب له الضّرر، لذلك من الأفضل عدم تعرّضه لمثل هذه الإشعاعات لفتراتٍ طويلةٍ، فكيف بأشعة الشّمس؟ الله سبحانه وتعالى لا يعرّض الإنسان لأشعة الشّمس لمدّة أربعٍ وعشرين ساعةً، وإنّما نصف هذا الوقت، أمّا النّصف الآخر فيكون اللّيل الّذي هو سكنٌ وراحةٌ للإنسان، ليستطيع أن يمارس حياته في النّهار بنشاطٍ وهمّةٍ عاليةٍ.

الآية رقم (110) - وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

كان النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «إنّ قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرّحمن كقلبٍ واحدٍ يصرّفه حيث يشاء»، ثمّ قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللّهمّ مصرّف القلوب، صرّف قلوبنا على طاعتك»([1])، فإذاً قلّب الله تعالى قلوبهم.

﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: ولو جاءتهم كلّ آيةٍ فلا يؤمنون, كما حيل بينهم وبين الإيمان أوّل مرّة، والإيمان هو قناعةٌ عقليّةٌ وهدايةٌ قلبيّةٌ، فإذاً لا تكفي القناعة القلبيّة دون أن يكون هناك انشراحٌ قلبيٌّ.

﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: طغى: تجاوز الحدّ.

﴿يَعْمَهُونَ﴾: العمه أي التّردّد، يتردّدون في حيرتهم حول الإيمان، فهم دائماً في شكٍّ، والعمه يستخدم للقلوب، أمّا العمى فهو للأبصار الّتي لا ترى النّور.


([1]) صحيح مسلم: كتاب القدر، باب تصريف الله سبحانه وتعالى القلوب كيف شاء، الحديث رقم (2654).

الآية رقم (90) - أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ

﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ﴾: أولئك الأنبياء عليهم السَّلام أعطاهم الله عزَّ وجلّ الهداية لهداية البشريّة.

﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾: الأنبياء السّابقون منهم من كان له الـمُلك والسّلطان والقدرة، ومنهم من أصابه البلاء الشّديد، فخذ يا محمّد قدوةً بكلّ الأنبياء، فكلّ الصّفات الصّالحة والعظيمة الّتي أنزلها الله سبحانه وتعالى وجعلها في أنبيائه وفي رسله اجتمعت في شخص النّبيّ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين، يقول سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب].

﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾: الهداية لا تحتاج إلى أجرٍ، النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم والأنبياء عليهم السَّلام قبله لم يطلبوا أجراً على إصلاح البشريّة، وإنّما هم موكّلون من قِبل الله سبحانه وتعالى بإصلاح وهداية البشريّة، وهذه هي رسالتهم عليهم السَّلام.

﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾: هذا الصّراط المستقيم، وهذه الهداية الّتي وُكّل بها النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنّما هي ذكرى للعالمين، ولذلك سمّي القرآن الكريم ذكراً، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر]، لماذا سمّي ذكراً؟ الذّكر ضدّ النّسيان، وهو معك دائماً، لذلك سمّي القرآن الكريم ذكراً.

الآية رقم (89) - أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ

﴿أُوْلَئِكَ﴾: أولئك الأنبياء عليهم السَّلام الّذين ورد ذكرهم سابقاً.

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: منهم من آتاه الله سبحانه وتعالى الكتاب، كسيّدنا موسى عليه السَّلام آتاه الله سبحانه وتعالى التّوراة، وسيّدنا عيسى عليه السَّلام آتاه الإنجيل، وسيّدنا داود عليه السَّلام آتاه الزّبور، وسيّدنا إبراهيم عليه السَّلام آتاه الصُّحُف.

﴿وَالْحُكْمَ﴾: وهما سليمان وداود عليهما السّلام.

﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾: وهم بقيّة الأنبياء عليهم السَّلام.

﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء﴾: من هؤلاء؟ هم مشركو الجزيرة العربيّة، وهم اليهود الّذين حاربوا وناصبوا النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم العَداء، فإن يكفروا بهذه الرّسالات السّماويّة، وبرسالتك يا محمّد، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾: قال العلماء: هم الأنصار أهل المدينة المنوّرة والمهاجرون الّذين هاجروا مع النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، وهم ليسوا كافرين بكلّ هذه الرّسالات السّماويّة؛ لأنّهم آمنوا بالنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبرسالته، هذه الرّسالة الّتي وحّدت الرّسالات جميعها.

الآية رقم (88) - ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

﴿ذَلِكَ هُدَى اللّهِ﴾: أي ما مرّ هو هدى الله سبحانه وتعالى، وقلنا: بأنّ الهداية لها نوعان: إمّا هداية دلالةٍ، أو هداية معونةٍ، هداية الدّلالة كُلّف بها الأنبياء عليهم السَّلام، فهُدى الله سبحانه وتعالى هو الرّسالات السّماويّة، والبلاغ عن الله سبحانه وتعالى الّذي كُلّف به الأنبياء عليهم السَّلام.

﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾: قد تقول: لم يشأ الله سبحانه وتعالى أن يهديني، الله سبحانه وتعالى لم يشأ عندما لم تختر، وهو ترك لك الخيار ووضع لك مشيئةً، لو لم يشأ لم تكن لك مشيئةٌ، ولأجبرك على الاختيار، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس]، والإنسان يُحاسَب على اختياره، ولا يُحاسَب على علم الله سبحانه وتعالى باختياره، وهذا هو مناط التّكليف، ومناط الثّواب والعقاب، وهو واضحٌ للنّاس جميعاً، وأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نأخذ بهذا الطّريق ولكنّنا نحن اخترنا الطّريق الآخر، لذلك: ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾، فمشيئة الله سبحانه وتعالى بأن جعل لك مشيئةً، ولو أراد سبحانه وتعالى لما جعل لك مشيئةً.

﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾: فكلّ عملٍ مع الإشراك لا يغني.

الآية رقم (86) - وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ

﴿وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: الملائكة من ضمن العالمين، إذاً الأنبياء مفضّلون على الملائكة.

الّذي يجمع هؤلاء الأربعة: إسماعيل واليسع ويونس ولوط عليهم السَّلام، هو أنّهم لم يبق لهم أتباعٌ.

ذكر المولى سبحانه وتعالى هنا ثمانية عشر نبيّاً، وجاء في مواضع أخرى: آدم وإدريس وهود وذو الكفل وصالح وشعيب ونبيّنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم، هذه كلّ أسماء الأنبياء الواردة في كتاب الله عزَّ وجلّ، وعددهم خمسةٌ وعشرون نبيّاً.