الآية رقم (10) - وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ

﴿فَلَا تَنْهَرْ﴾: فلا تزجر وتنهى سائلاً سألك عطاءً، فقد كنت فقيراً عائلاً فأعطيناك، فأمره الله سبحانه وتعالى بالرّحمة واللّين والعطاء.

الآية رقم (11) - وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

نِعَمُ الله سبحانه وتعالى لا تُعَدّ ولا تُحصى، فالقرآن نِعمةٌ، والعلم نِعمةٌ، والمال نِعمةٌ، والصّحّة نِعمةٌ، والرّزق نِعمةٌ، والأمن نِعمةٌ.. يقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنّ الله يحبّ أن يرى أثَرَ نِعمَته على عبده»([1])، والتّحدّث بنعمة الله جلَّ جلاله يكون بالشّكر، فانشر ما أنعم الله سبحانه وتعالى  عليك بالشّكر والثّناء.

 


([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب الأدب، باب ما جاء إنّ الله تعالى يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، الحديث رقم (2819).

الآية رقم (2) - وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى

﴿سَجَى﴾: أظلم وامتدّ ظلامه واستقرّ، فسجوّ اللّيل هو تغطيةٌ للنّهار، كما يُسجَّى الرّجل بالثّوب، واللّيلة السّاجية؛ أي الطّويلة السّاكنة.

الآية رقم (3) - مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى

الحديث هنا عن فتور الوحي مدّةً من الزّمن، وذلك لحكمةٍ إلهيّةٍ عظيمةٍ، فاتّصال السّماء بالأرض هو اتّصالٌ عن طريق الوحي بواسطة الـمَلَك جبريل عليه السَّلام وعندما ينزل جبريل عليه السَّلام على قلب المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم تكون روح النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وجسده وحركته وفعله وقوله من خلال هذا الوحي، لذلك عندما فتر الوحي حزن الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم كثيراً، ولكنّ أعداء الدّين والنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم استغلّوا ذلك فأطلقوا الشّائعات بأنّ ربَّ محمّدٍ قد ودّعه وجفاه وقلاه.

﴿وَمَا قَلَى﴾: القِلى: البُغض.

ولو كان القرآن الكريم من تأليف بشرٍ لكان المقتضى اللّغويّ أن تكون العبارة: (ما ودّعك ربّك وما قلاك)، لكنّه سبحانه وتعالى أطلق فقال: ﴿وَمَا قَلَى﴾، وهذه من أعظم الآيات الّتي فيها تكريمٌ وحبٌّ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من قِبَل ربّه سبحانه وتعالى، فالوداع يمكن أن يكون للحبيب، أمّا القِلى والبغض فلا يكون إلّا للعدوّ، فلا يمكن أن يقول الله جلَّ جلاله: كلمة (قلاك) بكاف الخطاب، بل تركها مطلقةً.

الآية رقم (4) - وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى

أي ما سيأتي لك من بعدُ سَيَسُرُّك.

والمراد بالآخرة إمّا اليوم الآخر، أو ما سيأتيك بعد نزول هذه السّورة.

الآية رقم (5) - وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى

لقد كان النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حريصاً على هداية النّاس أجمعين، انظر إلى رحمته صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ما عذّبوه في الطّائف ورموه بالحجارة، عن عروة أنّ عائشة رضي الله عنها زوج النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم حدّثته أنّها قالت للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: هل أتى عليك يومٌ أشدّ من يوم أُحُد؟ قال: «لقد لقيتُ من قومِك ما لقيتُ، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أسْتَفِقْ إلّا وأنا بقرن الثّعالب، فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم، فناداني مَلَك الجبال فسلّم عليّ ثمّ قال: يا محمّد، فقال: ذلك فيما شئت إن شئت أن أُطبِقَ عليهم الأخشبين؟ فقال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: بل أرجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرِك به شيئاً»([1])، فلا يرضى محمّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم وواحدٌ من أمّته في النّار.

 


(([1] صحيح البخاريّ: كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السّماء فوافقت إحداهما الأخرى غُفِر له ما تقدّم من ذنبه، الحديث رقم (3059).

الآية رقم (6) - أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى

﴿يَتِيمًا﴾: اليُتم: هو انقطاع المعين والسّند في الحياة، والنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتيم الأب والأم والجدّ، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يكون النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في رعايته، وألّا يكون له سندٌ من الأرض، وإنّما سنده في السّماء.

الآية رقم (7) - وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى

﴿ضَالًّا فَهَدَى﴾: يأتي الضّلال بمعنى عدم اهتداء الإنسان لوجه الحقّ، فقد رفض النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم عبادة الأصنام، وبقي يتحنّث اللّيالي ينظر ويفكّر ويبحث عن المنهج الحقّ، فهداه الله جلَّ جلاله إلى ذلك.

الآية رقم (8) - وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى

﴿عَائِلًا﴾: العائل: الفقير.

هل أغناه الله سبحانه وتعالى بأن جعله ثريّاً ذا مالٍ وثروةٍ؟ الجواب: لا، إنّما أغناه بما أراه من أمر الآخرة، أغنى قلبه بالإيمان، فالمولى سبحانه وتعالى بيّن هذا العطاء الّذي أعطاه للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، بأنّه أمرٌ يتعلّق بالمجتمع، إذاً صلةٌ مع الله سبحانه وتعالى تتعلّق بصلةٍ مع خلق الله عزَّ وجل، فالدّين ليس مجرّد عبادةٍ ذاتيّةٍ لشخصٍ، وإنّما هو خيرٌ للغير.

الآية رقم (9) - فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ

﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾: القهر يعني السّيطرة بإخضاع القالب لا القلب، واليتيم بفقدانه الأب، يأخذه نوعٌ من الشّعور بالنّقص، فلا تستخدموا معه سلطان القوّة، لذلك كان النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يمسح رأس اليتيم، وكان يقول صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ مَسَحَ رأس يتيمٍ، لم يمسحه إلّا لله، كان له بكلّ شعرةٍ مرّت عليها يده حسنات»([1])، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا»، وأشار بالسّبابة والوسطى، وفرّج بينهما شيئاً([2]).

 


([1]) مسند الإمام أحمد بن حنبل: باقي مسند الأنصار، حديث أبي أمامة الباهليّ الصّدى بن عجلان بن عمرو بن وهب الباهليّ عن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، الحديث رقم (22207).
([2]) صحيح البخاريّ: كتاب الطّلاق، باب اللّعان، الحديث رقم (4998).

تفسير سورة الضحى

هذه السّورة من السّور المكيّة، ولها قصّةٌ عظيمةٌ.

الآية رقم (1) - وَالضُّحَى

﴿وَالضُّحَى﴾: هو محلّ الحركة والكدح والسّعي ببدء النّهار، واللّيل هو محلّ السّكون والرّاحة، ولا بدّ من وجود الاثنين معاً، فهما آيتان متكاملتان.