الآية رقم (3) - وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا

﴿جَلَّاهَا﴾: التّجلية: الإظهار والكشف.

هذا يحدث إذا أضاء النّهار ودخل وقته، فالفاعل هنا النّهار الّذي يُجلّي ظلمة اللّيل فيُظهر ما على الأرض من أشياء ويكشفها، فالضّمير هنا يعود على ظلمة اللّيل، وقد يكون الفاعل هو الله سبحانه وتعالى؛ أي جلّاها الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (4) - وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا

﴿يَغْشَاهَا﴾: يغطّيها.

فعندما يأتي اللّيل يغطّي الأرض بظلمته، وبذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ [الأعراف: من الآية 54]، وإن بدا أنّ هناك تعارضاً في بعض الأحيان بين اللّيل والنّهار، إلّا أنّه لا يوجد تعارضٌ، وإنّما تعاضدٌ وتكاملٌ في الكون ما بين اللّيل والنّهار؛ لأنّ حركة النّهار تتولّد من اللّيل، وراحة اللّيل تتولّد من النّهار.

الآية رقم (5) - وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا

﴿بَنَاهَا﴾: البناء يوحي بالمتانة والتّماسك، فالسّماء سقفٌ متماسكٌ متينٌ، يقول تعالى في آياتٍ أخرى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾  [الذّاريات]، وهي بناءٌ مرفوعٌ مُحكَمٌ، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرّحمن]، رفعها فوق رؤوس النّاس فلا تسقط، والسّماء والأرض هما ظرفُ الحياة لنا، فالأرض تُقلّنا ونعيش عليها، والسّماء تعلونا، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذّاريات]؛ أي أنّها محبوكةٌ مُحكمةٌ ملتحمةٌ مع بعضها.

الآية رقم (6) - وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا

﴿طَحَاهَا﴾: أي بسطها من كلّ جانبٍ، فأقسم الحقّ سبحانه وتعالى بالأرض الّتي بسطها ومدّها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق]،  ليس معنى هذا أنّ الأرض مبسوطةٌ وليست كرويّةً، بل على العكس تماماً، هذه الآية تُثبت كرويّة الأرض، فالأرض لا نهاية لها، وليس لها حافّةٌ، فلو كانت مرّبعةً أو مستطيلةً أو مثلّثة الشّكل لوجدنا لها نهايةً وحافّةً ولسقطنا من عليها، أو لوصلنا إلى آخر حافّتها، لكنّنا لو سرنا في خطٍّ مستقيمٍ فسوف نعود إلى النّقطة الّتي بدأنا منها، ممّا يؤكّد كرويّتها.

الآية رقم (7) - وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

لقد سوّى الله سبحانه وتعالى خلق السّماء والأرض وخَلْق الإنسان وشكّله على أحسن تقديرٍ، وكذلك فإنّه سبحانه وتعالى سوّى خلق نفس الإنسان، وجعلها قابلةً لفعل الخير أو لفعل الشّرّ، وقد تُطلق النّفس ويُراد بها الإنسان ذاته، فيكون المعنى أنّه سوّى اليدين والقدمين والعينين والأذنين…

الآية رقم (8) - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

أعطاك الله سبحانه وتعالى وسائل الإدراك المختلفة من السّمع والبصر والفؤاد، ودلّك على طريقي الخير والشّرّ، ومنحك العقل للتّمييز بين الطّريقين، وأوضح عاقبة كلٍّ منهما، فإمّا أن تسلك طريق التّقوى، وإمّا أن تسلك طريق الفجور.

﴿وَتَقْوَاهَا﴾: التّقوى: مخافة الله سبحانه وتعالى واتّقاء موجبات عقابه.

الآية رقم (9) - قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا

﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾: عندما يتكلّم الحقّ سبحانه وتعالى عن الإيمان وثمرته تأتي كلمة: (فلاح) كنتيجةٍ لذلك الإيمان، ومادّة الفلاح مأخوذةٌ من الأمر الحسّيّ، فكلّ ما أصله من الأرض يُستخرج بالفلاحة؛ أي عمل الفلّاح في الأرض، وشاء الله سبحانه وتعالى أن يسمّي الحصيلة الإيمانيّة الطّيّبة بالفلاح فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾.

﴿زَكَّاهَا﴾: طهّرها من الأدناس والذّنوب والآثام. والزّكاة بمعنى النّماء؛ أي نمّى مَلَكة الخير في نفسه، فيكون مفلحاً.

الآية رقم (10) - وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا

﴿خَابَ﴾: الخيبة؛ أي الفشل.

﴿دَسَّاهَا﴾: دسّ: أخفى الشّيء بالشّيء، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ سَاءَ مَا يَحكمُون﴾  [النّحل: من الآية 59]؛ أي يخفيه في التّراب، فهو يدسّ نفسه في الذّنوب والمعاصي ومهاوي الضّلال، ويذلّها ويغويها ويحملها على ألّا تعرف الطّاعة والفلاح والصّلاح، فلا يجد إلّا الخسران والخيبة.

الآية رقم (11) - كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا

قوم ثمود نموذجٌ لمن أضلّ نفسه وأراد المهالك ولم يتّبع الله عزَّ وجل ولا نبيّه، فقد هداهم الله سبحانه وتعالى  إلى طريق التّقوى وإلى الخير والصّلاح والفلاح، لكنّهم استحبّوا الكفر كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصِّلت]، ودعوة النّبيّ صالح عليه السَّلام  لقومه ثمود كانت ككلّ دعوات الرّسل، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: من الآية 73]، والآية والمعجزة الّتي طلبوها دليلاً على صدق بلاغه عن الله سبحانه وتعالى هي النّاقة وأن يكون في بطنها ولدها، فأخرجها سبحانه وتعالى  لهم من صخرةٍ حدّدوها، وقال صالح عليه السَّلام كما ذُكر في القرآن الكريم: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أليم﴾  [الأعراف: من الآية 73]، لقد جعلها الله سبحانه وتعالى خيراً لقوم ثمود تمدّهم بلبنٍ لم يعهدوه من قبل، مقابل أن تشرب هي يوماً من البئر ويشرب القوم يوماً آخر، قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشّعراء]

الآية رقم (12) - إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا

﴿أَشْقَاهَا﴾: أي أشقى مَن في قوم ثمود، وأكثرهم كفراً وتكذيباً للنّبيّ صالح وجرأةً على قتل النّاقة، وقد كانوا تسعة نفرٍ من أشقى النّاس، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النّمل]، لقد كانوا أهل فسادٍ محضٍ لا يعرفون الصّلاح، ويصرّون على الإفساد ويدافعون عنه، وإذا رأوا صلاحاً أفسدوه وعارضوا أهله، وهذه طبيعة أهل الفساد؛ لأنّ الصّلاح يُعطّل عليهم منفعةً.

الآية رقم (13) - فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا

﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾: قال لهم النّبيّ صالح عليه السَّلام.

﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾: إنّها ناقة الله سبحانه وتعالى فلا تمسّوها بسوءٍ، وهي ما طلبتم من الآيات، وأُضيفت النّاقة إلى الله سبحانه وتعالى؛ أي لها مكانةٌ وقدرٌ بحسب ما أُضيفت إليه ونُسبت، كقولك: كتاب الله جلَّ جلاله، بيت الله عزَّ وجل، فكان الأولى أن يقدّروها.

نلاحظ أنّ كلمة: ﴿نَاقَةَ﴾ جاءت منصوبةً؛ أي احذروا ناقة الله سبحانه وتعالى أن تمسّوها بسوءٍ، واحذروا سقياها؛ أي أن تمنعوها من السّقيا، فإنّه حُكم الله جلَّ جلاله فلا تخرجوا عن حكمه فإنّه الفجور بعينه، كما قال سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى على لسان صالح عليه السَّلام: ﴿وَيَا قَومِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾  [هود].

الآية رقم (14) - فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا

﴿فَعَقَرُوهَا﴾: جاءت بصيغة الجمع، فهل اشتركت القبيلة كلّها في عقرها أو التّسعة فقط، أو عقرها واحدٌ منهم فقط وهو قدار بن سالف كما جاء في الرّوايات، ووافقه الجميع على ذلك؟ الّذي عقرها شخصٌ واحدٌ، لكن اجتمع رأيهم جميعاً على هذا، فاشتركوا بالإثم.

والعقر: هو ضرب قوائم النّاقة، حيث تقع النّاقة على الأرض ثمّ تُنحر، ولا يفعل ذلك إلّا متمرّسٌ على هذا، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾  [القمر].

﴿فَدَمْدَمَ﴾: دمدم؛ أي أرجف الأرض بهم، ومعنى الرّجفة في اللّغة: الحركة، حيث أطبق الله سبحانه وتعالى عليهم العذاب فأهلكهم استئصالاً.

﴿بِذَنبِهِمْ﴾: فالله سبحانه وتعالى أخذهم بذنبهم وبما اقترفوه، فقد كذّبوا برسولهم صالح عليه السَّلام والله سبحانه وتعالى ليس بظلّام للعبيد، فهو سبحانه يقول: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: من الآية 39].

الآية رقم (15) - وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا

في هذه الآية قولان ذكرهما العلماء: أوّلهما أنّ فاعل: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ هنا هو الله جلّ وعلا؛ أي أنّ الله سبحانه وتعالى لا معقّب لحكمه ولا رادّ لقضائه ولا يخاف من أحدٍ من خلقه حين يُنزل العذاب بالمكذّبين المجترئين عليه، وهو تهديدٌ شديدٌ لأهل مكّة، فالله عزَّ وجل لا يخاف عاقبة ما يحدث لهؤلاء الكافرين، أمّا القول الآخر: فإنّ فاعل ﴿يَخَافُ﴾ هنا هو عاقر النّاقة الّذي عقرها من غير أن يخاف عاقبة فعلته الدّنيئة بناقة الله سبحانه وتعالى ، وفعل هذا برضا قومه وبعنادٍ وإصرارٍ وتكذيبٍ للنّبيّ صالح عليه السَّلام  فاستحقّوا جميعاً نزول العذاب بهم.

الآية رقم (2) - وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا

﴿وَالْقَمَرِ﴾: القمر آيةٌ أخرى من آيات الله سبحانه وتعالى، فإذا كانت الشّمس تنير وتضيء نهارنا، فإنّ القمر ينيرُ ليلَنا، والشّمس والقمر مسخّران لخدمة الإنسان، وهما آيتان من آيات الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أحدٌ من خلقه سبحانه وتعالى أن يدّعيهما لنفسه أو لغيره.

﴿إِذَا تَلَاهَا﴾: إذا تَبِعَها.

ليس المقصود هنا القمر بذاته، بل نوره الّذي يراه النّاس يأتي بعد اختفاء ضوء الشّمس، وإلّا فالقمر موجودٌ حتّى مع وجود الشّمس.

ونور القمر مستمدٌّ من نور الشّمس؛ حيث يكتسب هذا الضّوء من أشعة الشّمس حين تنعكس عليه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: من الآية 5].

الآية رقم (1) - وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا

﴿وَالشَّمْسِ﴾: يُقسم الله سبحانه وتعالى بالشّمس وضوئها الّذي يغمر الدّنيا فيشقّ ظلام اللّيل، وهي لا شكّ آيةٌ من آيات الله سبحانه وتعالى في كونه، ذكرها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أكثر من اثنتين وثلاثين مرّةً، وجعلها سبحانه وتعالى دليلاً على عظمة خلقه جلَّ جلاله، وجعلها ضياءً، فيه النّور والدّفء والحرارة وفيه مصدر حياة الأرض ومَن عليها.

﴿وَضُحَاهَا﴾: الحقّ سبحانه وتعالى لا يُقسم بالشّمس فقط، بل يُقسِم أيضاً بالضّحى، وهو وقت ارتفاع الشّمس في السّماء قبل أن تتعامد على الأرض، وبعد ذلك تسير نحو الغروب والزّوال، فالضّحى ظاهرةٌ كونيّةٌ مُشاهَدةٌ، جعلها الله سبحانه وتعالى من أهمّ فترات الحركة والكدح والسّعي، حتّى أنّ موسى عليه السَّلام حدّد الضّحى وقتاً لمواجهة فرعون مصر فقال: ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه].