الآية رقم (22) - لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ

فلا يوجد إكراهٌ ولا سلطة قهرٍ تُجبرهم بها على الإيمان، وهذا ردٌّ على التّكفير والتّطرّف والإرهاب، فالله سبحانه وتعالى لا يريد لعباده أن يؤمنوا قصراً، إنّما طواعية، يريد قلوباً لا قوالباً، ولو أراد الله سبحانه وتعالى النّاس كلّهم مؤمنين لجعلهم كالملائكة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس]، فدلّ هذا بشكلٍ قطعيٍّ على أنّ رسول الله جاء كمذكِّرٍ وليس عليه أن يُحاسِب النّاس.

الآية رقم (23) - إِلَّا مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ

هذا استثناءٌ حتّى لا يظنّ الإنسان أنّه سيفلت من قبضة العدالة الإلهيّة، فيذكّرهم الله سبحانه وتعالى بالعواقب، فالمسألة لا تنتهي بانقضاء هذه الحياة، وإنّما هناك حياةٌ أخرى باقيةٌ.

الآية رقم (24) - فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ

﴿الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾: فالعذاب في الآخرة أكبر من أيّ عذابٍ في الدّنيا.

الآية رقم (25) - إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ

﴿إِيَابَهُمْ﴾: الإياب: المرجع، فمرجعهم إلى الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (26) - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ

بما أنّ مرجعهم إلى الله سبحانه وتعالى فهو يُحَاسبهم على أعمالهم ويُجازيهم بها.

الآية رقم (12) - فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ

أي عين الماء وهذا بالنّسبة للإنسان منتهى النّعيم، والبيئة المخاطبة بيئة العرب، حيث كانت العين الجارية بالنّسبة إليهم من غير عناءٍ وتعبٍ أمراً مهمّاً جدّاً، ويدلّ هذا على أنّ المسألة ليست توفير الضّروريات فحسب، وإنّما مسألة تنعّمٍ ومتعةٍ، فالعين الجارية تُعطيك الاطمئنان لوجود الماء ولمنظر جريان الماء وتدفقّه وكثرته ووفرته.

الآية رقم (13) - فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ

﴿مَّرْفُوعَةٌ﴾: عالية.

فبدلاً من أن يكون الإنسان نائماً على الأرض، يرتفع في النّوم أو في الجلوس على السّرر، وهذا من مظاهر النّعيم.

الآية رقم (14) - وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ

أكوابٌ مهيّئةٌ للشّراب، فلا تتكلّف حتّى بطلب الماء.

الآية رقم (15) - وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ

﴿وَنَمَارِقُ﴾: وسائد، يتّكئ الإنسان عليها.

الآية رقم (16) - وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ

﴿وَزَرَابِيُّ﴾: جمع زِرْبِيّ، وهو البساط المزخرف.

والمتعة تُقدّر بحال البيئة وبحال الـمُتلقّي وما يتناسب مع إمكاناته وتصوّراته عن النّعيم، هذا الوصف الّذي تقدّمه الآيات ليس حصراً ولا تصوّراً للواقع، وإنّما هو تقريبٌ للحقائق.

الآية رقم (17) - أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ

﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ﴾: وهنا دعوةٌ للتّفكّر وللنّظر، نَقَلَنا مباشرةً من عالم الغيب في الجنّة والنّار إلى عالم الشّهادة، في مشاهد قريبةٍ إلى حياة العرب، خصوصاً البدو الّذين يملكون الإبل، وهي أحبّ أموال العربيّ إليه، فدعاهم ودعا النّاس جميعاً إلى النّظر في هذه الآيات المعجزات.

فلنتأمل الجمل؛ سفينة الصّحراء، فهو ضخم الجسم، ثقيل الوزن، لكن ليس له حوافر كالحصان، وإنّما أخفافٌ، وهي مناسبةٌ لمهمّة السّفر والارتحال، ممّا يجعل سيره ناعماً حتّى في المسافات الطّويلة، مع أنّ الصّحراء وعرةٌ غير مستوية.

الآية رقم (18) - وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ

﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾: كيف أعلى سمكها بلا عمد.

الآية رقم (19) - وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ

وإلى الجبال كيف أقيمت منتصبةً لا تسقط، ولا تزول عن موضعها.

الآية رقم (20) - وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ

﴿سُطِحَتْ﴾: الأرض كرويّةٌ وتدور، وكلمة سُطحت؛ أي أنّ سطح الأرض ممهّدٌ وجاهزٌ ليتلقّى معيشة الإنسان.

وكأنّ هذه الآيات الأربع موضوعةٌ بمنظومةٍ واحدةٍ مرتبطةٌ ببعضها بعضاً، وبعد أن حدّثنا عن الغيبيّات في الوجوه الخاشعة والوجوه النّاعمة، ثمّ عن المشهد في هذه الآيات الأربع تقول للإنسان: انتبه إلى دورك في الحياة، فأنت لم تُخلق عبثاً، ولن تُترك سدىً، لذلك وجّه الخطاب للنّبي صلَّى الله عليه وسلَّم:

الآية رقم (21) - فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ

تحديدٌ لمهمّة الرّسول الكريم وهي مجرّد أن يُذكّر النّاس، ولا عليه بعد ذلك آمن من آمن، أو كفر من كفر، فكيف يقولون: بأنّنا نقاتل النّاس حتّى يؤمنوا؟! ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾  [الكهف: من الآية 29[.

﴿فَذَكِّرْ﴾: ذكّر بعهد الفطرة.

﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾: حدّد مهمّة أعظم البشر وهو الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بأنّه فقط مذكّرٌ، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: من الآية 256].

الآية رقم (6) - لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ

﴿ضَرِيعٍ﴾: الضّريع: نباتٌ عرفه العرب يُقال له: الشِّبْرِق، ترعاه الإبل وهو أخضر، فإذا يَبِس سُـمِّيَ الضّريع، وهو سامّ عندئذٍ لا ترعاه الإبل إلّا إذا أضرّ بها الجوع.

الآية رقم (7) - لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ

هذا هو طعامهم -والعياذ بالله-، وهو على درجاتٍ بحسب مقامات العذاب، فكما أنّ النّعيم له مراتبٌ حسب مراتب الإيمان، كذلك العذاب له دركاتٌ حسب دركات الكفر.

وعندما يكون هذا طعامهم فإنّه لا يسمن ولا يغني من جوعٍ؛ لأنّه للعذاب، والسِّمَن: يقتضي اطمئناناً وهدوءاً نفسيّاً.

الآية رقم (8) - وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ

لكن هنا لنلحظ ملحظاً مهمّاً أنّ جزاء الكافرين جاء في البدء وبعد ذلك جاء بنعيم المؤمنين؛ لأنّ الأقرب والأنسب لحديث الغاشية أن يذكر الإنسان العذاب وبعد ذلك يأتي جزاء الإيمان، والآيات تصوّر لنا وجوه العصاة والكافرين وكيف كانت عاملةً ناصبةً في الدّنيا بحركةٍ آلت إلى البوار والخسران، وأنّها ستكون كذلك في الآخرة، خاشعةً ذليلةً عاملةً ناصبةً تجرّ السّلاسل والأغلال، وتسير في هوّات جهنّم ووديانها، فجمع عليها مشقّة التّعب وألم العذاب، واللّغة العربيّة لا يوجد فيها معانٍ أو كلماتٌ تعبّر عن شيءٍ غير معروفٍ، فالـمُخاطَب يُخاطَب على قدر ما يفهم من إدراكات النّعيم، وهو فوق ما نتصوّره؛ لأنّ ألفاظ اللّغة لا توضّح إلّا الشّيء الّذي له معنى أمامك، فإذا كانت الجنّة والنّار غيباً لا نعلم عنه شيئاً، فلا وجود للألفاظ الّتي تُعبّر عنها، لذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم عن الجنّة: «قال الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ»([1])، لكن هذا تقريبٌ للإنسان، فالوجوه ناعمةٌ تعلوها نضرة النّعيم، ويكسوها البِشْرُ والسّرور والسّعادة، وهي صورةٌ تفوق الوصف، لكنّنا قد نرى شيئاً من هذا الوصف في الدّنيا في الوجوه المنعّمة النّضرة فنرى لها بريقاً وجاذبيّةً تنمّ عمّا في نفس صاحبها من الرّضا، وممّا يتمتّع به من الأمن والإيمان والطّمأنينة وهدوء البال.

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾: أي يوم القيامة.

﴿نَّاعِمَةٌ﴾: أي منعّمة.

 


(([1] صحيح البخاريّ: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنّة وأنّها مخلوقة، الحديث رقم (3072).

الآية رقم (9) - لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ

راضيةٌ بما سعت في الدّنيا، والإنسان لا يرضى عن سعيه إلّا إذا رأى ثمرته وعاقبته السّعيدة، وهذه في مقابل العاملة النّاصبة، فهذا سعى وهذا سعى، ولكن شتّان بين النّتيجتين والغايتين، فنِعْم المسعى الّذي ينتهي بصاحبه إلى الجنّة ونعيمها، وبِئس المسعى الّذي ينتهي بصاحبه في النّار الحامية، فالعاقل الّذي يقدّر العواقب.

الآية رقم (10) - فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ

﴿عَالِيَةٍ﴾: عالية في المكانة والمنزلة.