الآية رقم (17) - وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ

أقسم تبارك وتعالى باللّيل، وقد ذُكِر اللّيلُ في القرآن الكريم كثيراً، حتّى أنّ هناك سورةً سُمّيت باسمه، وهو زمان المتعبّدين الـمُتهجّدين لله جلَّ جلاله ، فعندما يغشى اللّيل الكون بستاره يأتي السّكون، لذلك يقول الله تعالى في آياتٍ أخرى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ [الضّحى]، وقال جلّ وعلا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر]، فهو يسري ببطءٍ وكأنّه يسجو سجاءً، يدخل بهدوءٍ وينشر ظلمته فيغطّي على ضوء النّهار رويداً رويداً، وهنا يذكر الحقّ سبحانه وتعالى  شيئاً آخر يتّصف به اللّيل، فيقول جلّ وعلا: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾؛ أي ما جمع وضمّ ولفّ من كلّ ما ينتشر في النّهار، ذلك أنّ اللّيل إذا أقبل آوى كلّ شيءٍ لمأواه.

﴿وَسَقَ﴾: ضمّ الشّيء بعضه إلى بعض، واللّيل يجلّل الأشجار والجبال والبحار والأرض ويغشاها بظلمته، فإذا جلّلها فقد وسّقها.

الآية رقم (18) - وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ

﴿إِذَا اتَّسَقَ﴾: تكامل نوره وصار بدراً مضيئاً، وإنّما يكون هذا في الأيّام البيض؛ أي في اللّيلة الثّالثة عشرة والرّابعة عشرة والخامسة عشرة من الشّهر الهجريّ، قال الحسن البصريّ رضي الله عنه: اتّسق إذا استنار، واستنارته إنّما تكون باستدارته؛ أي انعكاسِ كامل نور الشّمس عليه.

الآية رقم (19) - لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ

الآية فيها إعجازٌ علميٌّ.

﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾: لتركبنّ سماءً بعد سماء، يوجد فيها قراءتان: (لتركَبُنّ) و(لتركَبَنّ)، فإذا كان بالفتحة فالمقصود بها النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أي لتركبَنّ يا محمّد طبقاً عن طبقٍ، أي سماءً بعد سماءٍ، وقد فعل الله سبحانه وتعالى ذلك معه ليلة أُسري به، فأصعده سماءً بعد سماء، وقيل أيضاً: درجةً بعد درجةٍ ورتبةً بعد رتبةٍ في القرب من الله سبحانه وتعالى.

أو (لتركبُنّ): من الأمور حالاً بعد حالٍ ومنزلةً بعد منزلةٍ وأمراً بعد أمرٍ من الشّدائد، إذاً عدّة معانٍ تجمعها هذه الكلمات، لكنّ بعض العلماء يقول: إنّ الله سبحانه وتعالى عندما تحدّث عن الرّكوب في القرآن الكريم تحدّث عن أدوات الرّكوب كلّها في البرّ والبحر: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النّحل]، ولم يتحدّث عن الطّيران؛ لأنّه قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فهي تستوعب الأحداث كلّها.

الآية رقم (20) - فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

قضيّةٌ استفهاميّةٌ فيها معنى الإنكار والتّوبيخ، وذلك شائعٌ في أساليب القرآن الكريم، فعندما تقول: مالك لا تفعل ذلك؟ فكأنّ قياس العقل يقتضي أن تفعل ذلك، والعجب ألّا تفعل، فما لهم لا يُصدّقون بالله سبحانه وتعالى وكتبه ورسله والبعث والحساب والجنّة والنّار؟

الآية رقم (21) - وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ

﴿لَا يَسْجُدُونَ ۩﴾: السّجود معناه التّعظيم، وهنا يمثّل منتهى الخضوع لله سبحانه وتعالى ، والمقصود هو الخضوع للقرآن الكريم ولأوامره وتلاوته، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء]، وهنا يوجد سجود تلاوةٍ، فإذا جاءت آيةٌ فيها سجودٌ لا بدّ أن ننفعل ونسارع للسّجود، فكأنّ في آية سجود التّلاوة أمراً قويّاً وسرّاً عظيماً، وفيها طاقاتٌ جميلةٌ من نِعَم الله سبحانه وتعالى .

الآية رقم (22) - بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ

﴿بَلِ﴾: للإضراب، فهي تنفي ما قبلها وتثبت ما بعدها.

﴿يُكَذِّبُونَ﴾: التّكذيب: هو إنكارٌ لقولٍ أو فعلٍ، فهم لم يكتفوا بترك الإيمان والقرآن والرّسول الكريم، بل أضافوا إليه الكذب.

الآية رقم (23) - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: وردت هذه العبارة في القرآن الكريم بآياتٍ كثيرةٍ، وهي صيغة تفضيلٍ؛ أي أكثر علماً منكم بحقائق الأشياء على ما هي عليه في حقيقة الأمر.

﴿بِمَا يُوعُونَ﴾: بما يخزّنونه من مكنوناتٍ في وعاء أنفسهم، والوعاء هو ما يستوعب الأشياء سواء كانت مادّيّةً كالشّراب أو الملابس كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: من الآية 76]، أم معنويّةً، فالقلب وعاءٌ للوجدانيّات والنّيات والضّمائر، فالله سبحانه وتعالى  أعلم بما يضمرون في قلوبهم.

الآية رقم (24) - فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

﴿فَبَشِّرْهُم﴾: بماذا يبشّر ويُنذر؟ الجواب: بعذابٍ، والتّبشير يكون للفعل الّذي يَسُرُّ الإنسان، لكنّ المولى سبحانه وتعالى يقول: (بشارتكم ستكون العذاب الأليم) -والعياذ بالله-.

الآية رقم (25) - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

لا يوجد إيمانٌ إلّا مع عملٍ صالحٍ، ولا بدّ أن تنسجم حركة الحياة مع منهج الإيمان، فإذا ابتعدت حركة الحياة عن منهج الإيمان فحينئذٍ لا يكون اسمه إيماناً.

﴿الصَّالِحَات﴾: جمع صالحة، وهو الأمر المستقيم مع المنهج، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: من الآية 112]، عكسها الفساد.

﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: أي لهم أجرٌ غير مقطوعٍ ولا منقوصٍ.

فالله سبحانه وتعالى يوفّيهم هذا الأجر من غير حسابٍ، ولا يقطعه عنهم بل هو دائمٌ أبديٌّ.

الآية رقم (12) - وَيَصْلَى سَعِيرًا

يدخل جهنّم ويعاني حرارتها ويقاسي عذابها.

الآية رقم (13) - إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا

(مَسْرُوراً): فرحاً، لا يفكّر بالعواقب ولا يخاف مِمّا أمامه.

يذكر سبحانه وتعالى سرور أهل الباطل بباطلهم في الدّنيا فليس لهم نصيبٌ في سرور الآخرة.

الآية رقم (14) - إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ

﴿لَّن يَحُورَ﴾: لن يرجع.

ظنّ أنّه لن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ولن يُحاسب، فظنّهم هذا هو الّذي أرداهم وقذف بهم في هذه الهوّة السّحيقة، أو أنّهم ظنّوا أن لن يرجعوا إلى حالتهم الّتي كانوا عليها من نعيم الدّنيا.

والمتأمّل في هذه الآيات الكريمة يجد أنّها تُعطِينا صورةً للعدل المطلق، فمنطق العدل يقتضي أن يُحاسب الجميع، ومهما بلغ الإنسان من الصّلاح فلا تخلو صفحته من شيءٍ يُحاسب عليه، لكنّ كدح الإنسان وسعيه يحدّد طريقة الحساب، فمن النّاس من يكون حسابه مجرّد عرضٍ لأعماله وتعريفٍ بها ومقارنتها بنِعَم الله سبحانه وتعالى عليه، عن عائشة رضي الله عنها: عن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من نُوقِش الحساب عُذِّب». قالت: قلت أليس يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: «ذلك العرض»([1])، فالخوف إذاً ليس من الحساب إنّما من مناقشة الحساب، وعرض الأعمال من باب الامتنان، فهذا هو الحساب اليسير الّذي يبدأ بأن يُعطى صاحبُه كتابَه بيمينه، لذلك فإنّ اليمين دائماً علامة الخير ودليل السّلام.

 


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الرّقاق، باب من نوقِش الحساب عُذّب، الحديث رقم (6171).

الآية رقم (15) - بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا

وسائل إدراك القضايا إمّا أن تكون علماً أو تقليداً أو جهلاً أو شكّاً أو ظنّاً أو وهماً، والعلم هو أعلى المستويات في إدراك القضايا، والّذين أوتوا الكتاب إنّما اختلفوا من بعد ما جاءهم من العلم، ولم يقل الله سبحانه وتعالى: (إنّهم اختلفوا عند التّقليد أو الظّنّ أو الجهل أو الشّكّ)، والظّنّ أمرٌ وهميٌّ، والحقّ سبحانه وتعالى يذكّر هؤلاء أنّ ظنونهم ليست حقّاً، بل هي حدثٌ وتخمينٌ لا يرقى إلى اليقين.

﴿بَلَىٰ﴾ : حرف جوابٍ، مثل: نعم تماماً، لكن بلى حرف جوابٍ في النّفي، أي ينفي ما قبله، هنا ينفي ظنّه أنّه لن يحور، فالواقع أنّه سيحور؛ أي سيرجع إلى الله سبحانه وتعالى .

﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ : فربّه بصيرٌ به عليمٌ بأحواله، لا يخفى عليه شيءٌ، ولا يستطيع أحدٌ أن يفرّ من ربّه أو يستخفي منه، فالله سبحانه وتعالى بصيرٌ بكلّ سكنات الإنسان وحركاته.

الآية رقم (16) - فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ

﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾: أي أنّ الأمر واضحٌ وضوحاً لا يحتاج إلى قسمٍ، ولو كنت مُقسِماً لأقسمت به.

﴿بِالشَّفَقِ﴾: هو الحمرة الّتي تكون في الأفق بعد غروب الشّمس، وقيل: هو البياض الّذي يعقب تلك الحمرة، وقال مجاهد: إنّ الشّفق كلّ النّهار، فقد يكون القسم واقعاً على النّهار، وإن كان قد ذكر طرفاً منه.

الآية رقم (2) - وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

﴿وَأَذِنَتْ﴾: من الأُذن؛ أي استمعت وأنصتت لأمر ربّها وانقادت له، فكأنّ الله سبحانه وتعالى جعل للسّماء أُذناً تسمع، والاستماع له طريقان: طريقٌ يسمع ويكون له خيارٌ في أن يطيع أو يعصي، والطّريق الآخر يسمع وليس له خيارٌ، فالسّماء تسمع وليس لها خيارٌ؛ لأنّها تسمع لأمر خالقها الّذي لا تملك معه خياراً، لذلك بمجرّد أن استمعت انقادت لأمر ربّها القادر على إنفاذ مراده منها، فقد قال لها وللأرض: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾  [فصِّلت: من الآية 11]؛ لأنّها مُسخّرةٌ لأمر الخالق عزَّ وجل.

﴿وَحُقَّتْ﴾: حقّ لها أن تسمع وأن تطيع، فهي جديرةٌ بهذا الانقياد؛ لأنّها خُلِقَت على هيئة الانصياع والامتثال، فهي تنشقّ بمجرّد سماع الأمر من خالقها.

الآية رقم (3) - وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ

بعد أن حدّثنا عن مظاهر انقلاب النّظام الكونيّ في السّماء يحدّثنا عن انقلاب النّظام في الأرض، فالله سبحانه وتعالى خلقها مستويةً على شكلٍ كرويٍّ: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾ [النّازعات]، لتكون صالحةً لمعيشة الإنسان عليها، أمّا عند قيام السّاعة فالوضع المناسب للحشر أن تكون ممتدّةً واسعةً لأهل المحشر، فيتغيّر شكلها وكأنّها جُذِبَت من أطرافها لتتمدّد بعد زوال ما عليها من معالم الجبال والمرتفعات، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾  [طه].

الآية رقم (4) - وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ

﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾: أي ما في بطنها من الموتى والكنوز والخيرات.

﴿وَتَخَلَّتْ﴾: هذا لونٌ من ألوان الاحتياط للمسألة، وكأنّها تُخرج كلّ ما في داخلها ولا تُبقي على شيءٍ مهما كان يسيراً، تُخرجه وتلفظه.

الآية رقم (5) - وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

وكما أذنت السّماء لخالقها وانقادت، كذلك أذنت الأرض وانقادت لربّها، وحُقّ لها أن تسمع وتطيع، فهي تمتثل لأمر الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (6) - يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ

يتّجه السّياق القرآنيّ إلى مخاطبة جنس الإنسان الّذي كرّمه الله سبحانه وسخّر له هذا الكون كلّه وجعله خليفةً.

كيف يكدح الإنسان إلى ربّه؟ سبق في سورة (الانفطار) بعد أن تحدّث سبحانه وتعالى عن انفطار السّماء وانتثار الكواكب وتفجير البحار وتبعثر القبور خاطب الإنسان قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار]، وهنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾؛ لأنّ الإنسان هو محور هذا الكون وهدفه، ففي الموضعين جمع بين جنس الإنسان وبين صفة الرّبوبيّة، كأنّه سبحانه وتعالى  يُريد أن يتحنّن على عباده فيُخاطبهم بهذا الأسلوب الرّقيق:

﴿كَادِحٌ﴾: الكدح السّعي والعمل ومجاهدة النّفس للوصول إلى الغاية، والسّعي الّذي يسمّى كدحاً هو السّعي الّذي يتّسم بالمشقّة حتّى يترك أثره الملحوظ في صاحبه نتيجةً للإجهاد والتّعب، فالحقّ سبحانه وتعالى هنا يُخاطب الإنسان عموماً، سواء كان مؤمناً أم كافراً، يقول له: أنت لا محالة سائرٌ بعملك إلى غايةٍ واحدةٍ لا غاية لك سواها، إنّك سائرٌ إلى ربّك من مولدك إلى مماتك، وأثمن ما لديك في هذه الرّحلة هو العمل الّذي تُقبل به على ربّك عزَّ وجل.

الآية رقم (7) - فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ

وهم أهل الطّاعة.