الآية رقم (29) - وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا

﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: الإحصاء: هو التّسجيل؛ أي ضبطناه وسجّلناه.

﴿كِتَابًا﴾: أحصيناه في كتابٍ، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق].

الآية رقم (30) - فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا

﴿فَذُوقُوا﴾: يُقال لهم إذا دخلوا النّار: ذوقوا فلن نزيدكم إلّا عذاباً.

فذوقوا ولن تروا إلّا زيادةً في العذاب على ما قدّمتم وما ارتكبتم من جرائم في الحياة الدّنيا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا[الإسراء: من الآية 97].

الآية رقم (31) - إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا

﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: المتّقي هو الإنسان الّذي يطيع الله سبحانه وتعالى في كلّ ما أمر وينتهي عن كلّ ما نهى عنه وزجر.

﴿مَفَازًا﴾: فوزاً ونجاةً من النّار، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: من الآية 185].

الآية رقم (32) - حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا

عندما تتحدّث عن أمورٍ غيبيّةٍ بعقلك البشريّ الّذي لم يرها ولم يعرفها، فإنّك لا تستطيع أن تقيسها بمقياس البشر، عندما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾  [محمّد: من الآية 15]؛ أي أنّها ليست هي الجنّة، فهو يقرّبها إلى الأذهان، وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الجنّة: «قال الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلب بشرٍ»([1])، فالأمور الّتي ليست موجودةً أصلاً أمام حواسّك لا تستطيع أن تعطيها مسمّيات.

﴿حَدَائِقَ﴾: جمع حديقة، وهي البستان المحوّط عليه; يُقال أحدق به: أي أحاط.

﴿وَأَعْنَابًا﴾: والعنب ليس فقط العنب المعروف، بل كلّ ما كان من الفاكهة منتفخاً غنيّاً بالمواد السّكريّة والماء يُسمّى عنباً، وليس في الجنّة ممّا في الدّنيا إلّا الأسماء فقط.

 


[1] صحيح البخاريّ: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنّة وأنّها مخلوقة، الحديث رقم (3072).

الآية رقم (33) - وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا

﴿وَكَوَاعِبَ﴾: الفتيات في مقتبل العمر فيهنّ حسنٌ ونضارة.

﴿أَتْرَابًا﴾: متساوياتٍ في العمر؛ أي نساءً بأعمارٍ شابّةٍ، لكن ليس كما يتصوّرها أعداء الإسلام الّذين يريدون أن ينالوا منه.

الآية رقم (34) - وَكَأْسًا دِهَاقًا

﴿دِهَاقًا﴾: ممتلئةً، صافيةً.

الآية رقم (35) - لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا

﴿لَغْوًا﴾: اللّغو: الكلام العاري عن الفائدة.

هناك مجلسٌ يوم القيامة ليس كمجلس الخمر الّذي تعرفون، حيث لا لغوٌ فيه ولا كذبٌ، ومشكلتنا في الحياة الدّنيا هي الكذب، أمّا المؤمن فهو لا يكذب أبداً كما أخبرنا النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

الآية رقم (36) - جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا

عندما تحدّث عن أهل النّار قال: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾؛ أي لم يظلمهم ربّهم، أمّا هنا فيقول سبحانه وتعالى: ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ جمع لهم بين العطاء والحساب.

﴿عَطَاءً﴾: أي هبةً، والعطاء هو زيادةٌ في الفضل.

﴿حِسَابًا﴾: الحساب مكان العمل الصّالح الّذي أسلفوه.

ولكن أليس الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ [النّجم]؟ النّبيّ صلّى الله عليه وسلَّم قال: «لا يدخل أحدكم الجنّة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله منه برحمة وفضل»([1])، رحمة الله سبحانه وتعالى هي فضلٌ فوق العدل، فالعدل على العمل، والفضل من رحمة الله سبحانه وتعالى ، فالإنسان يدخل الجنّة برحمة الله وليس بعمله، لكنّ العمل شرطٌ حتّى يستوجب الرّحمة.

 


([1]) مسند أحمد بن حنبل: مسند أبي هريرة رضي الله عنه، الحديث رقم (7473).

الآية رقم (37) - رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا

﴿رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فهو المعطي، وهو الرّبّ، والخالق، والرّحيم. وما بين السّماوات السّبع وما بين الأرض كلّه برحمة الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه قال بعدها:

﴿الرَّحْمَٰنِ﴾: فرحمته وسعت كلّ شيءٍ. ولنلاحظ أنّه عندما يتحدّث عن يوم القيامة يتحدّث بصفة الرّحمن، وليس بصفة القادر ولا العزيز ولا المنتقم ولا الجبّار، وإنّما بصفة الرّحمن حتّى يطمئن الخلق إلى رحمته عزَّ وجل.

﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾: في ذلك الوقت لا يستطيع أحدٌ أن يتحدّث، فالأمر انتهى، والتّكليف في الدّنيا انتهى، فلا خطاب ولا كلام.

الآية رقم (38) - يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا

﴿الرُّوحُ﴾: المراد بالرّوح جبريل عليه السَّلام على أغلب الأقوال، كما قال تبارك وتعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشّعراء].

﴿صَفًّا﴾: مصطفّين.

﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ﴾: لا يؤذَن لأحدٍ بالكلام.

﴿صَوَابًا﴾: قال قولاً صائباً.

الآية رقم (39) - ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا

﴿ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾: هذا اليوم الّذي تحدّث عنه المولى سبحانه وتعالى هو الشّيء الثّابت الّذي لا شكّ فيه.

﴿فَمَن شَاءَ﴾: بالدّنيا حريّة الاختيار، إذاً نحن لا نجبر أحداً على الاعتقاد، وإنّما ترك الإسلام للنّاس حريّة الاعتقاد.

﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾: فَمَنْ أراد سلك إلى ربّه طريق الإيمان.

الآية رقم (40) - إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا

الله سبحانه وتعالى ترك لك المشيئة وبيّن لك الحقّ، وأعطاك المعجزات الدّالّات على وجوده سبحانه وتعالى، وأعطاك الرّسل والكتب لتستعين بها في طريقك للوصول إليه جلَّ جلاله.

﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ﴾: أنذَرَنا الله سبحانه وتعالى من عذاب يوم القيامة.

﴿عَذَابًا قَرِيبًا﴾: كيف يكون قريباً؟ الجواب: كلّ آتٍ قريبٌ، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون]، فمهما طال عمر الإنسان فإنّ الأجل قادمٌ لا محالة،  يقول سيّدنا عليّ -كرّم الله وجهه-: “عجبت كيف يفرح بالدّنيا مَن يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح بالدّنيا مَن تقوده حياته إلى موته ويقوده عمره إلى أجله”.

الآية رقم (9) - وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا

أوّل ما تحدّث عنه المولى سبحانه وتعالى بالنّسبة للإنسان هو النّوم؛ لأنّه أهمّ شيءٍ بالنّسبة إليه، فالإنسان يصل إلى مرحلةٍ بعد مرور أربع وعشرين ساعةً لا يستطيع أن يقوم بأيّ عملٍ فيغلبه النّوم، والدّراسات كلّها لم تستطع أن تحدّد ما هي طبيعة النّوم وكيف يأتي؟ فهو قضيّةٌ أعجزت البشريّة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزّمر: من الآية 42]، فالله سبحانه وتعالى جعل الإنسان يرتاح رغماً عنه حتّى يؤدّي حركته في الحياة؛ لأنّه يصل إلى مرحلةٍ لا يستطيع أن يؤدّي هذه الحركة من غير نومٍ.

السّبات: هو القطع، فعندما ينام الإنسان تكون الرّوح فيه ولكنّه مقطوعٌ عن الحركة.

الآية رقم (25) - إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا

﴿حَمِيمًا﴾: الحميم: هو الماء الحارّ شديد الغليان.

﴿وَغَسَّاقًا﴾: الغسّاق: هو صديد الأجسام الّتي تُحرق في النّار، وهو في غاية النّتن، وكراهة المذاق.

الآية رقم (10) - وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا

﴿لِبَاسًا﴾: غطاءً وستاراً، حتّى يستطيع الإنسان النّوم.

الآية رقم (26) - جَزَاء وِفَاقًا

﴿وِفَاقًا﴾: هذا لم يكن إلّا موافقاً لما فعلوه وما جحدوا به، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: من الآية 108]، فهذا العقاب كان جزاءً على عملهم، ومُوَافِقاً لِـمَا فعلوه في الدّنيا.

الآية رقم (11) - وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا

﴿مَعَاشًا﴾: سبباً للمعاش والحركة والنّشاط، فيه ضوءٌ وإنارةٌ تنصرفون فيه لقضاء حوائجكم.

الآية رقم (27) - إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا

﴿لَا يَرْجُونَ﴾: لا يخافون، أو لا يتوقّعون.

﴿حِسَابًا﴾: مُحاسبةً على أعمالهم لإنكارهم البعث.

ومشاكل الفساد كلّها في الكرة الأرضيّة سببها أنّ الإنسان لا يريد حساباً في الدّنيا ولا في الآخرة، وهذا قمّة الفساد، فهم يريدون أن يفعلوا ما يفعلون من غير أن يلاقوا أيّ حسابٍ ولا جزاءٍ على ما قاموا به في هذه الدّنيا من ظُلمٍ وعتوٍّ.

الآية رقم (12) - وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا

﴿وَبَنَيْنَا﴾: البناء شيءٌ متّصلٌ لا توجد فيه شروخٌ، يُقال: بنى الحائط؛ أي وضع له الإسمنت حتّى أصبح جزءاً واحداً لا فراغات فيه ولا تشقّقات.

﴿فَوْقَكُمْ﴾: أي؛ السّماوات السّبع، وحتّى هذه اللّحظة لم يعرف أحدٌ ما هي، لذلك قال العلماء: إنّ السّماء هي: كلّ ما علاك فأظلّك، فما هي السّماوات السّبع؟ بعض العلماء قالوا: السّماء هي القمر والنّجوم والكواكب، لكن هذا الكلام غير دقيق، فالسّماوات السّبع خلقها الله سبحانه وتعالى ووصفها مرّة بناءً ومرّة قال عنهم: ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾ هذه السّماوات السّبع هي بعلم الله سبحانه وتعالى  حتّى يتوصّل الإنسان من خلال علومه إلى اكتشاف ماهيّتها، ونحن نعلم بأنّ بيننا وبين أيّ كوكب أو أيّ مجرّة مسيرة ملايين السّنوات الضّوئيّة.

الآية رقم (28) - وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا

﴿كِذَّابًا﴾: تكذيباً كثيراً.

ومع هذه الآيات والأمور كلّها الدّالّة على وجود الله سبحانه وتعالى، كذّبوا بوجوده سبحانه وتعالى، وبعد ذلك كذّبوا بالدّلائل الّتي تشير إلى وجوده جلَّ جلاله وكذّبوا بالنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وبشرعه، امتهنوا الكذب ليُصبح ملازماً لهم، لذلك قال: ﴿كِذَّابًا﴾.