الآية رقم (46) - أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ

﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾: فالرّسول لا يسأل قومه أجراً على هدايته لهم، فأجره على الله تعالى وحده، والحقّ تعالى يُخَاطب رسوله ﷺ: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾[يوسف]، ويقول على لسان رسوله ﷺ في موقعٍ آخر: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: من الآية 47]، لذلك هنا يأتي الأمر في صورة استفهام من الحقّ تعالى لرسوله ﷺ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾، فهل هم غير قادرين على دفع الثّمن؛ لأنّهم بخلاء؟ أو لأنّهم لا يريدون أن يُخرجوا من جيوبهم شيئاً تنتفع أنت به؟ مع أنّك لم تسألهم أجراً، فهل يعني ذلك أنّ النّبيّ ﷺ كان من المفروض أن يسألهم أجراً؟ فالإنسان إذا قدّم لإنسانٍ شيئاً نافعاً فعليه أن يدفع له أجراً بمقتضى التّبادل والمعاوضة، وكأنّه ﷺ يقول لهم: لقد قدّمت إليكم جميلاً يُفتَرض أنّ لي عليه أجراً، لكنّي لا أريد منكم أجراً، والنّبيّ ﷺ رحمة للعالمين يأتي بمنهج ليحرس النّاس ويحميهم من نفوسهم في مالهم وفي عرضهم وفي كلّ ما يملكون، ولا يحمي فئةً معيّنة، وإنّما يحمي النّاس جميعاً، والرّسول ﷺ لا يريد أجراً من أحد، فاطمئنّوا ولا تخافوا: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: من الآية 72]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾[الشّعراء: من الآية 109].

الآية رقم (47) - أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ

هل عندهم علم الغيب فهم يكتبون ذلك للنّاس؟، فيخبرونهم بما أرادوا؟ أو هل عندهم اللّوح المحفوظ الّذي فيه نبأ ما هو كائن فهم يكتبون منه ما فيه، ويجادلونك به؟ أو هل عندهم شيءٌ من الغيب انفردوا به وأوجب لهم ألّا يستجيبوا؟

الآية رقم (48) - فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ

جاء قوله تعالى هنا ليسلّي قلب نبيّه ﷺ، موضحاً له: إنّهم يُكذِّبونك ويكفرون بالله عز وجل وبك وبالنّور الّذي أنزلناه معك، وقد ترغب في أن ترى أثر هذا لكنّنا سنأخذهم، وجعلنا لكلّ مسألة كتاباً.

﴿فَاصْبِرْ﴾: أي: لا تُرهِق نفسك، فسيأتي لهؤلاء الجاحدين يومهم الّذي يُؤَاخذون فيه بسوء أعمالهم، والصّبر قد يكون ميسوراً سهلاً في بعض المواقف، وقد يكون شديداً وصعباً ويحتاج إلى مجاهدة، فمرّة يقول الحقّ تعالى لرسوله ﷺ: اصبر، ومرّة يقول: اصطبر، فعندما يقول له: اصبر، فيكون على مثل قولهم له: ساحر، وقولهم: شاعر، وقولهم: مجنون وكاهن، كما قالوا عن القرآن الكريم: أضغاث أحلام، وقالوا: أساطير الأوّلين، فاصبر يا محمّد على هذا كلّه؛ لأنّ كلّ قول من أقوالهم يحمل معه دليل كذبهم، فدعك يا محمّد من هؤلاء المكذّبين، واثبت على ما أنت عليه، اصبر على كُرههم، واصبر على لددهم وعنادهم، واصبر على إيذائهم لك ولِـمَنْ يؤمن بك، اصبر على هذا كلّه؛ لأنّ العاقبة في مصلحتك، وفي آيةٍ أخرى يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الرّوم].

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾: فاصبر يا محمّد لقضاء ربّك وحكمه فيك وفي هؤلاء المشركين، ولا يُثنيك عن تبليغ ما أُمِرت بتبلغيه تكذيبهم إيّاك وأذاهم لك.

﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾: ولا تكن يا محمّد كصاحب الحوت في العجلة وعدم الصّبر على قومه، وصاحب الحوت هو النّبيّ يونس بن متّى عليه السلام، وهو ذو النّون، والنّون من أسماء الحوت، وجمعه: (نينان) كحوتٍ وحيتان، والحقّ تعالى يقول: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾[الأنبياء]، فاسم النّبيّ يونس عليه السلام ارتبط واقترن بالحوت الّذي ابتلعه، بعد ما دعا قومه إلى الإيمان بالله عز وجل، ولكنّهم كفروا به فأغضبوه وغضب منهم، وكان المفروض أن يتحمّل الأذى الصّادر منهم، وأن يُوَطِّن نفسه على مواجهة مشقّات الدّعوة، ونحن نعلم أنّ العبد الصّالح يونس عليه السلام قد تأثّر وحزن وغضب من عدم استجابة قومه لرسالته الإيمانيّة، حيث رأوا غيماً يملأ السّماء وعواصف، وألقى الله تعالى في خواطرهم أنّ هذه العواصف هي بداية عذاب الله تعالى لهم، فهُرعوا إلى ذوي الرّأي فيهم، فأشاروا عليهم بأنّ هذه هي بوادر العذاب، وقالوا لهم: عليكم بإرضاء يونس؛ لأنّ الله تعالى هو الّذي أرسله، فآمنوا به ليكشف عنكم الغمّة، وهرع النّاس إلى الإيمان بالحيّ الّذي لا يموت، وذهب قوم يونس عليه السلام لاسترضائه بعد عودته من محنة التقام الحوت له، وحين رضي عنهم بدؤوا ينظرون في المظالم الّتي ارتكبوها، حتّى إنّ الرّجل منهم كان ينقض ويهدم جدار بيته؛ لأنّ فيه حجراً قد اختلسه من جارٍ له.. ويونس عليه السلام في أثناء مغاضبته ركب السّفينة، ولكنّ السّفينة تعرّضت للعب الأمواج بها فاضطربت اضطراباً شديداً، وأشرَفَت على الغرق بركّابها، فاقترعوا على أن يُلقوا إلى البحر مَنْ تقع عليه القرعة، فوقعت القرعة على نبيّ الله يونس عليه السلام، يقول الحقّ تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[الصّافّات]، فكان يونس عليه السلام ممّن خسروا القرعة في عُرف النّاس، ووقعت القرعة عليه ليتمّ إلقاؤه في البحر، فابتلعه الحوت: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾[الصّافّات]؛ أي: ابتلعه الحوت وقد فعل ما يُلام عليه، وكأنّ الله تعالى يقول له: لقد تسرّعت حين تركتَ قومك وضِقت بهم لأوّل إيذاء تتعرَّض له، وكان عليك أن تصبر وأن تتحمّل الأذى في سبيل دعوتك، فما كان من يونس عليه السلام إلّا أن دعا ربّه وهو في بطن الحوت، قال تعالى:

﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾: والنّداء: هنا الدّعاء، والكظم: كتم الشّيء.

الآية رقم (49) - لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ

لولا أنّ الحقّ تعالى تدارك عبده يونس عليه السلام برحمةٍ منه لألقي ونُبِذ بالعراء، وهي الأرض الّتي لا زرع فيها ولا نبات.

الآية رقم (50) - فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ

﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: الاجتباء: الاصطفاء، فالله تعالى اصطفاه واختاره بعد تلك المحن المتتابعة الّتي تعرّض لها، محنة مغاضبته لقومه وهروبه منهم، ومحنة الفُلك وما حدث فيه، ومحنة الإلقاء في البحر، ومحنة ابتلاع الحوت له، ومحنة إلقاء الحوت له على الشّطّ بأرضٍ عراء.

الآية رقم (51) - وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ

لم يسلم رسول الله ﷺ من سخرية الّذين كفروا واستهزائهم، وقد كانوا شديدي العداوة له، فيرمونه بأنظارهم غيظاً عليه وحقداً، فإذا قرأ القرآن الكريم تجدهم ينظرون إليه نظراً شديداً بالعداوة، يكاد يُزلقه؛ أي: يُسقِطه من شدّة النّظر.

﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾: من أزلقه عن موضعه، إذا نحّاه، والزّلق: هو السّقوط، والإزلاق: الإسقاط، فتجد من يبغض إنساناً ينظر إليه نظراً يتمنّى لو صرعه به، أو كما نقول: يأكله بنظره أكلاً.

وبعض العلماء قال: إنّ الإزلاق بالأبصار؛ أي: ما تفعله العين في المعيون؛ أي: المحسود، وقد كان العرب إذا أرادوا إيذاء أحد في نفسه أو ماله يأتون برجلٍ يمكث اليومين والثّلاثة لا يأكل شيئاً، ثمّ يرفع خيمته، فتمرّ به النَّعم والإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنماً أحسن من هذه، فما تذهب إلّا قليلاً حتّى يسقط منها ما يسقط صريعاً.

وكانوا يكرهون سماع القرآن الكريم، ويكرهون مَن نزل عليه القرآن، ويكرهون مَن أنزل القرآن الكريم على محمّد ﷺ على وجه الخصوص، لهذا كان إزلاقهم لرسول الله ﷺ بأبصارهم إنّما كان حين يُقرأ عليهم القرآن الكريم، لذلك قال تعالى:

﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾: والذّكر المقصود هنا القرآن الكريم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر]، وقال عز وجل في آيةٍ أخرى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النّحل: من الآية 44]، وهم سمعوا الذّكر، ولكنّهم لم يتعرَّضوا هنا للطّعن في الذّكر الّذي هو القرآن الكريم، بل تعرَّضوا بالطّعن للّذي سمعوا منه القرآن الكريم، فقالوا:

﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾: وهذا من عمى بصيرتهم وضلالهم، وهم في آيةٍ أخرى يقولون كما أخبر تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾[الحجر].

ونلاحظ أنّ الحقّ تعالى بدأ هذه السّورة بالرّدّ على الكافرين الّذين رموا رسول الله ﷺ بالجنون، فقال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وأنهى تعالى السّورة بالرّدّ أيضاً عليهم في نفس الفريّة، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾.

الآية رقم (52) - وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ

﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾: استخدم الحقّ تعالى أسلوب القصر ليؤكّد أنّ القرآن الكريم ما هو إلّا ذكر، فاستخدم تعالى (ما) النّافية، ثمّ الضّمير المنفصل (هو) العائد إلى القرآن الكريم حَصْراً، ثمّ أداة الاستثناء (إلّا)، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾[يوسف]، وكلمة: ﴿ذِكْرٌ﴾ تدلّ على أنّ الفطرة في الإنسان كان يجب أن تظلّ واعيةً ذاكرةً لله عز وجل، وقد قدَّر الله تعالى غفلة الأحداث فجعل لهم الذّكر كلّه في القرآن الكريم.

﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: العالمين: جمع عالم، والعالم هو ما سوى الله تعالى: عالم الملائكة، وعالم الجنّ، وعالم الإنس، وعالم الجماد، وعالم الحيوان، وعالم النّبات.. إلّا أنّ بعض هذه العوالم لم يأتها بشيرٌ ولا نذيرٌ؛ لأنّها ليست مخيّرة، والبشارة والنّذارة لا تكون إلّا للمخيّر.

الآية رقم (44) - فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ

﴿فَذَرْنِي﴾: يُخاطب الحقّ تعالى رسوله محمّداً ﷺ، وأمّته متضمّنة في خطاب الله عز وجل لرسوله ﷺ: ﴿فَذَرْنِي﴾، يعني دعني واتركني، والعرب لم تستعمل الماضي من هذين الفعلين: (يدع)، و(يذر)، وقد ورد هذا الفعل أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزّمّل: من الآية 11]، فمعنى قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: ذرهم لي، أنا أتولّى عقابهم، وأفعل بهم ما أشاء، أو: ذرهم يفعلون ما يشاؤون ليستحقّوا العقاب وينزل بهم العذاب.

ويستعمل من (ذرني) فعل مضارع هو (يذر)، قال تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ [الأعراف: من الآية 127].

والحقّ تعالى يوضِّح لنا كيف سيُعَاقب هؤلاء المكذّبين، فيقول تعالى:

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وبداية الاستدراج الفتح على المستَدرَج، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾[الأنعام]؛ أي: لم نعجِّل بعقابهم، بل تركناهم فتمادوا في المعصية، حتّى إذا فرحوا بما أوتوا من النّعمة والثّروة وكثرة العدد جاءهم العقاب، والعلّة في قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، هي قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأنّ البشر يعلمون طرق استدراج بعضهم لبعض.

الآية رقم (45) - وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ

﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾: الإملاء: هو الإمهال؛ أي: التّأخير؛ أي: أنّه لا يأخذهم مرّةً واحدةً، والإملاء للظّالم الكافر ليس إهمالاً له من المولى تعالى، بل هو إمهالٌ فقط، ثمّ يأخذه الله عز وجل أخذ عزيزٍ مقتدر.

﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾: وهنا يُوَضِّح الحقّ تعالى: إذا كنت سأستدرج وسأُملي فاعلم أنّ كيدي متين، والكيد: هو المكر، والمكر: أَخْذُهم من حيث لا يشعرون، وهو عمليّة خفيّة تسوء الممكور به، وهو تدبيرٌ خفيّ.

الآية رقم (36) - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

ماذا أصاب عقولكم لتحكموا هذا الحكم، وعندما نسمع: ﴿كَيْفَ﴾ فهي للاستفسار عن عمليّة عجيبة، كان يصحّ أن تحدث.

الآية رقم (37) - أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ

كيف تحكمون بمساواة المسلمين والمجرمين؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، والحقّ تعالى يُناقشهم ليكشف لهم أنّهم إنّما يحكمون بمجرّد الأهواء، وليس بناءً على مقدِّمات صحيحة، لذلك يسألهم الحقّ تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾، هل حكمتم بهذا لأنّ عندكم كتاباً نزل من عند الله تعالى أتاكم به رسولٌ من رسله قرأتم فيه أن يتساوى المجرم مع المسلم، ويتساوى الصّالح مع الطّالح، والمفسد مع المصلح؟ وهذا تساؤلٌ جوابه: لا؛ أي: ليس كلٌّ منهما مساوياً للآخر، والفطرة تقول هنا: لا، والإسلام قائمٌ على العدل، والعدل يقتضي عدم المساواة بين الطّرفين.

الآية رقم (38) - إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ

فهل عندكم كتابٌ فيه تدرسون وتقرؤون وتستنبطون، تختارون منه ما تشتهونه؟

﴿تَخَيَّرُونَ﴾: تخيّر الشّيء واختاره: أخذ خيره، وكلمة: ﴿تَخَيَّرُونَ﴾ أصلها تتخيّرون، حذف أحد التّاءين من تخيّرون: فتبالغون في انتقائه وأخذ خياره.

وخلاصة تأويل الآية: أَفَسَدَت عقولكم حتّى حكمتم بهذا؟ أم جاءكم كتابٌ فيه تخييركم وتفويض الأمر إليكم؟

الآية رقم (39) - أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ

﴿أَيْمَانٌ﴾: الأيمان: جمع يمين، واليمين: هو الحلف أو القَسَم، وسُمّيَ يميناً؛ لأنّهم كانوا قديماً إذا تحالفوا ضرب كلّ امرئٍ منهم يمينه على يمين صاحبه؛ وذلك لأنّ اليمين هو الجارحة الفاعلة، والمقصود بالأيمان الحلف، والحلف من معانيه التّقوية، وهي مأخوذة من الحلف، وهو أن يتحالف النّاس على عملٍ ما. فهل لكم عهودٌ منّا ومواثيق مؤكّدة أنّه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون؟ وألّا تُحَاسَبوا على ما أجرمتموه في حياتكم الدّنيا؟

الآية رقم (40) - سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ

﴿زَعِيمٌ﴾: الزّعيم: الضّامن والمتكلّم عن القوم، الكفيل، فسلهم يا رسول الله، وانظر أيّهم كفيل وضامن أنّ المسلمين كالمجرمين؟ وَمن يكفل لكم أنّكم ستنجون من عذاب الله تعالى يوم القيامة؟ مَن منهم كفيلٌ لكم بأنّ لكم في الآخرة ما للمسلمين؟

الآية رقم (41) - أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ

ينقلهم الحقّ تعالى من سؤالٍ إلى سؤال، ومن مقامٍ إلى مقامٍ، من مقام عقليّ منطقيّ: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، إلى مقام النّصّ الّذي قد يكونون قد اعتمدوا عليه من كتاب أُنزِل إليهم أو غيره: ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، ثمّ إلى مقام الحلف والأيمان والعهود: ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾، ثمّ يأتي مقام الشّركاء والشّهداء، فيقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾، هل لهؤلاء القوم شركاء فيما يقولون ويصفون من الأمور الّتي يزعمون أنّها لهم، فليأتوا بشركائهم في ذلك إن كانوا فيما يدّعون من الشّركاء صادقين، لذلك يتحدّاهم الحقّ تعالى ويؤكّد عدم صدقهم.

الآية رقم (42) - يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾: الكشف عن السّاق كناية عن شدّة كرْب يوم القيامة، فيشتدّ الكرب والضّيق، ويُدعى هؤلاء المتكبّرون الّذين رفضوا السّجود لله تعالى في الدّنيا، ورفضوا طاعته عز وجل وعبادته إلى السّجود فلا يستطيعونه ولا يملكونه، وقد كان ترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس 8 يقول: “يُكشف عن أمرٍ عظيم”، تقول العرب: وقامت الحرب بنا على ساقٍ؛ أي: اشتدّت وحمي وطيسها. فيوم القيامة هو يوم كرب وشدّة شديدة؛ أي: يوم يُكشَف عن شدّة أمر القيامة وحشر النّاس والسّاعة والميزان، والحقّ تعالى حدّثنا عن هول ذلك اليوم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحجّ].

﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: قد ميّز الحقّ تعالى أهل الإيمان وأهل النّفاق بالسّجود، فقال تعالى﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وقد كانوا في الدّنيا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق]، فهم لم يستجيبوا في الدّنيا لداعي الإيمان، فلم يركعوا إلّا رياءً وسمعة، ولم ينفعلوا بآيات الله تعالى تتلى عليهم، بل صمّوا وعموا، لذلك إذا دعوا إلى السّجود في هذا اليوم العظيم لم يستطيعوا السّجود، والحديث النّبويّ الشّريف يُعطينا صورة هذا الموقف العظيم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، ذَهَبَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَبَقِيَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَنْتَظِرُونَ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا رَبّاً كُنَّا نَعْبُدُهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ نَرَهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: إِذَا رَأَيْتُمُوهُ تَعْرِفُونَهُ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: وَكَيْفَ تَعْرِفُونَهُ وَلَمْ تَرَوْهُ؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا شِبْهَ لَهُ، فَيَكْشِفُ لَهُمْ عَنْ حِجَابٍ فَيَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً»([1])، والسّجود هو علامة الخضوع وعلامة العبوديّة؛ لأنّك تضع أشرف شيءٍ فيك، وهو الجبهة على الأرض خضوعاً لله عز وجل وخشوعاً له عز وجل.

([1]) السّنّة لابن أبي عاصم: ج1، ص 280، الحديث رقم (630).

الآية رقم (43) - خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ

﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾: تضطرب أبصارهم؛ لأنّها ترى الفزع الّذي يُخيفها فتتقلّب، تنظر هنا وهناك علّها ترى ما يُطَمئنها أو يُخَفِّف عنها ما تجد، لكن هيهات فلن ترى إلّا فزعاً آخر أشدّ وأنكى، لذلك ينتهي الموقف إلى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾، ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾[النّازعات]، يعني ذليلة منكسرة حيث لا مفرّ ولا منجى، ولن يجد في هذا اليوم راحةً إلّا مَن قدّم له العمل الصّالح، فخشوع أبصارهم إطراقها في ذُلٍّ ومهانة، لذلك قال تعالى: ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، فتغشاهم ذلّة فأطرقوا بأبصارهم إلى الأرض من شدّة الخوف المحيط بهم، والخشوع وصفٌ قلبيٌّ وحسّيٌّ، يكون في الصّلاة وغيرها، ويُوصَف به الإنسان وغيره، قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: من الآية 108]، فوصف الأصوات بالخشوع، وقال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: من الآية 43]، وصف الأبصار بالخشوع، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية]، وصف الوجوه بالخشوع.

﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: يغشاهم هوانٌ وذلٌّ ندامةً وحسرةً أنّهم لم يكونوا يسجدون لله تعالى في الدّنيا، وكانوا يتكبّرون على الله عز وجل.

﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾: والحقّ تعالى عندما دعاهم إلى السّجود يوم القيامة لم يدعهم تعبّداً وتكليفاً، إنّما توبيخاً وتعنيفاً لهم على تركهم السّجود في الدّنيا، وهم لم يستطيعوا السّجود؛ لأنّهم تكبّروا على الله تعالى فلم يسجدوا له في الدّنيا، لذلك قال تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، هذا في الآخرة، أمّا في الدّنيا فقد: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾.

الآية رقم (33) - كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

﴿كَذَلِكَ: اسم إشارة إلى عذاب الدّنيا الّذي عاينوه في احتراق جنّتهم وفقدانهم لثمرهم، فكما فعلنا بجنّة أصحاب الجنّة فعلنا بمن خالف أمرنا وكفر برُسُلنا في عاجل الدّنيا، فبمثل هذا العذاب الدّنيويّ سنعذّب هذا الّذي قال: إنّ القرآن الكريم ما هو إلّأ أساطير الأوّلين، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، فكأنّ الله تعالى أورد قصّة أصحاب الجنّة ليردّ بها على مَن كفر بالقرآن الكريم، وبأنّه وحيٌ من عند الله عز وجل، فالله تعالى أعطاه المال والبنين ومع هذا كفر بالله عز وجل، وأصحاب الجنّة أعطاهم الله تعالى الثّمر النّضر والجنّة الوارفة، ولكنّهم بسبب معصيتهم وإرادتهم منع حقّ الله تعالى زالت جنّتهم.

﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ: لا تعتقدوا أنّ عذابي لكم في الدّنيا سيعفيكم من عذاب الآخرة، فالعذاب في الدّنيا قد يُصيب مَن آمن بي ومن كفر بي، أمّا مَن كفر فإنّني أُضيف إلى عذابه في الدّنيا عذاباً آخر أكبر في الآخرة.

﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: فالله تعالى ينفي عنهم العلم ويُشكّك في علمهم، فالعلم الّذي لا يُخضِع حركة الإنسان له فكأنّه لم يعلم شيئاً، فالعلم لم يثبت لهم؛ لأنّهم لم ينتفعوا به، لذلك يقول تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[الرّوم: من الآية 6].

الآية رقم (34) - إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ: المتّقون: جمع متّقٍ، والاتّقاء من الوقاية، وهي الاحتراس والبعد عن الشّرّ، لذلك يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التّحريم: من الآية 6]؛ أي: اجعلوا بينكم وبين النّار وقاية.

والتّقوى من عجائب التّأويل القرآنيّ، فالقرآن الكريم يقول: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة: من الآية 278]، ويقول: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ[آل عمران: من الآية 131]، والمعنى عند تحقيق الأمر واحدٌ؛ لأنّ اتّق النّار يعني: اجعل بينك وبين النّار وقايةً وحاجزاً يمنعك منها، كذلك: اتّق الله، لا أن تجعل بينك وبين ربّك حاجزاً؛ لأنّ المؤمن دائماً يكون في معيّة الله عز وجل، إنّما اجعل بينك وبين صفات الجلال ومتعلّقاتها من الله تعالى وقاية، واتّق صفات المنتقم والجبّار والقهّار.

﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: فهذا الأجر الثّواب هو عند ربّهم، مالك أمرهم، وكلمة: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾لها ملحظٌ، فعندما يكون لك الأجر عند المساوي لك قد يأكل أجرك، أمّا أجرك عند ربٍّ تولّى تربيتك وأعطاك وأنعم عليك فلن يضيع أبداً، وكلمة ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾في القرآن الكريم ليست خاصّة بمن آمن بالله عز وجل؛ لأنّ الله تعالى ربٌّ لجميع خلقه، المؤمن وغير المؤمن، لذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[السّجدة: من الآية 12]، فالله تعالى ربٌّ لمن أجرم أيضاً، وليس لمن آمن فقط.

﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ: يذكر الحقّ تعالى جزاء الإيمان والعمل الصّالح، فهي جنّات لا جنّة واحدة، وهي جنّات النّعيم؛ أي: المقيم الّذي لا تفوته ولا يفوتك، والجنّات نفسها متنوّعة، فهناك جنّات الفردوس وجنّات عدن وجنّات النّعيم، وهناك دار الخلد ودار السّلام وجنّة المأوى، وهناك عليّون الّذي هو أعلى وأفضل الدّرجات، وأعلى ما فيها التّمتّع برؤية الله تعالى.

الآية رقم (35) - أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ

يُعطينا الله تعالى هنا استفهاماً استنكاريّاً، فيقول تعالى، وإجابته معروفة أنّهم لا يستوون، فليس المسلمون كالمجرمين، كيف يستوي مَن أسلم نفسه لله تعالى واتّبع منهجه وآمن بربّه وبشرعه، مع مَن خرج على منهج الله عز وجل ورفض اتّباعه وعصى وأبى؟ لا يستوون طبعاً، والحقّ تعالى يُعطينا أمثلة كثيرة على عدم التّساوي، فالتّساوي أحياناً يكون ظلماً، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن الظّلم، فيقول تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[النّحل]، وقد يسأل سائلٌ هنا: الحقّ تعالى يضرب المثل هنا بطرفين؛ أي: بمثنى، فلماذا قال: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ بصيغة الجمع، ولم يقل: هل يستويان؟ نقول: المثل وإن ضُرِبَ بمفرد مقابل مفرد، إلّا أنّه ينطبق على عديدين، مفرد شائعٌ في عديد من المملوكين، وشائعٌ أيضاً في العديد من السّادة أصحاب الرّزق الحسن، ذلك ليُعَمّم ضرب المثل، وفي آيةٍ أخرى يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السّجدة]، فـ ﴿مُؤْمِنًا﴾ و﴿فَاسِقًا﴾ جاءت بصيغة المفرد، ومع ذلك لم يقل الحقّ تعالى: (لا يستويان) بالمثنّى، بل قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ بالجمع، فالحقّ تعالى لا يتكلّم عن المفرد، إنّما عن الجمع، أو أنّها قيلت ردّاً لحالة مخصوصة بين مؤمن وكافر، وأراد الحقّ تعالى أن يُعطيها العموم لا خصوصَ السّبب، فراعى السّياق خصوص السّبب في مؤمن وكافر، وراعى عموم الموضوع، فقال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾.

والحقّ تعالى يقول: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف]، فهؤلاء أجرموا جرائم سطرتها عليهم الملائكة في صحف وكتب خاصّة بهم، كلٌّ له كتابه الّذي سيقرؤه بنفسه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء]، وقد ظنّوا ألّا شيء سيُحصى عليهم أو أنّهم لن يُعَاقبوا؛ وذلك لأنّ هناك خللاً في معتقدهم الإيمانيّ في وجود الآخرة واليوم الآخر يوم الحساب، فهؤلاء المجرمون الّذين يتحكّمون ويُفسِدون في الأرض، ولا يقدر أحدٌ أن يقف في مواجهتهم، قال عنهم تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: من الآية 124]، والمقابلون للمجرمين هم المؤمنون، فإذا استبَنت سبيل المجرمين، أو إذا استبان لك سبيل المجرمين، ستعرف المقابل وهو سبيل المؤمنين.

والمجرم: مَن ارتكب ذنباً أضرّ بالغير، ومنه ذنب القمّة، وهو الكفر بالله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم]، فترى المجرمين جميعاً مجموعين بعضهم مع بعض في قرنٍ، وهو الحبل.

والمجرم هو المنقطع عن الحقّ، والجريمة هي الانقطاع عن الحقّ لانتصار الباطل، والمجرمون يكونون مميّزين عند الحشر بزُرقة وجوههم، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾[طه: من الآية 102]؛ أي: نجمعهم ونسوقهم زُرقاً، والزُّرقة هي لونهم،كما ترى شخصاً احتقن وجهه وازرقّ لونه بسبب شيءٍ تعرَّض له.

وما استشرى الإجرام إلّا حين خاف النّاس من المجرمين وتملّقوهم اتّقاء شرّهم، فالمجتمع كلّه يتحمّل هذه المسؤوليّة، لذلك جعل الله تعالى الدّيّة في القتل الخطأ ليست على القاتل وحده، إنّما على العائلة جميعها؛ لأنّها المنوط بها تقويم أبنائها والأخذ على أيدي المنحرف منهم.

والحقّ تعالى يستنكر عليهم أن يُساووا المسلمين بالمجرمين، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، استفهامٌ استنكاريّ، ثمّ يأتي الجواب: