الآية رقم (45) - وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ

﴿ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: هذه الآية تبيّن بأنّ هذه المساكن الّتي سكنوها كانت لأقوامٍ كافرةٍ ومشركةٍ بالله عز وجل.

﴿وَسَكَنْتُمْ﴾: السّكون هو الاطمئنان إلى عدم وجود إزعاجٍ، ونعلم أنّ المرأة في الزّواج تُعدّ سكناً، والبيت سكناً والرّجل سكناً لها، وهنا يتكلّم الله سبحانه وتعالى عن مساكن الّذين ظلموا أنفسهم؛ أي إنّكم لم تتّعظوا من السّوابق الّتي ما كان يجب أن تغيب عنكم، فأنتم تمرّون في رحلات الصّيف والشّتاء على مدائن صالح مثلاً، وترون آثار الّذين ظلموا أنفسهم بالشّرك، وتمرّون على الأحقاف وترون ماذا حاق بقوم عاد، كلّ أولئك نالوا العقاب من الله عز وجل سواءً بالرّيح الصّرصر العاتية، أو أنّه سبحانه وتعالى أرسل عليهم حاصباً من السّماء، أو أنزل عليهم صيحةً، أو أغرقهم كآل فرعون، وأخذ كلّاً بذنبه، وصدق الله جل جلاله وعده في عذاب الدّنيا، فلماذا لم تأخذوا عبرةً من ذلك، وأنّه تعالى صادقٌ حين تحدّث عن عذاب الآخرة، وفي آية أخرى يقول الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ]الصّافّات[؛ لأنّكم تمرّون على تلك الأماكن الّتي أقامها بعض ممّن سبقوكم، وظلموا أنفسهم بالكفر، وأنزل الله سبحانه وتعالى عليهم العقاب.

﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾: فحين تمشي بأرض قوم عاد وترى هذه الحضارة الّتي قال عنها الله سبحانه وتعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾]الفجر[، حضارة لم تُكتشف آثارها بعد، حتّى الآن ما زالت من المطمورات.

﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾: هنا يبيّن أنّ مشيئته سبحانه وتعالى في إنزال العقاب قد وضحت أمام الّذين عاصروا رسالة النّبيّ ﷺ في مساكن الأقوام، وسبق أن ضرب لهم الحقّ سبحانه وتعالى الأمثال بهؤلاء الأقوام وبما حدث لهم، والمثل إنّما يضربه الله جلّ وعلا ليُقرّب بالشّيء الحسّيّ ما يقرّب من الأذهان الشّيء المعنويّ.

الآية رقم (46) - وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾: المكر: هو تبييت الكيد بخفاءٍ مستورٍ ومأخوذٍ من الشّجرة المكمورة؛ أي الشّجرة الّتي تداري نفسها، ونحن نرى في البساتين الكبيرة شجراً بحجم الإصبع، مجدولةً على شجرةٍ أخرى كبيرةٍ لا تستطيع أن تتعرّف على ورقة منها أو تنسب تلك الورقة إلى مكان خروجها، فهي ملتفّةٌ على بعضها، وهذا معنى المكر، ومن يُبيّت فهو جبانٌ وضعيفٌ، ليس له قدرةٌ على المواجهة، فيبيّت الشّرّ بالسّرّ.

﴿ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾: الله سبحانه وتعالى خبيرٌ وعليمٌ، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾]فاطر: من الآية 43[، وهو يقول جل جلاله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ]الأنفال: من الآية 30[؛ أي أنّه يبطل مكرهم، وقد مكروا مكرهم؛ أي أنّهم قاموا بالتّبييت المناسب لحيلتهم، فأبطلها الله سبحانه وتعالى، فيناسبها ما هو من قوّة وقدرة الله عز وجل المطلقة في إبطال هذا المكر.

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾  هذا المكر مكشوف عند الله تعالى، وقد شبّهه الله سبحانه وتعالى بهذا التّشبيه البليغ، بأنّه من شدّة مكرهم وتآمرهم وحقدهم يكاد هذا المكر أن تزول منه الجبال، ولكن اطمئن يا محمّد فلو كان مكرهم يزيل الجبال فإنّهم لن ينالوك، ولن يزحزحوك عن الهدف الّذي جئت من أجله، والجبال كانت أشدّ الكائنات ثباتاً بالنّسبة إلى العرب.

الآية رقم (47) - فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾: والله سبحانه وتعالى هو القائل: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾]الصّافّات[، فوعْدُ الله سبحانه وتعالى لرسله عليهم السلام لا يمكن أن يُخلَف أبداً، ولنقف هنا عند الوعود في القرآن الكريم، هناك وعد الشّيطان لأوليائه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾]البقرة: من الآية 268[، هناك وعدٌ من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾]النّور: من الآية 55[، فإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يُخلف وعده لأتباع الرّسول، فكيف للرّسول ﷺ؟! فالوعد من الله سبحانه وتعالى موفّى، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ]غافر[، والنّصر يقتضي هزيمة المقابل، ويحتاج النّصر لصفاتٍ تناسبه، والصّفة المناسبة هي صدور هذا النّصر من عزيزٍ لا يُغلَب، والهزيمة لمن كفروا تحتاج إلى صفةٍ، والصّفة المناسبة هي تحقّق الهزيمة بأمر منتقِمٍ جبّارٍ.

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ﴾: الخطاب هو للنّبيّ ﷺ ولكلّ المؤمنين؛ أي لا تجعل يا محمّد ولا تضع في الحسبان.

يجب أن تثقوا بوعود الله سبحانه وتعالى، وهي التّمكين والنّصر للرّسل ولمن آمن بهم، وهنا نتوقّف قليلاً عند موضوع الإساءات المتكرّرة الّتي نسمعها منذ ذلك الزّمن، الآية هنا: ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ هي خطابٌ لسيّد المرسلين والبشريّة ﷺ، فمنذ اللّحظات الأولى لإعلان النّبيّ ﷺ نزول الوحي على قلبه وهو يواجه المبطلين والجاحدين والمشركين وأعداء الحقّ والفاسدين الّذين لا يريدون التّغيير، هذه المواجهات بدأت بالإساءة للنّبيّ ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾]التّوبة: من الآية 61[، وقال جل جلاله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾]الأحزاب[،كلمة الإيذاء لا تصل إلى الرّسول ﷺ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى مانعه، فقد قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ]المائدة: من الآية 67[، فالسّؤال هنا: هل يصل إيذاءٌ لله عز وجل أو لرسول الله ﷺ؟ الجواب: بالتّأكيد لا، لكن عندما نتحدّث عن محاولة الإساءة المتكرّرة للنّبيّ ﷺ عبر الزّمان، نأتي اليوم إلى ما يحدث من رسوم حاول بعضهم من خلالها الإساءة للنّبيّ ﷺ، وبالتّأكيد لا تصل الإساءة للنّبيّ لكنّها إهانةٌ لمشاعر ملياريّ مسلمٍ على وجه الأرض، يؤمنون بهذا الدّين وبهذا الرّسول الكريم، ونحن قلنا سابقاً: لسنا مضطّرين لتقديم شهادات حسن سلوك لأولئك النّاس الّذين امتهنوا الإساءات والإجرام والإرهاب عبر تاريخهم الطّويل، من الاستعمار إلى الاعتداء على بلادنا وعلى مقدّراتنا ومصالحنا، إلى تبنّي الحركات المتطرّفة ودعمها وهي الّتي يدّعون الآن ويقولون: بأنّها إرهابٌ إسلاميٌّ، ولا يمكن الجمع بين الكلمتين، فعندما تقول: إرهابٌ، فحتماً سيكون عكس الإسلام؛ لأنّ الإسلام دين سلامٍ للنّاس أجمعين، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾]الأنبياء[، والإجرام لا دين له ولا عنوان، المجرم يوصف بإجرامه وبإرهابه وبخروجه عن تعاليم دينه، ولا يُلصَق ذلك بدينه، فإذا عدنا إلى نصوص القرآن الكريم وإلى ما جاء به النّبيّ ﷺ نجد أنّه أجاز القتال في ردّ العدوان فقط، ونجد قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ]النّحل[، فالعنوان: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ]فصّلت[، فنصوص القرآن الكريم وكلّ ما جاء عن النّبيّ ﷺ وما فعله عليه الصّلاة والسّلام لم يكن فيه اعتداءٌ على الإنسان ولا حتّى على الحيوان، فقد قال ﷺ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ»([1])، دخلت النّار؛ لأنّها عذّبت هذا الحيوان، هذه في كلّ تعاليم الدّين، فإذا وُجد إرهابيّ أو مجرمٌ قتل أو أهان أو أساء أو سرق أو اغتاب فهذا لا يُنسب إلى الدّين، فلا يُقال: إرهابٌ إسلاميٌّ، بل هو إرهابٌ خارجٌ عن تعاليم الإسلام، والشّعوب الإسلاميّة على مدى تاريخها شعوبٌ مسالمةٌ محبّةٌ للخير، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾]المائدة: من الآية 2[، فلا تجد نصّاً من نصوص القرآن الكريم إلّا ويعطي الأوامر لأتباعه بالخير والرّحمة والسّلام والأمن والعطاء والبرّ، قال سبحانه وتعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾]الممتحنة[، وقال جل جلاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾]النّحل[، فهل يقبل هذا الدّين بالبغي على أحدٍ، أو قتل أحدٍ؟! فالمعايير المزدوجة في أيّ أمرٍ يتعلّق بالإسلام، ومحاولة إلصاق كلّ جريمةٍ أو إرهابٍ بالدّين الإسلاميّ، كلّ هذا منافٍ للحقائق والوقائع والتّاريخ، فالنّبيّ محمّد عليه الصّلاة والسّلام أخرج البشريّة من الظّلمات إلى النّور، ومدّ رواق العلم والسّلام والأمن في ربوع العالم كلّها، فلا يُتّهم ولا يُساء إليه، وهذه ليست حريّة تعبير، وإنّما هي اعتداءٌ على كرامة ومشاعر الآخرين، وهناك قوانين تعاقب على هذا، ومن غير المقبول الإساءة للدّين الإسلاميّ تحت أيّ شعارٍ أو رسمٍ أو تعبيرٍ.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، الحديث رقم (2365).

الآية رقم (48) - يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ

﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾: يخوّفهم الله سبحانه وتعالى هنا من يوم القيامة، ويوضّح لهم أنّ الكون الّذي خلقه جل جلاله، وخلق فيه آدم وبعده الذّرّيّة كلّها، وأعدّه وسخّره لخدمة آدم وذرّيّته من بعده بأنّه سيتبدّل، وسيحدث انقلابٌ في المفاهيم كلّها الّتي عهدناها في هذه الحياة الدّنيا، وسيحدث عليها تبديلٌ يتعلّق بالأسباب الّتي وُضعت في الحياة على الأرض، فالأرض الّتي نعرفها أرض أسبابٍ، والسّماء الّتي نعرفها سماء أسبابٍ، وفي الآخرة لا يوجد أسبابٌ، لذلك لا بدّ أن تتبدّل الأرض والسّماء بالطّريقة الّتي لا نعرفها.

﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾: البروز هو الخروج والمواجهة، وإذا برزوا لله تعالى الواحد القهّار فلا مناص في ذلك اليوم من الحساب، فمن أفلت من عدالة الأرض فإنّه لن يفلت من عدالة السّماء.

الآية رقم (49) - وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ

﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ ﴾: المجرم هو من ارتكب ذنباً، والمراد هنا من ارتكب ذنب القمّة، وهو الكفر بالله عز وجل، وبعدها تأتي الذّنوب الأخرى، فالمجرمون هم الّذين كفروا بالله سبحانه وتعالى، فتراهم جميعاً مجموعين في قرنٍ، وهو الحبل الّذي يقيّدون فيه.

﴿ فِي الْأَصْفَادِ ﴾: الأصفاد: جمع صفد، وهو القيد الّذي يوضع في القدم، فهناك من يُقيَّدون في الأصفاد من أرجلهم، وهناك من يُقيّد بالأغلال؛ أي توضع أيديهم في سلاسل وتُعلّق تلك السّلاسل في رقابهم، وأصحاب كلّ جريمةٍ معيّنةٍ يُجمَع أصحابها برباطٍ واحدٍ، ذلك أنّهم كان يجمعهم أثناء الحياة الدّنيا التّعاطف مع الجرائم، وإن كانوا متنافرين، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾]الزّخرف[، وكأنّ كلّاً منهم يُعذّب الآخر قبل أن يذوقوا جميعاً العذاب الكبير

الآية رقم (50) - سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ

﴿ سَرَابِيلُهُمْ ﴾: سرابيل: جمع سِربال، وهو ما يلي الجسد، نسمّيه في عصرنا قميص، وإذا كان السّربال من قطران، فهو أسودٌ لاذعٌ نتن الرّائحة سريع الاشتعال، تلك صفات القطران، فهو شيءٌ يسيل من بعض أشجار البادية، ويستخدم لعلاج النّوق من الجرب، وعادةً يضرب الله سبحانه وتعالى الـمَثَل من الصّورة القريبة إلى الذّهن الّتي يراها العربيّ في بيئته.

﴿ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ﴾: إذا تعرّض الإنسان لأمرٍ يصيبه بالعطب فأوّل ما يحاول الحفاظ عليه هو الوجه، ذلك أنّ الوجه هو أشرف شيءٍ في الإنسان، ويقول سبحانه وتعالى في آياتٍ أخرى: ﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ]الزّمر[، وكأنّ الواحد منهم من شدّة العذاب يحاول أن يدفع هذا العذاب بوجهه، ويقول جل جلاله في موقعٍ آخر: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ ]القمر[، وهكذا نجد أنّ الوجه قد جاء في أكثر من صورةٍ من صور هذا العذاب

الآية رقم (51) - لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

﴿ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: الجزاء أمرٌ طبيعيٌّ في الوجود، وحتّى الّذين لا يؤمنون بإلهٍ ويديرون حركة حياتهم بتقنيّات من عندهم وضعوا لأنفسهم قوانين جزاء تحدّد كلّ جريمةٍ والعقاب المناسب لها، فلا يكون أمراً غريباً أن يضع خالق الكون نظاماً للجزاء ثواباً وعقاباً، ولو لم يضع الحقّ سبحانه وتعالى نظاماً للجزاء من الثّواب والعقاب لنال كلّ مفسدٍ بُغيته من فساده، ولأحسّ أهل القيم أنّهم قد خُدعوا في هذه الحياة، وبما أنّ هذا الجزاء أمرٌ طبيعيٌّ فلا ظلم فيه، قال عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾]غافر: من الآية 17[، لا يمكن أن يكون هناك ظلمٌ في هذا اليوم؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يجزي كلّ نفس ما كسبت؛ أي أنّ المؤمن أو الكافر سيلقى جزاء ما فعل من ثوابٍ أو عقابٍ، والكسب كما نعلم أن تأخذ زائداً عن الأصل، ويُقال: كسبَ السّيّئة، ولا يُقال: اكتسبها؛ ذلك لأنّ ارتكابه للسّيّئة صار تربةً سلوكيّةً يفرح بارتكابها، فأصبحت السّيّئة عنده عادةً، ولا بدّ من الجزاء، والجزاء يحتاج حساباً، والحساب يحتاج ميزاناً، قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾]القارعة[.

﴿ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾: سيحاسب كلّ نفس بما كسبت، قد يظنّ بعضهم أنّ ذلك سيستغرق وقتاً، لذلك فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾، سيُحاسب الخلق من لدن آدم عليه السلام إلى أن تقوم السّاعة بسرعة تناسب قدرته المطلقة، وحين سأل النّاس الإمام عليّ كرّم الله وجهه: كيف سيُحاسب الله سبحانه وتعالى الخلق جميعاً دفعةً واحدةً؟ أجاب هذا الجواب الشّافي، قال: كما يرزقكم جميعاً.

الآية رقم (52) - هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ

﴿ هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ﴾: هذه الآية هي مسك الختام من سورة إبراهيم؛ لأنّها ركّزت على أنّ الدّعوة بلاغٌ صدر عن الله سبحانه وتعالى ليُبلّغه لرسوله ﷺ الّذي أُيّد بالمعجزة ليحمل منهج الحياة للإنسان الّذي هو خليفة الله عز وجل في الأرض، فهذا الإنسان جاءه بلاغٌ من الرّسول ﷺ وإنذارٌ، وهنا إشارةٌ إلى القرآن الكريم كلّه، فهذا هو البلاغ، وقد نزل من عند الله جل جلاله، ويعطينا ما يعطيه النّصّ القانونيّ الحديث، ذلك أنّ النّصّ القانويّ الحديث يوضّح أنّه لا عقوبة إلّا بنصٍّ يجرّم الفاعل، ولا بدّ من إعلان النّصّ للنّاس كافّة، لذلك يُنشر القانون في الجريدة الرسميّة للدّولة كي لا يقول أحدٌ: أنا أجهل صدور القانون، لا يوجد جهل، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ]الإسراء: من الآية 15[، فمهمّة الرّسول هي البلاغ عن الله عز وجل بمنهج الحياة الّذي يصون حركة الحياة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾]الرّعد: من الآية 40[، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾]الأحزاب[، ويقول الله جل جلاله: ﴿ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ ]الأعراف: من الآية 79[، ﴿ هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ فلا يوجد حجّة لأحدٍ أن يقول: أُخذت بذنبٍ لم أعرف أنّه ذنباً.

﴿ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾: الإنذار هو التّخويف بشرٍّ سوف يقع، وهذا تخويفٌ قبل وقوع الشّرّ؛ ليوضّح لك بشاعة المخالفة، والتّبشير هو تنبيهٌ لخيرٍ قادمٍ لم يأت أوانه، كي تستعدّ لاستقباله، وهذا بلاغٌ للنّاس يتضمّن البشارة، ولكنّه يرتكز على: ﴿ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾؛ لأنّ الخيبة ستقع على مرتكب الذّنوب.

﴿ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾: هذه هي القضيّة العقائديّة الأولى الّتي تأتي في قمّة القضايا كلّها، فهو إلهٌ واحدٌ، وأمره واحدٌ، والعبادة هي طاعةٌ، وقد وضع لك الأسس لذلك من خلال الرّسل والرّسالات الّتي جاؤوا بها.

﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾: الألباب: جمع لبّ، وهو العقل الخالص من الشّوائب، وقيل: هو ما زكى من العقل، ولبّ الشّيء هو أنفس ما في الشّيء، أولوا الألباب؛ أي أولوا العقول، ليستقبلوا القضيّة الإيمانيّة بعقولهم، يحرّكون عقولهم، لذلك الدّين دين عقلٍ ليتذكّروا دائماً فهذا معنى: ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، ليتذكّر أصحاب العقول أنّ الله سبحانه وتعالى واحدٌ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ ]آل عمران: من الآية 18[، هذه شهادة الذّات للذّات، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾]آل عمران: من الآية 18[، شهادة الملائكة هي شهادة المواجهة الّتي عايشوها، وشهادة أولي الألباب هي شهادة الاستدلال والمنطق والعقل الّذي يثبت لنا بأنّه لا إله إلّا الله فيتّعظ الإنسان ويتذكّر ويُذكّر الآخرين

الآية رقم (33) - وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾: الشّمس؛ أي النّهاريّة، والقمر؛ أي اللّيليّة، والماء له علاقةٌ بالشّمس، فهي الّتي تبخّره من مياه البحار، ونروي به الأرض الّتي تنتج لنا الثّمار، أمّا البحار فحساب كلّ ما يجري فيها يتمّ حسب التقويم القمريّ، وهل كان رسول الله يعلم كلّ ذلك؟ الجواب: بالتّأكيد لم يكن ليعلم لولا أنّ القرآن الكريم أخبره ليضمّ حقائق الكون.

﴿ دَائِبَيْنِ ﴾: من الدّأب، والدّؤب هو مرور الشّيء في عملٍ رتيبٍ، تقول: فلانٌ دؤوبٌ على المذاكرة؛ أي أنّه يبذل جهداً منظّماً رتيباً لتحصيل مواده الدّراسيّة، ولا يبدّد وقته، وكذلك الشّمس والقمر اللّذان أقام الحقّ سبحانه وتعالى لهما نظاماً دقيقاً، وعلى سبيل المثال: نحن نحسب اليوم بأوّله من اللّيل ثمّ النّهار، نقسّم اليوم إلى أربع وعشرين ساعةً، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾]الرّحمن[، وقال أيضاً: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ ]الأنعام: من الآية 96[؛ أي أنّك أيّها الإنسان ستجعل من ظهور واختفاء أيّاً منهما حساباً، وقد جعلهما الله سبحانه وتعالى على دقّةٍ في الحركة تسير وتُيسّر علينا أن نحسب بهما الزّمن، فلا اصطدام بينهما، ولكلٍّ منهما فلكٌ خاصٌّ، وحركةٌ محسوبةٌ بدقّةٍ، فلا يصطدمان أبداً، وبذلك نحسب السّاعات، وتُستخدم الضّغط على أساسها، وكلّما ارتقينا في السّاعة وجدنا اختراعاتنا فيها تقرّبنا من عمق الإيمان بالخالق الأعلى سبحانه وتعالى.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾: بما أنّ الشّمس آيةٌ نهاريّةٌ، والقمر آيةٌ ليليّةٌ، والنّهار يسبق اللّيل في الوجود بالنّسبة إلينا، كان مقتضى الكلام أن يقول: سخّر لكم النّهار واللّيل، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلّمنا أنّ اللّيل مخلوقٌ للسّكون، لكن هذا السّكون ليس سبباً لوجود الإنسان على الأرض، بل السّبب هو أن يتحرّك الإنسان ويستعمر الأرض، ويكدّ ويكدح بها، لذلك جعل استهلال الشّمس أوّلاً، والقمر يستمدّ ضوءه منها، ثمّ جاء بخبر اللّيل وخبر النّهار، فكأنّ الله سبحانه وتعالى قد اكتنف هذه الآية من نوريَن، النّور الأوّل من الشّمس، والنّور الثّاني من القمر، ليعلم الإنسان أنّ حياته مغلّفةٌ تغليفاً يتيح له الحركة على الأرض، فلا تظنّن أيّها الإنسان أنّ الأصل هو النّوم، ذلك أنّه سبحانه وتعالى قد خلق النّوم لترتاح ثمّ تصحو لتكدح، ونلحظ هنا أنّ كلمة تسخير تأتي للأشياء الجوهريّة، وتأتي للمُسخّرات أيضاً، فالحيوان مسخّرٌ لنا، وكذلك النّبات والسّماء مسخّرةٌ بما فيها لنا، أمّا اللّيل والنّهار فهما نتيجتان للشّمس والقمر، والتّسخير كما نعلم هو منع الاختيار، وإذا ما سخّر الله سبحانه وتعالى شيئاً فلنعلم أنّه منضبطٌ لا يتأتّى فيه اختلالٌ أبداً، ولكنّ الكائن غير المسخّر هو الّذي يتأتى فيه الاختلال، ذلك أنّه قد يسير على جادّة الصّواب أو يخطئ، وفي مسألة التّسخير لا يوجد هذا الكلام.

الآية رقم (34) - وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ

﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾: أعطانا الحقّ سبحانه وتعالى ممّا نسأل من قبل أن نسأل، أعدّ الكون لنا من قبل أن نوجد، فقد استقبل الكون آدم عليه السلام وهو مُعدٌّ لهذا الاستقبال، وإذا نظرنا إلى الإنسان الفرد سنجد أنّ نعم الله عز وجل عليه قد سبقته، والمثال على ذلك الجنين في بطن أمّه، هنا المولى يقول: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾، يعني أنّه قد أعطاك ما تسأل وما لم تسأل، نطقت به أو لم تنطق، ولو بحديث النّفس أو خواطر خافية؛ ذلك لأنّ وراء كلّ عطاء حكمة ووراء كلّ منع حكمة أيضاً، فالمنع من الله سبحانه وتعالى عين العطاء، والحقّ سبحانه منزّه على أن يكون موظّفاً عندنا، وقد بيّن الحقّ سبحانه وتعالى أنّ الإنسان قد يدعو بالشّرّ وهو لا يعلم: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ]الإسراء[.

﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾: أي بعض ممّا سألتموه، فقد تكون هناك بعض الأسئلة التي تعود بالضّرّر، فمن عظمته سبحانه أنّه أعطانا ما هو مطابق للحكمة ومنع عنّا غير المطابق لحكمته سبحانه، ولو نظر كلٌّ منّا إلى عطاء السّلب لوجد فيه نعماً كثيرة يقول سبحانه وتعالى: ﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ ﴾]الأنبياء[، فلا يقولنّ أحد: قد دعوت ربّي ولم يستجب لي، بل عليه أن يتذكّر قول الله جل جلاله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا ﴾ ]الإسراء[، فسبحانه يملك حكمة العطاء كما قلنا وحكمة المنع ولا أحد منّا يستطيع أن يعدّ نعم الله عز وجل.

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: العدّ كما نعلم هو حصر لمفردات جمع أو جزئيّات، ويعلم أهل العلم بالمنطق أنّ هناك كلّي يقابله جزئيّ وهناك كلّ يقابله جزء، ونعلم أيضاً أنّهم قد سمّوا العدّ إحصاءً؛ لأنّهم كانوا يعدّون الأشياء قديماً بالحصى فأُطلقت كلمة الإحصاء على مطلق العدّ حساباً للأصل، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ سنجد الكثير من المعاني ولكن هناك من يحاول التّصيّد للقرآن الكريم فيقول: هذا أمرٌ غير دقيق، فما دام قد حدث العدّ فكيف لا يتمّ الإحصاء؟ هؤلاء ينسون أنّه ليس المقصود هنا العدّ بذاته ولكن المقصود هو إرادة العدّ، ولو وُجدت الإرادة فليست هناك قدرة على استيعاب نعم الله سبحانه وتعالى، فلا تعارض في آيات الله عز وجل، وإنّما هو نسقٌ متكامل فأنت لا تُقبل على عدّ أمر إلّا إن كان غالب الظّنّ أنّك قادرٌ على العدّ وذلك إذا كان في إمكان البشر، ونِعم الله سبحانه وتعالى فوق طاقة مقدور البشر، نجد في هذه الآية استعمال (إن): ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا﴾، وهي تستخدم في حالة الأمر المشكوك فيه، أمّا الأمر الـمُتَيَقّن فنستخدم (إذا) كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾]النّصر[، لم يقل: إن جاء؛ أي يوجد احتمال بأن يأتي أو لا، وكلّ نعمةٍ من الله تعالى مطمور فيها نِعم متعدّدة لا تُحصى؛ لذلك قال بعضهم: كيف يا ربّ تقول: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ وهي نعمةٌ واحدة، والواحد لا يُعدّ؟ إنّما المعنى بأنّ نِعم الله سبحانه وتعالى تختلف عن نِعم البشر، فنِعم الله سبحانه وتعالى مطمور فيها أعداد كبيرة جدّاً من النِّعم، وإن أردت أن تُحصي النِّعمة الواحدة فلن تستطيع من كثرة النِّعم الّتي في باطنها.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾: يُبيّن الله سبحانه وتعالى ظلم الإنسان لنفسه وكفره وجحده للنّعمة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ ]إبراهيم[، وفي آيات أخرى يقول عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ]النّحل[، فبعضهم يقول: ما هذا التّكرار؟ أي طالما هنا يقول المولى عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾، وهناك في آيةٍ أخرى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ]النّحل[، الفارق بأنّ استقبال الإنسان للنّعم فيه جحود: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ يجحد في استقبال النّعمة هذا من ناحية الإنسان، أمّا عندما يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾؛ أي أنّ الله جل جلاله بعطائه ومع جحود الإنسان فإنّه غفور رحيم

الآية رقم (35) - وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴾: أي اذكر يا محمّد الوقت الّذي وقف فيه إبراهيم عليه السلام ودعا هذا الدّعاء، فلسان إبراهيم عليه السلام لم يقل: يا الله، بل قال: يا ربّ، فهو يرفع دعاءه للخالق المربّي المعطي المنعم؛ لأنّ عطاء الألوهيّة تكليف.

﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾: وردت معنا في سورة البقرة هذه الآيات ذاتها تقريباً: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ﴾]البقرة: من الآية 126[، وهنا يقول بعضهم: ما الفارق؟ ولأنّنا لا نعرف في اللّغة العربيّة جيّداً يُبهم علينا بعض الأحيان الفرق بين البلد وبلد ويحتاج إلى شرح، عندما قال إبراهيم عليه السلام وطلب من ربّه: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ ]البقرة: من الآية 126[، لم يكن المكان بلداً، بل كان وادياً غير ذي زرع، فطلب أن يكون بلداً آمناً فيه سكّان وتتوفّر فيه متطلّبات ووسائل الرّزق، وشمل الطّلب الأمن؛ لأنّه لا يمكن أن يجتمع النّاس في بلد إلّا إذا كان فيه أمن، فإن كان هناك ما يهدّد طمأنينة النّاس على يومهم العاديّ ووسائل رزقهم فلا يكون اجتماع النّاس، فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاء إبراهيم عليه السلام فصار المكان بلداً، وجعله الله سبحانه وتعالى آمناً أمناً عامّاً، وكان الدّعاء بالأمن الثّاني هي دعوة لأمن خاصّ بأن يكون محرّماً؛ أي لا يُقطع فيه شجرة ولا يُصطاد فيه صيد، أمناً لمن يكون فيه؛ لأنّه سيكون مكان عبادة، وبيت الله الحرام يتمتّع بأمن يشمل الكائنات كلّها؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾]آل عمران: من الآية 97[؛ أي عليكم أيّها المتّبعون لدين الله سبحانه وتعالى أن تؤمّنوا من يدخل إلى الحرم، ونحن نعرف الفارق بين الأمر التّكليفيّ والأمر الكونيّ، فعندما يكون الأمر تكليفيّاً فعلينا أن نؤمّن، أمّا إذا كان أمراً كونيّاً فمن الله سبحانه وتعالى مباشرةً، فهذا هو الفارق بين الآيتين.

﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾: هذا نبيّ عظيم تنبّأ بأنّه سيحدث في البيت الحرام عبادة أصنام في المستقبل، وكما نعرف أنّ عمرو بن لحيّ أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة بعد فترةٍ من الزّمن، وقد يقول قائلٌ: كيف يدعو إبراهيم عليه السلام بذلك وهو النّبيّ المعصوم؟ كيف يطلب من الحقّ سبحانه وتعالى أن يجنّبه عبادة الأصنام؟ هو يطلب لأولاده ولذريّته وللأقوام الّتي ستأتي من بعده، والكفر نوعان: شركٌ خفيّ، وشركٌ جليّ، والشّرك الجليّ: أن يعبد الإنسان أيّ كائن غير الله سبحانه وتعالى، أمّا الشّرك الخفيّ: فهو أن يُقدّس الإنسان الوسائط بينه وبين الله عز وجل، ويعطيها فوق ما تستحقّ، وينسب لها بعضاً من القدرات الّتي لله تبارك وتعالى.

دعاء سيّدنا إبراهيم عليه السلام يقتضي منّا أن نفهم معنى كلمة أبناء، ذلك أنّ إبراهيم عليه السلام قصد بالدّعاء بنوّة الّذين يصلون إلى مرتبة الرّسالة، وأن نعلم أنّ بعضاً من بنيه قد عبدوا الأصنام والأوثان، وليسوا من أبنائه؛ أي أولاده المباشرين، وإنّما من القوم، وأوضحه الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾]البقرة[؛ أي أنّ حيثيّة الإمامة هي أداء سيّدنا إبراهيم عليه السلام للمهمّة بتمامها وبدقّة وأمانة، فهذا هو دستور الله سبحانه وتعالى في الخلق، وعلينا أن نكون دقيقين في هذا المعنى، فسيّدنا إبراهيم عليه السلام طلب لبنيه، ولكنّ الله سبحانه وتعالى استثنى الظّالمين؛ أي الّذين ينكرون وجوده سبحانه وتعالى من قوم سيّدنا إبراهيم عليه السلام.. وبنوّة الأنبياء عليهم السلام ليست بنوّة لحم ودم، بل بنوّة اتّباع واقتداء، وكلّنا يعلم أنّ الله تعالى قال لنوح عليه السلام عن ابنه: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾]هود: من الآية 46[، ونبيّنا ﷺ قال: «سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ»([1]).

([1]) المستدرك على الصّحيحين: كتاب معرفة الصّحابة y، ذكر سلمان الفارسيّ t، الحديث رقم (6539).

الآية رقم (36) - رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ﴾: نحن نعلم أنّ الأصنام بذاتها لا تضلّ أحداً، ذلك أنّها لا تتكلّم ولا تتحدّث، ولكنّ القائمين عليها بدعوة أنّ لتلك الأصنام ألوهيّة يضلّون النّاس، ويجعلون سبب الضّلال هذه الأصنام وهذه الآلهة.

﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾: انظر إلى الأنبياء، وهذه تعقيبات في مسألة الغفران والرّحمة بعد العصيان، مرّةً يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، ومرّةً يقول على لسان سيّدنا عيسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾]المائدة[، لم يقل: إنّك أنت الغفور الرّحيم؛ لأنّ نهاية كلّ آية تناسب ما أراده الله سبحانه وتعالى، فهناك مواقف تناسبها العزّة والحكمة ومواقف تناسبها المغفرة والرّحمة، ولا أحد قادر على أن يردّ لله سبحانه وتعالى أمر مغفرة أو رحمة؛ لأنّ الله عزيزٌ وحكيم.

عندما قال: ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾؛ أي أنا مسؤول عنه: ﴿ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾، لم يقل: إنّك منتقم جبّار ﴿ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، هذا من رأفة سيّدنا إبراهيم عليه السلام.

الآية رقم (37) - رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾: نفهم من الآية أنّ المكان لا يصلح للزّرع، ذلك أنّه أرض صخريّة، وليست أرضاً يمكن استصلاحها، فلا أمل في زراعتها بمجهودٍ إنسانيٍّ، وليس أمام وجود الرّزق في هذا المكان إلّا العطاء الرّبّانيّ، والمكان لم يكن من اختيار سيّدنا إبراهيم عليه السلام، فعندما أخذ السّيّدة هاجر والطّفل الرّضيع إسماعيل كان هناك أمرٌ إلهيٌّ بأخذهما وتركهما في هذا المكان.

﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾: لم يكن هناك بيتٌ ولا أيّ شيءٍ، فالبيت قد دُثر بطوفان نوح عليه السلام، لكنّ سيّدنا إبراهيم عليه السلام كان يعلم مكان البيت المحرّم، والله سبحانه وتعالى أمره أن يأتي بهاجر والرّضيع إسماعيل إلى هذا المكان، وأن يتركهما فيه، فقدّم إبراهيم حيثيّات الإقامة في هذا المكان وأسباب إقامته القواعد كما أراد الله سبحانه وتعالى فقال:

﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾: أي أنّ مجيء النّاس إلى هذا المكان لإقامة العبادة في المسجد الحرام، فما دام المكان قد أُقيم فيه بيت لله سبحانه وتعالى باختيار الله جل جلاله، فلا بدّ أن يُعبد فيه سبحانه، فهنا يتضّح تماماً حيثيّة أخذ الأمر بالوجود في مكان ليس فيه من أسباب الحياة ولا من مقوّماتها شيءٌ، ولكنّه سبحانه وتعالى قد أمر بذلك، فلا بدّ من إقامة حياة، والمقوّم الأوّل للحياة المأكل والمشرب، لذلك قال سيّدنا إبراهيم عليه السلام:

﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾: الأفئدة: جمع فؤاد، وهي القلوب، والهوى المراد هنا: هوى قلوب لا جيوب، فتجد الإنسان يجمع النّقود ليذهب إلى الحجّ ويحرم نفسه من أشياء كثيرة ليؤدّي تلك الفريضة، كلمة تهوي من هوى، وهي مكوّنة من مادّة: الهاء والواو والياء، ولها معانٍ متعدّدة، فإن قلت: هوى يهوي، تعني السّقوط من مكان عالٍ دون إرادةٍ منه في السّقوط، وكأنّه مقهورٌ عليه، فهذا يعني بأنّ الهوى هنا الحبّ؛ أي ميل القلب لا ميل القوالب، فاجعل ميل القلوب تهوي إليهم.

﴿ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾: فهم في مكانٍ لا يمكن زراعته، فتقبّل الله سبحانه وتعالى دعاء سيّدنا إبراهيم عليه السلام، وقال في آياتٍ أخرى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾]القصص: من الآية 57[، وذلك قبل أن يكتشفوا النّفط أو غير ذلك من الثّروات، وكلمة يُجبى تدلّ على أنّ الأمر في هذا الرّزق قادمٌ بأمرٍ من الله عز وجل.

﴿ مِنَ النَّاسِ ﴾: توضّح أنّ ﴿ مِنَ ﴾  تتعلّق بهوى القلوب إلى المكان، ولو قال: (اجعل أفئدة النّاس تهوي إليهم) لكان النّاس كلّهم، ولخربت الدّنيا، لكنّه قال: ﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي بعض النّاس، ومع ذلك نجد الملايين في بيت الله الحرام.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾: النّعم تحتاج إلى شكرٍ، وبالشّكر تدوم النّعم، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾]إبراهيم[، فإنّ نعمته إذا زالت عن إنسانٍ قلّما تعود إليه كما قال سيّدنا رسول الله ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا قَلَّ مَا تَزُولُ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِمْ»([1])، وجوار نِعم الله سبحانه وتعالى يكون بالشّكر على هذه النّعم والمحافظة عليها

([1]) المعجم الأوسط للطّبرانيّ: ج6، باب الميم، من اسمه محمّد، الحديث رقم (6451).

الآية رقم (38) - رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء

﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾: بعد أن اطمأنّ سيّدنا إبراهيم عليه السلام أنّ لهذا البلد أمناً عامّاً وأمناً خاصّاً، واطمأنّ على مقوّمات الحياة، وأنّ كلّ شيءٍ من عند الله سبحانه وتعالى، بعد كلّ ذلك عاودته المسألة الّتي كانت تشغله، وهي مسألة تركه لهاجر وابنه إسماعيل في هذا المكان، بعض المفسّرين قالوا: إنّ الضّمير بالجمع في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾، المقصود به ما يكنّه من الحبّ لهاجر وإسماعيل، وما يعلنه من الجفاء الّذي يُظهره لهما أمام سارة، وكأنّ المعاني النّفسيّة عاودته لحظة أن بدأ في سلام الوداع لهاجر وابنه إسماعيل، فقال: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾، فما هو الّذي أخفاه؟ أخفى محبّته للسّيّدة هاجر، ولقد كانت هي الأخرى تعيش موقفاً صعباً، ذلك أنّها وجدت نفسها في مكانٍ ليس فيه زرعٌ ولا ماء، وكأنّها كتمت النّوازع البشريّة كلّها طيلة تلك الفترة وصبرت، ولحظة مجيء سيّدنا إبراهيم لوداعها قالت له: أين تتركني يا إبراهيم؟ هل هذا بأمر ربّك؟ فقال لها إبراهيم: نعم هو بأمر الله سبحانه وتعالى، فقالت: إذاً لن يُضيّعنا، وتأكّدت هاجر بأنّ ما قالته قد تحقّق، فعندما عطش إسماعيل طفلها الوحيد أخذت تجري بين الصّفا والمروة بحثاً عن الماء، ولكنّ تفجّر الماء لم يكن بين الصّفا والمروة، وإنّما من تحت قدمي ابنها في المكان الّذي تركته، وهنا يبدأ بئر زمزم في عطاء البشر منذ ذلك التّاريخ، فمياهه لا تنضب أبداً، وهكذا يتحقّق قول إبراهيم عليه السلام في أنّ الله سبحانه وتعالى يعلم ما نسرّ وما نعلن، ذلك أنّ كلّ مُعلَن لا يكون إلّا بعد أن كان مخفيّاً، ومع أنّ الله عز وجل غيبٌ بالنّسبة إلينا، إلّا أنّ صلته لا تقتصر على الغيب، بل تشمل عالم الظّاهر والباطن، وكلّ ظاهرٍ في السّماء أو الأرض معلومٌ لله جل جلاله؛ لأنّ ما تعدّه أنت غيباً في ذهنك هو معلومٌ لله عز وجل من قبل أن يتحرّك ذهنك إليه، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في موقعٍ آخر: ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ]طه[، فإذا كان السّرّ هو ما أسررت به لغيرك وخرج منك؛ لأنّك استأمنت غيرك فلا تقوله إلّا له، فهذا هو السّرّ، أمّا الأخفى فهو ما أخفيت في نفسك، والله عز وجل هو العالم بالحالتين، يقول سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾]التّحريم: من الآية 3[؛ أي أنّ السّرّ كان عند رسول الله ﷺ وانتقل إلى بعض أزواجه، والله سبحانه وتعالى يعلم السّرّ وأخفى.

الآية رقم (39) - الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾: يشكر ويحمد الله تعالى على الوهب الّذي هو عطاء من معطٍ بلا مقابل منك، والذّرّيّة كلّها هبة، فلو لم تكن هبة لكانت رتيبة بين الزّوجين لكن هي ليست رتيبة: ﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾]الشّورى: من الآية 49- الآية 50[، فالذّرّيّة هبة وهو ما شاءه سبحانه مع زكريّا عليه السلام وقد طلب من الله سبحانه وتعالى أن يرزقه غلاماً يرثه مع أنّه قد بلغ من الكِبر عتيّاً وزوجه عاقر وتعجّب زكريّا عليه السلام من ذلك؛ لأنّه أنجب كما بيّن القرآن الكريم، ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾]مريم[، هذا يعني أنّ الأسباب والقوانين والمسبّبات أوقفها الله سبحانه وتعالى، ولا بدّ أن نشكر المولى سبحانه وتعالى على الذّريّة؛ لأنّها هبةٌ سواء أكانت في إنجاب الإناث أم في إنجاب الذّكور، وهناك من يجعله المولى سبحانه وتعالى عقيماً، فكذلك يجب عليه أن يشكره؛ لأنّ العقم أيضاً هبةٌ منه سبحانه وتعالى، فقد يكون الابن ضالّاً، وقد يقتل أباه وأمّه ..إلخ، وإبراهيم عليه السلام رُزق الولد على الكبر: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، فشكر على هذه الهبة وعلى هذا العطاء من الذّرّيّة، وأهل التّفسير يقولون: على الكِبر؛ أي أنّه يشكر الله سبحانه وتعالى على وهب إسماعيل وإسحاق مع أنّه كبيرٌ بالسّنّ، لكن لماذا يستعمل الله سبحانه وتعالى (على) وهي ثلاثة حروف بدل (مع)، ولم يقل: (الحمد لله الّذي وهب لي مع الكبر إبراهيم وإسحاق)؟ الجواب: (على) تفيد الاستعلاء، فالكِبر ضعف، ولكنّ إرادة الله سبحانه وتعالى أقوى من الضّعف، ولو قال مع الكِبر المعيّة هنا لا تقتضي قوّة، أمّا القول: (وهب لي على الكبر) فيجعل قدرة الله سبحانه وتعالى في العطاء فوق الشّيخوخة، وهنا إبراهيم عليه السلام يشكر الله سبحانه وتعالى على استجابته لما قاله من قبل: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾؛ أي أنّه دعا أن تكون له ذرّيّة، ويذيّل المولى سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله:

﴿ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾: إسماعيل هو جدّ العرب، وهو الّذي تركه سيّدنا إبراهيم عليه السلام مع السّيّدة هاجر، إسحاق هو والد يعقوب، ويعقوب هو والد يوسف، يعقوب هو إسرائيل، ليس إسرائيل الدّولة العنصريّة المجرمة الّتي استخدمت اسم هذا النّبيّ عليه السلام ليكون محِلّاً لعدوانها، فإسحاق جاء من ذرّيّته اليهود، جاء من ذرّيّته يعقوب بعد ذلك يوسف ثمّ الأسباط ومنهم سيّدنا موسى عليه السلام شيخ أنبياء بني إسرائيل، وبعد ذلك سليمان وداود.. إلخ، وسيّدنا إبراهيم عليه السلام يؤكّد على أنّ الله سبحانه وتعالى سميع الدّعاء؛ أي مجيب الدّعاء، فعندما تدعو ويسمع المولى سبحانه وتعالى هذا الدّعاء ليس المقصود فيها سمع الأذن، وإنّما هو سمع القبول، هو سمع الاستجابة للطّلب الّذي طلبه إبراهيم عليه السلام للذّرّيّة بعد كِبر سنّه

الآية رقم (40) - رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء

﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: وكأنّ سيّدنا إبراهيم عليه السلام حين دعا بأمر إقامة الصّلاة هذه قضيّة تخصّ منهج الله سبحانه وتعالى، وهو يسأل الله سبحانه وتعالى أن يقبل ذلك؛ لأنّ الطّلبات الأخرى قد طلبها ببشريّته، وقد يكون ما طلبه شرّاً أو خيراً، لكن الطّلب بأن يجعل هذه الذّرّيّة مع ذرّيّته، وقوله: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ هو طلب خير حيث قال: ﴿مُقِيمَ﴾، وليس: (مؤدّي الصّلاة)؛ لأنّ للصّلاة شروطاً، وهي حضور القلب والطّهارة واستقبال القبلة وستر العورة وتكبيرة الإحرام.. إلخ، وسيّدنا إبراهيم عليه السلام يدعو أن يكون من ذرّيّته من يقيم الصّلاة.

﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾: تقبّل منّي هذا الدّعاء يا ربّ؛ أي استجب لي وتقبّله منّي.

الآية رقم (41) - رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ

طلب الغفران هو إيذانٌ بطلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى في الكون، ذلك أنّ اختيار الله سبحانه وتعالى لأيّ رسول لا يعفي الرّسول المختار من أن يبقى حذراً يطلب المغفرة دائماً، وها هو رسول الله يقول: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»([1])، طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى ليس بالضّرورة أن يكون لذنب كما في حال الرّسل المعصومين عليهم السلام، لكن بالأدب مع الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الخالق يستحقّ منّا فوق ما كلّفنا، فإذا لم نقدر على المندوبات وعلى التّطّوّعات فلندعو الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا، وعندما نقيم الفرائض قد لا نستطيع أن نقيم النّوافل؛ فلذلك ندعو الله سبحانه وتعالى، وحسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، والحقّ سبحانه يقول لرسوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾]الفتح[، ونلحظ هنا أن طلب المغفرة شمل الوالدين والمؤمنين، والإنسان كما نعلم له وجود أصليّ من آدم عليه السلام، وله وجود مباشر من أبويه، وما دام الإنسان قد جاء إلى الدّنيا بسبب من والديه وصار مؤمناً فهو يدعو لهما بالمغفرة؛ لذلك عندما يدعو الإنسان لوالديه بالمغفرة إنّما هي من برّ الوالدين ومن حقّ الوالد والوالدة على الولد الصّالح بأن يدعو لهما كما بيّن النّبيّ ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقةٌ جاريةٌ، وعلمٌ يُنتَفع به، وولدٌ صالحٌ يدعو له»([2])، فإذاً الدّعاء للوالدين هو أساس في برّ الوالدين، وقد سُئل النّبيّ ﷺ عن الإنسان إذا توفّي والداه كيف يبرّهما، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: «نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا»([3])، من هنا تأتي هذه الآية العظيمة الّتي نطق بها سيّدنا إبراهيم الخليل: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وليكن دائماً التّعميم: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.

([1]) صحيح مسلم: كتاب الذّكر والدّعاء والتّوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، الحديث رقم (2702).

([2]) سنن التّرمذيّ: كتاب الأحكام، باب في الوقف، الحديث رقم (1376).

([3]) سنن أبي داوود: أبواب النّوم، باب في برّ الوالدين، الحديث رقم (5142).

الآية رقم (42) - وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾: بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى وأوضح النّعم العامّة على الكون والنّعم الخاصّة الّتي أنعم بها سبحانه وتعالى على من توطّنوا في مكّة ومن نسلهم وسيّدنا إبراهيم عليه السلام ومن دعا، بعد كلّ هذه تأتي هذه الآية تعزية وتسلية لرسول الله ﷺ على ما لاقى وعلى ما يلاقيه كلّ إنسان في هذا الكون: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، أرضيّة التّصوير الّتي سبقتها تشتمل بداية التّكوين لهذا المكان الّذي وجدوا به، وكيفيّة مجيء النّعم، ثمّ بعد ذلك تواطؤوا على هذا المكان وجاء أبرهة وحمى الله سبحانه وتعالى هذا المكان، قال سبحانه وتعالى: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾]قريش[، مع ذلك وقفوا من دعوة رسول الله ﷺ موقف الإنكار والتّعنّت والتّصدّي والجحود، وحاولوا الاستعانة بكلّ خصوم الإسلام ليحاربوا هذا الدّين كما يجري الآن تماماً؛ ولذلك يوضّح الله سبحانه وتعالى هنا ويسلّي قلب النّبيّ ﷺ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، ثمّ تأتي الإجابة في النّصف الآخر من الآية يذكّرهم بيومٍ تشخص فيه الأبصار، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾؛ أي لا تظنّن، وهي من حسب، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾]العنكبوت[؛ أي أظنّ النّاس، من الظّنّ والحُسبان نسبة كلاميّة غير مجزوم بها ولكنّها راجحة، والغفلة الّتي ينفيها الله سبحانه وتعالى عنه هي السّهو عن أمرٍ لعدم اليقظة والانتباه، وهذا أمرٌ لا يكن منه سبحانه وتعالى، فهو القيّوم الّذي لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، هنا يخاطب الله سبحانه وتعالى الرّسول الكريم والمؤمنين معه ومن سيأتي بعدهم: إيّاكم أن تعتقدوا أو تظنّوا أنّ الله غافل، فالله سبحانه وتعالى قيّوم وموجود، وإيّاك أن تظنّ أيّها الإنسان أنّ هذه الحياة هي نهاية المطاف، فقد يؤخّر الله سبحانه وتعالى البشر في الحساب ليزداد الحساب في الآخرة، لكن اطمئن يا رسول الله فمن يفعل ظلماً سيتلقّى عقاباً عليه، وحين يتأخّر العقاب لا تتساءلوا ولا تتهامسوا أنّه تمّ نسيان الظّلم الّذي ارتكب من فلان أو فلان، فلا وجود للغفلة، لذلك نفهم كلمة: ﴿غَافِلًا﴾ في هذه الآية بمعنى مؤجّل العقوبة، ولمن يتساءل عليه أن يتذكّر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾]الأعراف[، فالظّلم يعني أخذ حقّ من صاحبه أو إعطائه لغيره أو أخذه للنّفس، وإذا كان الظّلم في أمر عقديّ فهو الشّرك وهو الجريمة العظمى، وإن ظلمت في أمرٍ من الكبائر فهو الفسق، وإن ظلمت في صغيرةٍ فهو الظّلم، والله سبحانه وتعالى طمأن رسوله الكريم ويطمئن كلّ مظلوم على وجه الأرض بقوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾]مريم[، ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾]الإسراء[، فالإنسان سيُحاسب، وإن أفلت من عدالة الأرض فلن يفلت من عدالة السّماء أبداً فاطمئنّوا.

﴿عَمَّا يَعْمَلُ﴾: نجد فرقاً بين (عمل) و(فعل)، الفعل هو أحداث الجوارح ما عدا اللّسان الّذي هو القول، لكن القول والفعل يصبحان عملاً: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي المشركين الّذين استقبلوا القرآن الكريم هذا الاستقبال، والّذين أرجفوا بالإسلام وبالرّسول ﷺ، واستهزأوا منه ﷺ.

﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾: قد يكون هذا التّأخير في ذلك اليوم الّذي تشخص فيه الأبصار من شدّة هوله ومن شدّة ما سيلاقي الظّالم فيه.

وقد حدثت لمشركي مكّة بعضاً من الظّواهر الّتي تؤكّد قرب انتصار رسول الله ﷺ كما جرى في بدر والخندق وفي كثيرٍ من الأمور، لكنّ عذاب الآخرة هو الأكبر، ففي ذلك اليوم تشخص الأبصار، ومعنى تشخص؛ أي تُفتح بصورة لا يتقلّب بها من هول ما يرى، وقد يكون عدم تقلّب البصر من شدّة الذّعر ومن فرط الخوف.

الآية رقم (43) - مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء

يتابع المولى سبحانه وتعالى هنا صفات هؤلاء يوم القيامة:

﴿ مُهْطِعِينَ ﴾: المهطع: هو من يظهر من فرط تسرّعه وكأنّ رقبته قد طالت؛ لأنّ المهطع هو من فيه طول، وكأنّ الجزاء في العذاب يجذب المجزي ليقرّبه فيُدفع بشدّةٍ وجفوة إلى العذاب: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ]الطّور[، وكأنّ هناك من يدفعهم دفعاً إلى مصيرهم المؤلم.

﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: أي رافعي رؤوسهم من فرط الدّهشة من هول العذاب الّذي ينتظرهم، في موضعٍ آخر يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾]يس[، وهكذا تكون صورتهم مفزعة من فرط المهانة، فبصر الواحد منهم شاخصٌ إلى العذاب منجذبٌ إليه بسرعة لا يتحكّم فيه، رأسه مرفوعة من فرط الهول ومقمح بالأغلال، لا يستطيع الواحد منهم أن تجفل جفونه، وكأنّها مفتوحة رغماً عنه.

﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ﴾: وفؤاده هواء بمعنى ألّا شيء قادرٌ على أن يدخله، نحن نلحظ ذلك حين نضع زجاجة فارغة في قلب الماء تخرج فقاقيع الهواء مقابل دخول الماء من فوهتها، فقلب المؤمن يكون ممتلئاً بالإيمان، أمّا الكافر الملحد فهو في مثل تلك اللّحظة يستعرض تاريخه مع الله سبحانه وتعالى ومع الدّين فلا يجد فيها شيئاً يطمئنّ إليه، وهكذا يكتشف أنّ فؤاده خالٍ فارغ لا يُطمئن ولا يَطمئن إلى ما يواجه فيه يوم الحساب.

الآية رقم (44) - وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ

﴿ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾: هذا خطاب من الله سبحانه وتعالى لرسوله أن ينذرهم بضرورة الاستعداد ليوم القيامة، وأنّه قادمٌ لا محالة.

يوم: ظرف زمانٍ، وظرف الزّمان لا بدّ له من حدثٍ يقع فيه، ويوم القيامة ليس محلّ إنذارٍ أو تبشيرٍ؛ لأنّ الإنذار أو البشارة لا بدّ أن يكونا في وقت التّكليف في الحياة الدّنيا، وهكذا يكون المنذِر هو النّبيّ ﷺ، والـمُنذَر به هو التّخويف ممّا يحدث لهم في هذا اليوم من العذاب.

﴿ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾: وهنا يقول أهل الظّلم في القمّة العقيديّة، وظلم الرّسالة بمقاومتها، وظلم الكون المسبِّح، بعد كلّ ما عملوه يطلبون تأجيل العذاب لمهلةٍ بسيطةٍ يثبتون فيها أنّهم سيجيبون دعوة الرّسل ويطيعون أوامرهم، وهم يطلبون بذلك تأجيل العذاب والقيامة فيكون الجواب من الله سبحانه وتعالى:

﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾: فأنتم سبق وأقسمتم أنّ الله سبحانه وتعالى لا يبعث من يموت، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾]النّحل[، وحين ترى كلمة (بلى) بعد هذا التّكذيب، فالمولى سبحانه وتعالى يقرّعهم، فقد ظنّوا أنّهم بعد الموت سيصيرون تراباً، وهم الّذين قالوا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾]المؤمنون[، فأكّدوا لأنفسهم أنّه لا بعث من بعد الحياة، ومن بعد البعث يقول الواحد منهم: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾]النّبأ: من الآية 40[.