الآية رقم (109) - وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾: الرّسل الّذين سبقوا النّبيّ , كسائر البشر، فقد كان النّاس يطلبون رسولاً من الملائكة، وهذا لم يحدث، فالقدوة السّلوكيّة للبشر يجب أن تكون من البشر.

﴿ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾: القرية هي المدينة الّتي يوجد فيها تجمّعٌ بشريٌّ.

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الدّلائل كلّها تشير إلى العواقب الّتي جرت مع الأقوام السّابقة، كقوم صالحٍ وقوم هود وفرعون …، والسّير في الأرض عبارةٌ عن البحث والعلم.

﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾: دار الآخرة هي دار الحيوان؛ أي أنّها دار الحياة الأصليّة الّتي سيخلّد بها الإنسان، والدّنيا مزرعة الآخرة، فما نقوم به في الدّنيا هو للوصول إلى الآخرة، لذلك دار الآخرة هي خيرٌ.

﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾: التّقوى هي علامة الإيمان الحقيقيّ

الآية رقم (110) - حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾: كلمة ﴿ حَتَّى ﴾ هنا تدلّ على أنّ هناك غايةً، وما دامت هناك غايةٌ فلا بدّ أنّ بدايةً سبقتها، كقولنا: أكلت السّمكة حتّى رأسها؛ أي البداية كان أكل السّمكة، والنّهاية أكل رأسها، فما دام الله سبحانه وتعالى قد أرسل الرّسل عليهم السلام فهم قد ضمنوا النّصر، ولكنّهم استبطؤوه، وقد كان هذا الإبطاء مقصوداً من الحقّ سبحانه وتعالى، فهو جل جلاله يريد أن يحمّل المؤمنين مهمّة هداية حركة الحياة، فأمر الله عز وجل آتٍ لا محالة، وهو يقول سبحانه وتعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ]البقرة[؛ أي لا بدّ أن يكون هناك تمحيصٌ وابتلاءٌ في الدّعوة إلى الله عز وجل، ولا بدّ أن يكون هناك من يُعارِض، فالحقّ أمامه باطلٌ، والنّهار أمامه سوادٌ، وهكذا …، وعندما يُكذّب الرّسل فيأتي نصر الله سبحانه وتعالى وينجّي من يشاء.

﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾: لا يردّ بأس الله سبحانه وتعالى وقوّته وانتقامه عن القوم المجرمين.

الآية رقم (111) - لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾: فهذه هي غاية القصص القرآنيّ، إيّاكم أن تعتقدوا أنّها قصّةٌ كقصّة البشر، وإنّما هي عبرةٌ لأولي العقول، والقصص مأخوذٌ من قصّ الأثر وتتبّعه بلا زيادةٍ أو نقصانٍ.

﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: هم أصحاب العقول، واللبّ هو جوهر الشّيء المطلوب، فالقصّة القرآنيّة هي عبرةٌ لأصحاب العقول.

﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾: ليس حديث كذبٍ متعمّدٍ، ولا يستطيع النّبيّ , أن يأتي بمثل هذه القصّة، الّتي هي أحسن القصص، بهذا الأسلوب وبهذه العظمة.

﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ما جاء على لسانك يا محمّد وأنزله الحقّ سبحانه وتعالى عليك بالوحي هو الحقّ الّذي يطابق كتب الّذين سبقوك؛ أي التّوراة والإنجيل.

﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: فالقرآن الكريم ليس كلاماً مجملاً، بل يجري تفصيل كلّ حكمٍ بما يُناسب أيّ أمرٍ من أمور البشر.

﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: والقرآن الكريم هدايةٌ ورحمةٌ لقومٍ يؤمنون، قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾]البقرة[، وهو رحمةٌ، والرّحمة هي الأشمل والأعظم، فهو يمنع الإنسان ويحصّنه من أن يقع في الخطأ، ولذلك رحمة الله سبحانه وتعالى وسعت كلّ شيءٍ، وهي الّتي يتّكل عليها العباد.

الآية رقم (106) - وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ

هناك موجباتٌ للإيمان تدلّ عليه، فالإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل، والإيمان أن تعلم بأنّه لا يضرّ ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يخفض ولا يرفع إلّا الله عز وجل، فعندما يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾؛ أي أنّهم يؤمنون إيماناً سطحيّاً، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ]الحجرات: من الآية 14[، وعن شدّاد بن أوس t قال: بينما أنا عند رسول الله , إذ رأيت بوجهه أمراً ساءني فقلت: بأبي وأمّي يا رسول الله، ما الّذي أرى بوجهك؟ قال: «أمرٌ أتخوّفه على أمّتي من بعدي»، قلت: وما هو؟ قال: «الشّرك وشهوةٌ خفيّةٌ»، قال: قلت: يا رسول الله، أتُشرك أمّتك من بعدك؟ قال: «يا شدّاد، أما إنّهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولا حجراً ولكن يراؤون النّاس بأعمالهم»([1])، فالإنسان الّذي يعتقد أنّ فلاناً يضرّ وينفع، وأنّ الأسباب تعمل من دون ربّ الأسباب فهو مشركٌ حقيقةً.

([1]) المستدرك على الصّحيحين للحاكم: ج4، ص/366، الحديث رقم (7940).

الآية رقم (107) - أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ

﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴾: أي ألم يحسب هؤلاء حساب انتقام الله عز وجل بعذاب الدّنيا الّذي يعمّ؛ لأنّ الغاشية هي العقاب الّذي يعمّ ويغطّي الجميع، أم أنّهم استبطؤوا الموت واستبطؤوا القيامة وعذابها مع أنّ الموت معلّقٌ على رقاب الجميع، ولا يعلم أحدٌ ميعاد موته، والقبر هو أوّل منازل الآخرة، فما الّذي يبطّئهم عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى والإخلاص له من قبل أن تقوم قيامتهم بغتةً دون جرسٍ تمهيديٍّ.

﴿ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾: فقيام السّاعة سيكون بغتةً كما قال تبارك وتعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ ]النّازعات[.

الآية رقم (108) - قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾: أي قل يا محمّد: هذا هو منهجي، والسّبيل هو الطّريق، وتأتي كلمة السّبيل مرّةً مؤنّثةً كما في هذه الآية، ومرّةً مذكّرةً كقوله تعالى: ﴿ وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾]الأعراف: من الآية 146[.

﴿ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ﴾: أعلن يا محمّد أنّ هذه الدّعوة الّتي جئت بها هي للإيمان بالله الواحد، وسبحانه لا ينتفع بالمنهج الّذي نزل عليك ليطبّقه العباد، بل فيه صلاح حياتهم.

﴿ وَسُبْحَانَ اللَّهِ ﴾: سبحانه هو الأوّل قبل كلّ شيءٍ، والباقي بعد كلّ شيءٍ، وقوله: سبحان الله؛ أي نزّهوا الله جل جلاله عن أن يكون له نظيرٌ في ذاته وصفاته وأفعاله

الآية رقم (97) - قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ

﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾: كما أقرّوا بالذّنب عند يوسف، يحدّثون الوالد بنداء الأبوّة كي يستغفر لهم ما ارتكبوه من ذنوبٍ كثيرةٍ، فقد آذوا أباهم وجعلوه حزيناً طوال هذه السّنوات، ولا يسقط مثل هذا الذّنب إلّا بالإقرار منهم، والاستغفار، ورضا الأب.

﴿ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴾: أي أنّهم كانوا يعلمون الصّواب ولم يفعلوه

الآية رقم (98) - قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾: قال لهم أبوهم: ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ﴾، وهذا يحتاج إلى وقتٍ، ممّا يدلّ على أنّ الأب أراد تربية أبنائه فأجّل الاستغفار لهم، بينما نجد يوسف عليه السلام قال لهم مباشرةً: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾، فغضب الأب يكون أشدّ من غضب الأخ، فذنوبهم كانت كبيرةً من الكبائر، وأثّرت على الأب زمناً طويلاً، ويُقال أيضاً: إنّ يعقوب عليه السلام أخّر الاستغفار لهم إلى وقت السّحر؛ لأنّ الدّعاء فيه مستجابٌ.

الآية رقم (99) - فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ

﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾: ينقلنا الله سبحانه وتعالى مباشرةً فقد أصبحوا أمام يوسف عليه السلام، ويبدو أنّه استقبلهم عند دخولهم إلى مصر استقبال العظماء خارج البلدة ليريحهم من عناء السّفر، وهذا هو الدّخول الأوّل الّذي آوى فيه إليه أبويه، وقوله: ﴿ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ يدلّ على حرارة اللّقاء، وحنان الأب الّذي كان يشتاق لرؤية الابن، ولا بدّ أنّه قد سمع من إخوته عن مكانته ومنزلته، والابن كان مشتاقاً للقاء أبيه، وانفعالات اللّقاء عادةً تُترك لعواطف البشر، فهي انفعالاتٌ خاصّةٌ تكون مزيجاً من الودّ والمحبّة والاحترام.

ثمّ دخل بهم الدّخول الثّاني إلى البلد بدليل قوله سبحانه وتعالى:

﴿ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾: هذا يعني أنّه استقبلهم خارجاً وبعدها أدخلهم إلى مصر.

الآية رقم (100) - وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾: لأنّه لم يحبّ التّميّز عنهم، وهو سلوكٌ يدلّ على المحبّة والتّقدير والإكرام، والعرش هو سرير الـمُلك الّذي يدير منه الحاكم أمور الـمُلك.

﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾: سجود آل يعقوب ليوسف هو شكرٌ لله عز وجل الّذي جمع شملهم بيوسف، وهو سبحانه وتعالى الّذي قال: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، ولم يجرّم عز وجل هذا الفعل منهم، بدليل أنّهم قدّموا التّحيّة ليوسف وهو قادرٌ أن يردّها بمثلها، ولم يكن سجودهم له بغرض العبادة؛ لأنّ العبادة هي الأمور الّتي تُفعل من الأدنى تقرّباً للأعلى، ولا يُقابلها المعبود بمثلها، فإن كانت عبادةً لغير الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يُعاقِب عليها، وتلك هي الأمور المحرّمة، أمّا العبادة لله عز وجل فهي اتّباع أوامره وتجنّب نواهيه، فالسّجود هنا استجابةٌ لنداء الشّكر أمام الإفراج عن الهمّ والحزن، والله سبحانه وتعالى يُثيب عليها، أمّا التّحيّة فيقدّمها العبد ويستطيع العبد الآخر أن يردّ بمثلها أو خيراً منها، وهذا أمرٌ لا يُحرّمه الله عز وجل، ولا علاقة للعبادة به، فلا يقولنّ قائلٌ: إنّهم سجدوا ليوسف، بل يجب أن نأخذها وفق معطيات اللّغة ومقتضيات الحال، وهذا ما يتّفق معه العقل، وقد قيل: إنّهم قد خرّوا ليوسف، وقد كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلّموا على كبيرٍ لهم يسجدون له.

﴿ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾: قد كانت الرّؤيا هي أوّل لقطةٍ في قصّة يوسف عليه السلام، حيث قال الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، وهنا يقول: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾؛ أي أمراً واقعاً، ورؤيا الأنبياء عليهم السلام لا بدّ أن تتحقّق.

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾: بدأ يوسف عليه السلام يذكر لهم نِعم الله سبحانه وتعالى عليه، لكنّه لم يذكر الأحداث الجِسام الّتي مرّت به في تسلسلها، مثل إلقاء إخوته له في الجبّ …؛ وذلك لأنّه لم يرد أن يذكر ما يكدّر صفو اللّقاء العائليّ بعد طول فراقٍ، ولكنّه جاء بما مرّ به من بعد ذلك، من أنّه صار عبداً ثمّ دخل السّجن؛ لأنّه لم يستسلم لغواية امرأة العزيز، وكيف منّ الله عز وجل عليه بإخراجه من السّجن، وما إن خرج من السّجن حتّى ظهرت النّعم وصار حاكماً.

وكلمة (أحسن) مرّةً تتعدّى بـ (إلى) ومرّةً تتعدّى بـ (الباء)، ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ﴾؛ أي أنّ الإحسان قد تعلّق بسببه كلّ ما وصلت إليه.

﴿ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾: وجاء بأهله من البداوة، وهنا لم ينسب المشكلة لإخوته كي لا يزعجهم في هذا اللّقاء العظيم، وهذا أدب وعظمة النّبوّة، فوضع نفسه بالمساواة بينه وبين إخوته.

﴿ نَزَغَ الشَّيْطَانُ ﴾: وسوسة الشّيطان، وقال عنه: نزغ؛ أي أنّه لم يكن أمراً مستقرّاً، بل مجرّد وخزة من الشّيطان أدّت إلى هذه المشكلة، وهذا أمرٌ غايةٌ في القيم والأخلاق.

﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾: مع قضاء الله سبحانه وتعالى هناك لطفٌ، لذلك نقول للنّاس: لا تستعجلوا المصائب؛ لأنّ كلّ مصيبةٍ تأتي ويأتي اللّطف مقترنٌ بها، وكلمة (لطف) ضدّ كلمة (كثافة)، واللّطيف؛ أي الشّيء الدّقيق، ولا شيء يعوق الله سبحانه وتعالى، فلطفه لا يقف أمامه أيّ شيءٍ.

﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾: وهو العليم بموقع وموضع كلّ شيءٍ، وحكيمٌ يجري كلّ حدثٍ بمرادٍ دقيقٍ، فهو صاحب الكمال المطلق.

الآية رقم (101) - رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ

﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾: نعلم أنّ الرّبوبيّة تعني الخلق من عدمٍ والإمداد من عدمٍ، والإقاتة لاستبقاء الحياة، وهذا اعترافٌ بفضل الله سبحانه وتعالى، فهو الّذي أعطاه السّيادة والنّفوذ والسّلطان، ولا أحد غيره يملك ذلك جل جلاله.

﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾: كان تأويل الأحاديث ومعرفة الرّؤى الّتي أوّلها هي السّبب في هذا.

﴿ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾: أي خالق السّموات والأرض.

﴿ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾: أنت الّذي تولّيتني في الدّنيا، وستتولّاني في الآخرة.

﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ﴾: الإسلام هو دعوة كلّ الأنبياء عليهم السلام، وهنا يبيّن لنا الحقّ سبحانه وتعالى أنّ الدّين واحدٌ والشّرائع متعدّدةٌ، ودعوة يوسف عليه السلام أن يتوفّاه الله عز وجل على دين الإسلام وأن يلحقه بالصّالحين، دعاءٌ يشمل خيري الدّنيا والآخرة، وهو من الأدعية العظيمة الّتي ختم الله جل جلاله بها قصّة يوسف عليه السلام مع والده وإخوته وما جرى معه من امتحانات، قال العلماء: ما تمنّى أحدٌ الموت بعد نصره إلّا يوسف عليه السلام، فالإنسان إن كان موفّقاً في الدّنيا تجده دائم الطّموح، توّاقاً إلى المزيد من الخير، ودعوة يوسف عليه السلام مكوّنةٌ من شقّين، الشّقّ الأوّل: طلب الموت، والشّقّ الثّاني: أن يموت مسلماً، وكلّنا يُتوفّى دون أن يطلب، وعلى ذلك يكون الشّقّ الأوّل غير مطلوبٍ في ذاته؛ لأنّه واقعٌ لا محالة، فالمطلوب الشّقّ الثّاني، وهو أن يتوفّاه الله سبحانه وتعالى مسلماً، ولذلك حين نأتي القبور نقول: «السّلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون»([1])، كما علّمنا نبيّنا محمّد ,، وإن قال سائلٌ: لماذا نقول: إن شاء الله بكم لاحقون، رغم أنّنا سنموت حتماً؟ نقول: إنّ قولنا: (إن شاء الله) سببه رغبتنا أن نلحق بهم كمؤمنين، وقد يسأل سائلٌ: لماذا يقول نبيٌّ لربّه: ألحقني بالصّالحين؟ وهل هناك صالحٌ يأتي إلى هذا العالم دون أن يهتدي بمنهج نبيٍّ مُرسَلٍ؟ نقول: إنّ كلمة الصّالحين تضمّ الأنبياء عليهم السلام وغير الأنبياء من الّذين آمنوا برسالة السّماء

(([1] صحيح مسلم: كتاب الطّهارة، باب استحباب إطالة الغرّة والتّحجيل في الوضوء، الحديث رقم (249).

الآية رقم (102) - ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ

﴿ ذَلِكَ ﴾: إشارة إلى قصّة يوسف عليه السلام في هذه السّورة.

﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ﴾: الخطاب موجّهٌ إلى نبيّنا محمّدٍ ,، فالحقّ سبحانه وتعالى أخبره بأنباءٍ لم يكن حاضراً لأحداثها، والغيب هنا هو ما غاب عنّا ولم يغب عن غيرنا، فهو غيبٌ نسبيٌّ، وهناك غيبٌ مطلَقٌ وهو الّذي يغيب عنّا وعن غيرنا من البشر، والغيب له ثلاثة حواجز، الأوّل: حاجز الزّمن الماضي الّذي لم نشهده، والثّاني: حاجز زمن المستقبل الّذي سيأتي، والثّالث: هو حاجز الحاضر، بمعنى أنّ هناك أشياء تحدث الآن في مكانٍ أنت لا توجد فيه، فلا تعرف ما هو الحدث.

﴿ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾: أي نُعلِمُك به.

﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾: فقد كشف الله سبحانه وتعالى لك حجاب الماضي في أمرٍ لا تعرفه يا محمّد

الآية رقم (103) - وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ

فأنت يا محمّد لن تستطيع أن تجعل كلّ النّاس مؤمنين ولو حرصت على ذلك، وقد كان النّبيّ , حريصاً على أن يؤمن النّاس كلّهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ ]التّوبة[.

الآية رقم (104) - وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ

﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾: هذا الكلام تسليةٌ لقلب النّبيّ ,، فأنت لا تطلب منهم أجراً.

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾: ما تأتي به ليُذكّر النّاس ويتّعظوا به

الآية رقم (105) - وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ

﴿ وَكَأَيِّنْ ﴾: معناها كثيرٌ بما يفوق الحصر، فالشّيء الّذي فوق الحصر تنصرف عن عَدِّه، فلا أحد يستطيع عدّ رمال الصّحراء.

فالمعنى: كم هناك من آياتٍ دالّةٍ على وجود الله سبحانه وتعالى يمرّ عليها الإنسان وهو معرضٌ عنها

الآية رقم (90) - قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

﴿ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ﴾: تعرّفوا على شخصيّة يوسف عليه السلام، وجاء هذا القول بأسلوب الاستفهام التّقريريّ، وأكّدوه بـ (إنّ) و(لام)، قالوها بتعجّبٍ؛ لأنّهم نجحوا بالتّحسّس الّذي أوصاهم به يعقوب عليه السلام.

﴿ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي ﴾: جاء ذكر يوسف لبنيامين هنا دليلاً على أنّ بنيامين قد دخل معه في النّعمة، وأنّ الله عز وجل قد أعزّ الاثنين.

﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾: يشكر الله سبحانه وتعالى بجمعه بينهما بعد التّفرقة وبُعد المدّة.

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾: جاء يوسف عليه السلام بالقول الّذي يعرض القضيّة العامّة الّتي تنفع الأخوة والنّاس جميعاً، فالتّقوى لا بدّ لها من صبرٍ، والصّبر جزءٌ لا يتجزّأ من الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فالحياة ابتلاءٌ، وشرط التّقوى هو الصّبر على البلاء.

الآية رقم (91) - قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ

﴿ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾: أي خصّك بشيءٍ فوق ما خصّ به الآخرين، وهو لم يؤثرك بظلمٍ لغيرك، ولكنّك تستحقّ ما آثرك به من الـمُلك وعلوّ الشّأن.

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾: اعترفوا بخطيئتهم، وهناك فارقٌ بين الخاطئ والمخطئ، المادّة واحدةٌ، الخاء والطّاء والهمزة، لكنّ المعنى مختلف، فالخاطئ هو من يعلم الصّواب ويتركه، أمّا المخطئ فهو لم يكن يعلم الصّواب، وهم كانوا يعلمون الحقيقة والصّواب، لذلك قالوا: ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾.

الآية رقم (92) - قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ﴾: التّثريب: هو اللّوم العنيف؛ أي لا يوجد لومٌ عليكم اليوم.

﴿ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾: دعاءٌ من يوسف عليه السلام، فدعوة يوسف عليه السلام جاءت بالمغفرة لهم عندما اعترفوا بأنّهم كانوا خاطئين، ولتصفية النّفوس ممّا شابها بهذا اللّقاء.

﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾: إنّ أيّة رحمةٍ في العالم مستمدّةٌ من رحمة الله سبحانه وتعالى، وبما أنّ يوسف عليه السلام، وهو صاحب الحقّ، قد غفر لهم خطأهم القديم وعفا عنهم، فالله سبحانه وتعالى أولى منه بالعفو عنهم

الآية رقم (93) - اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ

﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا ﴾: عندما سألهم عن أبيه يعقوب أخبروه بما جرى وبأنّه أصابه العمى، فأمر إخوته بأن يذهبوا بقميصه الّذي كان يرتديه، تقول كتب السّير: إنّ أخاه الأكبر الّذي رفض أن يبرح مصر قال ليوسف: يا أيّها العزيز، أنا الّذي حملت القميص بدمٍ كذبٍ، فدعني أحمل هذا القميص لأبي كي أمحو تلك بهذه.

﴿ فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي ﴾: فيها حنان الأبوّة الّذي فقده يوسف منذ أن غاب عن والده المحزون.

﴿ يَأْتِ بَصِيرًا ﴾: أي يرتدّ إليه بصره.

﴿ وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾: هذا تعبيرٌ قرآنيٌّ دقيقٌ، فقد طلب منهم أن يحضروا معهم كلّ من يمدّ لهم بصلة قرابة، فأمرٌ طبيعيٌّ أن يأتي الأب، وهذا من إجلاله وبرّه بأبيه، فالأب أرفع من أن يقول يوسف: ائتوني بأبي

الآية رقم (94) - وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ

﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ ﴾: تحرّكوا من أمام قصر يوسف إلى خارج المدينة، وأصبحوا على مشارف الصّحراء، وما يزال أمامهم مسافةٌ طويلةٌ، وكلمة: ﴿فَصَلَتِ﴾ تدلّ على شيءٍ كان ملتصقاً بشيءٍ آخر، والمقصود خروج القافلة من حدود مصر قاصدةً مكان يعقوب عليه السلام في كنعان.

﴿ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾: القميص الّذي أرسله يوسف مع أخيه الأكبر كان يحمل رائحته، لكنّ الّذين حول يعقوب من أقربائه لن يصدّقوه.

﴿ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾: التّفنيد: الخرف؛ أي لولا اتّهامكم لي بالخرف، ومع تطوّر العلم يمكن الكشف عن جماعةٍ كانت تجلس في مكانٍ ما ثمّ رحلت عنه منذ ساعةٍ أو ساعتين، فصور الأشخاص لها شعاعٌ في المكان لا يضيع، وكذلك الأصوات، ويحاول العلماء الآن استرداد أصواتٍ لأناسٍ قد رحلوا، فلا شيء يضيع في الكون، وكلّ ما وُجِد فيه محفوظٌ بشكلٍ أو بآخر، وكذلك الرّائحة لا تضيع، فإذا كان الحيوان المخلوق -كالكلاب المدرّبة- بقدرة الله سبحانه وتعالى قادراً على التقاط الرّائحة من بين آلاف الرّوائح، وإذا كان العلم الموهوب من الله سبحانه وتعالى للبشر يبحث الآن في كيفيّة استحضار الصّورة واسترداد الصّوت من الفضاء، فعلينا أن ندرك أنّ العِير عندما خرجت من أسوار المدينة وأخذت طريقها إلى الموقع الّذي به يعقوب عليه السلام فإنّ الله سبحانه وتعالى بقدرته جعله يشمّ رائحة قميص يوسف القادم مع القافلة