الآية رقم (101) - قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هذه دعوةٌ ليتفكّر الإنسان، ولينظر في السّماوات والأرض، وهي دعوةٌ إلى العلم؛ أي أعمِل العقل والفكر، فالعقل يحجزنا عن الانطلاق إلى الشّهوات، ويحثّنا على العلم، ويُخطِئ من يعتقد أو يظنّ أنّ العقل يفتح الباب أمام الانطلاق اللّا مسؤول باسم الحريّة، فليس هذا بعاقلٍ.

﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فهم قد سدّوا منافذ الإيمان في قلوبهم.

الآية رقم (102) - فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ

مهما بلغت الأمم من علمٍ وحضارةٍ، إذا لم تكن هذه الحضارة موصولةً بالسّماء، فلا بدّ أنّها زائلةٌ، ومستنقع الشّهوات لا بدّ أن يؤدّي إلى السّقطات، والأديان السّماويّة كلّها جاءت لترفع النّاس ليفعلوا الخير.

﴿ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾: أيّام الّذين مضوا.

الآية رقم (103) - ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: وهذه رسالةٌ للنّبيّ ﷺ، وهو يُكابد ويُعاني من مشركي قريش.

﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فمن حقّ المؤمنين على الله سبحانه وتعالى أن ينجّيهم من كيد ومكر وظلم هؤلاء الظّالمين.

الآية رقم (104) - قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾: أي في ريبٍ من دين الإسلام الّذي أدعوكم إليه.

﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾: من الأوثان الّتي لا تعقل.

﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾: الّذي يتوفّى الأنفس هو الله سبحانه وتعالى، وجاء بهذه الحيثيّة ليذكّر أنّ الإنسان مآله إلى الموت، ولم يستطع أحدٌ أن يدّعي لنفسه بأنّه يَتَوفَّى الأنفس، فالوفاة والموت والحياة بيد الله وحده جل جلاله.

﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: الأمر للنّبيّ ﷺ، ومن خلاله للأمّة كلّها، فالأمر الإلهيّ أن يؤمن النّاس بالله سبحانه وتعالى، وأن يتركوا الدّعوات الّتي لا صحّة لها، ولا يقبلها عقلٌ ولا منطقٌ ولا فِكرٌ.

الآية رقم (105) - وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: يُكنّى الإنسان بالوجه، والمراد أن يقوم الإنسان.

﴿حَنِيفًا﴾: الحنيف: المائل عن الشّرك.

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: يُخاطب النّبيّ ﷺ ليكون الخطاب موجّهاً لبقيّة النّاس، أمّا النّبيّ ﷺ فهو معصومٌ، وهو أوّل المؤمنين.

الآية رقم (106) - وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾: يجب أن يعلم الإنسان أنّه لا يضرّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يصل ولا يقطع، ولا يخفض ولا يرفع إلّا الله سبحانه وتعالى، وعندما يقول للنّبيّ ﷺ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ فهو يُخاطب أتباع النّبيّ ﷺ من خلاله ﷺ.

﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: كلّ مَن يعتقد أنّ هناك من يضرّ وينفع غير الله سبحانه وتعالى فهو من الظّالمين، وقد بيّن النّبيّ ﷺ هذا، فعن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: كنت خلفت رسول الله ﷺ يوماً فقال: «يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلّا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلّا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصُّحُف»([1]).

([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب صفة القيامة والرّقائق والورع عن رسول الله ﷺ، الحديث رقم (2516).

الآية رقم (107) - وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: لدينا مسٌّ ولمسٌ وإصابةٌ، فجاء بأقلّ شيءٍ وهو المسّ، فإيّاك أن تعتقد أنّه يكشف الضّرّ أحدٌ سوى الله سبحانه وتعالى فالجأ إليه وحده، وخذ بالأسباب، اعقلها وتوكّل عليه سبحانه وتعالى، ففي المرض مثلاً عليك أن تتداوى: «تداووا، فإنّ الله تعالى لم يضع داءً إلّا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ؛ الهرم»([1])، لكنّه قال في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشّعراء}، فأنت تذهب إلى الطّبيب، ولكنّ الشّفاء بيد الله سبحانه وتعالى، فمن شروط كشف الضّرّ ودفع البلاء وإرادة الخيرات أن تأخذ بسنّة الله سبحانه وتعالى بكونه، فهو جعل لكلّ سببٍ مسبِّباً.

﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: فلا رادّ لفضل الله سبحانه وتعالى إذا أراد بهذا الإنسان خيراً.

﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ذيّل الآية بأنّه غفورٌ رحيمٌ؛ لأنّه من ضمن كشف الضّرّ وإرادة الفضل، أن يكون الله سبحانه وتعالى تجاوز عن السّيّئات، وغفر الزّلّات، ورفع الدّرجات، وأعطى الرّحمات، فهو غفورٌ رحيمٌ.

([1]) سنن أبي داوود: كتاب الطّبّ، باب في الرّجل يتداوى، الحديث رقم (3855).

الآية رقم (108) - قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: الحقّ: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيّر، وهو خطابٌ للبشريّة.

﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فهو لا يهتدي لله سبحانه وتعالى.

﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: وليس لها؛ لأنّ هذا الضّلال سيؤدّي إلى الخسران في الدّنيا والآخرة.

﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: لستُ وكيلاً عليكم، والوكيل هو مَن يحمل عنك القضيّة .

الآية رقم (109) - وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

أمرٌ طبيعيٌّ أن يتّبع النّبيّ ﷺ ما أوحي إليه من ربّه، ولكن قلنا: بأنّ خطاب النّبيّ ﷺ ليُبلّغ الأمّة، ويتّبعوا المنهج؛ لأنّ النّبيّ ﷺ بشرٌ، وببشريّته هو قدوةٌ وأسوةٌ للبشريّة، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ {الأحزاب}، والله سبحانه وتعالى هو الخالق، فعندما يُخاطب الأنبياء 4 يُخاطبهم بصيغة البشريّة الّتي يجب أن تنسحب على كلّ البشر الّذين يؤمنون بهم، وفي هذه الآية الكريمة أمران: أن نتبّع القرآن الكريم، وأن نصبر، قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ {البقرة}؛ لأنّ الصّلاة صلةٌ مع الله سبحانه وتعالى.

﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: الله سبحانه وتعالى هو خير الحاكمين؛ لأنّه قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ {الزّلزلة}.

الآية رقم (98) - فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ

قصّ لنا سبحانه وتعالى في هذه السّورة بعضاً من قصص مواكب الرّسل، فجاء بقصّة نوحٍ عليه السلام في إطنابٍ، ثمّ جاء بخبرٍ عن رسلٍ لم يخبرنا عنهم شيئاً، ثمّ جاء بقصّة موسى وهارون عليهما السّلام، والآن يونس عليه السلام الّتي سُمّيت السّورة باسمه، وكأنّ السّورة تضمّ ثلاثاً من الرّسالات رسالة نوحٍ، ورسالة موسى وهارون، ورسالة يونس، ولسائلٍ أن يسأل: لماذا جاء بهؤلاء في هذه السّورة؟ ولقد تعب المفسّرون كثيراً، وحاولوا أن يتلمّسوا الحكمة في ذلك، ولماذا لم تأت في هذه السّورة قصّة هودٍ أو صالحٍ أو شعيبٍ؟ بعضهم رأى الحكمة أنّ الله سبحانه وتعالى يعرض موكب الرّسالة وموكب المعارضين لكلّ رسول والنّتيجة الّتي انتهى إليها أمر الأعداء، ونجد الّذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى هنا في هذه السّورة قد أُهلكوا بنوعٍ واحدٍ، فمن ذُكر في هذه السّورة من الرّسل له علاقةٌ بالماء، أمّا بقيّة الموكب الرّساليّ فلم تكن لهم علاقةٌ بالماء، ونحن نعرف أنّ الماء به الحياة وبه الإهلاك؛ لأنّ واهب الحياة يهب الحياة بالشّيء ويُهلك بالشّيء ذاته، فطلاقة القدرة الإلهيّة هي الّتي تستولي على كلّ شيءٍ، وهذا ما يرد في هذه السّورة، وقد أرسل الله سبحانه وتعالى سيّدنا يونس عليه السلام إلى أكثر من مئة ألفٍ، وهم الأمّة الوحيدة في هذا المجال الّتي استثناها الله سبحانه وتعالى من الإهلاك، فقد أغرق قوم نوحٍ وقوم فرعون الّذين كذّبوا الرّسل، لكنّ قوم يونس عندما رأوا إشارات البأس والعذاب آمنوا فأنجاهم الله سبحانه وتعالى.

﴿فَلَوْلَا﴾: إذا دخلت (لولا) على جملةٍ اسميّةٍ فهي حرف امتناعٍ لوجود، أمّا إذا دخلت على جملةٍ فعليّةٍ فيُقال عنها: أداة تحضيضٍ وحثٍّ، كقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾  {التّوبة: من الآية 122}، والمقصود هنا: لو أنّ هناك قريةً آمنت قبل أن ينزل بها العذاب لأنجيناها، كما أنجينا قوم يونس الّذين لم يُصبهم العذاب؛ لأنّهم آمنوا قبل أن ينزل بهم، فالإيمان نفع قرية قوم يونس.

﴿كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾: كلمة قرية تعني مكاناً مُهيّأً، أهله متوطّنون فيه، فإذا مرّ عليهم زائرٌ في أيّ وقتٍ وجد عندهم طعاماً.

﴿آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾: قرية قوم يونس بن متّى اسمها نينوى، تقع في العراق ناحية الموصل، فمن هو يونس؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ {الأنبياء}، وكلمة مُغاضب تختلف عن كلمة غاضب، الغاضب هو الّذي يغضب دون أن يُغضبه أحدٌ، لكنّ الـمُغاضب هو من أغضبه غيره، وقد سمّي سيّدنا يونس عليه السلام بذي النّون؛ لأنّ اسمه اقترن بالحوت الّذي ابتلعه، وقد دعا يونس عليه السلام قومه إلى الإيمان فكفروا به في البداية، فخرج مغاضباً -من الـمُفاعلة؛ أي أنّهم أغضبوه- وتركهم ظنّاً منه أنّ الحقّ سبحانه وتعالى لن يضيّق عليه، فالأرض واسعةٌ، ويستطيع أن يذهب إلى مكانٍ آخر، لكن كان من المفروض أن يتحمّل الأذى الصّادر منهم، وعندما ذهب النّبيّ ﷺ إلى الطّائف يطلب من أهلها النّصرة بعد أن آذاه قومه في مكّة، ولم يجد نصيراً، ورجموه بالحجارة، جلس النّبيّ ﷺ قريباً من بستان، قال ابن إسحاق: فلمّا رآه ابنا رَبِيعَة، عُتْبَةُ وشَيْبَةُ وما لَقِيَ تحَرّكَت له رَحِمُهُما فدعوا غلاماً لهما نصرانيّاً، يقال له: عَدّاسٌ، فقالا له: خذ قِطْفاً مِن العِنَبِ فضعه في هذا الطّبق ثمّ اذهب به إلى ذلك الرّجل فقل له يأكل منه، ففعل عَدّاسٌ، ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يَدَيْ رسول الله ﷺ ثمّ قال له: كُلْ، فلمّا وضع رسول الله ﷺ فيه يده قال: «باسم الله»، ثمّ أكل، فنظر عَدّاسٌ في وجهه ثمّ قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ: «ومِن أهل أيّ البلاد أنت يا عَدّاسُ، وما دِينُك؟»، قَالَ: نصرانيّ، وأنا رجلٌ مِن أهل نِينَوَى، فَقَالَ رسول الله ﷺ: «مِن قرية الرّجل الصّالح يُونُسَ بن مَتّى؟» فقال له عَدّاسٌ: وما يدريك مَا يُونُس بن مَتّى؟ فقال رسول الله ﷺ: «ذاك أخي، كان نبيّاً، وأنا نبيّ»، فأكبّ عَدّاسٌ على رسول الله ﷺ يُقَبّلُ رأسه ويديه وقدميه، قَالَ: يَقُولُ ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك فقد أفسده عليك، فلمّا جاءهما عَدّاسٌ قالا له: ويلك يا عَدّاسُ، ما لك تُقَبّلُ رأس هذا الرّجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيّدي، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ مِن هذا، لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلّا نبيٌّ، قالا له: ويحك يا عَدّاسُ، لا يصرفنّك عن دينك، فإنّ دينك خيرٌ من دينه([1]).

﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: عندما تأثّر سيّدنا يونس عليه السلام وحزن وغضب لعدم استجابة قومه له، رأوا غيماً يملأ السّماء وعواصف، فألقى الله سبحانه وتعالى في خواطرهم أنّ هذه العواصف هي بداية عذاب الله عز وجللهم، فهرعوا إلى ذوي الرّأي فيهم، فأشاروا عليهم أنّ هذه بوادر عذابٍ من الله جل جلاله، وقالوا: عليكم بإرضاء يونس؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي أرسله، فهرع النّاس إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى الحيّ الّذي لا يموت ليكشف عنهم الغمّة، وذهب قوم يونس عليه السلام لاسترضائه، وحين رضي عنهم أخذوا ينظرون في المظالم الّتي ارتكبوها، حتّى إنّ الرّجل منهم كان ينقض ويهدم جدار بيته؛ لأنّ فيه حجراً قد اختلسه من جارٍ له، وكشف الله سبحانه وتعالى عنهم العذاب، وعذاب الخزي في الحياة الدّنيا يمكن أن نراه مجسّداً فيمن افترى وتكبّر على النّاس، ثمّ يراه النّاس في هوانٍ ومذلّةٍ، وهذا من عذاب الخزي في الدّنيا، ولا شكّ أنّ عذاب الآخرة أشدّ.

﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: نجوا من الهلاك، لكن متّعناهم إلى حينٍ؛ أي حتّى ينتهي أجلهم بالموت الطّبيعيّ.

([1]) الرّوض الأنف: ج 2، ص 231.

الآية رقم (99) - وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾: جاءت هذه الآية الكريمة عند نهاية قصص بعض مواكب الرّسل، فبيّن الله سبحانه وتعالى للنّاس جميعاً أنّه لا يحتاج إلى عبادتهم، فهو قديمٌ أزليٌّ بصفات الكمال كلّها من قبل أن يخلق الخلق، فهو لا ينتفع من خلقِه، وإنّما هو ينفعُ خلقَه، فالإيمان لمصلحة الإنسان، وهنا تأكيدٌ من الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي من دون استثناء أحدٍ.

﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: لقد كان النّبيّ ﷺ حريصاً على إيمان القوم، يدعوهم ليل نهار، فقال له الله سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ {الشّعراء}، وبعد أن قصّ جل جلاله هذه القصص المتعلّقة بالأنبياء السّابقين، نوحٍ وموسى ويونس 4، قال للنّبيّ ﷺ ومن خلاله للنّاس جميعاً: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، فالله سبحانه وتعالى يريد دين قلوبٍ، وليس دين قوالب، وهو يستطيع أن يُخضِع القلوب والقوالب كما أخضع السّماوات والأرض: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ {فصِّلت}، والله سبحانه وتعالى جعل الملائكة مجبولين على الطّاعة، فقال جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ {التّحريم: من الآية 6}، فطلاقة قدرته ومشيئته سبحانه وتعالى لا حدود لها، فهو يستطيع أن يجعل النّاس جميعاً مؤمنين، لكن ليس المطلوب إيمان الإجبار، ومن هنا جاء قوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ {البقرة: من الآية 256}، فالإيمان المطلوب يكون نتيجة تفكّر الإنسان، ودعوة الدّين لا تكون بإجبار النّاس، والإيمان قضيّةٌ عقائديّةٌ تخضع لحريّة الاختيار، والإسلام عندما دخل البلدان والأقطار جاء لحماية حريّة اختيار النّاس، بدليل أنّه ترك من كان نصرانيّاً على نصرانيّته، ومن كان يهوديّاً على يهوديّته، وترك النّاس في اختيارهم كما يريدون، ولم يُجبر أحداً أبداً على اعتناق الإسلام، وهنا يُخاطب النّبيّ ﷺ الّذي يتمنّى أن يؤمن النّاس كلّهم؛ لأنّه يعلم بأنّ الخير في الإيمان، وأنّ الإنسان سيعود إلى ربّه وسيُحاسب على عمله، ولكنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب أمّة النّبيّ ﷺ من خلال النّبيّ ﷺ ليقول: الدّين لا يكون بالإكراه أبداً.

الآية رقم (100) - وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: الله سبحانه وتعالى هو الّذي أراد أن يكون للإنسان اختيارٌ، فبمشيئته جل جلاله جعل لك مشيئةً في الاختيار، فأنت لم تخرج عن مشيئة الله جل جلاله.

﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾: الرّجس هو العذاب.

﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: لم يقل: لا يؤمنون، ولا على الّذين يفسدون، بل قال: ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ لأنّ العقل هو ضابط الخيارات بين البدائل، وهو يكبح جماح الشّهوات، فإذا لم يكن لهذا العقل هوىً، لا بدّ له من أن يختار الإيمان.

الآية رقم (85) - فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: إذا تقدّم الجار والمجرور فمعنى ذلك قصر وحصر الأمر؛ أي حصر التّوكّل على الله سبحانه وتعالى فقط، ولا توكّل على سواه.

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: الفتنة: اختبارٌ، وهي ليست مذمومةً في ذاتها، بل المذموم هو النّتيجة، وجاءت هذه الكلمة من صهر الذّهب؛ أي استخلصت منه الشّوائب، فعندما يكون الذّهب مخلوطاً بعناصر أخرى يصفّونه، ويسمّى ذلك: فتنةً، كأنّهم يقولون: يا ربّ، لا تسلّط علينا فرعون بعذابٍ شديدٍ يفتننا عن ديننا.

الآية رقم (86) - وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

يطلبون من الله سبحانه وتعالى ويتضرّعون إليه، والدّعاء هو مخّ العبادة، فيلجؤون إلى الله سبحانه وتعالى أن ينجّيهم من عذاب فرعون برحمته؛ لأنّ رحمة الله وسعت كلّ شيءٍ.

الآية رقم (87) - وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾: يبيّن لنا الله سبحانه وتعالى أنّ الوحي شمل كلّاً من موسى وهارون، بحيث إذا جاء موقفٌ من المواقف يقتضي أن يتكلّم به موسى فهارون أيضاً يمكن أن يتكلّم في الأمر ذاته؛ لأنّ الشّحنة الإيمانيّة واحدةٌ والمنهج واحدٌ.

﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾: التّبوّء: هو اتّخاذ مكانٍ يُعدّ مباءةً؛ أي مرجعاً يبوء الإنسان إليه، فالتّبوّء هو التّوطّن في مكانٍ ما، والإنسان إذا اتّخذ مكاناً كوطنٍ له، فهو يعود إليه إذا ذهب لأيّ بلدٍ لفترة محدودةٍ.

﴿بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: مصر إن أُطلقت يُفهم منها أنّها الإقليم الممتدّ من البحر المتوسّط إلى حدود السّودان؛ أي وادي النّيل.

﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: القِبلة: هي الـمُتّجه الّذي نصلّي إليه، ومثال ذلك المسجد، وهو قِبلةٌ لمن هو خارجٌ عنه، فحين ينادي المؤذّن للصّلاة يكون المسجد هو قِبلتنا، وحين ندخل المسجد نتّجه إلى القِبلة الّتي تتحكّم في وضعنا الصّفيّ.

هنا نلحظ أنّ الأمر بالتّبوّء كان لموسى وهارون عليهما السّلام، أمّا الأمر بالجعل فهو مطلوبٌ من موسى وهارون وأتباعهم، لذلك جاء الجعل بصيغة الجمع في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾.

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: إقامة البيوت هنا مشروطةٌ بأن يجعلوا بها قِبلةً لإقامة الصّلاة بعيداً عن أعين الخصوم من قوم فرعون الّذين يضطّهدونهم، شأنهم شأن المسلمين الأوائل حينما كانوا يصلّون داخل البيوت، وهذا هو سرّ عدم الجهر بالصّلاة نهاراً، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا الأمر نفهم منه أنّ الصّلاة فيها استدامة ولاءٍ لله سبحانه وتعالى، فنحن نشهد أن لا إله إلّا الله مرّةً في العمر، ونزكّي إن كان عندنا مالٌ مرّةً واحدةً في السّنة، ونصوم إن لم نكن مرضى شهراً واحداً هو شهر رمضان، ونحجّ إن استطعنا مرّةً واحدةً في العمر، ويبقى ركن الصّلاة يتكرّر كلّ يومٍ خمس مرّات، وكأنّ الحقّ تعالى ينبّه هنا إلى أنّ الصّلاة هي عماد الدّين.

﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: هذا تنبيهٌ وإشارةٌ إلى أنّ موسى عليه السلام هو الأصل في الرّسالة، لذلك جاء الأمر أن يحمل موسى البشارة، فلم يقل: (وبشّرا).

الآية رقم (88) - وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾: الزّينة: هي الأمر الزّائد عن ضرورات ومقوّمات الحياة، فاستبقاء الحياة يكون بالطّعام والشّراب، والزّائد عن الضّرورات هو زينةٌ.

﴿وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: قيمة المال هو ما يقابله من الذّهب، والفضّة تأخذ المرتبة الثّانية، فالذّهب يُعتبر قيمة الرّصيد لغنى أيّ دولةٍ، ومهما اكتشفوا من أحجارٍ أغلى من الذّهب، كالألماس مثلاً، يبقى الذّهب هو الأساس؛ لأنّه مهما تفتّت يُعاد صهره ويُستخلص منه ذهباً، وقد كان الفراعنة الأقدمون يحكمون مصراً حتّى منابع النّيل، ويُسخّرون النّاس في كلّ الأعمال حتّى استخراج الذّهب من المناجم أو من غربلة رمال بعض الجبال.

﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: اللّام هنا ليست لام التّعليل، بل لام المآل لام الصّيرورة، هم أخذوا هذه الأموال والزّينة فأصبحوا من خلالها ضالّين، وأضلّوا غيرهم، وحملوا وِزر إضلال غيرهم، فهل أعطاهم الله سبحانه وتعالى المال والزّينة للضّلال والإضلال؟ الجواب: ليس ذلك علّة العطاء، هذه لام العاقبة، مثال: أنت تعطي ابنك مبلغاً من المال، وتقول له: افعل به ما تريد، وأرجو أن تتصرّف به تصرّفاً يعود عليك بالخير، فإن اشترى الابن شيئاً غير مفيدٍ فتكون قد أعطيته قوّةً شرائيّةً، لكنّه لم يُحسن التّصرّف بها، هذا ما يسمّى لام العاقبة.

﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: الطّمس هو إخفاء المعالم؛ أي إهلاك الصّورة الّتي بها الشّيء، وقد دعا موسى عليه السلام أن تُمسَخ أموالهم، قال بعض الرّواة: إنّها مُسخت، فمن كان يملك سبائك ذهبٍ وجدها حجارةً، ومن كان يملك أحجاراً كريمةً كالألماس وجدها زجاجاً… أو تأتي ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ بمعنى: أذهِبها؛ لأنّ الأموال كانت وسيلة إضلالٍ.

﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أي احكم يا ربّ الأربطة على تلك القلوب، فلا يخرج ما فيها من كفرٍ، ولا يدخل ما هو خارجها من الإيمان إليها؛ لأنّهم افتروا افتراءً عظيماً، وأن تظلّ هذه الأربطة على قلوبهم حتّى يروا العذاب الأليم في الآخرة، لماذا دعا سيّدنا موسى عليه السلام على آل فرعون هذا الدّعاء، ولم يدع سيّدنا رسول الله ﷺ على قومه، بل قال صلى الله عليه والسلام: «اللّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون»([1])؟ الجواب: لا بدّ أنّ الله تعالى قد أطلع موسى عليه السلام أنّهم قومٌ لن تُفلح معهم دعوة الإيمان، وكان خوف موسى عليه السلام من استمرار إضلالهم لغيرهم، لذلك دعا عليهم.

هكذا يتبيّن لنا الفارق بين إيمان الإلجاء والقسر وبين إيمان الاختيار، فحين يأتي الرّسول داعياً للإيمان يصبح من حقّ السّامع لدعوته أن يؤمن أو أن يكفر، أمّا إيمان الإلجاء والقسر فهو لا ينفع الإنسان، مثال ذلك فرعون حين جاءه العذاب وهو يغرق، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ {يونس: من الآية 90}، دعا موسى عليه السلام على قوم فرعون، وسبقه سيّدنا نوح عليه السلام: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ {نوح}.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الأنبياء، باب ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾، الحديث رقم (3290).

الآية رقم (89) - قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ

﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ﴾: كان موسى عليه السلام يدعو، وكان هارون يقول: آمين، فعندما أمّن على هذا الدّعاء أصبح شريكاً فيه.

﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: استمرّا على طريق الاستقامة.

﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: سيّدنا موسى عليه السلام بقي على دعوته مع كلّ عناد وكفر وإجرام فرعون وقومه، واستقام على هذا السّبيل كما أمره الله سبحانه وتعالى هو وهارون عليهما السّلام.

الآية رقم (90) - وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

لم يأت القصص القرآنيّ كقصّةٍ، وإنّما جاء كعبرةٍ وعظةٍ يخدم الوظيفة الإيمانيّة للسّورة، فلا نجد قصّةً متكاملةً باستثناء سورة (يوسف)، بينما باقي القصص القرآنيّ جاءت مقطّعةً في سياق السّور القرآنيّة، فسورة (إبراهيم) لا نجد فيها قصّة سيّدنا إبراهيم كاملةً، بل لقطةً من اللّقطات؛ لأنّ القرآن الكريم كلام ربٍّ وليس كلام عبدٍ، وهذا هو الفارق، فالقصص البشريّ يركّز إمّا على الشّخصيّة أو الأحداث الّتي تدور حولها الشّخصيّات، والقصص البشريّ فيه نسبةٌ من الخطأ والصّواب، أمّا القصص القرآنيّ فكلّ كلمةٍ وكلّ حرفٍ يأتي فهو مِصداقٌ لواقعٍ حدث، وليس خاضعاً للتّجارب، وأكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم هو موسى عليه السلام شيخ أنبياء بني إسرائيل؛ لأنّ شعب بني إسرائيل اختصّه الله سبحانه وتعالى بأمورٍ كثيرةٍ، وهو أكثر شعبٍ عاند وجحد، وأصبح أتباعه الآن سبب مشكلات البشريّة.

في الآية السّابقة عندما قال الله سبحانه وتعالى لموسى وهارون: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ أجيبت الدّعوة، لكن جاء التّنفيذ بعد سنواتٍ عندما غرق فرعون، وجاء مقطع الغرق هنا مباشرةً دون ذكر التّفصيلات الّتي جاءت في سورٍ أخرى.

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ جاوزنا؛ لأنّ الاجتياز لم يكن بأسبابٍ بشريّةٍ، بل بفعلٍ يخرج عن أسباب البشر، وذلك عندما فلق الله سبحانه وتعالى البحر لموسى عليه السلام فاستطاع أن يجتاز، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ {الشّعراء}، كيف تحوّل الماء إلى جبالٍ، يفصل بينها طريقاً يبساً، يسير فيها موسى عليه السلام وقومه مطمئنّين؟ لا بدّ أنّها معيّة الله سبحانه وتعالى الّتي تحميه، وهي تفسيرٌ لقوله جل جلاله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ {الشّعراء}.

﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: تبعهم فرعون بجنوده لعلّه يدركهم، فأراد سيّدنا موسى عليه السلام بمجرّد نجاحه بالعبور أن يضرب البحر بعصاه من أجل أن يعود إلى قانون السّيولة كيلا يلحق به فرعون، لكنّ الله تعالى بعزّته وقدرته يريد أن يُهلك ويُنجي بالشّيء ذاته، فأوحى لموسى عليه السلام قائلاً: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ {الدّخان}؛ أي اترك البحر على حاله فينخدع فرعون وجنوده، وما إن ينزل فرعون وآخر جنديٍّ معه إلى الممرّات الّتي بين البحر المفلوق، سيعود البحر من غير أن تضربه بعصاك؛ لأنّ الفعل ليس للعصا، بل لربّ العصا، سيعود الماء إلى حالة السّيولة فيغرق فرعون وجنوده، ففرعون لم يتبعهم من أجل أن يكلّمهم ويعيدهم، بل أراد أن يبغي ويعتدي عليهم رغبةً في الانتقام والإذلال والعدوان.

﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: يصوّر القرآن الكريم هنا في لقطةٍ سريعةٍ لحظة غرق فرعون، والإدراك: أن يلحق شيءٌ بشيءٍ، فكيف تحوّل الغرق هنا إلى معنى شيءٍ يلاحق فرعون؟ الجواب: كأنّ الغرق جنديٌّ من الجنود له عقلٌ ينفعل فيجري إلى الأحداث، فالماء والغرق جندٌ من جنود الله سبحانه وتعالى.

﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: هنا يدّعي الإيمان ويقول: ﴿ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي ليس فقط آمنت، لكن أستسلم لأوامر الله سبحانه وتعالى، لكنّ الله جل جلاله لم ولن يقبل الإيمان في هذه اللّحظات؛ لأنّه أصبح إيماناً إجباريّاً، والله سبحانه وتعالى يريد منّا إيماناً اختياريّاً.

الآية رقم (91) - آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ

﴿آلْآنَ﴾: أتقول أنّك آمنت الآن، وأنّك من المسلمين؟ قولك هذا مردودٌ عليك؛ لأنّه جاء في غير وقته، وهذا هو الفرق بين إيمان الإجبار وإيمان الاختيار، فلو أراد الحقّ سبحانه وتعالى أن يجبر الخلق على الإيمان لفعل، لكنّه ترك لنا الخيار.

فالرّدّ هنا ليس على القول، ولكن على زمن القول.

﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: الفساد يأتي دائماً من عدم الإيمان الّذي يستوجب القيم والأخلاق؛ فالدّين يؤدّي إلى الصّلاح والإصلاح، ومَن لا يرتبط بدينٍ لا يمكن إلّا أن يكون مفسداً؛ لأنّه لا توجد ضوابط قيميّة تضبط سلوكه، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ {الرّوم}، الله سبحانه وتعالى جعل لنا الكون، وسخّر لنا ما في الأرض جميعاً، لكنّنا أفسدنا المياه والأجواء وكلّ شيءٍ، فالعلّة الّتي بيّنها الله سبحانه وتعالى لفرعون هي الإفساد.

الآية رقم (92) - فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾: غرق فرعون بالبحر لكنّ الله سبحانه وتعالى نجّاه ببدنه، فرماه البحر بعد موته على السّاحل حتّى رآه بنو إسرائيل.

﴿بِبَدَنِكَ﴾: نحن نعرف أنّ الإنسان مكوّنٌ من بدنٍ؛ أي الهيكل المادّيّ المصوّر على تلك الصّورة، والرّوح الّتي في البدن، وبهما تكون الحركة والحياة، وحين نقول: بدنٌ، فلنفهم أنّها مجرّدةٌ عن الرّوح، وإذا أُطلقت كلمة جسد معناها الهيكل المادّيّ المجرّد من الرّوح.

﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾: لو أنّ الله سبحانه وتعالى لم يأمر البحر أن يلفظ جثمان فرعون لكان من الجائز أن يقولوا: إنّه إلهٌ، وإنّه سيعود مرّةً أخرى، لكنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يرى الجميع منذ تلك اللّحظة حتّى الآن هذه الجيفة الغارقة، حتّى لا يكون هناك شكٌّ أنّ فرعون قد غرق، فيعرفون أنّه مجرّد بشرٍ ويصبح عبرةً بعد أن كان جبّاراً مسرفاً طاغياً، ويتّعظ كلّ إنسانٍ عندما يرى كيف انهارت حضارة الفراعنة، وكيف بقيت تلك الأبدان آيةً نعتبر بها.

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾: ليس كلّ النّاس، وهنا قانون صيانة الاحتمال، فبعضهم مؤمن، لكنّ كثيراً منهم عن آيات الله سبحانه وتعالى غافلون، آيات الله سبحانه وتعالى؛ أي الأمور الدّالّة على وجوده جل جلاله.