الآية رقم (15) - إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: أي: وَطِّنْ نفسك يا موسى على أنّ السّاعة آتية لا محالةَ، والسّاعة هنا هي عمر الكون كلّه، أمّا أعمار النّاس في الكون فمتفاوتة، كلٌّ حسب أجله، فمَنْ مات فقد قامت قيامته وانتهت المسألة بالنّسبة إليه، فنقول: السّاعة نوعان: ساعة لكُلٍّ منّا، وهي عمره وأجله الّذي لا يعلم متى سيكون، وساعة للكون كلّه، وهي القيامة الكبرى.

فقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: أي: اجعل ذلك في بالك دائماً، وما دام الموت سينقلك إليها سريعاً فإيّاك أنْ تقول: سأموت قريباً، أمّا القيامة فبعد آلاف أو ملايين السّنين؛ لأنّ الزّمن مُلغىً بعد الموت، فالزّمن لا يضبطه إلّا الحدث، فإن انعدم الحدث فقد انعدم الزّمن، فالزّمن بالنّسبة إلينا يتعلّق بالشّمس ودوران الأرض…، فعندما تنتهي حياة الإنسان ينتهي الزّمن معه، كما يحدث لنا في النّوم، فالإنسان عندما يكون نائماً لا يستطيع أن يقدّر المدّة الّتي نام خلالها، لذلك قال الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾[النّازعات]، والعبد الّذي أماته الله سبحانه وتعالى مئة عام ولـمّا بعثه قال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: من الآية 259]، وكذلك قال أهل الكهف بعد ثلاثمئة سنة وتسع؛ لأنّ يوماً أو بعض يوم هي أقْصى ما يمكن تصوُّره للنّائم حين ينام؛ لذلك نقول: “مَنْ مات فقد قامت قيامته”.

﴿آتِيَةٌ﴾: أي: ليس مَأْتِيّاً بها، فهي الآتية، مع أنّ الحقّ تبارك وتعالى هو الّذي سيأتي بها، لكنّ المعنى ﴿آتِيَةٌ﴾ كأنّها منضبطة (أوتوماتيكيّاً)، فإنْ جاء وقتها حدثتْ.

﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: من حكمته سبحانه وتعالى أن أخفى السّاعة، أخفاها عن الفرد، وأخفاها عن الجميع؛ وربّما لو عرف الإنسان ساعته لقال: أفعل ما أريد ثمّ أتوب قبل الموت؛ لذلك أخفاها الحقّ سبحانه وتعالى لنكون على حذرٍ أنْ نلقى الله عزَّ وجلَّ على حال معصية.

وكذلك أخفى السّاعة الكبرى، حتّى لا نأخذ حقوق غيرنا، وننتفع بها ظُلْماً وعدواناً، ويجب أن نعلم أنّنا إذا ارتكبنا الآثام سنرجع إلى الله عزَّ وجلَّ فيحاسبنا، فاستقِمْ وعَدِّل من سلوكك.

﴿أَكَادُ﴾: كاد؛ أي: قَرُب، مثل: كاد زيد أن يجيء؛ أي: قَرُب، لكنّه لم يأْتِ بعد، فالمراد: أقرب أن أخفيها، فلا يعلم أحد موعدها، فإذا ما وقعتْ فقد عرفناها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: من الآية 187].

وقد تكون ﴿أُخْفِيهَا﴾ بمعنى آخر، فبعض الأفعال الثّلاثيّة تُعطي عكس معناها عند تضعيف الحرف الثّاني منها، كما في: مرض؛ أي: أصابه المرض، ومرَّضه الطّبيب؛ أي: عالجه وأزال مرضه، وقَشَرتُ الشّيء؛ أي: جعلْتُ له قشرة، وقشَّرتُ البرتقالة؛ أي: أزلْتُ قِشْرها، وكذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾، خفي: بمعنى: استتر، وأخفاها؛ أي: أزال خفاءها، ولا يُزَال خفاء الشّيء إلّا بإعلانه.

﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾: وإلّا لو لم يكُنْ في الآخرة حساب وجزاء لَكَان الّذين أسرفوا على أنفسهم وعربدوا في الوجود أكثر حظّاً من المؤمنين الملتزمين بمنهج الله عزَّ وجلَّ، وهذا لا يحقّق العدل.

فهي الآخرة الّتي تُجزَى فيها كُلُّ نفسٍ بما تسعى.

«إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ» إن واسمها وخبرها والجملة ابتدائية

«أَكادُ» فعل مضارع ناقص من أفعال المقاربة واسمها مستتر تقديره أنا والجملة خبر ثان

«أُخْفِيها» الجملة خبر أكاد

«لِتُجْزى» اللام للتعليل وتجزى مضارع مبني للمجهول

«كُلُّ» نائب فاعل

«نَفْسٍ» مضاف إليه والجملة في تأويل مصدر في محل جر بلام التعليل

«بِما» متعلقان بفعل تجزى

«تَسْعى» فعل مضارع فاعله مستتر والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها صلة

 

{أَكَادُ أُخْفِيهَا} أي أسترها من نفسي. وكذلك هي في قراءة أُبَيّ: “أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي”

{فَتَرْدَى} أي تَهلِك. والرَّدَى: الموت والهلاك.