الآية رقم (52) - ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

ومرّة أخرى ارتكبوا ذنوباً عظيمة، وعفا الله عنهم؛ لأنّ الله عزَّوجل يريد أن يستبقي عنصر الخير في البشر، وفتح لهم باب التّوبة، فتابوا وعصوا ثمّ تابوا وعصوا. وكلّ الذّنوب الموبقة تحتاج إلى التّوبة؛ لأنّ في التّوبة دعوة للكفّ عن الخطأ، ودعوة متكرّرة إلى الإصلاح وترك المعاصي الّتي تؤدّي إلى الشّرور في أيّ مجتمع من المجتمعات، كالسّرقة وأخذ حقّ الغير والقتل والزّنا… وكلّ الشّرور الّتي تؤذي النّاس، والتّوبة مفتاح لإصلاح المجتمع، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ   ]هود: من الآية 114[، وهذا أمر عظيم جدّاً، فلا يكتفي المؤمن بالتّوبة، بل يفعل الحسنات ليكفّر عن سيّئاته. كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم  «وأتبع السّيئة الحسنة تمحها»([1])..

ويسعد المجتمع بك إن رجعت عن الخطأ، فإن أنت بقيت على ذنبك شقيت وشقي مجتمعك بك. وكما نهاك الله عن سرقة مال الغير فقد نهى الآخرين عن أخذ مالك، فالمنهج الإلهيّ دائماً هو لإسعاد البشر، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ  ]الزّمر: من الآية 53[، وقد فتح الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل باب التّوبة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ولم يقل: (لعلّكم تجحدون).

فبالشّكر استبقاء النّعم بل وزيادة فيها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ  ]إبراهيم: من الآية 7[، وقد قال سيّدنا عيسى عليه السَّلام لربّه سبحانه وتعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ]المائدة[،  وقال: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ؛ لأنّ الله عزَّوجل غنيّ عنّ عذاب خلقه، ولكنّه فتح باب التّوبة لكي يشكروا لا ليجحدوا.


([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب البرّ والصّلة، باب معاشرة النّاس، الحديث رقم (1987).

ثُمَّ: عاطفة.

عَفَوْنا: فعل وفاعل والجملة معطوفة.

عَنْكُمْ: متعلقان بالفعل وكذلك

مِنْ بَعْدِ: متعلقان بالفعل.

ذلِكَ: اسم إشارة في محل جر بالإضافة واللام للبعد والكاف للخطاب.

لَعَلَّكُمْ: حرف مشبه بالفعل والكاف اسمها.

تَشْكُرُونَ: الجملة خبرها.

(لعلكم تشكرون): حالية. التقدير حال كونكم شاكرين

أي اذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوماً، وهي المذكورة في الأعراف (142) في قوله تعالى: (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ) وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر.