الآية رقم (49) - وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ

﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: ينقلُنا الحقّ سبحانه وتعالى هنا نَقْلةً من الظّلال السّاجدة، للجمادات الثّابتة، إلى الشّيء الّذي يتحرّك، وهو وإنْ كان مُتحرّكاً إلّا أنّ ظلّه أيضاً على الأرض.

﴿ مَا ﴾: في الآية تُطلق على غير العالمين وغير العاقلين؛ ذلك لأنّ أغلبَ الأشياء الموجودة في الكون ليس لها عِلْمٌ أو معرفة؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾  [الأحزاب: من الآية 72]، وإذا كان الحقّ سبحانه وتعالى قد قال: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾، فقد فصَّل هذا الإجمال بقوله:

﴿ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾: أي: من أقلّ الأشياء المتحرّكة وهي الدّابّة، إلى أعلى الأشياء وهي الملائكة، وقد يقول قائلٌ: وهل ما في السّموات وما في الأرض يسجد لله سبحانه وتعالى؟ نقول له: نعم؛ لأنّك فسّرتَ السّجود فيك أنت بوضْع جبهتك على الأرض، ليدلّ على أنّ الذّات بعلُوِّها ودنُوِّها ساجدة لله سبحانه وتعالى خاضعة تمام الخضوع، حيث جعلتَ الجبهة مع القدم، والحقّ سبحانه وتعالى يريد منّا أن نعرف استطراق العبوديّة في الوجود كلّه؛ لأنّ الكافر وإنْ كانَ مُتمرِّداً على الله عز وجل فيما جعل الله سبحانه وتعالى له فيه اختياراً، في أنْ يؤمن أو يكفر، في أن يطيع أو يعصي، ولكن الله جل جلاله أعطاه هذا الاختيار، نقول: إنّ كثيراً من النّاس قد ألفْ التّمرّد على الله عز وجل، فطلب منه أن يؤمن لكنّه كفر، وطلبَ منه أن يطيعَ فعصى، فأبى إلّا التّمرّد على الحقّ سبحانه وتعالى، ولكن إيّاك أن تعتقد أنّك خرجتَ من السّجود والخضوع لله عز وجل؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يُجري عليك أشياء تكرهها، ولكنّها تقع عليك رغم أنفك وأنت خاضع، وهذا معنى قوله سبحانه وتعالى في الآية السّابقة: ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ [النّحل: من الآية 48]؛ أي: صاغرون مُستذلِّون مُنقَادُونَ مع أنّهم أَلِفُوا التّمرُّد على الله سبحانه وتعالى، وإلّا فهذا الّذي أَلِف الخروج عن مُرادات الله سبحانه وتعالى فيما له فيه اختيار، هل يستطيع أنْ يتأبَّى على الله عز وجل إذا أراد أنْ يُمرضه، أو يُفقره، أو يميته؟ هل يستطيع أن يقول لملك الموت: تأخّر عنّي ثوانٍ؟ هل يستطيع أن يقول للمرض: اذهب عنّي لا أريدك؟ لا، لا يستطيع، بل هو داخرٌ صاغرٌ في كلّ ما يُجريه الله عز وجل عليه من مقادير، وإنْ كان يأباها، وإنْ كان قد أَلِف الخروج عن مُرادات الله سبحانه وتعالى في: افعل ولا تفعل، والحلال والحرام، فليس في كون الله سبحانه وتعالى شيءٌ يستطيع الخروج عن مرادات الله عز وجل؛ لأنّه ما خرج عن مرادات الله سبحانه وتعالى الشّرعيّة في التّكليف إلّا بما أعطاه الله سبحانه وتعالى من اختيار، وسيحاسبه على هذا الاختيار، وإلّا لو لم يُعْطه الاختيار لما استطاع التّمرّد، لذلك نقول للكافر الّذي تمرّد على الله سبحانه وتعالى: تمرّد إذا أصابك مرضٌ، وقُلْ: لن أمرض، تمرَّد على الموت، وقُلْ: لن أموت.. وما دُمْتَ لا تقدر وسوف تخضع راغماً فلتخضعْ راضياً وتكسب الأمر، وتنتهي المشكلة، وتستقبل حياةً أخرى أنظف من هذه الحياة.

﴿ مِنْ دَابَّةٍ ﴾: هو كلّ ما يدبّ على الأرض، والدَّبُّ على الأرض معناه الحركة والمشي.

﴿ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾: أي: أنّ الملائكة لا يُقال لها: دابّة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى جعل سَعْيها في الأمور بأجنحة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [فاطر: من الآية 1]، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: من الآية 38]، فخلق الله سبحانه وتعالى الطّائر يطير بجناحيه مقابلاً للدّابّة الّتي تدبّ على الأرض، فاستحوذ على الأمرين: الدّابّة والملائكة -عليهم السّلام-.

ويُنهي الحقّ سبحانه وتعالى الآية بقوله:

﴿ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾: أي: أنّ الملائكة الّذين هم أعلى شيءٍ في خَلْق الله سبحانه وتعالى لا يستكبرون؛ لأنّ عُلُوَّهم في الخَلْق من نورانيّة وغيرها لا يعطيهم الحقّ في أن يرفضوا أمر الله عز وجل بالسّجود؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى الّذي أعطاهم هذا التّكريم هو الّذي أمرهم بالسّجود، وما دام الله سبحانه وتعالى هو الّذي أعطاهم هذا التّكريم فقد أعطاهم بالشّيء الموهوب لهم بقدرته سبحانه وتعالى، لذلك بيّن لنا المولى سبحانه وتعالى في هذه الآية بأنّ السّجود هو تكريمٌ ورفعٌ للإنسان.

الآية رقم (50) - يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ

فَأَمْرُ البعث ليس علاجاً لجزئيّات كلّ شخصٍ وضمِّ أجزائه وتسويته من آدم عليه السلام حتّى قيام السّاعة، بل المسألة منضبطة تماماً مع الأمر الإلهيّ: ﴿ كُنْ ﴾، وبمجرّد صدوره، من غير حاجةٍ لوقتٍ ومُزاولةٍ يكون الجميع ماثلاً طائعاً، كلّ واحدٍ منتظرٌ دوره، منتظرٌ الإشارة؛ ولذلك جاء في الخبر: «شؤونٌ يُبديها ولا يَبتديها»، فالأمر يتوقّف على الإذن: (اظهر)، فيظهر، ومثال ذلك -ولله المثل الأعلى- من يعدّ القنبلة الزّمنيّة مثلاً، ويضبطها على وقتٍ معيّن، تظلّ القنبلة هذه إلى وقت الانفجار الّذي وُضِع فيها، ثمّ تنفجر من غير تدخُّلٍ من صانعها، مجرّد الإذن لها بالانفجار تنفجر، وحتّى كلمة: ﴿ كُنْ ﴾ نفسها تحتاج لزمنٍ، ولكن ليس هناك أقرب منها في الإذن، وإن كان الأمر في حقِّه سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى: ﴿ كُنْ ﴾ ولا غيره، ولكن تقريبٌ للبشر.    

الآية رقم (41) - وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ﴾: المهاجرون قومٌ آمنوا بالله عز وجل إيماناً صار إلى مرتبةٍ من مراتب اليقين، جعلتهم يتحمَّلون الأذى والظّلم والاضطهاد في مكّة في سبيل إيمانهم من قِبَل مشركي قريش، فضحّوا بمالهم وأهلهم وأنفسهم في سبيل الدّعوة إلى الله عز وجل، وفي سبيل رسالة الإسلام الّتي جاء بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقد جاءت هذه الآية بعد آية إثبات البعث الّذي أنكره الكافرون، وألحُّوا في إنكاره وبالغوا فيه، بل وأقسموا على ذلك: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النّحل: من الآية 38]، وهم يعلمون أنّ من الخلق مَنْ يُسيء، ومنهم من يُحسِن، فهل يعتقدون في عُرْف العقل أن يتركَ المولى سبحانه وتعالى من أساء ليُعربد في خَلْق الله عز وجل من غير أن يُجازيه؟ ذلك يعني أنّهم خائفون من البعث، فلو أنّهم كانوا محسنين لَتَمنَّوا البعث، وتمنّوا أن يُحاسبوا، أمَا وقد أسرفوا على أنفسهم إسرافاً يُشفِقون معه على أنفسهم من الحساب والجزاء، فمن الطّبيعيّ أنْ يُنِكروا البعث، ويلجؤوا إلى الأماني الكاذبة، ليطمئنّوا على أنّ ما أخذوه من مظالم النّاس ودمائهم وكرامتهم وأمنهم أمرٌ لا يُحاسبون عليه، وهم قد أنكروا البعث، وأنكروا الرّسول صلى الله عليه وسلم، وأنكروا الإيمان باليوم الآخر، أمّا من آمن ومن هاجر وترك مكّة والأهل والبلد وذهب فارّاً بإيمانه ودينه فهو يعلم بأنّ هناك معركةً بين الحقّ والباطل، بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن ينشر الإسلام في بدايته بين الضّعفاء، وألّا يكون في حضن بني عبد المطّلب وبني هاشم وبني عبد مناف وقريش، حتّى لا يظنّ ظَانٌّ بأنّ العصبيّة القبليّة هي الّتي أدّت إلى الإيمان بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم، بل على العكس، فقبيلة النّبيّ صلى الله عليه وسلم قريش وأهل النّبيّ صلى الله عليه وسلم هم الّذين أنكروا وخالفوا وعاندوا، فكانت النّصرة من قومٍ غيرهم في المدينة المنوّرة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن تكون الصّيحةُ الإيمانيّة أوّلاً في مكَّة؛ لأنّها مركز السّيادة في جزيرة العرب، وقريش هم أصحاب المهابة وأصحاب النّفوذ والسّلطان، وألّا تكون القوّة إلّا في المدينة المنوّرة، وأن تكون النّصرة من قومٍ آخرين ليسوا من أهل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أو العشيرة الّتي عاش في ظلّها.

وقد كانت الهجرة أبلغ الدّروس الإيمانيّة الّتي أثبتت صحّة الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فقد وقف هؤلاء في وجه الباطل والعصبيّات في مكّة، وتركوا ديارهم وأهاليهم وأموالهم، وذهبوا فارّين بدينهم إلى دار إيمان تحميهم وتساعدهم على نشر هذا الدّين، وإلى دار أمنٍ وأمان في المدينة المنوّرة، وقد استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد كلّها لينظر أيَّ الأماكن تصلح دار أَمْنٍ يُهاجر إليها المؤمنون بدعوته فلا يعارضهم أحد، فلم يجد في البدء إلّا الحبشة؛ ولذلك قال عنها: «إِنَّ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ مَلِكاً لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ فَالْحَقُوا بِبِلَادِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجاً وَمَخْرَجاً مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ»([1])، وتكفي هذه الصّفة في مَلِك الحبشة ليهاجر إليه المؤمنون، ثمّ يسَّر الله سبحانه وتعالى لدينه أتباعاً وأنصاراً التقَوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على النُّصْرة والتّأييد، هؤلاء هم الأنصار من أهل المدينة المنوّرة الّذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ومَهَّدوا للهجرة الثّانية إلى المدينة المنوّرة، وهذه المرّة هي هجرةٌ إلى دار أَمْنٍ وإيمان، يأمن فيها المسلمون على دينهم، ويجدون الفرصة لنشره في رُبُوع المعمورة، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾، نلاحظ في الحديث الشّريف الّذي يوضّح معنى هذه الآية: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»([2])، فما الفرق هنا بين: هاجر في الله سبحانه وتعالى، وهاجر إلى الله سبحانه وتعالى؟ (هاجر إلى مكان) تدلّ على أنّ المكان الّذي هاجر إليه أفضل من الّذي تركه، وكأنّ الّذي هاجر منه ليس مناسباً له، أمّا (هاجر في الله سبحانه وتعالى) فتدلّ على أنّ الإقامة السّابقة كانت أيضاً في الله سبحانه وتعالى، إقامتهم نفسها في مكّة وتحمُّلهم الأذى والظّلم والاضطهاد كانت أيضاً في الله عز وجل، أمّا لو قالت الآية: (هاجروا إلى الله) لدلَّ ذلك على أنّ إقامتهم الأولى لم تكن لله سبحانه وتعالى، فمعنى الآية: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ﴾؛ أي: أنّ إقامتهم كانت لله سبحانه وتعالى، وهجرتهم كانت لله عز وجل، ومثل هذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [آل عمران: من الآية 133]؛ أي: إذا لم تكونوا في مغفرةٍ فسارعوا إلى المغفرة، وفي الآية الأخرى: ﴿ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾ [المؤمنون: من الآية 61]؛ ذلك لأنّهم كانوا في خيرٍ سابق، وسوف يسارعون إلى خيرٍ آخر، وهناك ملمحٌ آخر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾ نلاحظ أنّ كلمة (الّذين) جمع، لكن هل هي خاصّة بمَنْ نزلت فيهم الآية؟ أو عامّة في كُلِّ مَنْ ظُلِم في أيِّ مكانٍ في الله سبحانه وتعالى ثمّ هاجر منه؟ الحقيقة أنّ العبرة هنا بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، فهي عامّة في كلّ مَنْ انطبقت عليه هذه الظّروف.

﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ﴾: مادّة هذا الفعل: هجر، وهناك فَرْقٌ بين (هجر) وبين (هاجر):

هجر: أن يَكره الإنسانُ الإقامةَ في مكان، فيتركه إلى مكانٍ آخر يرى أنّه خَيْرٌ منه، أمّا هاجر: تدلّ على المفاعلة من الجانبين، فالفاعل هنا ليس كارهاً للمكان، ولكنّ المفاعلة الّتي حدثتْ من القوم هي الّتي اضطرّتْه للهجرة، وهذا ما حدث في هجرة المؤمنين من مكّة؛ لأنّهم لم يتركوها إلى غيرها إلَّا بعد أن تعرّضوا للاضطهاد والظُّلْم، فكأنّهم بذلك شاركوا في الفعل، فلو لم يتعرَّضوا لهم ويظلموهم لما هاجروا، ولذلك قال الحقّ سبحانه وتعالى:

﴿ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾: وينطبق هذا المعنى على قول المتنبّي:

إِذَا ترحَّلْتَ عن قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا     ألَّا تُفارِقهم فَالرَّاحِلُون هُمُوا

يعني: إذا كنت في جماعةٍ وأردْتَ الرّحيل عنهم، وفي إمكانهم أن يقدّموا لك من المساعدة ما يُيسِّر لك الإقامة بينهم ولكنّهم لم يفعلوا، وتركوك ترحل مع مقدرتهم، فالرّاحلون في الحقيقة هم؛ لأنّهم لم يساعدوك على الإقامة، كذلك كانت الحال عندما هاجر المؤمنون من مكّة؛ لأنّه أيضاً لا يعقل أن يكره هؤلاء مكّة وفيها البيت الحرام الّذي يتمنّى كلّ مسلمٍ الإقامة في جواره، فلم يترك المهاجرون مكّة، بل اضطرّوا إلى تركها وأُجبِروا على ذلك، وطبيعيّ أن يلجؤوا إلى دارٍ أخرى حتّى تقوى شوكتهم، ثمّ يعودون للإقامة ثانية في مكّة إقامةً طبيعيّةً صحيحةً.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾: نُبوِّئ، مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ﴾ [الحجّ: من الآية 26]؛ أي: بيَّنا له مكانه، ونقول: باء الإنسان إلى بيته إذا رجع إليه، فالإنسان يخرج للسّعي في مناكب الأرض في زراعة أو تجارة، ثمّ يأوي ويبوء إلى بيته، إذاً: باء بمعنى رجع، أو هو مسكن الإنسان، وما أعدَّه الله سبحانه وتعالى له، فالمؤمنون خرجوا من مكّة مغلوبين مضطهدين وسوف نعطيهم ونُحِلّهم ونُنزِلهم منزلةً أحسن من الّتي كانوا فيها، فقد كانوا مُضطهدين في بلدهم، وسوف نُمهّد لهم الدّنيا كلّها ينتشرون فيها بمنهج الله سبحانه وتعالى.

ما ذكرناه من حسنة الدّنيا وخيرها للمؤمنين هذا من المعجِّلات للعمل، ولكن حسنات الدّنيا مهما كانت ستؤول إلى زوال، إمّا أنْ تفارقها، وإمّا أن تُفارقك، وقد أنجز الله عز وجل وَعْده للمؤمنين في الدّنيا، فعادوا منتصرين إلى مكّة، ودانتْ لهم الجزيرة العربيّة كلّها بل العالم كلّه، وانساحوا في الشّرق في فارس، وفي الغرب في الرّومان، وفي نصف قرن كانوا سادة العالم أجمع، هذه هي حسنة الدّنيا المعَجَّلة، لكن هناك حسنة الآخرة المؤجّلة:

﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ﴾: أي: أنّ ما أعدَّ الله سبحانه وتعالى لهم من نعيم الآخرة أعظم ممّا وجدوه في الدّنيا، ولذلك كان سيّدنا عمر رضي الله عنه إذا أعطى أحد الصّحابة نصيب المهاجرين من العطاء يقول له: «خُذْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذَا مَا وَعَدَكَ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَا ادَّخَرَ لَكَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ»([3])، فهذه حسنة الدّنيا.

وساعة أنْ تسمع كلمة: ﴿ أَكْبَرُ ﴾ فاعلم أنّ مقابلها ليس أصغر أو صغير، بل مقابلها (كبير) فتكون حسنة الدّنيا الّتي بوَّأهم الله سبحانه وتعالى إيّاها هي (كبيرة)، لكنّ ما ينتظرهم في الآخرة ﴿ أَكْبَرُ ﴾، وكذلك قد تكون صيغةُ أفعل التّفضيل أقلَّ في المدح من غير أفعل التّفضيل، فمن أسماء الله الحسنى (الكبير) في حين أنّ الأكبر صفةٌ من صفاته سبحانه وتعالى، وليس اسماً من أسمائه جل جلاله، وفي شعار ندائنا للصّلاة نقول: الله أكبر، ولا نقول: الله كبير؛ ذلك لأنّ (كبير) ما عداه يكون صغيراً، إنّما (أكبر)، ما عداه يكون كبيراً، فنقول في الأذان: الله أكبر؛ لأنّ أمور الدّنيا في حَقِّ المؤمن كبيرةٌ من حيث هي وسيلة للآخرة، فإيّاك أنْ تظنَّ أنّ حركةَ الدّنيا الّتي تتركها من أجل الصّلاة صغيرةٌ، بل هي كبيرةٌ بما فيها من وسائل تُعينك على هذه الحياة وعلى طاعة الله عز وجل، وعلى التّقوى، وعلى جمع المال.. ولكنّ الله سبحانه وتعالى أكبر منها، ولذلك قال جل جلاله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ [الجمعة: من الآية 9]، فأخرجنا بهذا النّداء من عمل الدّنيا وحركتها، ثمّ قال: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: من الآية 10]، فأمرنا بالعودة إلى الدّنيا وإلى العمل فيها.

﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾: الخطاب هنا يمكن أن يتّجه إلى ثلاثة أشياء:

1- يمكن أنْ يُراد به الكافرون، ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون عاقبة الإيمان وجزاء المؤمنين لآثروه على الكفر.

2- ويمكن أنْ يُراد به المهاجرون، ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون لازدادوا في عمل الخير.

3- وأخيراً قد يُرَاد به المؤمن الّذي لم يهاجر، ويكون المعنى: لو كان يعلم نتيجة الهجرة لسارع إليها.

وهذه الأوجه الّتي يحتملها التّعبير القرآنيّ دليلٌ على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم، وهذا ما يسمّونه تربيب الفوائد.

(([1] السّنن الكبرى للبيهقيّ: كتاب السّير، باب الإذن بالهجرة، الحديث رقم (17734).

(([2] صحيح البخاريّ: كتاب النّكاح، باب من هاجر أو عمل خيراً لتزويج امرأةٍ فله ما نوى، الحديث رقم (5070).

(([3] الاعتقاد للبيهقيّ: ج1، ص265.

الآية رقم (42) - الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾: يريد الحقّ سبحانه وتعالى أن يعطينا تشريحاً لحال هؤلاء الّذين تركوا مكّة وظُلِموا واضْطهِدوا وأُوذُوا في سبيل الله عز وجل، ولم يفتنهم هذا كلّه عن دينهم، بل صبروا وتحمّلُوا، بل خرجوا من أموالهم وأولادهم، وتركوا بلدهم وأرضهم في سبيل دينهم وعقيدتهم، حدث هذا منهم اتّكالاً على أنّ الله سبحانه وتعالى لن يُضيِّعهم، ولذلك جاء التّعبير القرآنيّ: ﴿ صَبَرُوا ﴾ بصيغة الماضي، فقد حدث منهم الصّبر فعلاً، كأنّ الإيذاء الّذي صبروا عليه فترةً مضتْ وانتهت، والباقي لهم عِزّة ومنَعة وقوّة لا يستطيع أحدٌ أنْ يضطهدهم بعد ذلك، وهذه من البشارات في الأداء القرآنيّ، أمّا في التّوكّل، فقال سبحانه وتعالى في حقّهم:

﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾: بصيغة المضارع؛ لأنّ التّوكُّل على الله سبحانه وتعالى حدث منهم في الماضي، ومستمرّون فيه في الحاضر والمستقبل، وهكذا يكون حال المؤمن.

وبعد ذلك تكلَّم القرآن الكريم عن قضيّة وقف منها الكافرون أيضاً موقف العناد والمكابرة والتّكذيب، وهي مسألة إرسال الرّسل، فقال سبحانه وتعالى:

الآية رقم (43) - وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ف ﴾: قد اعترض المعاندون من الكفّار على كون الرّسول صلى الله عليه وسلم بشراً، وقالوا: إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يرسل رسولاً فينبغي أن يكون مَلَكاً، فقالوا: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً ﴾ [المؤمنون: من الآية 24]، وكأنّهم استقلُّوا الرّسالة عن طريق بشر، وهذا أيضاً من غباء الكافرين؛ لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم حين يُبلّغ رسالة الله سبحانه وتعالى تقع على عاتقه مسؤوليّتان: مسؤوليّة البلاغ بالعلم، ومسؤوليّة التّطبيق بالعمل ونموذجيّة السّلوك، فيأمر بالصّلاة ويُصلِّي، وبالزّكاة ويُزكِّي، وبالصّبر ويصبر، فليس البلاغ بالقول فقط، لا بل بالسّلوك العمليّ النّموذجيّ، ولذلك كانت السّيّدة عائشة رضي الله عنها تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»([1])، وكان قرآناً يمشي على الأرض، والمعنى: كان تطبيقاً كاملاً للمنهج الّذي جاء به من الحقّ سبحانه وتعالى، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب]، فكيف نتصوّر أن يكون الرّسول مَلَكاً؟ وكيف يقوم بهذه الرّسالة بين البشر؟ فلا بدّ أن يكون بشراً، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: من الآية 110]، ففي هذا المعنى الرّسول الكريم هو الأسوة السّلوكيّة، لذلك ما كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن شيءٍ إلّا ويكون أوّل من ينتهي، ولا يأمر بشيءٍ إلّا ويكون أوّل من يأخذ به، وهكذا هو الإيمان، فهو ما وقر في القلب وصدّقه العمل، والأسوة السّلوكيّة برسول الله صلى الله عليه وسلم:

تعصي الإله وأنت تُظهِر حبّـــــه       هذا لعمري في القياس بديعُ

لو كان حبّك صــــادقاً لأطعتـــــه       إنّ المحــــــبّ لمــــــن يحبّ مطيــــعُ

فليست القضيّة أن أؤمن عقيدةً وأخالف سلوكاً، وعندما يقول سبحانه وتعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، يعني أنّه يجب أن يكون الرّسول بشراً يأكل كما يأكلون، ويشرب كما يشربون، ويتعب كما يتعبون، ويغتمّ كما يغتمّون، ويتعرّض لكلّ ما تتعرّض له البشريّة من أمور، ومن هنا كان من امتنان الله سبحانه وتعالى على العرب ومن فضله عليهم أن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبة]، فهو من أنفسكم، هو من العرب وليس من أمّةٍ أعجميّة، بل من بيئتكم؛ لتكونوا على علمٍ كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه، تعرفون حركاته وسكناته، وقد كنتم تعترفون له بالصّدق والأمانة، وتأتمنونه على كلّ غالٍ ونفيسٍ لديكم قبل أن يأتيه الوحي، ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء]، فالّذي صدّهم عن الإيمان أنّه بشرٌ حسب ادّعائهم.

﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾: صحيحٌ أن الرّسل -عليهم السّلام- بشرٌ، لكنّهم يتّصلون بالوحي، فهم يأتمرون ويحملون رسالة، هذه الرّسالة هي رسالة أمانة التّبليغ عن الله سبحانه وتعالى، فهم مبلّغون عن الله عز وجل، فعندما يقول المولى سبحانه وتعالى: بأنّه أرسل رسلاً رجالاً يوحي إليهم؛ أي: أنّهم يحملون كلام الله سبحانه وتعالى إلى البشر، وإرادة المولى سبحانه وتعالى من البشر، ويبلِّغون عن الله جل جلاله ما يريده من البشر.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾: أي: أنّك يا محمد لَسْتَ بدْعاً في الرّسل، فَمْن سبقوك كانوا رجالاً طيلة القرون الماضية، وفي موكب الرّسالات جميعاً.

وجاءتْ هنا كلمة: ﴿ رِجَالًا ﴾ لتفيد البشريّة أوّلاً كجنس، ثمّ لتفيد النّوع المذكَّر ثانياً؛ ذلك لأنّ طبيعة الرّسول قائمة على المخالطة والمعاشرة والمكابدة لقومه، ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾؛ ليكونوا قدوةً سلوكيّةً للنّاس، فـ  ﴿ رِجَالًا ﴾ مقيّدة بقوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾، فالرّسول رجل، ولكن إيّاك أنْ تقول: هو رجلٌ مثْلي وبشر مثْلي، لا، هناك مَيّزة أخرى أنّه يُوحَى إليه، وهذه منزلة عالية يجب أن نحفظها للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أي: إذا غابتْ عنكم هذه القضيّة، قضّية إرسال الرّسل من البشر، ولا أظنّها تغيب؛ لأنّها عامّة في الرّسالات كلّها، وما كانت لتخفَى عليكم، خصوصاً وعندكم أهل العلم بالأديان السّابقة، مثل ورقة بن نوفل وغيره، وعندكم أهل السِّيَر والتّاريخ، وعندكم اليهود والنّصارى.. فاسألوا هؤلاء جميعاً عن بشريّة الرّسل -عليهم السّلام-، فهذه قضيّةٌ واضحةٌ لا تُنكَر، ولا يمكن المخالفة فيها.

﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: إن كنتم تشكّون ولا تعلمون هذه الحقيقة، والقرآن الكريم يوجّه البشريّة دوماً إلى سؤال أهل الاختصاص.

(([1] مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند النّساء، مسند الصّدّيقة عائشة بنت الصّدّيق 7، الحديث رقم (24601).

الآية رقم (44) - بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

استهل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ﴾، ويقول أهل اللّغة: إنّ الجار والمجرور لا بُدَّ لهما من متعلّق، فبماذا يتعلّق الجار والمجرور هنا؟ قالوا: يجوز أنْ يتعلّقا بالفعل: ﴿ نُوحِي ﴾، ويكون السّياق: (وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالاً نُوحِي إليهم بالبيّنات والزّبر)، وقد يتعلّق الجار والمجرور بأهل الذّكر، فيكون المعنى: (فاسألوا أهل الذّكر بالبيّنات والزّبر)، فهذان وجهان لعودة الجار والمجرور.

﴿ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: البيّنات: هي الأمر البيِّن الواضح الّذي لا يشكُّ فيه أحدٌ، وهو إمّا أن يكون أمارة ثُبوت صِدْق الرّسالة، كالمعجزة الّتي تتحدّى المكذِّبين أنْ يأتوا بمثلها، أو: هي الآيات الكونيّة الّتي تلفِتُ الخَلْق إلى وجود الخالق سبحانه وتعالى، مثل آيات اللّيل والنّهارَ والشّمس والقمر والنّجوم.

﴿ وَالزُّبُرِ ﴾: الزُّبُر: معناها: الكتب المكتوبة، ولا يُكتَب عادةً إلّا الشّيء النّفيس مخافة أنْ يضيعَ، وليس هنا أنفَسُ ممّا يأتينا من منهج الله سبحانه وتعالى لِيُنظِّم لَنا حركة الحياة.

ونعرف أنّ العرب قديماً كانوا يسألون عن كُلِّ شيءٍ مهما كان صغيراً، فكان عندهم عِلمٌ بالسّهم ومَنْ أوّل صانع لها، وعن القوس والرَّحْل، ومثل هذه الأشياء البسيطة، ألا يسألون عن آيات الله سبحانه وتعالى في الكون وما فيها من أسرار وعجائب في خَلْقها تدلُّ على الخالق سبحانه وتعالى؟

﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ﴾: كلمة الذّكر وردتْ كثيراً في القرآن الكريم بمعانٍ متعدّدة، وأَصلْ الذّكر أنْ يظلَّ الشّيءُ على البال بحيث لا يغيب عن الخاطر، وبذلك يكون ضِدّه النّسيان، فعندنا ذِكْرٌ ونسيان، فكلمة: (ذكر) هنا معناها وجود شيءٍ لا ينبغي لنا نسيانه، فما هو؟ الحقّ سبحانه وتعالى حينما خلق آدم عليه السلام أخذ العهد على كُلِّ ذرِّة فيه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾[الأعراف]، وأخْذُ العهد على آدم عليه السلام هو عَهْدٌ على جميع ذرّيّته؛ ذلك لأنّ في كُلِّ واحدٍ من بني آدم ذَرَّةً من أبيه آدم عليه السلام، وجزءاً حيّاً منه نتيجة التّوالُد والتّناسُل من لَدُن آدم عليه السلام حتّى قيام السّاعة، وما دُمْنا كذلك فقد شهدنا أَخْذَ العهد: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ [الأعراف: من الآية 172]، وكأنّ كلمة: (ذكر) جاءت لتُذكِّرنا بالعهد المطمور في تكويننا، تذكّرنا بالرّبّ، الّذي ما كان لنا أنْ ننساه، فلمّا حدث النّسيان اقتضى الأمرُ إرسالَ الرّسل، وإنزالَ الكتب لتذكِّرنا بعهد الله عز وجل لنا: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: من الآية 172]، ومن هنا سُمّيت الكتب المنزلة ذكراً، لكنّ الذّكْر يأتي تدريجيّاً وعلى مراحل، كلُّ رسولٍ يأتي ليُذكّر قومه على حَسْب ما لديهم من غفلة، أمّا الرّسول الخاتم صلى الله عليه وسلم الّذي جاء للنّاس كافّة إلى قيام السّاعة، فقد جاء بالذّكر الحقيقيّ الّذي لا ذِكْر بعده، وهو القرآن الكريم.

وقد تأتي كلمة: (الذّكْر) بمعنى الشَّرَف والرِّفْعة كما في قوله سبحانه وتعالى للعرب: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: من الآية 10]، وقد أصبح للعرب مكانة الصّدارة بين الأمم بالقرآن الكريم، وكذلك عاشت لغتهم به.

وقد يأتي الذّكْر من الله سبحانه وتعالى للعبد، وقد يأتي من العبد لله عز وجل كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: من الآية 152]، والمعنى: فاذكروني بالطّاعة والإيمان أذكركم بالفيوضات والبركة والخير والإمداد والثّواب.

وإذا أُطلقت كلمة: (الذّكر) انصرفت إلى ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّه الكتاب الجامع لكُلِّ ما نزل على الرّسُل السّابقين، ولكلّ ما تحتاج إليه البشريّة إلى أنْ تقومَ السّاعة، كما أنّ كلمة (كتاب) تُطلَق على أيّ كتاب، لكنّها إذا جاءت بالتّعريف (الكتاب) انصرفت إلى القرآن الكريم حصراً، وهذا ما نسمّيه (عَلَم بالغلبة)، والذّكْر هو القرآن الكريم الّذي نزل على محمّد صلى الله عليه وسلم، وهو معجزته الخالدة في الوقت ذاته، فهو منهج ومعجزة، وقد جاء الرّسُل السّابقون بمعجزات وكتب، فالكتاب منفصل عن المعجزة، فموسى عليه السلام كتابه التّوراة ومعجزته العصا، وعيسى عليه السلام كتابه ومنهجه الإنجيل ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله عز وجل، أمّا سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم فمعجزته هي المنهج ذاته، الكتاب ذاته، لا ينفصل أحدهما عن الآخر لتظلّ المعجزة مُسَاندة للمنهج إلى قيام السّاعة، وهذا هو السِّر في أنّ الحقّ سبحانه وتعالى تكفّل بحفظ القرآن الكريم وحمايته، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر]، أيضاً تُطلَق كلمة: (ذكر) على الأذكار، حلقات الذّكر وغيرها، وهو ذكر الله سبحانه وتعالى بالصّيغ المعلومة الّتي علّمنا إيّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الذِّكْر أيضاً ما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم مع القرآن الكريم، وهو الحديث الشّريف، فللرّسول مُهِمّة أخرى، وهي منهجه الكلاميّ وحديثه الشّريف الّذي جاء من مِشْكاة القرآن الكريم مبيِّناً له، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألَا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ألَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ألَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَاناً عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ»([1]).

﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾: فجاء القرآن الكريم كتابَ معجزة، وجاء كتابَ منهج، وذكر هذه الأصول القرآن الكريم، وجاء الحديث النّبويّ ليبيّن للنّاس ما نزّل من القرآن الكريم، فجاء القرآن الكريم بالأصول الثّابتة، وترك للرّسول صلى الله عليه وسلم مهمّة تبيينه للنّاس، وشرحه وتوضيح ما فيه، وقد يظنّ بعضهم أنّ كُلَّ ما جاءتْ به السُّنّة لا يلزمنا القيام به؛ لأنّه سنّة يُثَاب مَنْ فعلها ولا يُعاقَب مَنْ تركها، نقول: لا، لا نستطيع أن نأخذ الأحكام إلّا من خلال الفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالدّليل والحكم كلّه من الحديث النّبويّ الشّريف، فالمولى سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: من الآية 43]، ولم يحدّد الصّبح والظّهر والعصر والمغرب والعشاء، وعدد الرّكعات، فهذه ثابتةٌ بالسّنّة وهي فَرْضٌ، فمعظم الأمور واردة في السّنّة الشّريفة، لذلك هذه الآية هي حجّةٌ على الّذين يقولون: إنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم بلّغنا القرآن الكريم وانتهى الأمر، ويجب أن نعلم أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم هو المكلّف ببيان ما نُزّل إلينا من القرآن الكريم، وأيّ فصلٍ بين ما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القرآن الكريم فهو إنكارٌ لما جاء في القرآن الكريم، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: من الآية 7]، فأخذ ميْزة التّشريع، فأصبحت سُنّته هي التّشريع الثّاني بعد القرآن الكريم.

﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾: أي: يتفكّرون في حال الرّسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، حيث لم يُؤْثَر عنه أنّه كان خطيباً أو أديباً شاعراً، ولم يُؤْثَر عنه أنّه كان كاتباً مُتعلِّماً، لم يُعرف عنه هذا طيلة أربعين عاماً من عمره الشّريف، لذلك أمرهم بالتّفكُّر والتّدبُّر في هذا الأمر، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو رسولٌ مُوحَى إليه من الله سبحانه وتعالى، فما جاء به هو وحيٌ من عند الله سبحانه وتعالى، ولذلك أمَرَه ربُّه جل جلاله أن يقول لهم: ﴿ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [يونس].

(([1] مسند الإمام أحمد بن حنبل: مسند الشّاميّين، حديث الـمِقْدَامِ بنِ مَعْدِي كَرِبَ الكِنْدِيِّ أبي كَرِيمَة، الحديث رقم (17173).

الآية رقم (45) - أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾: نلاحظ أنّه ساعة أنْ يأتيَ الفعل نصّاً في مطلوبه لا يُذكر المتعلَّق به، فلم يَقُلْ: أشركوا بالله عز وجل؛ لأنّ ذلك معلومٌ، والإشراك معناه الإشراك بالله سبحانه وتعالى، لذلك قال سبحانه وتعالى هنا: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾.

ثمّ يورد الحقّ سبحانه وتعالى قولهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: إنّهم هنا يدافعون عن أنفسهم، وهذه هي الشّمّاعة الّتي يُعلّق عليها الكفّار خطاياهم، ويقولون: إنّ الله كتب علينا وقضى بكذا وكذا، فيقول المسرف على نفسه: لو شاء الله لم أعصه، ربُّنا هو الّذي أراد لي كذا، وهو الّذي يهدي، وهو الّذي يُضلّ، وهو الّذي جعلني أرتكب الذّنوب.. إلى آخر هذه المقولات الفارغة، فلماذا يعذّبني؟ وتعالوا نناقش صاحب هذه المقولات؛ لأنّ عنده تناقضاً عقليّاً، والقضيّة غير واضحة أمامه، ولكي نزيل عنه هذا الغموض نقول له: لماذا لم تقُل: إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أراد لي الطّاعة وكتبها عليَّ، فلماذا يُثيبني عليها؟ هكذا المقابل، فلماذا قُلْت بالأولى ولم تقُلْ بالثّانية؟! واضح أنّ الأولى تجرُّ عليك الشّرّ والعذاب، فوقفتْ في عقلك، أمّا الثّانية فتجرُّ عليك الخير، لذلك تغاضيت عن ذِكْرها، ونقول له: أنت حينما تعمل أعمالك، هل كلّها خير؟ أو كلّها شَرّ؟ أَمَا منها ما هو خير، ومنها ما هو شرّ؟ والإجابة هنا واضحة، فالإنسان فيه خيرٌ وفيه شرٌّ، لا أنت مطبوعٌ على الخير دائماً، ولا أنت مطبوعٌ على الشّرِّ دائماً، فأنت صالحٌ للخير، كما أنّك صالحٌ للشّرّ، فهناك فَرْقٌ بين أن يخلقك الله سبحانه وتعالى صالحاً للفعل وضِدّه، وبين أنْ يخلقك مقصوراً على الفعل لا ضدّه، ولـمّا خلقك الله سبحانه وتعالى صالحاً للخير وصالحاً للشّرّ أوضح لك منهجه وبيَّنَ لك الجزاء، فقال: اعمل الخير، والجزاء كذا، وإذا عملت الشّرّ، فالجزاء كذا، وهذا هو المنهج، فكيف يقول بعد ذلك: إنّ الله كتبه عليَّ؟!! هذا عجيبٌ، كأنّه قد اطَّلع على اللّوح المحفوظ، فوجد أنّ الله سبحانه وتعالى كتب عليه أن يشرب الخمر مثلاً أو أن يسرق فسرق؛ لأنّ الله عز وجل كتبها عليه، ولو أنّ الأمر هكذا لكنتَ طائعاً بالسّرقة، لكنّ الأمر خلاف ما تتصوّر، فأنت لا تعرف أنّها كُتِبت عليك إلّا بعد أنْ تفعلها، والفعل منك مسبوقٌ بالعزم على أنْ تفعلَ، فهل اطّلعتَ على اللّوح المحفوظ كي تعرف ما كتبه الله سبحانه وتعالى عليك؟ يجب أن ننتبه هنا ونعلم أنّ الله سبحانه وتعالى كتب أزلاً؛ لأنّه عَلِم أنّك تفعل أجلاً، وعِلْمُ الله سبحانه وتعالى مُطْلقٌ لا حدودَ له، ونضرب مثلاً -ولله المثل الأعلى- الوالد الّذي يلاحظ ولده في دراسته، فيجده مُهملاً غير مُجدٍّ، يتوقّع فشله في الامتحان، هل دخل الوالد مع ولده وجعله يكتب خطأً في الامتحان؟ لا، بل توقّع له الفشل لعلمه بحال ولده، وعدم استحقاقه للنّجاح، فالله سبحانه وتعالى كتب مُسبْقاً وأزلاً؛ لأنّه يعلم ما يفعله العبد أصلاً، وهناك صورةٌ أخرى، فعندما قال سبحانه وتعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: من الآية 144]، ثمّ قال سبحانه وتعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: من الآية 142]، مع أنّهم لم يكونوا قد قالوا بعد، فقد علم سبحانه وتعالى أزلاً، فهل أجبرهم على أن يقولوا: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: من الآية 142]؟ بالتّأكيد لا، فالإنسان يُحاسَب على اختياره وليس على علم الله عز وجل المسبق الأزليّ، وهذه الآية: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ ، تشرح وتُفسِّر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: من الآية 148]، فهنا: ﴿ وَقَالَ ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿ سَيَقُولُ ﴾؛ لنعلم أنّه لا يستطيع أحد معارضة قَوْل الله سبحانه وتعالى، أو تغيير حكمه.

﴿نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾: لماذا لم يتحدّث هؤلاء عن أنفسهم فقط؟ ما الحكمة من دفاعهم عن آبائهم هنا؟ الحكمة أنّهم سيحتاجون لهذه القضيّة فيما بعد، وسوف يجعلونها حُجَّة حينما يقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزّخرف: من الآية 22]، فلا حُجَّة لهؤلاء الّذين يُعلِّقون إسرافهم على أنفسهم على شماعة القدر، وأنّ الله سبحانه وتعالى كتب عليهم المعصية، ونرى بعضهم حتّى من المسلمين مَنْ يتكلّم بهذا الكلام، ويميل إلى هذه الأباطيل، ومنهم مَنْ تأخذه الجَرْأة على الله عز وجل فيُشبِّه هذه القضيّة بقول الشّاعر:

أَلْقَاهُ في اليَمِّ مَكتُوفاً وَقَالَ لَهُ:      إيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تبتلَّ بالماءِ

وما يفعل هذا إلّا ظالم!! تعالى الله وتنزَّه عن قَوْل الجُهَّال والكافرين، وأيضاً هناك مَنْ يقول: إنّ الإنسان هو الّذي خلق الفعل، ويعارضهم آخرون ويقولون: لا، بل رَبّنا سبحانه وتعالى هو الّذي يخلق الفِعْل.. ونقول لهم جميعاً: ليس هناك في الحقيقة خلافٌ، ونسأل: ما هو الفعل؟ الفعل توجيه جارحة لحدثٍ، فأنت حينما تُوجِّه جارحة لحدثٍ، ما الّذي فعلته أنت؟ هل أعطيتَ لليد مثلاً قوّة الحركة بذاتها؟ أم أنّ إرادتك هي الّتي وجَّهَتْ حركتها؟ والجارحة مخلوقةٌ لله سبحانه وتعالى، وكذلك الإرادة الّتي حكمتْ على الجارحة مخلوقةٌ لله عز وجل أيضاً، فما فعلته أنت ما هو إلّا أن وجَّهْتَ المخلوق لله سبحانه وتعالى إلى مَا لا يحبّ الله عز وجل في حالة المعصية، وإلى ما يحبّه الله جل جلاله في حالة الطّاعة، كذلك لا بُدَّ أن نلاحظ أنّ لله سبحانه وتعالى مرادات كونيّة ومرادات شرعيّة، فالمراد الكونيّ هو ما يكون فِعلاً، فكُلُّ ما تراه في الكون أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون، والمراد الشّرعيّ: هو طَلَبُ الشّيء وفرضه على الإنسان الّذي له حرّيّة الاختيار أن يفعل أو لا يفعل، قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: من الآية 29]، خلقك الله سبحانه وتعالى مختاراً تستطيع أن تتوجّه إلى الإيمان، أو تتوجّه إلى الكفر، فإذا كفرت، هل كفرتَ غَصْباً عنه وعلى غير مُراده سبحانه وتعالى؟ حاشا لله، فلأنّ الله سبحانه وتعالى أعطاك خياراً ومشيئة تختار فيها، لكن لا يحدث شيءٌ من غير إرادة الله عز وجل، وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مُراداً كونيّاً ومُراداً شرعيّاً، المراد الكونيّ أن خلق سبحانه وتعالى له الاختيار، والمراد الشّرعيّ أن يختار، فلا بُدَّ أن نُفرِّق بين المراد الكونيّ والمراد الشّرعيّ، ولذلك لـمّا حدثت ضجّة في الحرم المكّيّ منذ سنوات، وحدث فيه إطلاقٌ للنّار وترويع للآمنين، قال بعضهم: كيف يحدث هذا وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ [آل عمران: من الآية 97]، وها هو الحال قَتْل وإزعاج للآمنين فيه؟! والحقيقة أنّ هؤلاء خلطوا بين مراد كونيّ ومراد شرعيّ، فالمقصود بالآية: فَمْن دخله فأمِّنوه؛ أي: اجعلوه آمناً، فهذا مطلَب من الله سبحانه وتعالى، وهو مرادٌ شرعيٌّ قد يحدث وقد لا يحدث، أمّا المراد الكونيّ فلا يمكن إلّا أن يحدث.

ثمّ يقول سبحانه وتعالى على لسانهم:

﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: وقد ورد توضيح هذه الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾[المائدة].

﴿ ذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾: أي: هذه سُنَّة السّابقين المعاندين.

﴿عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: البلاغ: هو ما بين عباد الله سبحانه وتعالى وبين الله جل جلاله، وهو بلاغ الرّسل -عليهم السّلام-، والمراد به المنهج: (افعل أو لا تفعل)، ولا يقول الله سبحانه وتعالى لك ذلك إلّا وأنت قادرٌ على الفِعْل وقادرٌ على التَّرْك، لذلك نرى أنّ الله سبحانه وتعالى يرفع التّكليف عن الـمُكْره فلا يتعلّق به حكمٌ؛ لأنّه في حالة الإكراه قد يفعل ما لا يريده ولا يُحبّه، وكذلك المجنون والصّغير الّذي لم يبلغ التّعقّل، هؤلاء كُلُّهم لا يتعلّق بهم حكْمٌ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يضمن السّلامة لآلة التّرجيح في الاختيار، وهي العقل، وحينما يكون الإنسان محلَّ تكليفٍ عليه أنْ يجعلَ الفيصل في: ﴿عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، بلاغ المنهج بـ (افعل ولا تفعل)؛ لذلك استنكر القرآن الكريم على هؤلاء الّذين جاؤوا بقولٍ من عند أنفسهم دون رصيدٍ من الـمُبَلِّغ صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه وتعالى في حَقِّ هؤلاء: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ [الزّخرف]، فأنكر عليهم سبحانه وتعالى ذلك، وسألهم: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ [الزّخرف]، وخاطبهم سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ [القلم].

﴿ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾: أي: لا بُدَّ أن يُبَلِّغ المكَلَّف، فإنْ حصل تقصيرٌ في ألَّا يُبَلَّغ المكلَّف يُنسَب التّقصير إلى أهل الدّين الحقّ، المنتسبين إليه، والـمُنَاط بهم تبليغ هذا المنهج لمنْ لَـمْ يصله، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في الحَثِّ على تبليغ دين الله عز وجل لمن لم يصِلْه الدّين، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»([1])، وقال صلى الله عليه وسلم: «نَضَرَّ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»([2])، فعلى الإنسان أن يكون مصدر خيرٍ وناقل للخير والبيان عن الله سبحانه وتعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل، الحديث رقم (3461).

([2]) المعجم الأوسط للطّبرانيّ: باب الميم، من اسمه محمّد، الحديث رقم (5292).

الآية رقم (46) - أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ

﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ ﴾: التّقلّب: الانتقال من حالٍ إلى حالٍ، أو من مكانٍ إلى مكانٍ، والانتقال من مكان الإقامة إلى مكانٍ آخر دليلُ القوّة والمقدرة، حيث ينتقل الإنسان من مكانه حاملاً متاعه وعَتَاده وجميع ما يملك؛ لينشئ له حركةَ حياةٍ جديدة في مكانه الجديد، ولا شكَّ أنّ هذا مظهرٌ من مظاهر العزّة والجاه والثّراء لا يقوم به إلّا القويّ، ولذلك قال سبحانه وتعالى عن أهل سبأ: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴾ [سبأ: الآية 18 – من الآية 19]، فهؤلاء قومٌ جمع الله سبحانه وتعالى لهم ألواناً شتّى من النّعيم، وأمَّن أسفارهم، وجعل لهم محطّاتٍ للرّاحة أثناء سفرهم، ولكنّهم للعجب طلبوا من الله سبحانه وتعالى أن يُباعد بين أسفارهم، كأنّهم أرادوا أنْ يتميّزوا عن الضّعفاء غير القادرين على مشقّة السّفر والتّرحال، فقالوا: ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ [سبأ: من الآية 19]، حتّى لا يقدر الضّعفاء منهم على خَوْض هذه المسافات.. فالّذي يتقلَّب في الأرض دليلٌ على أنّ له من الحال حال إقامة وحال قوّة وقدرة على أن ينتقل ليقيم به في مكانٍ آخر؛ ولذلك قالوا: المال في الغربة وطنٌ، ومَنْ كان قادراً يفعل ما يريد، والحقّ سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴾ [آل عمران]، فلا يخيفنّك انتقالهم بين رحلتي الشّتاء والصَّيْف، فالله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يأخذَهم في تقلُّبهم.

وقد يُراد تقلّبهم في الأفكار والمكْر السّيّء بالرّسول صلى الله عليه وسلم وصحابته
-رضوان الله عليهم أجمعين- كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ ﴾ [التّوبة: من الآية 48]، فقد قعدوا يُخطّطون ويمكُرون ويُدبِّرون للقضاء على الدّعوة في مَهْدها.

﴿ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾: المعجز: هو الّذي لا يمكنك أنْ تغلبه، وهؤلاء لن يُعجِزوا الله سبحانه وتعالى، ولن يستطيعوا الإفلاتَ من عذابه؛ لأنّهم مهما بَيَّتوا فتبييتهم وكَيْدهم عند الله عز وجل، أمّا كيْد الله سبحانه وتعالى إذا أراد أنْ يكيد لهم فلن يشعروا به: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ﴾ [الأنفال: من الآية 30]، وقال جل جلاله: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ [الطّارق].

الآية رقم (47) - أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ

﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: التّخوُّف: هو الفزع من شيءٍ لم يحدث بعد، فيذهب فيه الخيال مذاهبَ شتَّى، ويتوقّع الإنسان ألواناً متعدّدة من الشّرّ، في حين أنّ الواقع يحدث على وجهٍ واحدٍ، لذلك يقولون في الأمثال: (نزول البلاء ولا انتظاره)؛ ذلك لأنّه إنْ نزل سينزل بلونٍ واحدٍ، أمّا انتظاره فيُشيع في النّفس ألواناً متعدّدة من الفزع والخوف، فالتّخوُّف أشدُّ وأعظم من وقوع الحَدث نفسه، وكان هذا الفزع يعتري الكفّار إذا ما عَلِموا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سريّةً من السَّرايا، فيتوقّع كلّ جماعةٍ منهم أنّها تقصدهم، وبذلك يُشيع الله عز وجل الفزع في نفوسهم جميعاً، وبعض المفسّرين قال: التّخوُّف يعني التّنقُّص بأنْ ينقص الله سبحانه وتعالى من رُقْعة الكفر بدخول القبائل في الإسلام قبيلةً بعد أخرى، فكلُّ واحدةٍ منها تنقص من رقعة الكفر، كما جاء في قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: من الآية 155].

﴿ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾: وهل هذا التّذييل مناسبٌ للآية وما قبلها من التّهديد والوعيد؟ فالعقل يقول: إنّ التّذييل المناسب لها: (إنّ ربّكم لشديد العقاب) مثلاً، لكن يجب هنا أنْ نعلمَ أنّ هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا عطاء الرّبوبيّة الّذي يشمل العباد جميعاً مؤمنهم وكافرهم، فالله سبحانه وتعالى استدعى الجميع للدّنيا، وتكفَّل للجميع بما يحفظ حياتهم من شمسٍ وهواءٍ وأرضٍ وسماء، لم تُخلَق هذه الأشياء للمؤمن دون الكافر، والمتدبِّر لهذه الآية يجد فيها نعمةً عظيمةً؛ لأنّ فيها تهديداً ووعيداً بالعذاب إذا استمرّوا على ما هم فيه من الكفر، ففي طيَّاتها تحذيرٌ وحِرْصٌ على نجاتهم، كما تتوعّد ولدك: إذا أهملتَ دروسك ستفشل وأفعل بك كذا وكذا، وأنت ما قلت ذلك إلّا لحِرصك على نجاحه وفلاحه، فتذييل الآية بقوله: ﴿ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ تذييلٌ مناسبٌ لما قبلها من التّهديد والوعيد؛ لأنّ الكلام كلام ربٍّ رحيمٍ، فيناسب التّهديد والوعيد، وفيها بيانٌ لرحمة الله جلّ وعَلا الّتي يدعو إليها كلّاً من المؤمن والكافر.

الآية رقم (48) - أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾: المعنى: أَعَمُوا ولم يَرَوْا ولم يتدبروا في خلق الله عز وجل؟!

﴿ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾: كلمة: (شيءٍ) يسمّونها جنس الأجناس، و﴿ مِنْ ﴾ تُفيد ابتداء ما يُقال له: (شيء)؛ أي: أتفه شيءٍ موجود، وهذا يسمّونه أدنى الأجناس، وتُفيد أيضاً العموم، فيكون: ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ : أي: كلّ شيءٍ، فانظر إلى أيّ شيءٍ في الوجود مهما كان هذا الشّيء تافهاً ستجد له ظِلّاً:

﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ ﴾: يتفيّأ: من فاءَ؛ أي: رجع، والمراد عودة الظّلّ مرّةً أخرى إلى الشّمس، أو عودة الشّمس إلى الظّلّ، فلو نظرنا إلى الظّلّ نجده نوعين: ظلٌّ ثابتٌ مستمرٌّ، وظلٌّ مُتغيّرٌ، فالظّلّ الثّابت دائماً في الأماكن الّتي لا تصل إليها أشعّة الشّمس، كقاع البحار وباطن الأرض، فهذا ظِلٌّ ثابت لا تأتيه أشعّة الشّمس في أيّ وقتٍ من الأوقات، والظّلّ المتحرّك الّذي يُسمّى الفَيْء؛ لأنّه يعود من الظّلّ إلى الشّمس، أو من الشّمس إلى الظّلّ، فلا يُسمَّى الظّلّ فَيْئاً إلّا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه، ولكن كيف يتكوّن الظّلّ؟ يتكوّن الظّلّ إذا مَا استعرض الشّمسَ جسمٌ كثيفٌ يحجب شعاعها، فيكون ظِلّاً له في النّاحية المقابلة للشّمس، هذا الظّلّ له طُولان وله استواءٌ واحدٌ، طول عند الشّروق إلى أنْ يبلغَ المغرب، ثمّ يأخذ في التّناقص مع ارتفاع الشّمس، فإذا ما استوتْ الشّمس في السّماء يصبح ظِلّ الشّيء في نفسه، وهذه حالة الاستواء، ثمّ تميل الشّمس إلى الغروب، وينعكس طول الظّلّ الأوّل من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق، ويلفتنا المولى سبحانه وتعالى إلى هذه الآية الكونيّة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ [الفرقان]؛ ذلك لأنّك لو نظرتَ إلى الظّلِّ وكيف يمتدُّ، وكيف ينقبض وينحسر لوجدتَ شيئاً عجيباً حقّاً؛ ذلك لأنّك تلاحظ الظّلّ في الحالتين يسير سَيْراً انسيابيّاً، ما معنى: (انسيابيّ)؟ هو نوعٌ من أنواع الحركة، فالحركة إمّا حركة انسيابيّة، أو حركة عن توالي سكونات بين الحركات، وهذه الأخيرة نلاحظها في حركة عقارب السّاعة، وهي أوضح في عقرب الثّواني منها في عقرب الدّقائق، ولا نكاد نشعر بها في عقرب السّاعات، فلو لاحظت عقرب الثّواني لوجدتَه يسير عن طريق قفزات منتظمة، تكوّن حركةً فسكوناً فحركةً، وهكذا.. ومعنى ذلك أنّه يجمع الحركة في حال سكونه، ثمّ ينطلق بها، وبذلك تمرُّ عليه لحظة لم يكن مُتحرّكاً فيها، وهذا ما نسمّيه بالحركة القفزيّة، هذه الحركة لا نستطيع رَصْدها في عقرب السّاعات؛ لأنّ القفزة فيه دقيقة لدرجة أنّ العين المجرّدة تعجز عن رَصْدها وملاحظتها، هذه هي الحركة القفزيّة، أمّا الحركة الانسيابيّة، فتعني أنّ كلّ جزءٍ من الزّمن فيه جزءٌ من الحركة؛ أي: حركة مستمرّة ومُوزّعة بانتظام على الزّمن، ونضرب لذلك مثلاً بنموّ الطّفل، فالطّفل الوليد ينمو باستمرار، لكنّ أمّه لا تلاحظ هذا النّمو؛ لأنّ نظرها عليه دائماً، فكيف تكون حركة النّمو في الطّفل؟ هل حركة قفزيّة يتجمّع فيها نموّ الطّفل كلّ أسبوع أو كلّ شهر مثلاً، ثمّ ينمو طَفْرةً واحدةً؟ بالتّأكيد لا، لو كان نموّه هكذا لَلَاحظنا نموّ الطّفل، لكنّه ليس كذلك، بل ينمو بحركةٍ انسيابيّةٍ تُوزّع على طول الزّمن، فلا نكاد نشعر بنموّه.. وهكذا حركة الشّمس حركة انسيابيّة، بحيث تُوزّع جزئيّات الحركة على جُزئيّات الزّمن، فالشّمس ليست مركونة إلى ميكانيكا تتحرّك عن التّروس كالسّاعة مثلاً، لا، بل مركونة إلى أمر الله عز وجل، موصولة بـ ﴿ كُنْ ﴾ الدّائمة، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يلِفتَ خَلْقه إلى ظاهرةٍ كونيّةٍ في الوجود مُحسّة، يدركها كلٌّ مِنّا في ذاته، وفيما يرى من المرائي، ومن هذه المظاهر ظاهرة الظّلّ الّتي يعجز الإنسان عن إدراك حركته، وفي آيةٍ أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ [الرّعد: من الآية 15]، فالحقّ سبحانه وتعالى يريد أن يُعمّم الفكرة التّسبيحيّة في الكون كلّه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: من الآية 44]، فكلّ ما يُطلَق عليه (شيء) فهو يُسبِّح مهما كان صغيراً.

﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾: لنا هنا وقفة مع الأداء القرآنيّ العظيم المعجز، حيث أتى سبحانه وتعالى باليمين مُفْرداً، في حين أتى بالشّمائل على صورة الجمع؛ ذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى لـمّا قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ، أتى بأقلّ ما يُتصوَّر من مخلوقاته سبحانه وتعالى: ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ وهو مفرد، ثمّ قال سبحانه وتعالى: ﴿ ظِلَالُهُ ﴾  بصيغة الجمع؛ أي: مجمع هذه الأشياء، فالإنسان لا يتفيّأ ظِلّ شيءٍ واحدٍ، لا، بل ظِلّ أشياء متعدّدة، و﴿ مِنْ ﴾ هنا أفادت العموم، ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾؛ أي: كلّ شيء، فليناسب المفرد جاء باليمين، وليناسب الجمع جاء بالشّمائل.

﴿ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾: فما العلاقة بين حركة الظّلّ وبين السّجود؟ معنى: ﴿ سُجَّدًا ﴾؛ أي: خضوعاً لله عز وجل، وكأنّ حركة الظّلّ وامتداده على امتداد الزّمن دليلٌ على أنّه موصولٌ بالمحرّك الأعلى له، والقائل الأعلى لـ: ﴿ كُنْ ﴾، والظّلّ آية من آياته سبحانه وتعالى مُسخّرة له ساجدة خاضعة لقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [البقرة: من الآية 117]، وقلنا: إنّ هناك فرقاً بين الشّيء تُعِدّه إعداداً كَوْنيّاً، والشّيء تُعِدّه إعداداً قدريّاً، فصانع القنبلة الزّمنيّة يُعِدُّها لتنفجرَ في الزّمن الّذي يريده، وليس الأمر كذلك في إعداد الكون، الكون أعدّه الله سبحانه وتعالى إعداداً قدريّاً قائماً على قوله: ﴿ كُنْ ﴾، وفي انتظار لهذا الأمر الإلهيّ باستمرار: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، وهكذا.. فليست المسألة مضبوطة ميكانيكيّاً، لا، بل مضبوطة قَدريّاً، لذلك يحلو لبعض النّاس أن يقول: باقٍ للشّمس كذا من السّنين ثمّ ينتهي ضوؤها، ويُرتّب على هذا الحكم أشياء أخرى، نقول: لا، ليس الأمر كذلك، فالشّمس خاضعةٌ للإعداد القدريّ منضبطةٌ به ومنتظرة لـ: ﴿ كُنْ ﴾ الّتي يُصغِي لها الكون كلّه؛ ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾ [الرّحمن: من الآية 29].

هكذا بيَّنت الآية الكريمة أنّ كلّ ما يُقال له: (شيء) يسجد لله عز وجل، وكلمة: (شيء) جاءت مُفْردة دالّة على العموم، وقد عرفنا السّجود فيما كلَّفنا الله سبحانه وتعالى به من ركن في الصّلاة، وهو مُنْتَهى الخضوع، خضوع الذّات من العابد للمعبود، فنحن نخضع واقفين، ونخضع راكعين، ونخضع قاعدين، ولكن أتمَّ الخضوع يكون بأنْ نسجدَ لله عز وجل، ولماذا كان أتمَّ الخضوع أن نسجدَ لله عز وجل؟ نقول: لأنّ الإنسان له ذاتٌ عامّة، وفي هذه الذّات سيّدٌ لها، بحيث إذا أُطلِق انصرف إلى الذّات، والمراد به الوجه؛ لذلك حينما يعبّر الله سبحانه وتعالى عن فَنَاء الوجود يقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص: من الآية 88]، وكذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [اللّيل]، فيُطلَق الوجه ويُراد به الذّات، فإذا ما سجد الوجه لله سبحانه وتعالى دلَّ ذلك على خضوع الذّات كلّها؛ لأنّ أشرف ما في الإنسان وجهه، فإذا ما ألصقه بالأرض فقد جاء بمنتهى الخضوع بكلّ ذاته للمعبود عز وجل.

كما دَلَّتْ الآية على أنّ الظّلّ أيضاً يسجد لربّه وخالقه سبحانه وتعالى، والظّلال قد تكون لجمادات كالأشجار أو الأبنية أو الجبال، وهذه الأشياء الثّابتة يكون ظِلّها أيضاً ثابتاً لا يتحرّك، أمّا ظِلّ الإنسان أو الحيوان فهو ظلٌّ متحرّك، وقد ضرب لنا الحقّ سبحانه وتعالى مثلاً في الخضوع التّامّ بالظّلال؛ لأنّ ظلّ كلّ شيءٍ لا يُفارق الأرض أبداً، وهذا مثال للخضوع الكامل.

ثمّ يرتفع الحقّ سبحانه وتعالى بمسألة السّجود من الجمادات في الظّلال في قوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ [الرّعد: من الآية 15]، يعني الذّوات تسجد، وكذلك الظّلال تسجد؛ ولذلك يتعجّب بعض العارفين من الكافر، يقول: أيّها الكافر، ظِلُّك ساجدٌ وأنت جاحدٌ، جاء هذا التّرقِّي في قوله سبحانه وتعالى:

الآية رقم (38) - وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ ﴾: سبحان الله! كيف يُقسِمون بالله عز وجل وهم لا يؤمنون به؟ وما مدلول كلمة الله سبحانه وتعالى عندهم؟ هذه علامة تدلّ على أنّ الإيمان يسبق الكفر، فكلمة: (الله) دليلٌ على الإيمان به سبحانه وتعالى، ولا توجد الكلمة في اللّغة إلّا بعد وجود ما تدلّ عليه أوّلاً، فالتّلفزيون مثلاً قبل أن يوجد لم يكن له اسمٌ، ثمّ بعد أن وُجِد أوجدوا له اسماً، فتوجد المعاني أوّلاً، ثمّ توضع للمعاني أسماء، فإذا رأيت اسماً يكون معناه قبله أم بعده؟ الجواب: يكون قبله، فإذا قالوا: الله سبحانه وتعالى غير موجود، نقول لهم: كذبتم؛ لأنّ كلمة: (الله) لفظٌ موجودٌ في اللّغة، ولا بُدَّ أنّ لها معنىً سبق وجودها، فالإيمان سابقٌ للكفر، وجاء الكفر ليستر الإيمان؛ لأنّ معنى الكفر: السَّتْر، والسّؤال إذاً: ماذا ستر؟ الجواب: ستر الإيمان، ولا يستر إلّا موجوداً، وبذلك نقول: إنّ الكفر دليلٌ على الإيمان.

﴿ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾: أي: مبالغين في اليمين مُؤكّدينه، كما قالوا في آيةٍ أخرى: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: من الآية 32]، فليس هذا بكلام العقلاء، وكان ما أقسموا عليه بالله عز وجل أنّه:

﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾: وهذا إنكارٌ للبعث، كما سبق وأنْ قالوا: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية 82]، فيردّ عليهم سبحانه وتعالى:

﴿بَلَى﴾: وهي أداةٌ لنفي السّابق عليها، وأهل اللّغة يقولون: نفي النّفي إثباتٌ، فـ ﴿بَلَى﴾ تنفي النّفي قبلها، وهو قولهم: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، فيكون المعنى: بل يبعث الله سبحانه وتعالى مَنْ يموت.

﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾: الوَعْد: هو الإخبار بشيءٍ لم يأْتِ زمنه بعد، فإذا جاء وَعْدٌ بحدَثٍ يأتي بَعْد، ننظر فيمَنْ وعد: أهو قادرٌ على إيجاد ما وعد به؟ أم غير قادرٍ؟ فإن كان غيرَ قادرٍ على إنفاذ ما وعد به؛ لأنّه لا يضمن الأسباب الّتي تُعينه على إنفاذ وعده، قُلْنا له: قُلْ: إنْ شاء الله، حتّى إذا جاء موعد التّنفيذ فلم تَفِ بوعدك التمسْنا لك عُذْراً، وحتّى لا تُوصف ساعتها بالكذب، فقد نسبتَ الأمر إلى مشيئة الله عز وجل، أمّا إذا كان الوعد من الله سبحانه وتعالى فهو قادرٌ على إنفاذ ما يَعِد به؛ لأنّه لا قوّة تستطيع أن تقفَ أمام مُراده جل جلاله، ولا شيءَ يُعجزه في الأرض ولا في السّماء، فكان الوعد منه سبحانه وتعالى ﴿ حَقًّا ﴾ أنْ يُوفّيه.

﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾: أي: لا يعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى قادرٌ على البعث، كما قال جل جلاله: ﴿ وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [السّجدة: من الآية 10]، وقال عز وجل: ﴿ وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ [الإسراء]، فقد استبعد الكفّار أمر البعث؛ لأنّهم لا يتصوّرون كيف يبعث الله عز وجل الخلْق من لَدُن آدم عليه السلام حتّى تقوم السّاعة، ولكن لِـمَ تستبعدون ذلك؟ وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [لقمان: من الآية 28]، فالأمر ليس مزاولة يجمع الله سبحانه وتعالى بها جزئيّات البشر كلٌّ على حدة، لا، ليس في الأمر مزاولة أو معالجة تستغرق وقتاً: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس]، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ونقول: الحمد لله أنّ هناك قليلاً من النّاس يعلمون أمر البعث ويؤمنون به.

وقضيّة البعث بعد الموت هي قضيّةٌ غيبيّةٌ، وكثيرٌ من النّاس ممّن يؤمن بالمادّة فقط، ولا يؤمن بالغيبيّات يُنكِر البعث، قال سبحانه وتعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس].

الآية رقم (39) - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ

﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾: أي: من أمر البعث؛ لأنّ القضيّة لا تستقيم من غير البعث والجزاء، فعند البعث والجزاء يبيّن المولى سبحانه وتعالى هذا الأمر، ويبيّن لهم كيف أنّهم أنكروا ما سيرونه جميعاً وهو بأنّه يوجد بعث وحساب وعقاب، ولا يفلت منه هؤلاء الّذين سبقوا.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ﴾: متى سيعلمون؟ يوم يبعثون؛ أي: يوم القيامة، فسيعلمون أنّهم كانوا كاذبين في قولهم: ﴿ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ﴾ [النّحل: من الآية 38]، وذلك علم يقينٍ ومعاينة، ولكن بعد فوات الأوان، فالوقت وقت حساب وجزاء لا ينفع فيه الاعتراف ولا يُجدي فيه التّصديق، فالآن يعترفون بأنّهم كانوا كاذبين في قَسَمهم: ﴿ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ﴾ وبالغوا في الأَيمان وأكَّدوها؛ ولذلك يقول سبحانه وتعالى عنهم في آيةٍ أخرى: ﴿ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة].

الآية رقم (40) - إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ

فَأَمْرُ البعث ليس علاجاً لجزئيّات كلّ شخصٍ وضمِّ أجزائه وتسويته من آدم عليه السلام حتّى قيام السّاعة، بل المسألة منضبطة تماماً مع الأمر الإلهيّ: ﴿ كُنْ ﴾، وبمجرّد صدوره، من غير حاجةٍ لوقتٍ ومُزاولةٍ يكون الجميع ماثلاً طائعاً، كلّ واحدٍ منتظرٌ دوره، منتظرٌ الإشارة؛ ولذلك جاء في الخبر: «شؤونٌ يُبديها ولا يَبتديها»، فالأمر يتوقّف على الإذن: (اظهر)، فيظهر، ومثال ذلك -ولله المثل الأعلى- من يعدّ القنبلة الزّمنيّة مثلاً، ويضبطها على وقتٍ معيّن، تظلّ القنبلة هذه إلى وقت الانفجار الّذي وُضِع فيها، ثمّ تنفجر من غير تدخُّلٍ من صانعها، مجرّد الإذن لها بالانفجار تنفجر، وحتّى كلمة: ﴿ كُنْ ﴾ نفسها تحتاج لزمنٍ، ولكن ليس هناك أقرب منها في الإذن، وإن كان الأمر في حقِّه سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى: ﴿ كُنْ ﴾ ولا غيره، ولكن تقريبٌ للبشر.    

الآية رقم (30) - وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ

﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾: قد سبق أنْ تحدّثنا عن قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [النّحل]، فهذه لقطاتٌ تُبيّن الموقف الّذي انتهى بإقرارهم على أنفسهم أنّهم كانوا كافرين، أمّا هنا فعن المؤمنين، وهذه الآياتُ نزلتْ في جماعةٍ كانوا داخلين مكّة، فقد قسَّم الكافرون أنفسهم على مداخل مكّة ليصدّوا الدّاخلين إليها عن سماع خبر أهل الإيمان بالنّبيّ الجديد صلى الله عليه وسلم، وكان أهل الإيمان يتحيَّنون الفرصة ويخرجون على مشارف مكّة بحجّة رَعْي الغنم؛ ليقابلوا هؤلاء السّائلين؛ ليخبروهم خبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وخبر دعوته، ممّا يدلُّ على أنّ الّذي يسأل عن شيءٍ لا يكتفي بأوّل عابرٍ يسأله، بل يُكرّر السّؤال، فحين سألوا الكافرين قالوا: ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [النّحل: من الآية 24]، فلم يكتفوا بذلك، بل سألوا أهل الإيمان فكان جوابهم:

﴿ قَالُوا خَيْرًا ﴾: هذا لنفهم أنّ الإنسانَ إذا صادف شيئاً له وجهتان متضادّتان فلا يكتفي بوجهةٍ واحدةٍ، بل يجب عليه أن يستمع للثّانية، ثمّ بعد ذلك للعقل أن يختار بين البدائل، فحينما سأل الدّاخلون مكّة أهل الكفر: ﴿ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [النّحل: من الآية 24]، وحينما سألوا أهلَ الإيمان والتّقوى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا ﴾، ونلاحظ هنا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾، أنّ الحقّ سبحانه وتعالى لم يوضّح لنا مَنْ هم، ولم يُبيّن هُويَّتهم، وهذا يدلُّنا على أنّهم يُدارون أنفسهم؛ لأنّهم ما زالوا ضِعَافاً لا يقدرون على المواجهة، وقد تكرّر هذا الموقف، موقف السّؤال إلى أنْ نصل إلى الوجهة الصّواب: ﴿ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا ﴾، ما هو الخير؟ الخير كُلُّ ما تستطيبه النّفس بكلّ مَلكَاتها، لكنّ الاستطابة قد تكون موقوتة بزمنٍ، ثمّ تُورث حَسْرةً وندامةً، فهذا ليس خيراً؛ لأنّه لا خيرَ في خيرٍ بعده النّارُ، وكذلك لا شَرَّ في شرٍّ بعده الجنّة، فيجب أن نعرف أنّ الخير يظلّ خيْراً دائماً في الدّنيا والآخرة، فلو أخذنا مثلاً متعاطي المخدّرات نجده يأخذ متعةً وقتيّةً ونشوةً زائفةً سرعان ما تزول، ثمّ سرعان ما ينقلب هذا الخير في نظره إلى شرٍّ عاجلٍ في الدّنيا وآجلٍ في الآخرة، فانظر إلى عمل الخير في نفسك وكيفيّته وعاقبته، وهذا هو الخير في قوله سبحانه وتعالى:  ﴿ قَالُوا خَيْرًا ﴾، فهو خيرٌ تستطيبه النّفس، ويظلّ خيراً في الدّنيا، ويترتّب عليه خيرٌ في الآخرة، أو هو موصولٌ بخير الآخرة، ثمّ فسَّره الله سبحانه وتعالى في قوله:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾: ونفهم من هذه الآية أنّه على المؤمن ألَّا يترك الدّنيا وأسبابها، ويقول: ليس لي إلّا الآخرة، فربّما أخذها غيره، بل عليه أن يعمل ويتعلّم ويجدّ ويأخذ بالأسباب ويبحث في أسرار الله سبحانه وتعالى في الكون، ولا ينبغي أن يترك الأخذ بأسباب الدّنيا، فعليك أيّها المؤمن أن تجتهد في أسباب الدّنيا، ولا يجوز أبداً أن يكون المؤمن متخلّفاً علميّاً ولا حضاريّاً، لذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾؛ أي: يأخذون حسناتهم، وتكون لهم اليَدُ العليا بما اجتهدوا، وبما عَمِلوا في دنياهم، فلا يقعد الإنسان ويرفع يديه إلى السّماء ويقول: يا ربّ أعطني، بل يرفع يديه بعد أن يعمل ويتعلّم، وبعد أن يبذل، وبذلك ينفع الإنسانُ نفسَه وغيره، وكلّما اتّسعت دائرة النّفع منك للنّاس كانت يدك هي العليا، وكان ثوابك وخَيْرك موصولاً بخير الآخرة، لذلك يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ»([1])، ومن هذه الآية أيضاً يتّضح لنا جانبٌ آخر، هو ثمرة من ثمرات الإحسان في الدّنيا، وهو الأمن، فمَنْ كان في الدّنيا مستقيماً ومتعلّماً وعاملاً ومثقّفاً، ويبذل كلّ ما بجهده، يعيش آمناً مطمئنّاً، حتّى إذا داهمه شرٌّ أو مكروهٌ تجده آمناً لا يخاف.

﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾: والخير في الآخرة من الله سبحانه وتعالى، والنّعيم فيها على قَدْر الـمُنعِم جل جلاله، من غير تعبٍ ولا كَدٍّ ولا عملٍ، ومعلومٌ أنّ عبارة: ﴿ قَالُوا خَيْرًا ﴾ الّتي فسَّرها الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾، تقابلها كلمة: (شرّ)، هذا الشّرّ هو ما جاء في قول الكافرين: ﴿ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [النّحل: من الآية 24]، فهؤلاء قالوا: خيراً، وأولئك قالوا: شرّاً، ولكن إذا قيل: ذلك خيرٌ من ذلك، فقد توفّر الخير في الاثنين، إلّا أنّ أحدهما زاد في الخيريّة عن الآخر، وهذا معنى قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ»([2])، لذلك لـمّا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾، قال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾؛ أي: خيرٌ من حسنة الدّنيا، فحسنة الدّنيا خير، وأخير منها حسنة الآخرة.

ويُنهي الحقّ سبحانه وتعالى الآية بقوله:

﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: دار الآخرة، نِعْم هذه الدّار، الّتي هي نعيمٌ مقيمٌ، ثمّ أراد الله سبحانه وتعالى أن يعطينا صورةً موجزةً عن دار المتّقين كأنّها برقيّة، فقال سبحانه وتعالى:

(([1] صحيح البخاريّ: كتاب المزارعة، باب فضل الزّرع والغرس إذا أُكِلَ منه، الحديث رقم (2320).

(([2] صحيح مسلم: كتاب القدر، باب في الأمر بالقوّة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير للّه، الحديث رقم (2664).

الآية رقم (31) - جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ

﴿ جَنَّاتُ ﴾: الجنّات: تعني البساتين الّتي بها الأشجار والأزهار والثّمار والخضرة، ممّا لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أذُنٌ سَمِعَت، ولا خطر على قلب بشر، ليس هذا فقط، فهذه الجنّة الّتي أرادها الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يتصوّرها بشرٌ، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الصّفّ: من الآية 12].

﴿ عَدْنٍ ﴾: أي: جنّات إقامة دائمة؛ لأنّ فيها كلّ ما يحتاجه الإنسان، فلا حاجة له إلى غيرها.

ويصف الحقّ سبحانه وتعالى هذه الجنّات فيقول:

﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾: وفي آيةٍ أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ﴾[التّوبة: من الآية 100]، ومعنى: ﴿ تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ﴾؛ أي: أنّها تجري تحتها، وربّما تأتي من مكانٍ آخر.

﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ﴾: ما يريدون وما يتمنّون، والمشيئة هنا ليست بإرادة الدّنيا ومشيئتها، وإنّما مشيئة بالمزاج الّذي يتناسب مع الآخرة ونعيمها.

﴿ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ﴾: هذه العطاءات والنّعم ودار النّعيم المقيم هي جزاء للمتّقين الّذين يجعلون بينهم وبين عذاب الله سبحانه وتعالى حاجزاً بالتّقوى وبالالتزام بما أمر به الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [الزّخرف: من الآية 71]، وقال صلى الله عليه وسلم: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»([1])، هكذا الجزاء الّذي يستحقّونه بما قدّموا في الدّنيا، وبما حرَمَوا منه أنفسهم من مُتَعٍ حرام، وقد جاء الآن وقْتُ الجزاء، وهو جزاءٌ أطول وأَدْوم؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الحاقّة].

([1]) صحيح مسلم: كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، الحديث رقم (2825).

الآية رقم (32) - الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾: المتّقون هم الّذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين، ومعنى: ﴿ تَتَوَفَّاهُمُ ﴾؛ أي: تأتي لقبْض أرواحهم، وهنا نَسَب المولى سبحانه وتعالى التّوفّي إلى جملة الملائكة، كأنّهم جنود مَلَك الموت، وقد سبق أنْ قُلْنا: إنّ الله سبحانه وتعالى ينسب التّوفّي مرّةً إلى الملائكة، ومرّةً إلى مَلك الموت، قال سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ [السّجدة: من الآية 11]، ومرّةً ينسبه إلى ذاته العليّة جل جلاله: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزّمر: من الآية 42]؛ ذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الآمر الأعلى، وعزرائيل مَلكُ الموت الأصيل، والملائكة هم جنوده الّذين يُنفّذون أوامره.

وقوله: ﴿ طَيِّبِينَ ﴾، تُقابل الآية السّابقة: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ﴾ [النّحل: من الآية 28]، والطّيّب هو الشّيء الّذي يوجد له خيرٌ دائمٌ لا ينقطع ولا ينقلب شرّاً، وهو الشّيء الّذي تستريح له النّفس، بشرط أن يكون مستمرّاً إلى خَيْرٍ منه، ولا يستمرّ إلى خَيْرٍ منه وأحسن إلّا طَيِّب القيم وطَيِّب الدّين، أمّا غير ذلك فهو طيّب موقوتٌ سرعان ما يُهجر، وعلى عكس هذه الحالة تماماً نرى أهل الشّقاوة، وما هُمْ عليه ساعةَ الغرغرة من سواد الوجه، وسُوء الخاتمة -والعياذ بالله-.

﴿ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ﴾: أي: حينما تتوفّاهم الملائكة -عليهم السّلام-يقولون لهم: سلام؛ لأنّكم خرجتم من الدّنيا بسلام، وستُقبِلون على الآخرة بسلام، فسلام الطّيّبين سلامٌ موصول من الدّنيا إلى الآخرة، سلامٌ مُترتِّب على سلامة دينكم في الدّنيا، وسلامة إقبالكم على الله عز وجل، من غير خوفٍ من العذاب في الآخرة.

وهنا سلامٌ آخر جاء في قول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزّمر]، ثمّ يأتي السّلام الأعلى عليهم من الله جل جلاله؛ لأنّ هذه السّلامات لهؤلاء الطّيّبين مأخوذةٌ من السّلام الأعلى: ﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾ [يس]، وهل هناك أفضل وأطيب من هذا السّلام الّذي جاء من الحقّ تبارك وتعالى مباشرةً؟! ولا بدّ أن نذكر هنا سلام أهل الأعراف على المؤمنين الطّيّبين وهم في الجنّة، ونحن نعلم أنّ أهل الأعراف هم قومٌ تساوتْ حسناتهم وسيّئاتهم فحُجِزوا على الأعراف، وهو مكانٌ بين الجنّة والنّار، والقسمة الطّبيعيّة تقتضي أنّ للميزان كفّتين ذكرهما الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ [القارعة]، هاتان حالتان للميزان، فأين حالة التّساوي بين الكفّتين؟! لقد جاءت في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ﴾  [الأعراف: من الآية 46]؛ أي: يعرفون أهل الجنّة وأهل النّار: ﴿ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ [الأعراف: من الآية 46]، فلأهل الجنّة سلامٌ من الملائكة -عليهم السّلام- عند الوفاة، وسلامٌ عندما يدخلون الجنّة، وسلامٌ أعلى من الله جل جلاله، وسلامٌ حتّى من أهل الأعراف المنشغلين بحالهم.

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾: أي: لأنّكم دفعتم الثّمن، والثّمن هو عملكم الصّالح في الدّنيا، واتّباعكم لمنهج الله سبحانه وتعالى، وقد يرى بعض النّاس تعارضاً بين هذه الآية وبين الحديث الشّريف: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَداً عَمَلُهُ الجَنَّةَ»، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ»([1])، والحقيقة أنّه لا يوجد تعارضٌ بينهما، ولكن كيف نُوفِّق بين الآية والحديث؟ نوفّق في الأمر بأنّ الله سبحانه وتعالى يُوحي لرسوله صلى الله عليه وسلم الحديث كما يُوحي له الآية، فكلاهما يصدر عن مِشْكاةٍ واحدةٍ ومصدرٍ واحدٍ، فعندما يُدخل الله سبحانه وتعالى النّاسَ الجنّة، هل يدخل الإنسان الجنّة بعمله إلّا من رحمة ربّه عز وجل؟ فلو أنّ الله سبحانه وتعالى لم يجعل جزاء العمل الجنّة، فهل يستطيع أحدٌ أن يجبره على ذلك؟! فبمجرّد أن جعل الجنّة جزاءً فهذا برحمته، وعندما يقول سبحانه وتعالى: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فهذا هو العدل، أمّا الفضل فهو أنّه جعل جزاء هذا العمل هو الجنّة، فتدخل الجنّة بفضل الله سبحانه وتعالى، وتدخلها بعملك الّذي جعل لك الجنّة جزاءً على هذا العمل برحمته، فهذا هو المعنى، وهذا هو التّوافق الّذي يجمع بين الآية وبين الحديث النّبويّ الشّريف.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب المرضى، باب تمنّي المريض الموت، الحديث رقم (5673).

الآية رقم (33) - هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

بعد أن عرضتْ الآيات جزاء المتّقين الّذين قالوا: خيراً، عادتْ لهؤلاء الّذين قالوا: ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ الّذين يُصادمون الإيمان بالله سبحانه وتعالى، ويقفون موقف العداء والكَيْد والتّربُّص والإيذاء.

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ : هذا استفهامٌ من الله جلّ وعلا لهؤلاء: ماذا تنتظرون بعد ما فعلتم بأمر الإيمان والدّعوة بعد أن صَدْدتُم النّاس عنها، ماذا تنتظرون؟ أتنتظرون أنْ تَرَوْا بأعينكم، أمامكم أمران سيَحُلَّان بكم لا محالة: إمّا أنْ تأتيكم الملائكة فتتوفّاكم، أو يأتي أمرُ ربِّك، وهو يوم القيامة، ولا ينجيكم إلّا أنْ تؤمنوا، أو أنّكم تنتظرون خيْراً؟ فلن يأتيكم خيرٌ أبداً، كما قال سبحانه وتعالى في آياتٍ أخرى: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾[النّحل: من الآية 1]، وقال عز وجل: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر: من الآية 1]، وقال جل جلاله: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ [الأنبياء: من الآية 1]، إنّما ينتظرون أحداثاً تأتي لهم بشَرٍّ: تأتيهم الملائكة لقبْض أرواحهم في حالةٍ هم بها ظالمون لأنفسهم، ثمّ يُلْقون السَّلَم رَغْماً عنهم، أو: تأتيهم الطّامّة الكبرى، وهي القيامة.

﴿ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾: أي: ممَّن كذَّب الرّسل -عليهم السّلام- قبلهم، يعني هذه مسألة معروفة عنهم من قبل.

﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾: أي: وما ظلمهم الله سبحانه وتعالى حين قدَّر أنْ يُجازيهم بكذا وكذا، وليس المراد هنا ظلمهم بالعذاب؛ لأنّ العذاب لم يحُلّ بهم بعد.

﴿ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾: فهم الّذين ظلموا أنفسهم بأنّهم قدّموا متعةً عاجلةً على نعيمٍ دائمٍ.

الآية رقم (34) - فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ

﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ﴾: أي: أنّهم لـمّا ظلموا أنفسهم أصابهم جزاء ذلك، وسُمِّي ما يُفعل بهم سيئة؛ لأنّ الحقّ سبحانه وتعالى يُسمّي جزاء السّيئة سيئة في قوله: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾[الشّورى: من الآية 40]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ [النّحل: من الآية 126]، وهذه تُسمّى: (المشاكلة)؛ أي: أنّ هذه من جنس هذه.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ مَا عَمِلُوا ﴾: العمل هو مُزَاولة أيِّ جارحة من الإنسان لمهمّتها، فكُلُّ جارحة لها مهمّة، الرِّجْل واليد والعَيْن والأُذن.. إلخ، فاللّسان مهمّته أن يقول، وبقيّة الجوارح مهمّتها أنْ تفعل، فاللّسان وحده أخذ النّصف، وباقي الجوارح أخذتْ النّصف الآخر؛ ذلك لأنّ حصائد الألسنة عليها المعوّل الأساسيّ، كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ»، أَوْ قَالَ: «عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!»([1]).

﴿ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾: بماذا استهزأ الكافرون؟ استهزؤوا بالبعث والحساب وما ينتظرهم من العذاب، فقالوا كما حكى القرآن الكريم: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴾ [الصّافّات]، فقال لهم الله سبحانه وتعالى: إنّكم لن تقدروا على هذا العذاب الّذي تستهزئون به.

﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أي: أحاط ونزل بهم، فلا يستطيعون منه فراراً، ولا يجدون عنه انفكاكاً، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾[البروج].

(([1] مسند الإمام أحمد بن حنبل: تتمّة مسند الأنصار، حديث معاذ بن جبل، الحديث رقم (22016).

الآية رقم (35) - وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾: نلاحظ أنّه ساعة أنْ يأتيَ الفعل نصّاً في مطلوبه لا يُذكر المتعلَّق به، فلم يَقُلْ: أشركوا بالله عز وجل؛ لأنّ ذلك معلومٌ، والإشراك معناه الإشراك بالله سبحانه وتعالى، لذلك قال سبحانه وتعالى هنا: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾.

ثمّ يورد الحقّ سبحانه وتعالى قولهم: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: إنّهم هنا يدافعون عن أنفسهم، وهذه هي الشّمّاعة الّتي يُعلّق عليها الكفّار خطاياهم، ويقولون: إنّ الله كتب علينا وقضى بكذا وكذا، فيقول المسرف على نفسه: لو شاء الله لم أعصه، ربُّنا هو الّذي أراد لي كذا، وهو الّذي يهدي، وهو الّذي يُضلّ، وهو الّذي جعلني أرتكب الذّنوب.. إلى آخر هذه المقولات الفارغة، فلماذا يعذّبني؟ وتعالوا نناقش صاحب هذه المقولات؛ لأنّ عنده تناقضاً عقليّاً، والقضيّة غير واضحة أمامه، ولكي نزيل عنه هذا الغموض نقول له: لماذا لم تقُل: إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أراد لي الطّاعة وكتبها عليَّ، فلماذا يُثيبني عليها؟ هكذا المقابل، فلماذا قُلْت بالأولى ولم تقُلْ بالثّانية؟! واضح أنّ الأولى تجرُّ عليك الشّرّ والعذاب، فوقفتْ في عقلك، أمّا الثّانية فتجرُّ عليك الخير، لذلك تغاضيت عن ذِكْرها، ونقول له: أنت حينما تعمل أعمالك، هل كلّها خير؟ أو كلّها شَرّ؟ أَمَا منها ما هو خير، ومنها ما هو شرّ؟ والإجابة هنا واضحة، فالإنسان فيه خيرٌ وفيه شرٌّ، لا أنت مطبوعٌ على الخير دائماً، ولا أنت مطبوعٌ على الشّرِّ دائماً، فأنت صالحٌ للخير، كما أنّك صالحٌ للشّرّ، فهناك فَرْقٌ بين أن يخلقك الله سبحانه وتعالى صالحاً للفعل وضِدّه، وبين أنْ يخلقك مقصوراً على الفعل لا ضدّه، ولـمّا خلقك الله سبحانه وتعالى صالحاً للخير وصالحاً للشّرّ أوضح لك منهجه وبيَّنَ لك الجزاء، فقال: اعمل الخير، والجزاء كذا، وإذا عملت الشّرّ، فالجزاء كذا، وهذا هو المنهج، فكيف يقول بعد ذلك: إنّ الله كتبه عليَّ؟!! هذا عجيبٌ، كأنّه قد اطَّلع على اللّوح المحفوظ، فوجد أنّ الله سبحانه وتعالى كتب عليه أن يشرب الخمر مثلاً أو أن يسرق فسرق؛ لأنّ الله عز وجل كتبها عليه، ولو أنّ الأمر هكذا لكنتَ طائعاً بالسّرقة، لكنّ الأمر خلاف ما تتصوّر، فأنت لا تعرف أنّها كُتِبت عليك إلّا بعد أنْ تفعلها، والفعل منك مسبوقٌ بالعزم على أنْ تفعلَ، فهل اطّلعتَ على اللّوح المحفوظ كي تعرف ما كتبه الله سبحانه وتعالى عليك؟ يجب أن ننتبه هنا ونعلم أنّ الله سبحانه وتعالى كتب أزلاً؛ لأنّه عَلِم أنّك تفعل أجلاً، وعِلْمُ الله سبحانه وتعالى مُطْلقٌ لا حدودَ له، ونضرب مثلاً -ولله المثل الأعلى- الوالد الّذي يلاحظ ولده في دراسته، فيجده مُهملاً غير مُجدٍّ، يتوقّع فشله في الامتحان، هل دخل الوالد مع ولده وجعله يكتب خطأً في الامتحان؟ لا، بل توقّع له الفشل لعلمه بحال ولده، وعدم استحقاقه للنّجاح، فالله سبحانه وتعالى كتب مُسبْقاً وأزلاً؛ لأنّه يعلم ما يفعله العبد أصلاً، وهناك صورةٌ أخرى، فعندما قال سبحانه وتعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: من الآية 144]، ثمّ قال سبحانه وتعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: من الآية 142]، مع أنّهم لم يكونوا قد قالوا بعد، فقد علم سبحانه وتعالى أزلاً، فهل أجبرهم على أن يقولوا: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: من الآية 142]؟ بالتّأكيد لا، فالإنسان يُحاسَب على اختياره وليس على علم الله عز وجل المسبق الأزليّ، وهذه الآية: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ ، تشرح وتُفسِّر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: من الآية 148]، فهنا: ﴿ وَقَالَ ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿ سَيَقُولُ ﴾؛ لنعلم أنّه لا يستطيع أحد معارضة قَوْل الله سبحانه وتعالى، أو تغيير حكمه.

﴿نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾: لماذا لم يتحدّث هؤلاء عن أنفسهم فقط؟ ما الحكمة من دفاعهم عن آبائهم هنا؟ الحكمة أنّهم سيحتاجون لهذه القضيّة فيما بعد، وسوف يجعلونها حُجَّة حينما يقولون: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزّخرف: من الآية 22]، فلا حُجَّة لهؤلاء الّذين يُعلِّقون إسرافهم على أنفسهم على شماعة القدر، وأنّ الله سبحانه وتعالى كتب عليهم المعصية، ونرى بعضهم حتّى من المسلمين مَنْ يتكلّم بهذا الكلام، ويميل إلى هذه الأباطيل، ومنهم مَنْ تأخذه الجَرْأة على الله عز وجل فيُشبِّه هذه القضيّة بقول الشّاعر:

أَلْقَاهُ في اليَمِّ مَكتُوفاً وَقَالَ لَهُ:      إيَّاكَ إيَّاكَ أنْ تبتلَّ بالماءِ

وما يفعل هذا إلّا ظالم!! تعالى الله وتنزَّه عن قَوْل الجُهَّال والكافرين، وأيضاً هناك مَنْ يقول: إنّ الإنسان هو الّذي خلق الفعل، ويعارضهم آخرون ويقولون: لا، بل رَبّنا سبحانه وتعالى هو الّذي يخلق الفِعْل.. ونقول لهم جميعاً: ليس هناك في الحقيقة خلافٌ، ونسأل: ما هو الفعل؟ الفعل توجيه جارحة لحدثٍ، فأنت حينما تُوجِّه جارحة لحدثٍ، ما الّذي فعلته أنت؟ هل أعطيتَ لليد مثلاً قوّة الحركة بذاتها؟ أم أنّ إرادتك هي الّتي وجَّهَتْ حركتها؟ والجارحة مخلوقةٌ لله سبحانه وتعالى، وكذلك الإرادة الّتي حكمتْ على الجارحة مخلوقةٌ لله عز وجل أيضاً، فما فعلته أنت ما هو إلّا أن وجَّهْتَ المخلوق لله سبحانه وتعالى إلى مَا لا يحبّ الله عز وجل في حالة المعصية، وإلى ما يحبّه الله جل جلاله في حالة الطّاعة، كذلك لا بُدَّ أن نلاحظ أنّ لله سبحانه وتعالى مرادات كونيّة ومرادات شرعيّة، فالمراد الكونيّ هو ما يكون فِعلاً، فكُلُّ ما تراه في الكون أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون، والمراد الشّرعيّ: هو طَلَبُ الشّيء وفرضه على الإنسان الّذي له حرّيّة الاختيار أن يفعل أو لا يفعل، قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: من الآية 29]، خلقك الله سبحانه وتعالى مختاراً تستطيع أن تتوجّه إلى الإيمان، أو تتوجّه إلى الكفر، فإذا كفرت، هل كفرتَ غَصْباً عنه وعلى غير مُراده سبحانه وتعالى؟ حاشا لله، فلأنّ الله سبحانه وتعالى أعطاك خياراً ومشيئة تختار فيها، لكن لا يحدث شيءٌ من غير إرادة الله عز وجل، وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مُراداً كونيّاً ومُراداً شرعيّاً، المراد الكونيّ أن خلق سبحانه وتعالى له الاختيار، والمراد الشّرعيّ أن يختار، فلا بُدَّ أن نُفرِّق بين المراد الكونيّ والمراد الشّرعيّ، ولذلك لـمّا حدثت ضجّة في الحرم المكّيّ منذ سنوات، وحدث فيه إطلاقٌ للنّار وترويع للآمنين، قال بعضهم: كيف يحدث هذا وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ [آل عمران: من الآية 97]، وها هو الحال قَتْل وإزعاج للآمنين فيه؟! والحقيقة أنّ هؤلاء خلطوا بين مراد كونيّ ومراد شرعيّ، فالمقصود بالآية: فَمْن دخله فأمِّنوه؛ أي: اجعلوه آمناً، فهذا مطلَب من الله سبحانه وتعالى، وهو مرادٌ شرعيٌّ قد يحدث وقد لا يحدث، أمّا المراد الكونيّ فلا يمكن إلّا أن يحدث.

ثمّ يقول سبحانه وتعالى على لسانهم:

﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: وقد ورد توضيح هذه الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾[المائدة].

﴿ ذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾: أي: هذه سُنَّة السّابقين المعاندين.

﴿عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: البلاغ: هو ما بين عباد الله سبحانه وتعالى وبين الله جل جلاله، وهو بلاغ الرّسل -عليهم السّلام-، والمراد به المنهج: (افعل أو لا تفعل)، ولا يقول الله سبحانه وتعالى لك ذلك إلّا وأنت قادرٌ على الفِعْل وقادرٌ على التَّرْك، لذلك نرى أنّ الله سبحانه وتعالى يرفع التّكليف عن الـمُكْره فلا يتعلّق به حكمٌ؛ لأنّه في حالة الإكراه قد يفعل ما لا يريده ولا يُحبّه، وكذلك المجنون والصّغير الّذي لم يبلغ التّعقّل، هؤلاء كُلُّهم لا يتعلّق بهم حكْمٌ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يضمن السّلامة لآلة التّرجيح في الاختيار، وهي العقل، وحينما يكون الإنسان محلَّ تكليفٍ عليه أنْ يجعلَ الفيصل في: ﴿عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، بلاغ المنهج بـ (افعل ولا تفعل)؛ لذلك استنكر القرآن الكريم على هؤلاء الّذين جاؤوا بقولٍ من عند أنفسهم دون رصيدٍ من الـمُبَلِّغ صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه وتعالى في حَقِّ هؤلاء: ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ [الزّخرف]، فأنكر عليهم سبحانه وتعالى ذلك، وسألهم: ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ﴾ [الزّخرف]، وخاطبهم سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ ﴾ [القلم].

﴿ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾: أي: لا بُدَّ أن يُبَلِّغ المكَلَّف، فإنْ حصل تقصيرٌ في ألَّا يُبَلَّغ المكلَّف يُنسَب التّقصير إلى أهل الدّين الحقّ، المنتسبين إليه، والـمُنَاط بهم تبليغ هذا المنهج لمنْ لَـمْ يصله، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في الحَثِّ على تبليغ دين الله عز وجل لمن لم يصِلْه الدّين، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»([1])، وقال صلى الله عليه وسلم: «نَضَرَّ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ثُمَّ بَلَّغَهَا، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»([2])، فعلى الإنسان أن يكون مصدر خيرٍ وناقل للخير والبيان عن الله سبحانه وتعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل، الحديث رقم (3461).

([2]) المعجم الأوسط للطّبرانيّ: باب الميم، من اسمه محمّد، الحديث رقم (5292).

الآية رقم (36) - وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾: يقول الحقّ سبحانه وتعالى هنا: ﴿ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ﴾، وفي آيةٍ أخرى يقول جل جلاله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النّحل: من الآية 84]، فهذه لها معنى، وهذه لها معنى، فقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ ؛ أي: من أنفسهم، منهم خرج، وبينهم تربَّى ودَرَج، يعرفون خِصَاله وصِدْقه ومكانته في قومه، أمّا قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾، فـ ﴿ فِي ﴾ هنا تُفيد الظّرفيّة؛ أي: في الأمّة كلّها، وهذه تفيد التّغلغل في جميع الأمّة، فلا يصل البلاغ منه إلى جماعةٍ دون أخرى، بل لا بُدَّ من عموم البلاغ للأمّة جميعها، وكذلك يقول سبحانه وتعالى مرّةً: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ [الحديد: من الآية 25]، ومرّةً أخرى يقول: ﴿بَعَثْنَا﴾ [النّحل: من الآية 36]، وهناك فرقٌ بين المعنيين فـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ تُفيد الإرسال، وهو: أن يتوسّط مُرْسَلٌ إلى مُرْسَل إليه، أمّا ﴿بَعَثْنَا﴾  فتُفيد وجود شيءٍ سابقٍ اندثر، ونريد بعثه من جديد، ولتوضيح هذه القضيّة نرجع إلى قصّة آدم عليه السلام، حيث عَلّمه الله سبحانه وتعالى الأسماء كلّها، ثمّ أهبطه من الجنّة إلى الأرض، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾  [البقرة: من الآية 38]، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: من الآية 123]، فهذا منهجٌ من الله سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام، والمفروض أن يُبلِّغ آدم عليه السلام هذا المنهج لأبنائه، والمفروض في أبنائه أن يُبلِّغوا هذا المنهج لأبنائهم.. وهكذا، إلّا أنّ الغفلة قد تستحوذ على المبلِّغ للمنهج، أو عدم رعاية المبلِّغ للمنهج، فتنطمس المناهج، ومن هنا يبعثها الله سبحانه وتعالى من جديد، فمسألة الرّسالات لا تأتي هكذا فجأة، بل هي موجودة منذ أوّل الخلق، فالرّسالات بَعْثٌ لمنهجٍ إلهيٍّ، كان يجب أنْ يظلَّ موجوداً في النّاس، يتناقله الأبناء عن الآباء، إلّا أنّ الغفلة قد تُصيب المبلِّغ فلا يُبلِّغ؛ لذلك يجدّد الله سبحانه وتعالى بعث الرّسل -عليهم السّلام-، وقد وردت آياتٌ كثيرة في هذا المعنى، مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: من الآية 24]، وقوله جل جلاله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام]، وقوله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: من الآية 15]، ومن هنا تأتي أهمّيّة وَضْع القوانين ونشرها في الصّحف والجرائد العامّة ليعلمها الجميع، فلا يصحّ أنْ نُعاقِبَ إنساناً على جريمةٍ هو لا يعلم أنّها جريمة، فلا بُدَّ من إبلاغه بها أوّلاً؛ ليعلم أنّ هذا العمل عقوبته كذا وكذا، ومن هنا تُقام عليه الحُجّة، وهذا من عدل الله سبحانه وتعالى. ونلاحظ أنّه قد يتعاصر الرّسولان، ألم يكُنْ إبراهيم ولوط عليه السلام متعاصريْن؟ ألم يكُنْ شعيب وموسى عليه السلام متعاصريْن؟ فما عِلَّة ذلك؟ نقول: لأنّ العالمَ كان قديماً على هيئة الانعزال، فكُلّ جماعة منعزلة في مكانها عن الأخرى لعدم وجود وسائل للمواصلات والاتّصالات، فكانت كلّ جماعة في أرض لا تدري بالأخرى، ولا تعلم عنها شيئاً، ولكُلِّ جماعة بيئتُها الخاصّة بما فيها من عادات وتقاليد ومُنكَرات، فهؤلاء يعبدون الأصنام، وهؤلاء يُطفِّفون الكيل والميزان، وهؤلاء يأتون الذّكْران دون النّساء.. فلكلّ بيئةٍ جريمة، ولا بُدَّ أن يرسل المولى سبحانه وتعالى الرّسل -عليهم السّلام- لمعالجة هذه الجرائم، كُلٌّ في بلدٍ على حِدَة، لكنّ رسالة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم كانت على موعدٍ مع التقاء الأمكنة ووجود وسائل المواصلات، لدرجة أنّ المعصية تحدث مثلاً في أمريكا فنعلم بها في اليوم نفسه، فأصبحتْ الأجواء والبيئات واحدة، ومن هنا كان منطقيّاً أن يُرْسلَ صلى الله عليه وسلم للنّاس كافّة، وللأزمنة كافّة، وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الشّموليّة بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: من الآية 28]؛ أي: للجميع لم يترك أحداً.

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: العبادة معناها التزامٌ بأمرٍ فيُفعل، ويُنهي عن أمرٍ فلا يُفعَل، هنا أقف قليلاً عند موضوع العبادة، فبعض النّاس يريد من العبادة أن تكون صلاةً وصياماً وحجّاً وزكاةً.. يريد أن تكون العبادة شعائر فقط، والحقيقة أنّ العبادة ليست شعائر فقط، بل هي طاعة لكلّ ما أمر الله سبحانه وتعالى به، ونهيٌ عن كلّ ما نهى الله عز وجل عنه، فلا يمكن أن تنحصر العبادة في ركيعات يؤدّيها الإنسان، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريات]، فهي ليست أداء الشّعائر فقط بدليل قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»([1])، ولم يقل: إنّ الإسلام هو الخمس.

﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: أطيعوا الله سبحانه وتعالى.

﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: فهنا أَمْرٌ بالعبادة ونَهْيٌ عن الطّاغوت، وهذا يُسمُّونه تَحْلِية وتَخْلِيةً، التّحلية في أنْ تعبدَ الله عز وجل، والتّخلية في أنْ تبتعدَ عن الشّيطان، وعلى هذين العنصرين تُبنَى قضيّة الإيمان، حيث نَفْي في: (أشهد أن لا إله)، وإثباتٌ في: (إلّا الله)، وكأنّ النّاطق بالشّهادة ينفي التّعدُّد، ويُثبت الوحدانيّة لله سبحانه وتعالى، وبهذا تكون قد خلَّيْتَ نفسك عن الشّرك، وحَلَّيْتَ نفسك بالوحدانيّة، ولذلك سيكون الجزاء عليها في الآخرة من جنس هذه التّخلية والتّحلية؛ ولذلك نجد في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ [آل عمران: من الآية 185]؛ أي: خُلِّي عن العذاب، ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ [آل عمران: من الآية 185]؛ أي: حُلِّي بالنّعيم، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾؛ أي: ابتعدوا عن الطّاغوت، فيكون المقابل لها: تقرَّبوا إلى الله سبحانه وتعالى، و ﴿ الطَّاغُوتَ ﴾ فيها مبالغةٌ تدلّ على مَنْ وصل الذِّرْوة في الطّغيان وزادَ فيه، وفَرْقٌ بين الحدث المجرَّد مثل: (طغى)، وبين المبالغة فيه مثل: (طاغوت)، وهو الّذي يَزيده الخضوعُ لباطله طُغْياناً على باطل أعلى، ونلاحظ في هذا اللّفظ: ﴿ الطَّاغُوتَ ﴾ أنّه لـمّا جمعَ كلَّ مبالغةٍ في الفعل يتأبَّى على المطاوعة، وكأنّه طاغوت في لفظه ومعناه، يدخل على المفرد والمثنّى والجمع، وعلى المذكّر والمؤنّث، فنقول: رجلٌ طاغوت، وامرأةٌ طاغوت، ورجلان طاغوت، وامرأتان طاغوت، ورجالٌ طاغوت، ونساءٌ طاغوت، وكأنّه طغى بلفظه على الصَّيغ جميعها، فالطّاغوت هو الّذي إذا ما خضع النّاس لِظُلمه ازداد ظلماً، ومنه قوله سبحانه وتعالى عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزّخرف: من الآية 54]، فقد وصل به الحال إلى أن ادّعى الألوهيّة، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: من الآية 38]، وقد وردت هذه الكلمة: ﴿الطَّاغُوتَ﴾ في القرآن الكريم ثماني مرّات، منها ستٌّ تصلح للتّذكير والتّأنيث، ومرّة وردتْ للمؤنّث في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزّمر: من الآية 17]، ومرّة وردتْ للمذكّر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النّساء: من الآية 60]، وفي اللّغة كلمات يستوي فيها المذكّر والمؤنّث، مثل قَوْل الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾  [الأعراف: من الآية 146]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ [يوسف: من الآية 108]، فكلمة: (سبيل) جاءت مرَّةً للمذكَّر، ومرَّةً للمؤنَّث.

﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾: وقد أخذ بعضهم هذه الآية على أنّها حُجَّة يقول من خلالها: إنّ الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، وليس لنا دَخْل في أنّنا غير مهتدين.. إلى آخر هذه المقولات، نقول: تعالَوا نقرأ القرآن الكريم، يقول سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [فصّلت: من الآية 17]، ولو كانت الهداية بالمعنى الّذي تقصدون لَمَا استحبُّوا العَمى وفضَّلوه، لكن (هديناهم) هنا بمعنى: دَلَلْناهم وأرشدناهم فقط، ولهم حَقّ الاختيار، وهم صالحون لهذه ولهذه، والدّلالة تأتي للمؤمن وللكافر، دلَّ الله سبحانه وتعالى الجميع، قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: من الآية 9]، فالّذي أقبل على الله سبحانه وتعالى بإيمانٍ به زاده هُدىً وآتاه تقواه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمّد]، ومن هذا ما يراه بعض النّاس تناقضاً بين قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: من الآية 56]، وقوله جل جلاله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشّورى: من الآية 52]، حيث نفى الله سبحانه وتعالى عن الرّسول صلى الله عليه وسلم الهداية في الأولى، وأثبتها له في الثّانية، ونلاحظ أنّ الحدث هنا واحدٌ وهو الهداية، والمتحدَّث عنه واحدٌ وهو الرّسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يُثبت حَدَثاً واحداً لـمُحْدِثٍ واحدٍ مرّةً، وينفيه عنه مرّةً؟! لا بُدَّ أن تكون الجهة مُنفكّة، ففي: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي ﴾[القصص: من الآية 56]؛ أي: لا تستطيع أنْ تُدخِل الإيمان في قلب مَنْ تحبّ، ولكن تدلُّ وترشد فقط، أمّا هداية الإيمان فبيد الله سبحانه وتعالى يهدي إليها مَنْ عنده استعدادٌ للإيمان، ويَصْرف عنها مَنْ أعرض عنه ورفضهُ، فالهداية تأتي بمعنيين: بمعنى الدّلالة والإرشاد كما في الآية السّابقة، وبمعنى المعونة وشَرْح الصّدر للإيمان، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: من الآية 56].

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ﴾: حقَّتْ: أي: أصبحتْ حقّاً له، ووجبتْ له بما قدَّم من أعمال، لا يستحقّ معها إلّا الضّلالة، فما حقَّتْ عليهم، وما وجبتْ لهم إلّا بما عملوا، وهذه كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: من الآية 144]، أيُّهما أسبق: عدم الهداية من الله عز وجل لهم، أم الظّلم منهم؟ واضح أنّ الظّلم حدث منهم أوّلاً، فسمَّاهم الله سبحانه وتعالى ظالمين، ثمّ كانت النّتيجة أنْ حُرموا الهداية.

﴿ الضَّلَالَةُ ﴾: مبالغة من الضّلال وكأنّها ضلالٌ كبير، ففيها تضخيمٌ للفعل، ومنها قوله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ [مريم: من الآية 75]، ثمّ يُقيم لنا الحقّ سبحانه وتعالى الدّليلَ على بَعْثة الرّسل -عليهم السّلام- في الأمم السّابقة لنتأكّد من إخباره سبحانه وتعالى:

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾: فهناك شواهدٌ وأدلّة تدلّ على وجود أناس كانت لهم حضارة اندكّتْ واندثرتْ، كما قال سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ﴾ [الصّافّات]، فأمر الله سبحانه وتعالى بالسّياحة في الأرض للنّظر والاعتبار بالأمم السّابقة، مثل: عاد وثمود وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم، والحقّ سبحانه وتعالى يقول هنا:

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾: وهل نحن نسير في الأرض، أم على الأرض؟ نحن نسير على الأرض، وكذلك كان فهْمُنا للآية الكريمة، لكنّ المتكلّم بالقرآن الكريم هو ربُّنا سبحانه وتعالى، وعطاؤه جل جلاله سيظلّ إلى أنْ تقومَ السّاعة، ومع الزّمن تتكشّف لنا الحقائق ويُثبت العلم صِدْق القرآن الكريم وإعجازه، فمنذ أعوام كنّا نظنُّ أنّ الأرض هي هذه اليابسة الّتي نعيش عليها، ثمّ أثبت لنا العلم أنّ الهواء المحيط بالأرض (الغلاف الجوّيّ) هو إكسير الحياة على الأرض، وهو جزءٌ من الأرض، ومن غيره لا تقوم عليها حياة، وبذلك نحن نسير في الأرض، كما نطق بذلك الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، وهناك مَلْحظٌ آخر في هذه الآية: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا ﴾، وفي آيةٍ أخرى يقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾ [الأنعام: من الآية 11]، ليس هذا مجرّد تفنُّن في العبارة، بل لكلٍّ منهما مدلول خاصّ، فالعطف بالفاء يُفيد التّرتيب مع التّعقيب؛ أي: يأتي النّظر بعد السَّيْر مباشرةً، أمّا في العطف بـ ﴿ ثُمَّ ﴾ فإنّها تُفيد التّرتيب مع التّراخي؛ أي: مرور وقت بين الحدثَيْن، وذلك كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴾ [عبس]، وقول الحقّ سبحانه وتعالى:

﴿فَانْظُرُوا﴾: فكأنّ الغرض من السَّيْر الاعتبار والاتّعاظ، ولا بُدَّ إذاً من وجود بقايا وأطلال تدلُّ على هؤلاء السّابقين المكذّبين، أصحاب الحضارات الّتي أصبحتْ أثراً بعد عَيْنٍ.

(([1] صحيح البخاريّ: كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النّبيّ ,: «بني الإسلام على خمس»، الحديث رقم (8).