الآية رقم (6) - يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا

﴿مَالًا﴾: ليس المقصود بالمال النّقد فقط، فكلّ شيءٍ يملكه الإنسان ويمكن تقويمه بالنّقد هو مالٌ، فالأرض مالٌ، والعقار مالٌ، والبستان مالٌ، والنّخيل مالٌ.

﴿لُّبَدًا﴾: هو الكثير المتراكب.

﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾؛ أي أنفقت مالاً كثيراً مُتراكباً بعضه فوق بعضٍ ملتصقاً بعضه ببعضٍ، كنايةً عن كثرته.

الآية رقم (7) - أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ

هل يظنّ هذا المغرور بقوّته المغترّ بماله أنّ أحداً لم يره، أو أنّ أحداً لن يراه وهو يصدّ عن سبيل الله سبحانه وتعالى، وينفق أمواله في الطّغيان والملذّات والحرام، أو هل يحسب أنّ الله سبحانه وتعالى لم يره ولم يطّلع على عمله، وأنّه ينفق في الصّدّ عن سبيله سبحانه وتعالى؟

الآية رقم (8-9) - أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ - وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ

هذه نِعمٌ ظاهرةٌ من الله سبحانه وتعالى لا يستطيع إنسانٌ إنكارها، فذكر سبحانه وتعالى العينين لحاسّة البصر، واللّسان والشّفتين للنّطق؛ أي جعلناك أيّها الإنسان بصيراً مُتكلّماً.

الآية رقم (10) - وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ

الله سبحانه وتعالى حين خلق الإنسان أوضح له طريق الهداية، وهي الهداية بالدّلالة العامّة الّتي تكون للنّاس كلّهم، وهي الدّلالة على طريق الخير.

﴿النَّجْدَيْنِ﴾: مثنى، مفرده: نجد؛ أي الطّريق المرتفع، وهو ما ارتفع من الأرض وأشرف، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أيّها النّاس، هلمّوا إلى الله عزَّ وجل، ما قلّ وكفى خيرٌ ممّا كثر وألهى، أيّها النّاس، إنّما هما نجدان، نجد الخير ونجد الشّرّ، فمن جعل نجد الشّرّ أحبّ إليه من نجد الخير -يعني: فقد هَلَك- أيّها النّاس، اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة»([1]). المعنى: بيّنّا لكم طريق الخير إضافةً إلى طريق الشّرّ لتجتنبوه.

 


([1]) مسند الشّهاب: ما قلّ وكفى خيرٌ ممّا كثر وألهى، الحديث رقم (1263).

الآية رقم (11) - فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ

﴿فَلَا﴾: بمعنى فهلّا، وهي للتّحضيض.

﴿اقْتَحَمَ﴾: الاقتحام: الرّمي بالنّفس في شيءٍ من غير رويّةٍ.

﴿الْعَقَبَةَ﴾: العقبة هي الطّريق الوعر في الجبل، والمراد بها هنا: مجاهدة النّفس، وقسرها على مخالفة هواها وشهواتها.

الآية رقم (12) - وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ

تعظيماً لها تبياناً لخطورة شأنها.

الآية رقم (13) - فَكُّ رَقَبَةٍ

﴿رَقَبَةٍ﴾: كلمة الرّقبة تطلق لغويّاً على أصل العنق، وليس على العنق ذاته، وتُطلَق الرّقبة ويراد بها الشّخص ذاته، واستخدمت لفظة الرّقبة لأنّ حياة الإنسان تُمتَلك من رقبته، وهو في الغالب يوثق منها.

﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: أي تخليصها من الرّقّ والعبوديّة، فيمكن لأصحاب البرّ شراء العبيد وإعتاقهم، وهذا أوّل لونٍ من ألوان تصفية الرّقّ في البشريّة، فالإسلام جاء ليُصفّي عبوديّة الإنسان لأخيه الإنسان، ويُلغي الرّقّ تدريجيّاً، فجعل من فكّ الرّقبة كفّارةً لبعض الذّنوب، وجعل من مصارف الزّكاة عتق العبيد، وقد وصف الحقّ سبحانه وتعالى  فك الرّقاب من العتق بأنّه اقتحام العقبة؛ أي اقتحام الذّنوب الّتي كالجبال لتتلاشى وتذوب، فمن أصاب ذنباً واستغفر ربّه وكفّر بصدقةٍ فإنّه يقتحم الذّنوب ويحطّمها.

الآية رقم (14) - أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ

﴿مَسْغَبَةٍ﴾: مجاعة؛ أي في يومٍ يكون فيه الطّعام عزيزاً.

الآية رقم (15) - يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ

يبدأ باليتيم الّذي بينك وبينه قرابةٌ، فإن لم يُوجَد فيتيمٌ من غير ذي القربة.

الآية رقم (16) - أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ

﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: الّذي ليس له مأوىً إلّا التّراب، لا يقيه شيءٌ دونه.

فالله سبحانه وتعالى يريد منك أن تكون مؤثّراً فعّالاً في مجتمعك لتقتحم عقبة الذّنوب ولا تترك سبيلاً للخير إلّا وتسلكه.

الآية رقم (17) - ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ

الحقّ سبحانه وتعالى يريد ممّن سلك سبيل الخير لاقتحام العقبة الّتي كانت تحجزه عن بلوغ الجنّة ألّا يقف عند هذا الحدّ، بل عليه أن يرتقي بنفسه في مراقي الإيمان ويُحسّن إسلامه، وأن يكون ضمن المجتمع المؤمن، الّذي تميّز عن بقيّة المجتمعات بالقيم والأخلاق، يتواصَى بالصّبر والمرحمة، وفي سورة (العصر) قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر]، أمّا هنا فقال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، والتّواصي أن تكون مرّةً موصِياً ومرّةً مُوصَىً، فحين لا يكون عندك ضعف الأغيار تكون موصِياً وعندما تضعف يوصَى لك، هكذا هو المجتمع المتساند الـمُتعاضد، وهنا في سورة (البلد) تواصٍ بالصّبر ثمّ تواصٍ بالمرحمة، كأنّ سورة (البلد) تكمّل ما في سورة (العصر) نتواصى بالصّبر على طاعة الله سبحانه وتعالى  وأمام البلاء والمصائب الّتي تعترضنا، فالصّبر هو نصف الإيمان.

الآية رقم (18) - أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ

﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾: أي أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة هم الّذين يُعطَون كتابهم يوم القيامة باليمين، وهم أهل اليُمن والبركة والخير.

الآية رقم (19) - وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ

أمّا الذين كفروا بآيات الله سبحانه وتعالى فهم أصحاب الشّمال الّذين يأخذون كتابهم يوم القيامة بشمالهم، فكانوا هم أهل الشّؤم والمعصية، وهم الّذين ظلموا غيرهم وأفسدوا المجتمعات وارتكبوا ظلماً أكبر بكفرهم.

الآية رقم (20) - عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ

﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾: مُطبقةٌ مُغلقةٌ، فأبواب النّار أُغلقت للأبد، فلا فرج ولا خروج منها.

الآية رقم (5) - أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ

ولكن أيّها الإنسان إن كنّا خلقناك على هذه الكيفيّة وكرّمناك وسوّيناك وسوّينا خلقك بما يحقّق لك عزّتك بين مخلوقاتنا جميعاً، فهل تحسب أن لن يقدر عليك أحدٌ؟ مشكلة الإنسان أنّه لا يعرف قدره ويعيش في وهمٍ، فهو يعتقد أنّه لا قدرة لأحدٍ عليه، وأنّ ماله وطغيانه وقوّته قادرةٌ على إنجائه، فهو مغرورٌ بقوّته، معتزٌّ بسلطانه وجاهه، مفتونٌ بنفسه، مُتشامِخٌ بذاته.

الآية رقم (1) - لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ

القَسَم يأتي بشكلٍ عامٍّ لتأكيد المعنى، لذلك يقول أحد الصّالحين: من أغضب الكريم حتّى ألجأه لئن يُقسِم، وقد يؤكّد الله سبحانه وتعالى القَسَم بذاته أو ببعض خلقه، وقد ينفي القَسَم، والعجيب أنّه يأتي بجواب القَسَم فيقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، وقد يقول قائلٌ: كيف يقول: لا أقسم، ثمّ يأتي بجواب القسم؟ الجواب: لقد جاء هنا بقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾، وكأنّه يوضّح سبحانه وتعالى أنّه في جانب الإنكار ما كان يصحّ أن أُقسم لكم، ولو كنت مُقسماً لأقسمت بالبلد.

﴿الْبَلَدِ﴾: مكّة وما حولها، وقد كانت مكاناً قاحلاً مهجوراً لا زرع فيها ولا ماء ولا أناس ولا نبات ولا أيّ شيءٍ، قال سبحانه وتعالى  على لسان سيّدنا إبراهيم عليه السَّلام: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم]، كانت أرضاً لا أمل في زراعتها بالمجهود الإنسانيّ، لكنّ سيّدنا إبراهيم عليه السَّلام  دعا ربّه جلّ وعلا، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: من الآية 126]،  طلب من الله سبحانه وتعالى شيئين اثنين؛ أن يجعل هذا المكان القاحل بلداً، وأن يجعله آمناً، وما يُميّز البلد عن غيره هو المساكن والمباني ووجود الحاجيات اللّازمة للإنسان، وهنا أقسم المولى سبحانه وتعالى  بهذا البلد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾ وهو تذكيرٌ لأهل مكّة بما كانت عليه عندما نزلها إبراهيم عليه السَّلام  والسّيدة هاجر ورضيعها إسماعيل، فهي لم تكن بلداً ولم تكن شيئاً مذكوراً، فهو يذكّرهم بهذه النّعمة، ومع ذلك يكفرون ويكذّبون ويصدّون عن سبيل الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (2) - وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ

﴿حِلٌّ﴾: حالٌّ مُقيمٌ فيه، وتأتي بمعنى حلال.

أقسم سبحانه وتعالى بالبلد الحرام، حال كونِ النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُقيماً فيه، إظهاراً لمزيد فضله، وإشعاراً بأنّ شرف المكان بشرف أهله.

الآية رقم (3) - وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ

أقسم سبحانه وتعالى بما خلقه من البشر منذ خلق آدم عليه السَّلام وذريّته إلى أن تقوم السّاعة، وقد فسّر بعض العلماء قوله: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ أي العاقر العقيم الّذي لا ولد له، لكنّنا نأخذ المعنى العامّ. فقد كان القَسَم بالوالد وما ولد بعد ذكر القسم بالبلد الّتي أصبحت بلداً بدعاء إبراهيم عليه السَّلام فأصبح فيها بشرٌ وخلقٌ كثير، فكأنّ الحقّ سبحانه وتعالى يمتنّ على أهل مكّة بأنّ بلدكم لم تكن بلداً بل أصبحت كذلك بدعاء الوالد إبراهيم عليه السَّلام.

الآية رقم (4) - لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ

حدّثنا الحقّ سبحانه وتعالى في آياتٍ كثيرةٍ عن خلق الإنسان المادّيّ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون]،  وقال أيضاً: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر]، وهنا في هذه الآية قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ تحدّث فيها عن طبيعة مهمّة الإنسان في الأرض، فهو يُكابد مصائب الدّنيا وشدائدها فلا تلقاه إلّا في المشقّة.

﴿كَبَدٍ﴾: الكبَد: شدّة الأمر.

والدّنيا دار مشقّاتٍ وكدٍّ وكبدٍ، والجنّة هي دار الرّاحة والنّعيم الدّائم.