الآية رقم (129) - فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: فإن استمعوا إلى هذه الحيثيّات وآمنوا فأهلاً بهم، وإن تولّوا ولم يسمعوا لهذه الحيثيّات ولم يدخل القرآن الكريم قلوبهم، فإيّاك يا محمّد أن تظنّ بأنّك منصورٌ بهم، إنّهم هم المنصورون بك؛ لأنّك منصورٌ بالله سبحانه وتعالى، فإن تولّوا عنك وأعرضوا عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى فقل: حسبي الله؛ أي لا أجعل في حسابي إلّا الله عز وجل، وأعلنها للنّاس كافّةً حتّى يسمعوها ويتعلّموها، ولعلّ في إعلانها وإعلانك يا محمّد لها ما يلفتهم إلى الحقيقة؛ لأنّك تتحدّث برصيد الإيمان وهو قولك: حسبي الله ونعم الوكيل، فلا إله غيره سبحانه وتعالى ولا ناصر ومعين غيره، ولا يستطيع أحدٌ أن يُعارِض أوامر الله سبحانه وتعالى، فرصيد ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إثباتٌ لوجود الله سبحانه وتعالى الواحد الأحد، فلن تجد إلّا الله سبحانه وتعالى، وما دام هو حسبك فسبحانه سوف يحميك وينصرك، والنّبيّ ﷺ يتوكّل على الله سبحانه وتعالى ويجعل الحمل عليه سبحانه، والتّوكّل هو أن تعمل الجوارح وتتوكّل القلوب، والكسالى هم الّذين يريدون أن يكون التّوكّل للجوارح وليس للقلوب.

﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: ما هو العرش؟ هو استتباب الـمُلك، وبما أنّ الله سبحانه وتعالى وصف العرش بأنّه عظيمٌ فالعظمة هنا على مقدار عظمة الله جلّ وعلا، فربّ الكون سبحانه وتعالى في عالم الملكوت يدبّر كلّ شيءٍ بكمال قدرته، وكلّ ما في الكون مُلكٌ لله سبحانه وتعالى.

﴿الْعَرْشِ﴾ : باللّغة هو السّقف، فحين تبني دوراً واحداً تصنع له سقفاً يحمي من الشّمس والمطر … إلخ، لكن عندما يقول الله سبحانه وتعالى:﴿الْعَرْشِ﴾ ؛ أي استواء الأمر، ويدخل فيه المقدور كلّه، لذلك العرش يعبّر عن الـمُلك، كما في قوله سبحانه وتعالى:﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ]النّمل[، هذا في الدّنيا فكيف بالعرش بالنّسبة إلى الله سبحانه وتعالى؟!

الآية رقم (119) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ

هذه الآية العظيمة تبيّن أهميّة الصّدق، وكما قال نبيّنا ﷺ: «إنّ الصّدق يهدي إلى البرّ وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرّجل ليصدق حتّى يكون صدّيقاً»([1])، وعندما يقول المولى سبحانه وتعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالأمر يتعلّق بالإيمان، وعلى المؤمن تطبيق ما يُطلب منه، وقوله Y للمؤمنين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ ؛ أي اجعلوا بينكم وبين غضب الله U وقايةً.

﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: أي كونوا من الصّادقين، لكن لماذا قال: مع؟ هنا﴿مَعَ﴾بمعنى (من)، والمقصود أن يعطي هذا القول معنىً إجماليّاً عامّاً، وهناك فرقٌ بين: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وبين: (كونوا من الصّادقين)، ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ أي التحموا بهم فتكونون في معيّتهم، بحيث تكون لُحمة الصّدق لبناء المجتمعات هي الأساس، فالصّدق هو تطابق النّسبة الكلاميّة مع الواقع، وهو الخلّة الّتي تجمع الإيمان كلّه، عندما سأل أبو الدّرداء النّبيَّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل يسرق المؤمن؟ قال: «قد يكون ذلك»، قال: فهل يزني المؤمن؟ قال: «بلى، وإن كَرِه أبو الدّرداء»، قال: هل يكذب المؤمن؟ قال: «إنّما يفتري الكذب من لا يؤمن»([2])؛ لأنّ مدخل الإيمان هو التّصديق بالقضيّة العقائديّة الجازمة، فالصّدق هو رأس الأمر كلّه.

كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: أي لا تقولوا كلاماً لا يُصادقه الواقع، وكذلك إيّاكم أن تقولوا كلاماً يُناقض أفعالكم، وهذا هو الكذب، قال سبحانه وتعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ]الصّف[، ويقول سبحانه وتعالى : ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾  ]البقرة: من الآية 177[،  هذه هي صفات الّذين صدقوا، وهذه الآية الّتي نحن بصددها تبيّن بشكلٍ قاطعٍ مكانة الصّدق بالنّسبة لدين الإسلام.

(([1] صحيح البخاريّ: كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﱣﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ  ﱩﱪﱢ، الحديث رقم (5743).

(([2] كنز العمّال: ج 3، ص 874، الحديث رقم (8994).

الآية رقم (120) - مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

الحديث هنا فيه رجوعٌ إلى الّذين تخلّفوا عن غزوة تبوك.

﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾: لأنّ هذا يُناقض الإيمان.

﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾: قولك: رغبت؛ أي أنّك ملت ميلاً قلبيّاً، أمّا إن قلت: رغبت في، فهو ميلٌ قلبيٌّ إلى ممارسة الفعل، وقولك: رغبت عن: فيه تجاوزٌ؛ أي أنّهم فضّلوا أمر نفوسهم على أمر رسول الله :، لذلك نجد سيّدنا عمر t لـمّا سمع أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من والده وولده والنّاس أجمعين»([1])، قال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيءٍ إلّا من نفسي، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا والّذي نفسي بيده، حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنّه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر»([2]).

﴿ظَمَأٌ﴾: عطشٌ، ونعلم أنّ الظّمأ قد أصاب جيش العسرة في هذه المعركة.

﴿وَلَا نَصَبٌ﴾: نصبٌ: تعبٌ، وقد كانت الغزوة في جوٍّ حارٍّ مرهق.

﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾: أي مجاعةٌ، فقد كانوا يأكلون التّمر حتّى ولو أصابه الدّود.

﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾: حيث كان للكفّار رقعةٌ من الأرض يتمركزون فيها، وحين يغير عليهم المؤمنون في تبوك ويزحزحونهم عن هذا المكان، ينزلون إلى الوديان والبساتين الّتي كان فيها الرّوم، ممّا يغيظ أهل الكفر والشّرك.

﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾: يأخذون من عدوٍّ منالاً؛ أي أن يقهروا العدوّ فيتراجع ويشعر بالخسران، وحينئذٍ يأخذون الجزاء الخيّر من الله تبارك وتعالى.

(([1] صحيح البخاريّ: كتاب الإيمان، باب حبّ الرّسول : من الإيمان، الحديث رقم (15).

(([2] صحيح البخاريّ: كتاب الأيمان والنّذور، باب كيف كانت يمين النّبيّ :، الحديث رقم (6257).

الآية رقم (121) - وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

كلّ شيءٍ محسوبٌ عند الله عز وجل، حتّى هؤلاء الّذين أنفقوا فالله سبحانه وتعالى  يعلم ماذا أنفقوا وسيجازيهم عليه، وهؤلاء الّذين ساروا في الطّريق الطّويل وقطعوا الوديان ليلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك سيكتب الله سبحانه وتعالى  لهم الخير.

الآية رقم (122) - وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

هذه الآية جاءت عقب آيات المتخلّفين عن غزوة تبوك مع رسول الله عليه الصّلاة والسّلام، لكن يبقى أمرٌ آخر هو ضرورة وجود من يحملون العلم بالإسلام، فإذا كان هناك من يضحّي بنفسه وينفق من ماله -وهذا دليل صدقٍ- فهذا لا يعني أبداً الاستغناء عن العلم وعن هؤلاء الّذين عليهم أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يوحي به الله سبحانه وتعالى، فهناك منهجٌ من الله U وهناك استقبالٌ لهذا المنهج من رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّلاً، ومن السّامعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثانياً؛ ليسيحوا به في البلاد، فكيف دخل الإسلام إلى شرق آسيا وإلى العالم كلّه؟! لقد كان ذلك من خلال أخلاقهم وتعاليم دينهم الّذي ينشر الفضائل والاستقامة.

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾: هو جحودٌ لهذه المسألة؛ أي ما كان يصحّ أن ينفر المسلمون﴿ كَافَّةً﴾ ؛ أي جميعاً دون أن يبقى منهم أحدٌ من أجل العلم، فالعلم هو أساسٌ، ولذلك أوّل ما نزل من القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى :  ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ]العلق[.

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾: لا يكفي أن يذهب النّاس إلى الجهاد فقط، بل لا بدّ أن يبقى بعضٌ منهم ليستمعوا إلى الوحي ويتفقّهوا، والرّسول الكريم كان في كثيرٍ من الغزوات والمعارك يبقى في المدينة.

﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾: يتعلّمون أحكام الدّين والأخلاق والاستقامة؛ لتكون إنذاراً للنّاس من ارتكاب المعاصي، فارتكاب المعاصي والمحرّمات هو إضرارٌ بالمجتمعات، فإذا تعلّم النّاس الاستقامة والأخلاق والإيمان والدّين، وتعلّموا عدم الكذب وعدم الغيبة وعدم السّرقة وعدم شرب الخمر وعدم لعب القمار وعدم السّطو وعدم الرّشوة… فسيصلح المجتمع، فالتّفقّه وفهم الدّين الحقيقيّ هو لمصلحة المجتمع، وليس كما حوّله الإرهابيّون والتّكفيريّون إلى أداةٍ لقتل النّاس وتشويه هذا الإسلام العظيم، فالدّين وتعاليمه والفقه فيه يجب أن يكون أساساً للسّير فيما يرضي الله سبحانه وتعالى  ويحقّق الخير للبشريّة جمعاء، فالتّفقّه هو سبب النّفرة، مثلما نبعث في أيّامنا بعثةً إلى أيّ بلدٍ متقدّمٍ لنأخذ بعلوم الحضارة.

وكلمة (الفقه) في اللّغة: تعني الفهم، أمّا اصطلاحاً: فتعني فهم أحكام الدّين الإسلاميّ الّذي يحدّد الصّواب والخطأ.

﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾: أي يتجنّبون ما يضرّهم.

الآية رقم (123) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾: أي العدوّ الأقرب منكم؛ أي بقتال العدوّ الأقرب على الإضرار بكم، وهنا لا بدّ من الشّدّة والجرأة والشّجاعة، لذلك قال سبحانه وتعالى:

﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾: لنفرّق بين أمرين، أمر الغلظة في أن تكون الحجّة قويّةً، وأمر الغلظة الّتي يتطلّبها قتال المعتدين من المشركين، فهذا أمرٌ ضروريٌّ، فالغلظة ليست صفةً دائمةً، بل فقط لردّ الاعتداء عن بلادكم؛ أي الغلظة بما يناسب الموقف؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى  قال للنّبيّ ﷺ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ]آل عمران: من الآية 159[، هذا هو الدّين الكامل، فردّ العدوان يتطلّب الشّدّة.

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: بما أنّك اتّقيت الله سبحانه وتعالى ، فإنّك أدخلت نفسك في معيّته عز وجل.

الآية رقم (124) - وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ﴾: تحدّثنا عدّة مرّاتٍ أنّ القرآن الكريم يقول مرّةً: ﴿أَنْزَلَ﴾، ومرّةً:﴿أُنْزِلَ﴾، ومرّةً:﴿نَزَّلَ﴾، فالقرآن الكريم نزل من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، ثمّ نزّله الحقّ سبحانه وتعالى  نجوماً، فالتّنزيل معناه موالاة النّزول لأجزاء القرآن الكريم، فالقرآن قد أُنزل كلّه من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، ثمّ بعد ذلك نزل به جبريل u على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمعت الآية تنزيل الحقّ للقرآن الكريم من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، ثمّ نزول جبريل u بالقرآن الكريم على رسول الله : عندما قال سبحانه وتعالى :﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ]الإسراء: من الآية 105[، وفي سورةٍ أخرى قال سبحانه وتعالى :﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ]الشّعراء[.

﴿سُورَةٌ﴾: السّورة: هي طائفةٌ من القرآن الكريم مسوّرةٌ بسورٍ خاصٍّ أوّله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وتأتي بعده سورةٌ أخرى، تبدأ بقول الحقّ سبحانه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، مأخوذةٌ من السّور الّذي يحدّد المكان، والمقصود هو نزول أجزاءٍ من القرآن الكريم الّذي كان ينزل على رسول الله عليه الصّلاة والسّلام مُنَجّماً.

﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾: المقصود هنا هو المنافقون الّذين رجعوا عن الإيمان.

﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾: القرآن الكريم حقٌّ، وهو من عند الله سبحانه وتعالى ، وله فاعليّةٌ إشراقيّةٌ في صفاء النّفس، قد سمعه الكفّار من قبل، وشهدوا له، أمّا المؤمن فحين يسمعه فإنّه يستبشر، لكن حين يستقبل القرآن الكريم إنسانٌ يحمل في قلبه كراهيةً له فلن يتأثّر، وذلك مثلما قابل بعض المنافقين القرآن الكريم، وقالوا: لن نتأثّر به، هذا الهمس يأتي بلهجة المستهزئ، والقائل لم يزده سماعه للقرآن الكريم شيئاً، وهو يهمس لمنافقٍ مثله، أو لضعيف الإيمان،﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾؟ فيردّ الله سبحانه وتعالى  على القضيّة النّفسيّة، ويعلّمنا أنّه سبحانه وتعالى  قد قسّم لنا قسمين:

الأوّل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.

الثّاني: هم المذكورون في الآية الآتية:

الآية رقم (125) - وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ

﴿رِجْسًا﴾: الرّجس هو الشّيء المستقذر، وتكون القذارة حسيّةً ومعنويّةً، فالميتة مثلاً قذارتها حسيّةٌ؛ لأنّها ماتت ودمها محبوسٌ فيها، أمّا المعنويّة فهم يزدادون رجساً على رجسهم، ويصبح الكفر مركّباً عندهم.

الآية رقم (126) - أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ

كلّ عامٍ هناك مصائب وفضائح للمنافقين، وهنا يذكّرهم الحقّ سبحانه وتعالى  بأنّ رسول الله ﷺ يصفّيهم في كلّ عامٍ؛ أي يقول: هؤلاء مؤمنون وهؤلاء منافقون، بدليل أنّه عند موت المنافق كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يصلّي عليه وذلك بعد أن أمره الله سبحانه وتعالى  بقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ]التّوبة[.

﴿يُفْتَنُونَ﴾:الأصل في الفتنة أنّها امتحانٌ واختبارٌ، والاختبار ليس مذموماً، لكنّ المولى سبحانه وتعالى يبيّن أنّه كان لا بدّ أن يتوبوا أو يتّعظوا ويعلموا أن وقوفهم ضدّ الإسلام لم ولن يحجب الإسلام أبداً، فلماذا لا يتذكّر كلٌّ منهم نفسه، ويرى أنّ مصلحته الدّنيويّة والأخرويّة في الإيمان؟

الآية رقم (127) - وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون

إنّ هؤلاء المنافقين يشعرون بالضّيق والحصار، ويخافون أن يتكلّموا لوجودهم مع المسلمين، ولكنّهم لا يُعدِمون وسيلةً للتّعبير عن إشراكهم، فيغمز الواحد منهم بعينه، أو يشير إشارةً بيده، فإذا كانوا قد تساءلوا من قبل: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ فقد كان سؤالاً يتعلّق بالتّكاليف، أمّا في هذه الآية فليس فيها تكاليف جديدةٌ، بل كانوا يريدون أن يقولوا شيئاً، ولكنّهم لم يستطيعوا التّكلّم بأفواههم فتكلّموا بأعينهم ونظراتهم، فكأنّ النّظر نفسه كان فيه هذه العبارة: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ فما أجمل التّعبير القرآنيّ، أحياناً انفعالات وجه الإنسان هي الّتي تعطي الإجابة وعدم الرّضا.

﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾: دليلٌ على أنّهم في خوفٍ من أن يضبطهم أحدٌ، وبعد ذلك يتسلّلون خارج دائرة الاستماع للقرآن الكريم أو الرّسول الكريم، فهم لا يستطيعون الاستماع إلى منطق الحقّ؛ لأنّه يلجم الباطل، والواحد منهم غير قادرٍ على الإعلان بأنّه كافرٌ، فينسحب وينصرف كلّ واحدٍ منهم، لذلك نجد أنّ بعضهم قد قال من قبل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ]فصّلت: من الآية 26[، وذلك نتيجةً لانصرافهم نفسيّاً إلى النّفاق، فيساعدهم سبحانه وتعالى على ذلك، فما داموا لا يعرفون قيمة الإيمان فليذهبوا بعيداً عنه.

﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: يقول الحقّ سبحانه وتعالى  ذلك؛ لأنّهم انصرفوا عن الإيمان، والله سبحانه وتعالى  هو مصرّف القلوب، فلا يقولنّ قائلٌ: ما ذنبهم والله سبحانه وتعالى هو مصرّف القلوب؟ الجواب: لقد انصرفوا، فصرف الله سبحانه وتعالى  قلوبهم.

﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أي لا يفهمون، والفهم أوّل مرحلةٍ من مراحل الذّات الإنسانيّة، هناك فرقٌ بين الفهم والعلم، فالفهم هو امتلاك قدرةٍ على تفهّم ذاتيّة الأشياء لِـمَلَكةٍ في الشّخص، لكنّ العلم أنّك قد لا تفهم بذاتك، وإنّما يُفهمك غيرك ويُعلّمك، فأنت قد تعلم جزئيّةً لا من عندك ولكن من معلّمٍ لك، لكن قد يقول قائلٌ: ما داموا لا يفهمون ما ذنبهم؟ نقول: الّذي لا يفهم عليه أن يتقبّل التّعليم، لكنّ هؤلاء لم يفهموا ولم يتعلّموا، بل وأصرّوا على عدم قبول العلم.

الآية رقم (128) - لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾: نسب الله سبحانه وتعالى المجيء إلى رسول الله ﷺ، ولم يقل: (جئتكم برسول)، فكلمة رسولٍ تدلّ على أنّه ليس من عنده، وإنّما من عند الله سبحانه وتعالى، كلمة ﴿جَاءَكُمْ﴾ تدلّ أنّ الشّحنة الإيمانيّة جعلت لذاته عملاً، فهو صلى الله عليه وسلم يعشق الرّسالة والصّدق والخير.

﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: ليس غريباً عنكم، وإنّما واحدٌ منكم، قادرٌ على التّفاهم معكم، وقوله سبحانه وتعالى :﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ له معانٍ متعدّدة، فيمكن أن تكون من جنسكم، وهناك قراءةٌ: (من أَنفَسِكم)، ومن معانيها أنّه عربيٌّ؛ أي من جنس العرب، هنا يجب أن ننوّه إلى أنّه لا يمكن الفصل بين العروبة والإسلام، فالقرآن عربيٌّ والنّبيّ عربيٌّ والتّعبّد عربيٌّ والصّلاة تكون بالعربيّة، فلا يعتقدنّ أحدٌ بأنّه يستطيع أن يفصل بين العروبة والإسلام.

لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم تعلمون تاريخه، وتعلمون أنّه أهلٌ لتحمّل أمانة السّماء للأرض، كما تحمّل أماناتكم في الأرض، رسولٌ من أنفسِكم ومن أنفسَكم مرسلٌ من الله سبحانه وتعالى.

﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾: لا يريد أن يشقّ عليكم، فهو : يعزّ عليه ما يتعبكم وما يعنتكم.

كلمة عزيزٍ؛ أي يعزّ عليه، والشّيء العزيز؛ أي نادر الوجود، والمراد هنا: مشقّةٌ، أو أن يعنتكم بحكمٍ، فقلبه ﷺ رحيمٌ بكم، فهو لا يأتي لكم بالأحكام لكي يشقّ عليكم، بل تتنزّل الأحكام من الله سبحانه وتعالى  لمصلحتكم، لذلك يقول الرّسول الكريم: «إنّما مثلي ومثل النّاس كمثل رجلٍ استوقد ناراً، فلمّا أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدّوابّ الّتي تقع في النّار يقعن فيها، فجعل ينزعهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذٌ بحجزكم عن النّار وأنتم تقحمون فيها»([1]).

﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: الرّأفة والرّحمة قد تلتقيان في المعنى العامّ، ولكنّ هناك أموراً تسلب مضرّةً، وأموراً تجلب منافعَ، وسلب المضرّات مقدّمٌ على جلب المصالح والمنافع، فحين نواجه عملاً يضرّ وعملاً ينفع نقوم بدرء ما يضرّ قبل أن ننجز العمل النّافع، لذلك فهو : رؤوفٌ رحيمٌ، فالرّأفة سلب ما يضرّ من الابتلاء والمشقّة، والرّحيم هو الّذي يجلب ما ينفع من النّعيم والارتقاء، يقول سبحانه وتعالى :﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ]النّحل: من الآية 7[.

(([1] صحيح البخاريّ: كتاب الرّقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، الحديث رقم (6118). ينزعهنّ: يدفعهنّ ويمنعهنّ، فيقتحمن: يهجمن ويرمين بأنفسهنّ، آخذٌ: أمسك بشدّة، بحجزكم: جمع حجزة، وهي معقد الإزار، وهو كنايةٌ عن حرصه: على منع أمّته عن الإتيان بالمعاصي الّتي تؤدّي بهم إلى الدّخول في النّار، وأنتم تقحمون: أصلها تتقحمون فحذفت إحدى التّائين تخفيفاً. وفي رواية: «وهم يقتحمون».

الآية رقم (118) - وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الثّلاثة هم: كعب بن مالك وهلال بن أميّة ومرارة بن الرّبيع، قد تخلّفوا عن غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذرٌ في التّخلّف، فكلّ واحدٍ منهم كان يملك راحلته وعنده مالٌ، وعنده من النّفقة ما يكفيه، وقد قصّ علينا أحدهم فيما روت كتب السّيرة بأنّه لم يكن لهم عذرٌ فقال: ما كنت في يومٍ من الأيّام أقدر على المال والرّاحلة منّي في تلك الغزوة؛ أي غزوة تبوك، فكنت أقول: أتجهّز غداً ويأتي الغد ولا أتجهّز حتّى انفصل الرّكب، فقلت: ألحق بهم، ولم ألحق بهم.

﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: نعود للآيات السّابقة: (وآخرون مرجون لأمر الله) بما أنّه قد تأخّر الحكم فيهم، فلا بدّ من الانتظار، وهؤلاء الثّلاثة ضاقت عليهم الأرض وحاصرهم المجتمع، فلم يجد أحدٌ منهم مكاناً يذهب إليه، فالكرب قد أحاط بهم من كلّ جانبٍ.

﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: فقد تخلّف الثّلاثة عن الغزوة لا لعذرٍ، وإنّما لمجرّد الكسل والتّواني والتّخلّف عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر : بمقاطعتهم، فكان كعب بن مالك يخرج إلى السّوق فلا يكلّمه أحدٌ، ويذهب إلى أقربائه فلا يكلّمه أحدٌ، ويتسوّر على الحائط لعلّهم ينظرون إليه، وكذلك هلال بن أميّة فعل الشّيء ذاته، لكنّ المجتمع حاصرهم لمدّة خمسين يوماً إلى أن أنزل الله سبحانه وتعالى  توبتهم، وفي ذلك تمحيصٌ لهم.

﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾: فلا يجير إلّا الله سبحانه وتعالى ، وهو جل جلاله يجير من نفسه، فلا منجا ولا ملجأ منه إلّا إليه، فكأنّ الله سبحانه وتعالى  يقول: لا سلطان لأحدٍ غيره، فأنت تلجأ منه إليه ليحميك من صفات جلاله: القويّ القادر المقتدر .. إلخ.

﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾: شرع التّوبة من أجل أن يتوبوا؛ أي أن يرجعوا ويعودوا إلى ما كانوا عليه قبل المعصية.

 ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: فلا توّاب ولا رحيم سوى الله سبحانه وتعالى ، ويجب أن نبيّن أمراً مهمّاً، بأنّه عندما يقول المولى سبحانه وتعالى :﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾هل تاب عليهم ثمّ أعطى الأمر ليتوبوا؟ (تاب عليهم)؛ أي شرع لهم التّوبة وبما أنّه فتح لهم باب التّوبة ليتوبوا، فتتحقّق المغفرة والرّحمة.

﴿التَّوَّابُ﴾: توّاب صيغة مبالغةٍ، جاء حبيب بن الحارث إلى رسول الله عليه الصّلاة والسّلام فقال: يا رسول الله، إنّي رجل مِقرافٌ، قال: «فتُب إلى الله يا حبيب»، قال: يا رسول الله، إنّي أتوب ثمّ أعود، قال: «فكلّما أذنبت فتب»، قال: يا رسول الله، إذاً تكثر ذنوبي، قال: «عفو الله أكبر من ذنوبك يا حبيب بن الحارث»([1])، ورحمة الله سبحانه وتعالى  سبقت غضبه، ووسعت كلّ شيءٍ، وهو الغفور الرّحيم التّوّاب، هذه رحمة ديننا الإسلاميّ العظيم.

(([1] مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد: ج 10، الحديث رقم (17531)، ومِقراف: صيغة مبالغة من قارف: يُقال: قارف الخطيئة: أي خالطها.

الآية رقم (103) - خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾: الصّدقة هنا ليست الزّكاة، قال سبحانه وتعالى :﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ]الذّاريات[، فعندما يقول سبحانه وتعالى : ﴿حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ فهذه صدقةٌ، أمّا عندما يقول﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ]المعارج[، فهذه زكاةٌ، هنا صدقةٌ للتّكفير عن أفعالهم، والمال في الحقيقة لله سبحانه وتعالى ، وليس ملكاً للإنسان، لكنّ الله U عندما يطمئن الإنسان إلى حركته في الحياة يقول له: إنّ هذا المال هو مالك.

﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: تطهّرهم من الرّجس، وتزكّيهم لتطهير ما قاموا به من تخلّفٍ عن رسول الله : عند ذهابه إلى غزوة تبوك.

﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أي ادع لهم؛ لأنّ الصّلاة في اللّغة هي الدّعاء.

﴿ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾: دعاء النّبيّ ﷺ سيكون سكناً؛ أي اطمئناناً.

﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: لم يقل: (غفورٌ رحيمٌ)؛ لأنّ صدر الآية يختلف عن صدر الآية السّابقة الّتي فيها﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، بينما هنا يقول سبحانه وتعالى  للنّبيّ ﷺ: خذ من أموالهم صدقةً لتطهيرهم وتزكيتهم، وادعُ لهم، فالله سبحانه وتعالى  سميعٌ وعليمٌ بما في قلوبهم.

الآية رقم (104) - أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: الهمزة استفهاميّة، لم: حرف نفي، والاستفهام مع النّفي يدلّ على الإثبات؛ أي يجب أن يعلموا أنّ الله سبحانه وتعالى  يقبل التّوبة عن عباده، وأنّه سبحانه وتعالى  هو التّواب الرّحيم.

﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾: هل ﴿هُوَ﴾ هنا زائدةٌ؟ الجواب: لا يوجد في كتاب الله سبحانه وتعالى حرفٌ واحدٌ زائدٌ، فكلّ شيءٍ في القرآن الكريم له ميزانٌ دقيقٌ وعظيمٌ.

لماذا أكّد وقال: ﴿هُوَ﴾ ؟ الله سبحانه وتعالى  قال حكايةً عن سيّدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ]الشّعراء[، فهل قال بعدها: (والّذي هو يميتني)؟ الجواب: لا، إنّما قال سبحانه وتعالى :﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ]الشّعراء[، ما السّبب؟ كلّ أمرٍ يعتقد النّاس أنّهم يشتركون فيه مع الله جل جلاله فإنّه جلّ وعلا يؤكّد فيه على وحدانيّته مثال: عندما تقول:﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ أنت تعتقد أنّك خُلِقت من الأمّ والأب، فيجب التّأكيد على أنّ الخالق هو الله سبحانه وتعالى  وليس الأمّ والأب،﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ تعتقد أنّ الرّزق والعمل والمال هي مصدر طعامك فيجب التّأكيد على أنّ الله سبحانه وتعالى  هو الرزّاق الكريم،﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ تعتقد أنّ الدّواء أو الطّبيب هو الّذي يشفي:

إنَّ الطّبيبَ لهُ علمٌ يُدِلُّ بِه
حتّى إذا مــا انتهت أيّامُ رحلتِه                     .
  إن كان للمرءِ في الأيّامِ تأخيرُ
حـارَ الطّبيبُ وخانتـــــــــه العقـاقيرُ
.

أمّا عند قوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لم يأت بـ: ﴿هُوَ﴾؛ لأنّه لم يقل أحدٌ: إنّه يُميت، والقتل يختلف عن الموت، فهو هدمٌ للبنية، وقد سبق تفسيره في سورة (آل عمران) عند قوله سبحانه وتعالى :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ]آل عمران: من الآية 144[، فالموت شيءٌ والقتل شيءٌ آخر، فلا يُميت ولا يحيي إلّا الله سبحانه وتعالى ؛ لذلك ليس هناك من حاجةٍ لـ: ﴿هُوَ﴾ .

والله سبحانه وتعالى  هو الّذي يقبل التّوبة، وليس رسول الله ﷺ.

﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾: لماذا قال: ﴿عَنْ﴾ وليس: (من عباده)؟ هذه دقّة القرآن الكريم وأسراره، قال سبحانه وتعالى :﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ ]النّساء[،  والفارق بين كلام الله سبحانه وتعالى  وكلام النّاس كالفارق بين فضل الله عز وجل وبين النّاس، كما قال :: «فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه»([1])، فمعنى: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾؛ أي أنّه يتجاوز عن عقوبتهم ويعفو عنهم، فهو من باب تضمين فعلٍ دلالةَ فعلٍ آخر.

﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾: الله سبحانه وتعالى  هو الآخذ للصّدقات والمثيب عليها، لذلك قال النّبيّ ﷺ : «ثَلاثَةٌ أقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا،…»([2])؛ لأنّك عندما تتعامل مع خلق الله فإنّك تُعامل الله عز وجل.

﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: يبيّن الله سبحانه وتعالى  بأنّه توّابٌ، وتوّابٌ تتناسب مع الإنسان الّذي يُخطئ ويعود، وممّا روته السيّدة عائشة رضي الله عنها قالت: جاء حبيب بن الحارث إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّي رجل مِقرافٌ، قال: «فتُب إلى الله يا حبيب»، قال: يا رسول الله، إنّي أتوب ثمّ أعود، قال: «فكلّما أذنبت فتب»، قال: يا رسول الله، إذنْ تكثرْ ذنوبي، قال: «عفو الله أكبر من ذنوبك يا حبيب بن الحارث»([3]).

([1]) سنن الدّارميّ: كتاب فضائل القرآن، باب فضل كلام الله على سائر الكلام، الحديث رقم (3357).

([2]) مسند البزّار: المجلّد الأوّل، مسند عبد الرّحمن بن عوف، الحديث رقم (1032).

(([3] مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد: ج 10، الحديث رقم (17531)، ومِقراف: صيغة مبالغة من قارف: يُقال: قارف الخطيئة: أي خالطها.

الآية رقم (105) - وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾: ديننا دين عملٍ وعلمٍ، والإيمان يحتاج إلى ترجمته بأخلاقٍ وأعمالٍ.

﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: عندما قال: ﴿فَسَيَرَى﴾ السّين للمستقبل، فتح أمامهم باب عملٍ، فالتّوبة تحتاج إلى الاعتراف بالذّنب وعدم الإصرار عليه، وتبديل العمل السّيّء بعملٍ صالحٍ، فقول الله سبحانه وتعالى :﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ ؛ أي أنّ الله سبحانه وتعالى  سيثيبكم على عملكم، أمّا بالنّسبة إلى رسول الله ﷺ والمؤمنين؛ فلأنّهم يحتاجون في المجتمع إلى أن يروا الأعمال الصّالحة كترجمانٍ للإيمان الّذي جاء به النّبيّ ﷺ، ودعوة النّبيّ ﷺ هي دعوة الخير للغير، وهي دعوة المحبّة والرّحمة والعطاء واليُسر، وليست دعوة التّشديد والعُسر والإيذاء للنّاس، والنّبيّ ﷺ يقول: «ما آمن بي من بات شبعانَ وجاره جائعٌ إلى جنبه وهو يعلم به»([1])، وغيره الكثير من الأحاديث والآيات. فالاتّهامات الّتي تُلصَق بالإسلام إنّما تُلصَق زوراً وبهتاناً والإسلام منها بريء.

﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: بما أنّه عالم الغيب فحتماً سيكون عالم الشّهادة، قلنا سابقاً: هناك غيبٌ مطلقٌ لا يعلمه إلّا الله سبحانه وتعالى ، وهناك غيبٌ نسبيٌّ قد يعلمه بعض النّاس ويخفى عن بعضٍ، وعندما يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ فإنّه يؤكّد للنّاس بأنّه مطَّلعٌ على عالم الشّهادة كما هو مطَّلعٌ على عالم الغيب.

﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: عالم الغيب هو العالم الّذي سيكون عَقِب وفاة الإنسان والانتقال إلى حياة البرزخ، ومن ثمّ إلى الحياة الآخرة، والعمل كما قلنا: هو أساسٌ بالنّسبة إلى المسلم، وتعاليم الإسلام ليست ثقافةً ولا ترداداً لعباراتٍ وشعاراتٍ وكلماتٍ، وإنّما هي عقيدةٌ راسخةٌ معقودةٌ في القلب، فهي تحتاج إلى تصديقٍ بعملٍ، كما قال النّبيّ ﷺ: «الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل»([2]).

([1]) المعجم الكبير للطّبرانيّ: باب الألف، أنس بن مالك الأنصاريّ، الحديث رقم (751).

([2]) مصنّف ابن أبي شيبة: كتاب الإيمان والرّؤيا، باب منه، الحديث رقم (30351).

الآية رقم (106) - وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

المقصود في هذه الآية الثّلاثة الّذين سيخصّهم القرآن الكريم بآياتٍ أخرى.

﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾: قُرِئت: مُرجَون أو مُرجَؤون، والإرجاء هو التّأخير؛ أي أنّ الحكم فيهم لم يظهر بعد.

﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾: لبيان حكم الله سبحانه وتعالى  فيهم؛ لأنّه عز وجل أراد أن يبيّن للنّاس أمراً لحكمةٍ، فكونك تأخذ المجرم وتعزله عن المجتمع وتحبسه في مكانٍ فهذا جائزٌ، لكنّ النّكال في أن تدعه طليقاً وتسجن المجتمع عنه، وهكذا تتجلّى عظمة الإيمان، لذلك أصدر : أمراً بأن يقاطع النّاس هؤلاء الثّلاثة، فلا يكلّمهم ولا يسأل عنهم أحدٌ حتّى من الأقرباء، ولا يختلط بهم أحدٌ في السّوق أو المسجد، والتّشكيك هنا بأنّهم مرجون لأمر الله سبحانه وتعالى  لم يبتّ فيهم بحكمٍ أو يبيّن هذا الحكم، هل هو عفوٌ أو عقوبةٌ؟ وعندما يريد سبحانه وتعالى  أن يعذِّب أو أن يبيّن حكم العذاب، فإنّه يبيّن معه دائماً حكم التّوبة، وكان الحكم فيما يتعلّق بهذا الأمر على قسمَين؛ قومٌ عجّل الله سبحانه وتعالى  الحكم فيهم، وقومٌ آخرون ترك أمرهم ليصفّيه تصفيةً تؤدّي إلى التّربية في المجتمع بشكلٍ عامٍّ من موضوع النّفاق، وقد استمرّت هذه المسألة أكثر من خمسين يوماً ليتأدّبوا الأدب الّذي يتأدّب معه المجتمع بمجمله، وبعد ذلك نزلت الآيات المتعلّقة بالتّوبة عليهم، وهنا ترك المولى سبحانه وتعالى  هذا الأمر فقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، الحكم بالنّسبة لله جلّ وعلا مبتوتٌ، لكنّه سبحانه وتعالى  أراد أن يؤخّر بيان الحكم المتعلّق بهم تربيّةً للمجتمع، وحتّى يكونوا قد تابوا توبةً نصوحةً، وقد قبل الله سبحانه وتعالى  منهم هذه التّوبة، وهو سبحانه وتعالى  يفعل ما يشاء، ويتوب على من يشاء، ويُعذِّب من يشاء.

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: عليمٌ بمن يستحقّ أن يتوب عليه، وبمن يستحقّ أن يعذّبه، وهو حكيمٌ يضع الأمور في نصابها.

كان المولى سبحانه وتعالى  في الآيات الّتي سبقت يفضح المنافقين الّذين لعبوا دوراً خطراً في المجتمع الإيمانيّ، وخصوصاً عقِب غزوة تبوك وما يتعلّق بها، فقد كان لها أثرٌ بالغٌ في النّفوس؛ لأنّها فضحت كثيراً من المنافقين قال جل جلاله:﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ وهذه الغزوة كانت أوّل لقاءٍ يجري على حدود المدينة بين المسلمين والرّوم الّذين حشدوا جيوشهم على حاضرة المدينة المنوّرة، وخرج النّبيّ ﷺ مع كبار الصّحابة لردّ عدوانهم، فلم يكن عليه الصّلاة والسّلام معتدياً في يومٍ من الأيّام، وإنّما كان يدفع العدوان في أيّ موقعةٍ أو غزوةٍ تمّت عبر تاريخه فقد أُرسل رحمةً وعطاءً وخيراً للعالمين.

الآية رقم (107) - وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

هنا يقصّ علينا القرآن الكريم حالاً من أحوال المنافقين، وقد ذكر الحقّ سبحانه وتعالى  أشياء كثيرةً عنهم، كقوله سبحانه وتعالى :﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾،﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾،﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾،﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾: المسجد: بالمعنى الخاصّ هو المكان الّذي يُحيّز للسّجود والصّلاة ويتّجه باتّجاه القبلة، حيث يقطتع النّاس قطعةً معيّنةً فتُحجز، ولا يُقام فيها إلّا العبادة والصّلاة وقراءة القرآن الكريم، ولا يُباشر فيها الإنسان أيّ شيءٍ من أمور الدّنيا، ونذكر أنّ رجلاً نشد ضالّته في المسجد فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: لا ردّ الله عليك ضالّتك»([1])؛ لأنّها أمرٌ دنيويٌّ، أمّا المعنى العامّ للمسجد: فالأرض كلّها جُعِلَت مسجداً وطهوراً، فأيّ مكانٍ نُصلّي فيه يُعَدُّ مسجداً لنا.

فما هي قصّة مسجد ضرار؟ من المعلوم أنّ أوّل مسجدٍ أُسّس على الإيمان هو مسجد قِباء الّذي بناه بنو عمرو بن عوف، وذلك عندما دخل النّبيّ ﷺ إلى المدينة بعد الهجرة، فأراد المنافقون أن ينفّسوا عن أنفسهم في صورة طاعةٍ؛ ليحاربوا المؤمنين فبنوا مسجداً ضراراً، وقد بناه بنو غنم بن عوف الّذين أرادوا أن ينافسوا مسجد قِباء في هذا الأمر، وأرادوا به تفريق جماعة المسلمين من حول النّبيّ : فتصلّي جماعةٌ هنا وجماعةٌ هناك، ويصلّي المنافقون فيه فيكيدون للنّبيّ ﷺ كما يشاؤون.

وبعد أن بنوا المسجد طلبوا من رسول الله ﷺ أن يصلّي معهم فيه أثناء خروجه لغزوة تبوك، فاعتذر ﷺ وأوضح لهم أنّهم في حالٍ لا يسمح بذلك، وإن شاء الله عند العودة من الغزوة سيصلّي فيه، وبعد عودته ﷺ من غزوة تبوك حاولوا أن يستوفوه وعده ويطلبوا منه الصّلاة فيه، فإذا بجبريل u ينزل بهذه الآيات الّتي توضّح حكاية هذا المسجد، وكيف أنّه مسجدٌ ضرارٌ، فالله سبحانه وتعالى  يعلم النّيّات.

﴿ضِرَارًا﴾: من المضارّة، ليضارّوا المسلمين.

﴿وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: كلّ ما يفتّ جماعة المسلمين من حول النّبيّ ﷺ هو أمرٌ ضارٌّ بمصلحة الإسلام، فالإسلام يُبنى على الوحدة والتّعاضد والتّكاتف، قال ﷺ: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى»([2])، فالدّين يوحّد ولا يفرّق، ولا يجوز أن تطفو الخلافات في الفروع على الوحدة في الأصول وفي مقاصد الدّين، كما لا يجوز أن يكون الدّين سبباً في التّحوّل إلى أحزابٍ وتفرّقاتٍ، وإنّما يجب أن تكون مقاصد الدّين هي الجامعة للنّاس جميعاً، ونستنتج من هذه الآية أنّ وحدة النّاس أمرٌ أساسيٌّ، قال سبحانه وتعالى :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ]آل عمران[، وجعل لنا صلاة الجمعة ليجتمع النّاس جميعاً.

﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾: الإرصاد هو التّرقّب، لذلك يُقال: لقد استقرّ القوم في مكانٍ ما لرصد فلان؛ أي أنّهم أناسٌ يترقّبون مجيئه بمكانٍ ليفتكوا به، هذا هو ترقّب الكراهية لا ترقّب الحبّ، والّذين أقاموا هذا المسجد أرصدوه مترقّبين ومنتظرين إنساناً له سابقةٌ في عداء رسول الله ﷺ، ومَن طلب إقامة هذا المسجد هو أبو عامر الرّاهب الّذي سمّاه رسول الله ﷺ الفاسق، وأبو عامرٍ هذا قد عادى رسولَ الله ﷺ حتّى قال له في أُحُد: ما رأيت قوماً يقاتلونك يا محمّد إلّا قاتلتك معهم، وحين تمكّن النّبيّ ﷺ في المدينة فرّ إلى مكّة، ولـمّا فُتِحَت مكّة فرّ إلى الطّائف، ولم يجد له وطناً فذهب إلى الرّوم بالشّام ثمّ كتب للمنافقين: أن أعدّوا مسجداً لأنّني سآتي لكم بقوّةٍ من ملك الرّوم لمهاجمة محمّد ومحاربته وإخراجه من المدينة، فبنوا ذلك المسجد ضراراً وكفراً وتفريقاً وإرصاداً؛ أي ترقّباً لمجيء هذا الرّجل الّذي سيأتي بجنود الرّوم لمحاربة رسول الله ﷺ، وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يصلّي لهم فيه، ولكن بعد أن كُشِف الأمر أرسل رسول الله ﷺ مالك بن الدّخشم ومعن بن عدي وعامر بن السّكن ووحشيّاً قاتل حمزة لهدم هذا المسجد، تحقيقاً لأمر القرآن الكريم: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ ، وبذلك فضح النّبيّ ﷺ النّفاق، وطمأن الله سبحانه وتعالى  رسولَه ﷺ وكُبتت فكرتهم في بناء مسجدٍ مقابل مسجد قِباء.

﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾: يحلفون كذباً ويشكّكون، والقرآن الكريم فضحهم في ذلك وأخبر عنهم، وقد مرّت معنا آياتٌ كثيرةٌ تبيّن كذبهم، وهنا جاء الحقّ سبحانه وتعالى  بلام القطع: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ ، وهم قالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجداً لذي الحاجة والعلّة واللّيلة المطيرة، هذا معنى قولهم: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ ، ولكنّ حكم الله U ينزل فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.

([1]) المعجم الكبير للطّبرانيّ: باب العين، عصمة بن مالك الخطمى، الحديث رقم (14168).

([2]) صحيح مسلم: كتاب البرّ والصّلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، الحديث رقم (2586).

الآية رقم (108) - لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ

﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾: نهيٌ من المولى سبحانه وتعالى ، فلا يمكن أن يكون هذا المسجد قائماً، ولا أن تُقام فيه صلاةٌ.

﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾: المراد به مسجد قِباء، فالمسألة ليست في بناء المسجد، ولكنّها فيمن يدخل المسجد ويعمره، لذلك يجب أن نهتمّ ببناء السّاجد قبل المساجد، فالمسجد الأوّل أسّس على التّقوى وفيه أناسٌ يحبّون أن يتطهّروا، أمّا مسجد ضرار فقد أقامه المنافقون الّذين يحبّون أن يتقذّروا ويتنجّسوا، والطّهارة هنا هي الطّهارة المعنويّة والحسّـيّة.

الآية رقم (109) - أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

﴿أَفَمَنْ﴾: استفهامٌ، وكأنّه يقول كيف تساوون بين مسجدٍ أُسّس على التّقوى من أوّل يومٍ ومسجدٍ اتُّخِذَ للضّرار والكفر ولتفريق المسلمين وإرصاداً لمن حارب الله سبحانه وتعالى  ورسوله ﷺ؟ فهما لا يستويان أبداً.

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾: بنيان هي مصدر بنى، تُطلق على الشّيء المبني مثال: نقول: هذا بنيانٌ فرعونيٌّ… إلخ.

﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾: ثلاث كلماتٍ: ﴿شَفَا﴾،﴿جُرُفٍ﴾،﴿هَارٍ﴾.

﴿شَفَا﴾: مأخوذٌ من الشّف، والشّفا: حرف الشّيء وطرفه.

﴿جُرُفٍ﴾: يُقال للمكان الّذي يأكله السّيل فيجرفه؛ أي يذهب به: جرف.

﴿هَارٍ﴾: المتصدّع المشرف على السّقوط.

نذكر قول الحقّ سبحانه وتعالى :﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ ]آل عمران: من الآية 103[.

﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: لا يهديهم؛ لأنّهم ظلموا، وليس لأنّ الهداية ممنوعةٌ عنهم، فالهداية للنّاس جميعاً وهي هداية الدّلالة، لكنّ الّذي يظلم ويفسق ويكفر، فقد حجب الهداية عن نفسه.

الآية رقم (110) - لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾: البنيان: هو مسجد ضرار، أرادوا به ضرّاً وكفراً وتفريقاً وإرصاداً لمن حارب الله سبحانه وتعالى  ورسوله، وقد كشف الحقُّ تبارك وتعالى الأمرَ لرسوله عليه أفضل الصّلاة والسّلام، وبيّن له وللمؤمنين ما كانوا يخطِّطونه، وعندما جاء الأمر للنّبيّ : بألّا يقم فيه، أرسل صحابته ليهدموه.

﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾: فبعد أن هدم رسول الله ﷺ البنيان وذهب أمْرُ هذا المسجد، بقي أمْرُ هذا البنيان موضع شكٍّ في نفوسهم، وصاروا يتوجّسون أن يُنزِل بهم رسول الله ﷺ العقاب ويصيبهم بسوءٍ، ولا سبيل لذهاب هذا الشّكّ من قلوبهم إلّا أن تقطّع تلك القلوب بالموت، فالشّكّ والرّيبة محلّها القلب، وهو العضو الثّاني في استبقاء الحياة بعد المخّ، فما دامت خلايا المخّ سليمةً فمن الممكن أن تعود الحياة إلى الإنسان ولكن برتابةٍ، أمّا القلب فحين يتوقّف فإنّ الأطبّاء يحاولون أن يعيدوا له الحركة بوسيلةٍ ما، وقد يفلحون بذلك مادامت خلايا المخّ سليمةً، وفي القرآن الكريم نرى أنّ القلب هو محلّ الاعتقاد، يقول سبحانه وتعالى :﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ]الحجّ: من الآية 46[، والمعتقدات تنشأ من المحسوسات، وتتكوّن في الفؤاد لتصير عقائد ولا تعود للمناقشة من جديدٍ، فالعقل يبدأ ويناقش المسائل والبدائل والمعطيات والمقدّمات كلّها، وعندما ينتهي العقل، ويحسم الأمر، ويقترن بالفكرة، تستقرّ في القلب، فتصبح عقيدةً يُعقَد عليها، لذلك تُسمّى عقيدةً، وهنا يوضّح الحقّ سبحانه وتعالى  أنّ هذا البنيان سيظلّ أثره في قلوبهم ولن ينتهي إلّا بشيءٍ واحدٍ وهو أن تقطّع قلوبهم، والقلوب لا تتقطّع إلّا بالموت، وكأنّ الشّكّ من هذا البنيان سيظلّ يلاحقهم إلى أن يموتوا.

أو: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ أي تتقطّع أسفاً وحزناً على ما فعلوه، ومن هنا يتبيّن لنا أمرٌ مهمٌّ، فالآيات جاءت لتبيّن للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين بأنّ وظيفة ورسالة المسجد هي رسالة الخير للغير، هي رسالة العطاء، ورسالة الرّحمة، وليست رسالة التّآمر والكره، لذلك قال سبحانه وتعالى :﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ﴾ ]النّور[، وقال U:﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ]الجنّ[، فلا يجوز استغلال المسجد لغير ما أُمر به، وهو عبادة الله سبحانه وتعالى  وذكره جل جلاله فيه، فعندما يُستغلّ المسجد لأمرٍ دنيويٍّ وللتّآمر والتّفريق وإحداث شرخٍ في المجتمع فإنّ الحكم كما ورد في القرآن الكريم بأنّه يكون مسجد ضرارٍ قال سبحانه وتعالى :﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فلا يجوز في أيّ حالٍ من الأحوال أن يكون المسجد أداة تفريقٍ بين المؤمنين، فهو يجمع النّاس، ورسالته هي رسالة المساواة والخير، فالنّاس جميعاً متساوون فيه كأسنان المشط، يدخل الأمير والمأمور، والغنيّ والفقير، والرّجل والمرأة، لا مكانة لأحدٍ في المسجد إلّا بقربه من ربّه سبحانه وتعالى ، وهنا تظهر الوحدة المجتمعيّة، وقد قال سبحانه وتعالى في بعض الكتب: «إنّ بيوتي في أرضي المساجد، وإنّ زواري فيها عمّارها، فطوبى لعبد تطهّر في بيته ثمّ زارني في بيتي، فحقّ على المزور أن يُكرم زائره»([1])، وما حدث في مسجد ضرار الّذي بناه المنافقون إرصاداً وتفريقاً وكفراً هو أمرٌ مقصورٌ عليه بحدّ ذاته، وهي حالةٌ خاصّةٌ تُحدّ ولا تُعَمّم، فلا نقول: إنّ المساجد كلّها هكذا، ونعمّم الأمر، فأكبر الأخطاء من التّعميم، وهذه الآيات تُعطي الصّورة الحقيقيّة بأنّ الإسلام لا يقبل بحالٍ من الأحوال أن يكون المسجد لغير الله سبحانه وتعالى ، وأن يكون مُنطَلَقاً للتّآمر على خلقه سبحانه وتعالى، أو أن يكون من أجل تفريقهم، وإنّما تكون المساجد للخير، والنّاس فيها يستمعون إلى كلام الله سبحانه وتعالى ، ويتعبّدونه، ويطهّرون قلوبهم ونفوسهم وأرواحهم، ومكانة المسجد مرتبطةٌ بحبّنا لإسلامنا وديننا، وتعاليم الإسلام هي عقيدةٌ راسخةٌ في نفوس المؤمنين به، وليست ثقافةً عابرةً أو ترداداً لكلماتٍ وشعاراتٍ كما حاول بعضهم تصويرها، وإنّ من أخطر المظاهر أن يتحوّل الإسلام إلى عباراتٍ وألفاظٍ وشعاراتٍ وشعائر فقط وتُهمل المقاصد، بل يجب الرّبط بين الشّعائر والمقاصد، فالصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعندما يتحدّث المولى تبارك وتعالى ويبيّن لنا واقع مسجدٍ واحدٍ بُني ليفرّق بين النّاس، قال للنّبيّ عليه أفضل الصّلاة والسّلام: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾؛ أي أعطى رسالةً إلى رسوله ﷺ بأنّ هذا المسجد يجب أن يُهدم، ليكون درساً للمسلمين كلّهم.

([1]) فيض القدير: حرف الهمزة، الحديث رقم (2258).