الآية رقم (17) - وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى

الآخرة فيها الخلود والنّعيم المقيم، ولا يخلّد إنسانٌ في هذه الدّنيا، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزّمر]، فهل يُعقَل أن تُؤْثِر ما هو فانٍ على ما هو باقٍ؟ الجواب: لا، فالآخرة خيرٌ وأبقى، لا يوجد فيها منغِّصاتٌ، بينما الحياة الدّنيا فيها منغِّصاتٌ؛ فقدانٌ، مرضٌ، وفاةٌ، حزنٌ، آلامٌ.

الآية رقم (18) - إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى

الصّحف السّابقة كلّها عقائد وإشاراتٌ وعطاءاتٌ من المولى سبحانه وتعالى لخلقه، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ جاء في الصّحف السّابقة كلّها، وقد ذكر سبحانه وتعالى منها:

الآية رقم (19) - صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى

صحف سيّدنا إبراهيم وموسى عليهما السّلام فيها المواعظ والحِكَم وذكر الله سبحانه وتعالى وعدم الطّمع في الحياة الدّنيا، فمن سعادة الإنسان في الدّنيا أن يؤمن بأنّ الآخرة خَيرٌ وأبقى، هذه الجملة الحقيقة في ختام سورة الأعلى تعطي حلّاً ومفتاحاً للطّمأنينة والسّكينة والسّعادة، فإن ظُلِم الإنسان أو تَعِبَ أو مَرضَ أو فَقَدَ عزيزاً يعلم أنّ الآخرة خيرٌ وأبقى، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة]، وهذا ما جاء في الرّسالات السّماويّة كلّها، لذلك أكّد عليها المولى سبحانه وتعالى .

الآية رقم (14) - قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى

﴿تَزَكَّى﴾: التّزكية: النّماء والطّهارة.

الآية رقم (15) - وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى

﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾: ذِكْر الله سبحانه وتعالى طاردٌ لهواجس الإنسان وللشّيطان، وهو عمدةُ العبادات كلّها، فإذا ذُكر الله سبحانه وتعالى خنس الشّيطان، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: من الآية 200]، ويقول جلَّ جلاله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ﴾ [النّساء: من الآية 103]، فَذِكْر الله سبحانه وتعالى  هو أن تكون معه سبحانه وتعالى  ولا تنساه، وليس ترديد كلماتٍ وعباراتٍ باللّسان فقط، فلا بدّ من أن يتحرّك القلب ويشعر برقابة الله سبحانه وتعالى ، وبحبّه وعطائه وِنعَمه، وبخشيته عزَّ وجل.

﴿فَصَلَّى﴾: قيل: المراد هنا صلاة العيد، لكنّنا نأخذ المعنى العامّ وهو الصّلاة مطلقاً، وهي الصّلاة المفروضة علينا الّتي فيها السّجود والرّكوع والقيام والقراءة.

الآية رقم (16) - بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

﴿بَلْ﴾: للإضراب.

﴿تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: مشكلة النّاس أنّهم يعلمون أنّ الحياة الدّنيا مرحلةٌ زمنيّةٌ ويعلمون أنّهم ميّتون ومع ذلك يقدّمونها على الآخرة، ويختارون نعيمها المنغَّص الزَّائل على الآخرة، لذلك كان سيّدنا الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يقول: “ارتحلت الدّنيا مدبرةً والآخرة مقبلةً، ولكلّ واحدةٍ منهما بنونٌ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا، فإنّ اليوم عملٌ ولا حسابٌ، وغداً حسابٌ ولا عملٌ”([1]).

 


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الرّقاق، باب في الأمل وطوله.

الآية رقم (1) - سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى

الـمُخاطَب هو سيّدنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم وكلّ من يتّبعه.

﴿سَبِّحِ﴾: أي نزّه الله سبحانه وتعالى ، وذلك بنفي النّظير عنه في الأفعال والأقوال والصّفات، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشّورى: من الآية 11]،  عندما نقرأ آيات التّسبيح نجد أنّه سبحانه وتعالى  مُسبَّحٌ أزلاً؛ أي مُنَزَّهٌ قبل أن يُخْلَق من يسبّح له، فالتّنزيه والتّسبيح ثابتٌ له قبل وجود الـمُسَبِّحين، وتسبيحنا لله سبحانه وتعالى لا يعود عليه بفائدةٍ جلّ وعلا، إنّما نحن المستفيدون من التّسبيح، وجاءت مادّة (سبّح) في القرآن الكريم مرّةً في الماضي: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾  [الحديد]، ومرّةً في المضارع: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة]، فالتّسبيح ثابتٌ لله سبحانه وتعالى  أزلاً وشائعٌ في جنبات هذا الكون في كلّ زمانٍ، في الماضي والحاضر والمستقبل، فالكلّ يسبّح وينزّه الله سبحانه وتعالى، ﴿وإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: من الآية 44]، وقد بيّنا سابقاً أنّ الآية الكريمة: ﴿لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ

الآية رقم (2) - الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى

﴿فَسَوَّى﴾: أي خلق خلقاً سوّاه وأبدعه في أجمل صورةٍ وعلى غير مثالٍ سابق، قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: من الآية 3]، ولنا أن ننظر إلى التّقدير والحكمة في عمليّة الإنبات مثلاً.

الآية رقم (3) - وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى

﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾: مثال: عمليّة الإنبات، فحين نضع الحبّة في التّربة ونرويها فإنّها تنفلق إلى نصفين، ويخرج منها جذرٌ يتّجه إلى الأسفل وبرعمٌ دقيقٌ يتّجه إلى الأعلى، ويظلّ الجذر يتغذّى من الفلقتين ففيها القوت الذّاتيّ حتّى يصبح قادراً على امتصاص غذائه من التّربة، وعندما يصبح نباتاً كاملاً فإنّه يمتصّ العناصر الّتي يحتاجها دون غيرها، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرّعد]، فالقرآن الكريم خاطب العقول فقال: ﴿يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ فأتى بالماء؛ لأنّه المذيب للعناصر كلّها، ولكن مَن الّذي ألهم النّبات أن يمتصّ هذا العنصر ويترك هذا؟  وهل له عقلٌ يفكّر به ويختار؟

الآية رقم (4) - وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى

﴿الْمَرْعَى﴾: هو كلّ نباتٍ يستفيد منه الإنسان أو البهائم.

الآية رقم (5) - فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى

﴿غُثَاءً﴾: هشيماً يابساً تذروه الرّياح.

﴿أَحْوَى﴾: أسود بعد الخُضْرَة، وذلك أنّ الكلأ إذا يَبِس اسودّ.

والإشارة إلى حياة النّبات هنا توحي من طرفٍ خفيٍّ بأنّ كلّ نَبتٍ إلى حصادٍ، وأنّ كلّ حيٍّ إلى نهاية.

الآية رقم (6) - سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى

﴿فَلَا تَنْسَى﴾: الكلام هنا خبرٌ وليس نهياً، والنّفس البشريّة لها أغيارٌ قد تُنسِيها بعض الأمور في هذه الحياة الدّنيا، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾، فالنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم ينسَ أيّ آيةٍ من الآيات الّتي نزلت عليه.

الآية رقم (7) - إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى

﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: كلّ شيءٍ خاضعٌ للمشيئة الإلهيّة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ [الكهف].

﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾: الجهر: هو ما يعلنه النّاس.

﴿وَمَا يَخْفَى﴾: ما يخفيه النّاس من أقوالهم وأفعالهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه]، السّرّ: يكون بين اثنين، أمّا الأخفى: فهو الّذي يكون داخل قلب الإنسان.

الآية رقم (8) - وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى

ديننا دين يُسرٍ وتيسيرٍ للخير.

﴿لِلْيُسْرَى﴾: نوفقك للشّريعة اليسرى وهي الحنيفيّة السّمحة؛ لذلك نجد النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول دائماً: «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا»([1])، وقيل: نُيَسِّرك لطريق الجنّة.

 


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب العلم، باب ما كان النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتخوّلهم بالموعظة والعلم، الحديث رقم (69).

الآية رقم (9) - فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى

﴿فَذَكِّرْ﴾: وظيفة النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تذكير النّاس بما نسوه من عهد الفطرة؛ لأنّ الإنسان فيه إيمانٌ بالفطرة من غير الرّسالات، فجاءت الرّسالات لتصقل هذه الفطرة وتجعلها تسير وفق الإيمان الصّحيح.

الآية رقم (10) - سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى

من يخشى الله سبحانه وتعالى سيلتزم ويتذكّر ويعود إلى عهد الفطرة والإيمان.

الآية رقم (11) - وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى

﴿الْأَشْقَى﴾: أشقى النّاس من باع دينه بدنياه، ولم ينتفع بالذّكرى.

الآية رقم (12) - الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى

﴿النَّارَ الْكُبْرَى﴾: هي نار جهنّم؛ لأنّ هناك نيراناً في الحياة الدّنيا، لكن عندما يُطلَق عليها وصف (الكبرى) فإذاً هي نار جهنّم في الآخرة، الّتي يكون فيها عذابٌ مستمرٌّ وخلودٌ.

الآية رقم (13) - ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى

هي كبرى؛ لأنّ الدّاخل إليها لا يموت فيها ولا يحيى.

تفسير سورة الأعلى

سمّيت السّورة بهذا الاسم؛ لورود وصف الأعلى فيها، وكما جاء في مسند الإمام أحمد: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يحبّ هذه السّورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ([1])، وجاء في صحيح مُسلم: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يومٍ واحدٍ يقرأ بهما أيضاً في الصّلاتين([2])، وعن عقبة بن عامر قال: لـمّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة]، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اجعلوها في ركوعكم»، فلمّا نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: «اجعلوها في سجودكم»([3]).


([1]) مسند الإمام أحمد: مسند العشرة المبشّرين بالجنّة، مسند عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه الحديث رقم (742).
([2]) صحيح مسلم: كتاب الجمعة، باب ما يُقرأ في صلاة الجمعة، الحديث رقم (878).
([3]) سنن أبي داوود: كتاب الصّلاة، باب ما يقول الرّجل في ركوعه وسجوده، الحديث رقم (869).