الآية رقم (19) - يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ

ثمّ يأتي السّياق ليبيّن لنا ملمِّحاً إلى ذلك اليوم الّذي هو قضيّةٌ فاصلةٌ في حياة الإنسان.

إذاً يتّضح هذا اليوم بأمرين: الأمر الأوّل، هو أنّه لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً، والأمر الآخر، أنّ الأمرَ كلّه في هذا اليوم لله عزَّ وجل وحده.

﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: أي أنّه في الدّنيا يمكن أن تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً، أمّا في الآخرة فلا مكان لهذه الأسباب، فالنّفوس في الدّنيا مرتبطةٌ بالأسباب، والإنسان يساعد الإنسان، أمّا في الآخرة فلا شيء من هذا يبقى، لا يملك أحدٌ لأحدٍ ضرّاً ولا نفعاً.

﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾: قد تسأل: في الدّنيا أليس الأمر لله سبحانه وتعالى؟ الجواب: بلى، هو لله سبحانه وتعالى، لكن هناك أسباباً رُبطت بالمسبّبات، أمّا في اليوم الآخر فأنت مع المسبّب بلا أسبابٍ، فالأمر يومئذٍ لله.

الآية رقم (7) - الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ

هذه مراحل ثلاث: مسألة خلق الإنسان وهو الإيجاد، ثمّ التّسوية، ثمّ التّعديل، وهذا أمرٌ لا ريب فيه، فالله سبحانه وتعالى لم يجعلك مثلاً تمشي زاحفاً على بطنك كالثّعبان، ولم يجعلك تمشي على أربعٍ كالدّوابّ، ولم يجعل قامتك معوَجّة، بل جعلك مستقيم الخَلق، مرفوع القامة، كذلك التّسوية والتّعديل في الأجهزة الدّقيقة داخل الإنسان، ولا يزال العلم يقف منها كلّ يومٍ على عجيبةٍ من العجائب.

الآية رقم (8) - فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ

أي جعلك على أحسن صورةٍ وإبداعٍ ومنظرٍ.

الآية رقم (9) - كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ

﴿كَلاَّ﴾: كلمة ردعٍ وزجرٍ عن أمرٍ سبقها؛ أي ما كان ينبغي أن يكون الأمر الّذي تقدّم، وهو غرور الإنسان، ثمّ إنّ الحقّ سبحانه وتعالى حينما يزجر العبد عن هذا الغرور إنّما ليؤدّي حقّ النّصيحة والتّربية والإرشاد، فقد يردعه الزّجر أوّلاً، لذلك قال في موضعٍ آخر: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق]، ومن صفة الإنسان الطّغيان، وهو تجاوز الحدّ، وخاصّةً إذا استغنى بما عنده من المال والصّحّة والمنصب فخالطه الغرور وظنّ أنّه أصيلٌ في هذا الكون، فيقول له: ﴿كَلاَّ﴾ وهو زجرٌ بكلمةٍ عمّا سبق.

﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾: ﴿بَلْ﴾ كلمةٌ تُفِيد الإضراب عمّا قبلها، فالمعنى: أنّكم لا تزدجرون وتنصرفون عن الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتغفلون عن الاعتبار بآياته الكونيّة في ملكوته وفي أنفسكم!! لو تفكّرتم في هذه الآيات لما كذّبتم بالدّين.

الآية رقم (10) - وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ

يذكّر الحقّ سبحانه وتعالى هنا بأنّه يحفظ الأعمال كلّها، وتُسجّل عنده لهذا اليوم، يوم تُجزى كلّ نفسٍ بما عملت، ولكي تُقام عليهم الحجّة لا بدّ من أن يكون العمل الّذي يُحاسبون عليه مكتوباً ومسجّلاً، يقرؤه صاحبه، فأراد سبحانه وتعالى أن يؤكّد هذه المسألة فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾.

الآية رقم (11) - كِرَامًا كَاتِبِينَ

هم الملائكة الّذين يحفظون أعمال العباد ويكتبونها، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ _ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق]، والنّاس في توثيق الأمور لا يثقون إلّا بالمدوّن والمكتوب الّذي يضمن لهم سلامة معاملاتهم، كالعقود وغيرها، حتّى لا يكون هناك شكٌّ أو غفلةٌ أو نسيانٌ، فالحقّ سبحانه وتعالى يقول لهم: سأوثّق لكم أعمالكم وسأسجّلها عليكم كما أَلِفْتُم من أمور دنياكم، فمسألة التّسجيل وكتابة الأعمال ليست عبثاً، وإنّما لها هدفٌ، وأعمال الإنسان تُكتب عليه بمنتهى الدّقّة والحرص والأمانة، وقد ضمن الله سبحانه وتعالى  لنا هذه الأمانة بالقائمين عليها، وهم الملائكة.

الآية رقم (12) - يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ

فلا بدّ أن يأتي توثيقهم للأعمال وتسجيلهم لها صورةً طبق الأصل عن الواقع، فبعد هذا التّسجيل يأتي حسابٌ وجزاءٌ وثوابٌ وعقابٌ، والله سبحانه وتعالى  لا يظلم العباد مثقال ذرّةٍ، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزّلزلة]، لذلك أوكل الحقّ سبحانه وتعالى أمر كتابة الأعمال إلى ملائكته، ولا يُتصوّر في حقّهم الخطأ أو النّسيان، ولا يطرأ عليهم سهوٌ ولا غفلةٌ، إذاً هذه الصّفات الأربع للكتبة: حافظون في ذواتهم، ويصحّ أنّهم حافظون لما يكتبون من الأعمال، وأنّهم كرامٌ، والكريم من شأنه أن يسير بالخير ويتأذّى من الشّرّ، فطبيعتهم تتناسب والمهمّة الّتي كُلّفوا بها، فحين يرون عمل الخير يسارعون إلى كتابته؛ لأنّهم يحبّون هذا، وحين يرون عمل الشّرّ يُسارعون إلى كتابته؛ لأنّهم متألِّمون وكارهون لهذا الفعل، وهناك فرقٌ بين المهمّة وبين الاستعداد الذّاتيّ لهؤلاء الملائكة، فهم لهم مهمّةٌ محدودةٌ وعندهم استعدادٌ للقيام بها على أكمل وجهٍ، ثمّ لنتأمّل الدّقّة والتّأكيد في كاتبين، فلم يكتفِ بأنّهم حافظون وكرامٌ في ذواتهم، بل زاد على ذلك بأنّهم كاتبون لا يكتفون بالحفظ، بل يؤكّدون حفظهم بالتّسجيل والكتابة، فالحفظ سيكون شهادةً منهم، لكنّ الكتابة ستكون حُجّةً على صاحبها يوم تُنشَر هذه الكتب كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء]

الآية رقم (13) - إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ

بعد أن وثّق الحقّ سبحانه وتعالى مسألة كتابة الأعمال وإحصائها على أصحابها، رتّب على ذلك حكماً واسعاً، فالأمر سيؤول إلى حسابٍ وجزاءٍ يُناسِب الخير والشّرّ الّذي سجّلته الملائكة، وهذا المصير مُعَدٌّ ومُجهَّزٌ ينتظر أصحابه الأبرار في نعيمٍ، والفجّار في جحيمٍ، وقد أكّد الكلام هنا بأكثر من أداةٍ للتّوكيد، فقد استخدم الأسلوب المؤكَّد باللّام ليقطع الطّريق على أصحاب الارتياب في هذا المصير.

﴿الأَبْرَارَ﴾: جمع بارّ، والمصدر: البِرُّ، وهي كلمةٌ تجمع خصال الخير كلّها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: من الآية 189]، جاءت كلمةٌ موجزةٌ وشاملةٌ، فالبرّ ليس أمراً شكليّاً، لكنّه قائمٌ على الشّكل والموضوع، فلو قرأنا مثلاً قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: من الآية 45]، فإن جاء من يقول لنا: ماذا لو أنّني لا أعمل الفحشاء والمنكر، والأمر قد تحقّق موضوعه، فالشّكل إذاً لم يَعُد ضروريّاً، فسنقول له: أنت فرّقت بين الشّكل والموضوع، وهما متلازمان، والحقّ سبحانه وتعالى يردّ على هؤلاء ببيان وجوه البرّ: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ _ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة]، فعدّد ألوان البرّ، وأنّها تقوم على الشّكل والمضمون معاً، وتبدأ بالعقائد، فالقمّة من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنّبيّين..

الآية رقم (14) - وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ

﴿الْفُجَّارَ﴾: جمع فاجر، والفجور: هو الخروج عن أوامر الله سبحانه وتعالى وعدم طاعته فيما أمر.

﴿لَفِي﴾: اللّام للتّأكيد، كما ذكرنا.

﴿جَحِيمٍ﴾: وجزاء الفجور الجحيم، واللّفظان متقاربان ومتجانسان يُناسب كلٍّ منهما الآخر، وكلمة الجحيم من الجحم، وهي شدّة التهاب النّار، لذلك يقولون: جُحمة الغضب، أو فلانٌ جَحَمه الغضب؛ أي تولّدت عنده حرارةٌ شديدةٌ، ولم يكتف السّياق والأداء القرآنيّ بهذه المؤكّدات على أنّ مصير الفجّار إلى جحيم، وإنّما أضاف إليها مؤكّداً آخر فقال:

الآية رقم (15-16) - يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ - وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ

﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: أي يدخلونها ويُقَاسون من حرارتها يوم القيامة.

الآية رقم (17-18) - وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ - ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ

الحديث هنا عن يوم الدين، يوم القيامة، يوم يصير الأبرار إلى النّعيم، ويصير الفجّار إلى الجحيم، فأراد سبحانه وتعالى أن يُعظِّم شأن هذا اليوم، وأنّه الغيب الّذي لا يطّلع عليه أحدٌ، فيقول: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، كأنّ الإدراك له مراحل، وكأنّ هناك إدراكين، إدراكاً إخباريّاً وإدراكاً واقعيّاً، فالإخباريّ وقع بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ فهذا أمرٌ سوف نشهده واقعيّاً؛ لأنّ الصّور الكلاميّة لا يمكن أن تُعبّر لك عن الواقع؛ لأنّها تأتي وفق أداء وإمكانات اللّغة التّعبيريّة، وسبق أن أوضحتُ أنّ اللّغة ألفاظٌ لمعاني، والمعنى دائماً متقدّمٌ على اللّفظِ، فالتّلفاز تراه أوّلاً، ثمّ تأتي تسميته على اللّفظ المعبّر عنه، فإذا كانت هذه الأمور غيباً لا نعرفه ولا يوجد لدينا معانٍ لها فكيف تكون لها ألفاظٌ؟ إذاً هي أمرٌ لم تدخل اللّغة بعد فيه، وسوف تظلّ هكذا غيباً إلى أن نرى القيامة ونشاهد بأمّ أعيننا فينكشف لنا ستار وحجاب الغيب، فنرى الحقيقة. ثمّ يعطينا لمحةً عن هذا اليوم فيقول:

الآية رقم (1) - إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ

﴿انفَطَرَتْ﴾: تشقّقت، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ [الملك]، فطور تعني شقوق.

والحقّ سبحانه وتعالى يستخدم مادّة فطر مرّةً في شيءٍ أُصلِح وأخرى في شيءٍ أُفسِد، مثالٌ على ذلك للشّيء الّذي أُصلِح يقول سبحانه وتعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: من الآية 1]، أي أنّه خالق السّماوات والأرض على غير مثالٍ سابقٍ، وباقتدارٍ مُحكَمٍ، أمّا هنا فالحقّ سبحانه وتعالى يقول فيما يتعلّق بالشّيء الّذي أُفسِد: ﴿إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ﴾؛ أي فسدت، فالحقّ سبحانه وتعالى  ينبّه هنا إلى يوم الهول الأعظم الّذي تنشقّ فيه السّماء وتتساقط فيه الكواكب فلا يؤدّي أيّ شيءٍ منها مهمّته؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى سلبها ما كانت به صالحةً. فالحقّ سبحانه بتمام قدرته يعطي الشّيء من الصّفات ما يجعله صالحاً لأداء ما خُلق له، فلا يظنّ إنسانٌ أنّه خرج عن قدرة خالقه سبحانه وتعالى.

الآية رقم (2) - وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ

يذكر الحقّ سبحانه وتعالى الكواكب الّتي عبدها بعض النّاس، ففي هذا اليوم يختلّ نظام الكواكب، فيخرج كلّ كوكبٍ عن فلكه الّذي كان يدور فيه. وكلمة كواكب تشير إلى أنّه يأخذ الضّوء من غيره على عكس النّجوم، فالكوكب يأخذ ضوء الشّمس، فإذا غابت لم نر الكواكب، وهذا يثبت لنا أنّ كلّ كوكبٍ مصيره إلى أفولٍ.

﴿انتَثَرَتْ﴾: الانتثار ضدّ الجمع، النّثر هو رمي الأشياء على الأرض بشكلٍ مُتفرِّقٍ، فانتثار الكواكب تفرّق هيئات اجتماعها في مواقعها، أو خروج الكواكب من دوائر أفلاكها، فتبدو مضطربةً في الفضاء، وذلك من آثار اختلال قوّة الجاذبيّة الّتي أُقيم عليها نظام العالم.

الآية رقم (3) - وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ

كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، هذه آياتٌ مستقبليّةٌ ستحدث يوم القيامة، فالبحار تُفجّر وتُصبح بحراً واحداً ويختلط العذب بالمالح، والبحر لغةً: هو مجمع الماء سواءً كان هذا الماء عذباً أم مالحاً، إذاً تفجير البحار هو إرسالها على وجه الأرض.

الآية رقم (4) - وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ

﴿بُعْثِرَتْ﴾: القبور تُبعثر؛ أي يُقلب باطنها إلى ظاهرها، فيخرج منها مَنْ كان فيها من الموتى.

الآية رقم (5) - عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ

أي علمت النّفس ما قدّمت من عمل الخير أو الشّرّ، فعند حدوث انفطار السّماء وانتثار الكواكب وتفجّر البحار وتبعثر القبور حينها تعلم كلّ نفسٍ ما أحضرت من خيرٍ أو شرٍّ، يقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف]، وقال جلَّ جلاله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا _ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء].

الآية رقم (6) - يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ

استفهامٌ يحمل معنى التّعجّب والتّوبيخ للإنسان الّذي تجرّأ على الخالق فبادر بالمعصية، وهو جلَّ جلاله الكريم الّذي لا ينبغي أن يُعصَى.

والمولى سبحانه وتعالى خاطب الإنسانيّة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ﴾؛ لأنّ كلمة إنسان توحي بأنّ إنسانيّته يجب أن تردعه عن غروره، فالإنسانيّة تميّزت بوجود العقل الّذي هو آلة التّفكير والتّدبير والاستنباط، أمّا الغرور فهو غفلةٌ من المغترّ، فالإنسان عليه ألّا ينسى ضعفه وحاجته أمام قوّة ربّه وخالقه الّذي يغترّ به، ولو أراد أن يغترّ ولا بدّ فليغترّ بشيءٍ ذاتيٍّ فيه، لا بشيءٍ موهوب له؛ لذلك جاء التّعجّب والاستنكار من هذا الفعل.

﴿مَا غَرَّكَ﴾: أيُّ شيءٍ دعاك إلى أن تغترّ، والله سبحانه وتعالى هو واهب النّعم الكريم المتفضّل علينا.

﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: والمولى سبحانه وتعالى جاء بصفة الكريم هنا دون سائر أسمائه؛ لينبّه على أنّه لا ينبغي أن يُقَابَل الكريمُ بالأفعال القبيحة.

ثمّ يعدّد الحقّ ويذكّرنا ببعض نعمه وآثار كرمه.

تفسير سورة الانفطار

هي سورةٌ مكيّةٌ، تتحدّث عن الانقلاب الكونيّ الّذي تتحدّث عنه سورة (التّكوير).