الآية رقم (35-36) - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ

لنا أن نسأل كيف رتّبها الحقّ سبحانه وتعالى؟ الحقيقة أنّ التّرتيب مزدوجٌ وكلام الله سبحانه وتعالى لا يأتيه الباطل، وهو معجزٌ في كلّ حرفٍ، الكلّ يفرّ من الكلّ في ذلك الوقت، فبدأ بالأخ؛ لأنّ الإنسان أخو الإنسان وليست الأخوّة أخوّة نسبٍ فقط، وعلاقة الأخوّة هي الأكثر شيوعاً، بعد ذلك قدّم الأمّ على الأب، فالأمّ سببٌ مباشرٌ في وجود الإنسان، ولها الأولويّة في الذّكر لمنزلتها ولدورها، والنّبيّ صلَّى لله عليه وسلَّم قدّم في برّ الوالدين الأمّ ثلاث مرّات على الأب حين سأله رجلٌ: مَنْ أحقّ النّاس بحسن صحابتي، قال: «أمّك»، قال: ثمّ مَنْ؟ قال: «ثمّ أمّك»، قال: ثمّ مَنْ؟ قال: «ثمّ أمّك»، قال: ثمّ مَنْ؟ قال: «ثمّ أبوك»([1]). بعد ذلك قال:

﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾: الصّاحبة تطلق على الزّوجة، وقدّم الزّوجة على الأبناء؛ لأنّها هي السّبب في قدومهم، وأحياناً قد لا يكون للإنسان أولاد.

 


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الأدب، باب من أحقّ النّاس بحسن الصّحبة، الحديث رقم (5626).

الآية رقم (37) - لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ

لكلّ إنسانٍ في موقف الحساب صحائف منشورة فينشغل عمّن حوله، كلّ إنسانٍ يكون حيران كيف ينجو بنفسه في هذا الموقف العظيم، وهنا تفسيرٌ آخر، فالأخ يفرّ من أخيه؛ لأنّه أضلّه وأغواه، أو لأنّه قصّر في حقّ الأخوّة ولم يقم له بالواجب، والابن يفرّ من أبيه ومن أمّه؛ لأنّه قصّر ببرّهما، والأب والأمّ يفرّان من الأبناء؛ لأنّهما قصّرا في تربيتهم، والصّاحب يفرّ من صاحبته أي الزّوج وزوجته؛ لأنّه أهمل في حقّها أو أطعمها من الحرام أو حملها على معصيةٍ.. إذاً فالفرار في هذا اليوم أمرٌ طبيعيٌّ؛ لأنّنا في موقف الحساب والجزاء واستيفاء الحقوق لأصحابها، والنّاس في هذا اليوم دائنٌ ومدينٌ.

الآية رقم (38-39) - وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ - ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ

الكلام هنا عن يوم الحساب، وبعد أن يقضي الله سبحانه وتعالى بين العباد يصير النّاس على قسمين:

﴿مُّسْفِرَةٌ﴾: مشرقة مضيئة.

وجوه المؤمنين تغمرها البهجة، فالمؤمن الّذي آمن بالله سبحانه وتعالى ربّاً وصدّق برسوله وبكتابه عند هذا الموقف يتذكّر الإيمان في الدّنيا وما وعده الله سبحانه وتعالى وأنّ القيامة والحساب حقٌّ وبعدها الجنّة فيضحك ويستبشر، فقد أنجاه إيمانه بالله سبحانه وتعالى واتّباعه لمنهج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

الآية رقم (40) - وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ

ثمّ الصّورة الآخرة -والعياذ بالله- صورة الكافرين العصاة الفجرة الّذين صادموا منهج ودعوة الحقّ، فهم على النّقيض؛ لأنّهم يشاهدون بالعين والعلم واليقين بأنّهم كانوا قد كذّبوا الرّسول الكريم وكذّبوا بآيات الله سبحانه وتعالى، يفاجؤون بأنّ القيامة حقٌّ وأنّ الحساب حقٌّ فتسودّ وجوهم.

﴿غَبَرَةٌ﴾: أي غُبَارٌ ودخانٌ.

الآية رقم (41) - تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ

﴿تَرْهَقُهَا﴾: أي تغشاها.

﴿قَتَرَةٌ﴾: سوادٌ وترابٌ.

يعلوها التّراب والسّواد من شدّة الهول والانقباض.

الآية رقم (42) - أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ

أصحاب هذا المصير الأسود هم الّذين كانوا كفرةً فجرةً في الدّنيا؛ أي لم نظلمهم شيئاً إنّما نوافيهم بجزائهم العادل، والجزاء عندنا من جنس العمل.

الآية رقم (25) - أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا

﴿صَبَبْنَا﴾: الصّبّ: السّكب بغزارةٍ؛ أي تشعر بغزارة الماء وكثرته وأنّه ينزل من السّماء، ويسوقه الله سبحانه وتعالى بقوّةٍ ووفرةٍ، لذلك أكّد الفعل بالمفعول المطلَق﴿صَبًّا﴾.

الآية رقم (26) - ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا

﴿شَقَقْنَا﴾: وشقّ الأرض آيةٌ من آيات الله سبحانه وتعالى، تُمهِّد لنمو النّبتة وخروجها إلى الهواء، ولو نظرنا إلى النّبتة نجدها ورقةً أو برعماً دقيقاً رقيقاً، ومع ذلك يشقّ الأرض ويخرج منها، وربّما نجد فوق هذه الوريقة الصّغيرة بقايا من التّربة، هذه الظّاهرة لا تحدث إلّا بقدرة الله سبحانه وتعالى وبقيّوميّته على خلقه، وبما أودع سبحانه وتعالى في هذه الحبّة من قوّته، كما أنّ شقّ الأرض مسألةٌ ضروريّةٌ لخصوبتها وجعلها صالحةً للزّراعة، لذلك نرى الفلّاح يحرث الأرض ربّما لعدّة مرّاتٍ؛ لأنّ حرث الأرض يقلب وجهها ويجعل الهواء يتخلّل الطّبقة الخارجيّة فتصبّح هشّةً، ويُعرّضها لأشعّة الشّمس، وبعد أن ينزل المطر وتتشقّق الأرض بقدرة خالقها سبحانه وتعالى  يأتي دور النّبات، يقول تبارك وتعالى:

الآية رقم (27) - فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا

﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا﴾: أي في الأرض، والإنبات عمليّة خلقٍ، يخلق الله سبحانه وتعالى فيها النّبات من الحبّة، وهذه العمليّة فيها آياتٌ وأسرارٌ، فالحبّة عبارةٌ عن فلقتين، وحين يُوضَع عليها الماء يزداد حجمها، وتنشقّ إلى نصفين، ثمّ يخرج منها ما يتّجه إلى الأسفل ليكوّن الجذر، وما يتّجه للأعلى ليكوّن العود أو السّاق، وتظلّ الحبّة هي مصدر الغذاء لهذين الجزأين حتّى يشتدّ الجذر ويصبح قادراً على امتصاص غذائه من عناصر التّربة، ثمّ تتحوّل الفلقتان إلى أوّل ورقتين في السّاق، وفي كلّ جزئيّةٍ من هذه الجزيئيّات في عمليّة الإنبات توجد لله سبحانه وتعالى حكمةٌ وقدرةٌ وتدبيرٌ وعلمٌ ورحمةٌ.

﴿حَبًّا﴾: يدلّ على أهميّة الحبّ؛ لأنّه يمثّل عنصر الغذاء الرّئيس والمهمّ للإنسان فهو قِوَام طعامه.

الآية رقم (28) - وَعِنَبًا وَقَضْبًا

الحبّ أوّلاً هو الأساس وهو يتمثّل بالقمح والأرز والذّرة والفول والعدس والفاصولياء واللّوبياء، ثمّ يأتي بعدها في الأهميّة العنب؛ لأنّه يصلح لأن يكون غذاءً أساسيّاً كالقمح، ويصلح أن يكون فاكهةً.

﴿وَقَضْبًا﴾: القضب: كلّ ما أُكِل من النّبات رَطِباً، كالقِثّاء والخيار والتفّاح وأشباه ذلك.

الآية رقم (29) - وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا

﴿وَزَيْتُونًا﴾: الزّيتون مصدرٌ غنيٌّ بالزّيوت والمواد الدّهنيّة.

﴿وَنَخْلًا﴾: النّخل فيه المواد السّكريّة.

وهكذا جمع لك الرّبّ سبحانه وتعالى عناصر الغذاء كلّها الّتي أخرجتها الأرض بقدرته سبحانه وتعالى.

الآية رقم (30) - وَحَدَائِقَ غُلْبًا

﴿وَحَدَائِقَ﴾: حدائق مليئة بالأشجار الضّخمة الكثيفة، وكلّ شيءٍ أُحِيطَ عليه نخيلٌ أو شجرٌ فهو حديقة، وما لم يُحَط عليه فليس بحديقة.

﴿غُلْبًا﴾: جمع أغلب، وهو غليظ الرّقبة، والغلباء: كنايةٌ عن الضّخامة.

فليست مقوّمات الحياة مقصورةً على الطّعام والشّراب بل تحتاج أيضاً إلى غاباتٍ وأخشاب؛ لأنّ الخشب يدخل في صناعاتٍ كثيرةٍ لا تقوم حياة النّاس إلّا بها.

الآية رقم (31) - وَفَاكِهَةً وَأَبًّا

﴿وَفَاكِهَةً﴾: الفاكهة ما يتفكّه به الإنسان بعد الطّعام.

﴿وَأَبًّا﴾: الأبّ: هو الكلأ الّذي ترعاه الأنعام.

وكلمة ﴿وَأَبًّا﴾ لها قصّةٌ مع سيّدنا الصّدّيق وسيّدنا عمر رضي الله عنهما وهما مَنْ هما في فَهْمِ كتاب الله سبحانه وتعالى، عن إبراهيم التّيميّ قال: سُئِلَ أبو بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه عن الأبّ ما هو؟ فقال: “أيّ سماءٍ تُظلّني، وأيّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم”([1])، كأنّه وقف عند هذه اللّفظة ولم يشأ أن يخوض في معناها، وهذه أمانةٌ علميّةٌ حتّى نتعلّم منها، وكذلك الفاروق رضي الله عنه عندما سئل عنها لم يُجِب كذلك؛ لأنّ الأمانة العلميّة لها أهميّةٌ كبرى بالنّقل عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هؤلاء السّادة العظام كأبي بكرٍ وعمر وعثمان وعليّ والصّحابة رضي الله عنهم كانوا أمناء على كلّ حرفٍ وكلّ كلمةٍ من كتاب الله سبحانه وتعالى  ومن سنّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمّا الآن ترى كثيراً من النّاس يجيبون سواءً كانوا يعرفون أم لا، ويقولون بغير علمٍ، «ومن قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار»([2]).


([1]) كنز العمّال: الجزء 2، سورة عبس، الحديث رقم (4688).
([2]) سنن التّرمذيّ: كتاب تفسير القرآن، باب الّذي يُفسّر القرآن برأيه، الحديث رقم (2951).

الآية رقم (32) - مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

فالإنسان يتمتّع بهذه الأشياء بذاته، وما تأكله الأنعام منها يؤول أيضاً في النّهاية إلى أن يكون متاعاً له. ثمّ ينتقل الآن إلى الحديث عن الحياة الآخرة.

الآية رقم (33) - فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ

﴿الصَّاخَّةُ﴾: اسمٌ من أسماء يوم القيامة، ومعنى صاخّة؛ أي لها صوتٌ مزعجٌ يصخّ الآذان، مثل الصّخرة الّتي تُكسر على الرّأس فيسيل الدّم، فاللّفظ بحدّ ذاته مزعجٌ ومخيفٌ، فإذا جاءت الصّاخّة سيتغيّر الكون وينقلب رأساً على عقب.

الآية رقم (18) - مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ

ثمّ يعود السّياق ليذكّر الإنسان الّذي كفر بربّه بأصل خلقه.

الآية رقم (34) - يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ

في هذا اليوم يفرّ المرء من أخيه؛ لأنّه مشغولٌ بنفسه، يريد أن ينجو بها من هول ما يرى، فلم يعد هناك مجالٌ لأيّ شيءٍ غير نفسه.

الآية رقم (19) - مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ

﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾: النّطفة هي القطرة من السّائل تحمل الحيوان المنويّ الّذي يأتي منه الإنسان، وهو يبلُغ من الصّغر والدّقّة ما لا يتصوّره الإنسان. والنّطفة كما نعلم شيءٌ تافهٌ صغيرٌ لا قيمة له، لكن تأتي قدرة الله سبحانه وتعالى فتجعل من هذا الشّيء الصّغير التّافه خلقاً سويّاً في تكوينه، معجزاً في خلقه، ولو نظر الإنسان إلى أصله لما تكبّر أحدٌ.

﴿فَقَدَّرَهُ﴾: أي قدّر كلّ شيءٍ فيه بقدرٍ ودقّةٍ وإحكامٍ، قدّر صفاته وشكله ولونه وغرائزه وعواطفه وكلّ عضوٍ فيه، وكلّ ذرّةٍ من ذرّاته، وهذه الدّقّة والإحكام في عمليّة الخلق نراها في هذا الشّيء الصّغير التّافه الّذي لا تراه العين المجرّدة، وكذلك نراها في الجرم الكبير، ومن نِعَم الله سبحانه وتعالى علينا أن دلّنا على أصل الخلق، فسأل هذا السّؤال ولم يترك الجواب عليه لأحدٍ، بل أجاب عنه بنفسه:

الآية رقم (20) - ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ

هذه نعمةٌ أخرى يمتنّ بها الله سبحانه وتعالى على الإنسان بعد نعمة الخلق والإيجاد من عدمٍ، فبعد أن أوجده ربّه سبحانه وتعالى من نطفةٍ لم يتركه هكذا لا غاية له، إنّما يسّر له السّبيل ليعيش سعة الدّنيا بما أعطاه وبما وفّر له من مقوّمات الحياة بقيّوميّته سبحانه وتعالى، لذلك لا نستطيع أن نستغني أبداً عن عطاءات ربّنا جلَّ جلاله.

ولنلحظ قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾، ولم يقل: (ثمّ يسّر سبيله)، فهناك فارقٌ كبيرٌ بين التّعبيرين، السّبيل؛ أي الطّريق على عمومه، وإطلاق الطّريق على عمومه ينطوي تحت سبيل الخير وسبيل الشّرّ، فالإنسان مُيسّرٌ لهذا وذاك، وهو صالحٌ للخير وصالحٌ للشّرّ، ورزقه الله سبحانه وتعالى العقل الّذي يميّز به ويرجّح بين البدائل، فاللّسان الّذي يقول: لا إله إلّا الله، مُيسّرٌ أيضاً ليقول -والعياذ بالله-: لا إله، لذلك ورد في الحديث الشّريف: «اعملوا فكلٌّ ميسّرٌ لما خُلِقَ له»([1])، ليس لأحدٍ عذرٌ بعد ذلك في مخالفة منهج الله سبحانه وتعالى ؛ لأنّه عزَّ وجل يسّر السّبيل، أمّا لو قال: (يسّر سبيله)، لكان لكلّ إنسانٍ منّا سبيله الخاصّ به، ولو فعل شرّاً فله أن يقول: هذا سبيلي الّذي يسّره الله سبحانه وتعالى لي، إذاً فنحن ميسّرون للأعمال كلّها ومُخيّرون فيها، لنا مطلق الحريّة في أن نفعل أو لا نفعل، وهنا مناط التّكليف، وهنا يمكن للإنسان أن يعرف بأنّ الله سبحانه وتعالى يسّر له سبيل الخير وسبيل الشّرّ وأمره بأن يسير في طريق الخير، وبذلك يُحاسب سبحانه وتعالى  الخلائق على خياراتهم.

 


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب التّفسير، باب سورة اللّيل، الحديث رقم (4666).

الآية رقم (21) - ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ

لنتأمّل كلمة الموت نجد فيها أمراً عجيباً يختلف عن سائر كلمات اللّغة العربيّة الأخرى، فالفعل (مات) يُستعمل لازماً ويُستعمل مُتعدّياً، والفاعل لهذا الفعل يأتي مرّةً فاعلاً ومرّةً مفعولاً به، مع أنّ الفاعل للفعل في اللّغة لا يأتي أبداً مفعولاً به، لكن في هذا الفعل نقول مثلاً: مات فلان، ونقول: أمات الله فلاناً، فــ (فلان) أصبح مفعولاً به، وفي الجملة الأولى كان فاعلاً.

والموت يعني انفصال الرّوح عن الجسد ويسمّى وفاةً، قال سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزّمر: من الآية 42]، فالرّوح وحدها لا يُقال لها: نفسٌ، وكذلك الجسد لا يُقال له: نفسٌ، إذاً النّفس هي المزيج المكوّن بين الرّوح والجسد، فإذا أراد الخالق سبحانه وتعالى أن ينقض هذا البناء وهذا المزيج فصل الرّوح عن الجسد فتحدث الوفاة، وعرفنا في النّحو أنّ الفاعل من قام بالفعل أو اتّصف به، فعندما نقول: مات فلان، هل يعني أنّه أمات نفسه أو أنّ الله سبحانه وتعالى أماته؟ الجواب: هو اتّصف بالفعل وهو الموت، فأخذ مكان الفاعل في ظاهر اللّفظ وإن لم يكن في الواقع فاعلاً، أمّا إن قلنا: انتحر فلانٌ، فهو فاعلٌ؛ لأنّه أمات نفسه، ونقول: قتل فلانٌ فلاناً، هذه صورةٌ ثالثة، وهكذا نرى أنّ إزالة الحياة ونقضها له ثلاثة أحوال: إمّا موتٌ أو قتلٌ أو انتحارٌ، الموت هو الّذي يأتي طبيعيّاً دون تدخّل أحدٍ فيه، أمّا الانتحار فهو أن يستعجل الإنسان أجَلَه فينقض بنيته فتخرج روحه، والواقع أنّ هذا هو أجله، فقد كان سيموت فيه لو لم ينتحر، لكنّه تعجّل ووقع المحظور الّذي نهاه الله سبحانه وتعالى عنه، كذلك حينما يقتل إنسانٌ إنساناً فإنّه ارتكب ما حرّم الله سبحانه وتعالى بنقض بنية القتيل.