الآية رقم (193) - وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ

أي إن كنتم صامتين أو دعوتم فالأمر سيّان؛ لأنّكم تدعون حجارةً وأوثاناً وتدعون أرباباً من دون الله سبحانه وتعالى، وهذا يدلّ على أنّ المقصود بالشّرك هنا ليس فقط عبادة الأصنام والأوثان، وإنّما أن تعتقد بأنّ فلاناً يضرّ وينفع ويصل ويقطع ويرفع ويمنع ويعزّ ويذلّ مع الله سبحانه وتعالى .

الآية رقم (194) - إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

الّذين تلجؤون إليهم من دون الله سبحانه وتعالى هم عبادٌ لا يملكون لأنفسهم شيئاً، ولا يملكون عطاء الخير أو تقديم الضّرّ، لذلك فإنّ النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لابن عبّاس رضي الله عنهما في الحديث المعروف: «يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلّا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلّا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصّحف»([1]).

﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: ادعوهم فليستجيبوا لكم، فإن كنتم صادقين هاتوا الدّليل والبرهان على ذلك.

 


([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب صفة القيامة والرّقائق والورع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الحديث رقم (2516).

الآية رقم (195) - أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ

﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: المولى سبحانه وتعالى  يدلّل عقليّاً على أنّ لهم كلّ الحواسّ الّتي تُدخل المعلومات إلى النّاس، الأيدي والأعين والآذان.

﴿قُل ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: ادعوا كلّ هؤلاء الشّركاء ودبّروا بخفاء ولا تمهلون في ذلك وهو تحدٍّ من الله سبحانه وتعالى  أو أنّ الله سبحانه وتعالى  يقول للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: قل لهم: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ ادعوا كلّ قوى الأرض وبيّتوا بخفاء ولن تستطيعوا أن تضرّوا أحداً إلّا بإذن الله سبحانه وتعالى .

الآية رقم (196) - إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ

إنّ وليّي المتولّي أمري هو الله سبحانه وتعالى الّذي نزّل الكتاب، وهو يتولّى الصّالحين، فنعم المولى ونعم النّصير، فطالما أنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي يتولّى أمري ويتولّى شأني فهو النّاصر وهو المعين.

الآية رقم (197) - وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ

الحقيقة الّتي يجب أن يعلمها الجميع بأنّ من تلجؤون إليهم من دون الله سبحانه وتعالى لا يملكون أن ينصروا أنفسهم حتّى يقدّموا لكم النّصر أو يقدّموا لكم أيّة منفعة دنيويّة.

الآية رقم (198) - وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ

لماذا؟ لأنّه قد ران على قلوبهم نتيجة لظلمهم وضلالهم وكفرهم وإشراكهم وتكبّرهم على أوامر الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (199) - خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ

هذه آية جمع المولى سبحانه وتعالى فيها كلّ مكارم الأخلاق، فمع كلّ الكيد الّذي كادوه للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمره الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بالعفو، ما أجمل هذا الدّين العظيم! وكيف طبّق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما جاء في القرآن الكريم.

﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: عندما نتحدّث عن خلق العفو، فهذا الخلُق لم يكن موجوداً قبل الإسلام، ليس فقط في شبه الجزيرة العربيّة وإنّما في العالم بمجمله، فقد كان العالم بين صولة الفرس والرّومان وبين عصبيّات وهمجيّات وقتال، لا يعرف أحدٌ معنى كلمة العفو حتّى طبّقها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد أن حوصر وعُذّب هو وأصحابه، وبعد أن طُرد من مكّة المكرّمة، بل بعد كلّ ما جرى من قِبل المشركين، دخل فاتحاً إلى مكّة المكرّمة وعاد إلى وطنه، وها هم عُتلّات قريش الّذين عذّبوه واضطهدوه وآذوه وحاصروه وقتلوا أصحابه يقفون بين يديه منتظرين حكمه فيهم فيقول لهم: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»، قَالُوا: خَيْراً، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: «فَإِنّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: من الآية 92]، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ»([1])، عفا عنهم جميعاً.

الآية رقم (200) - وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: النّزغ: النّخس، نخس من الشّيطان فماذا تفعل؟

﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: الاستعاذة طلب المعونة والحفظ من الله سبحانه وتعالى، فأنت تطلب العون من الله سبحانه وتعالى أمام نزغ الشّيطان حتّى تُبعد هذه الوساوس عنك.

﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: يسمع كلّ ما يجري ويعلم كلّ ما هو حاصل وسيحصل، فاطمئن أيّها الإنسان، فإذا جاءك نزغ أي نخس من الشّيطان فاستعذ بالله؛ لأنّه يدخل عن طريق الوساوس والنّزغ، لذلك يكون على الإنسان الاستعاذة وطلب العون والحفظ من الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (201) - إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ

الشّيطان يجري من بني آدم مجرى الدّم، والشّيطان يؤدّي إلى الغضب والغضب يؤدّي إلى القتل، وإلى المشاجرات والمشاحنات، لكن الّذين اتّقوا أي جعلوا بينهم وبين صفات الجلال أو عذاب الله حاجزاً، إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان، أي خيال يطوف ليلاً؛ لأنّ الشّيطان لا يُرى فهو تخيُّل، فإذا جاء ومسّ طائف من الشّيطان تذكّروا أوامر الله سبحانه وتعالى  وتذكّروا أن يطلبوا المعونة من الله سبحانه وتعالى  كي يحفظوا أنفسهم من أيّ مسّ من الشّيطان، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾، ولم يقل: إذا لمسهم، هذه نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى  بأنّ الشّيطان لا يلمس الإنسان.

﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾: مبصرون؛ لأنّ البصر هو أن ترى النّور وترى الأمور على حقيقتها، فكان مقابل الطّائف من الشّيطان، وهذا الخيال أن ترى الحقائق، وأن ترى نور الله سبحانه وتعالى، كي تواجه وساوس الشّيطان.

الآية رقم (202) - وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ

الإغواء يكون من إخوان الشّياطين ومن وساوس النّاس، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [النّاس].

﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: أي لا يُبعدون المسافة عن غيّهم وعن إغوائهم للنّاس، إذاً هو تحالف الشّرّ ما بين شياطين الإنس وشياطين الجنّ.

الآية رقم (203) - وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾: الخطاب لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والآية: هي المعجزة، والمراد إمّا آية كونيّة أو آية قرآنيّة، فالآيات القرآنيّة هي معجزاتٌ دالّةٌ على صدق بلاغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الله سبحانه وتعالى ، والآيات الكونيّة كلّ ما نراه أمامنا من شمس وقمر ونجوم ومجرّات وهواء وماء وغيوم وسحاب ونبات وحيوان، فهي آياتٌ تدلّ على وجود الله سبحانه وتعالى ، قال جلّ جلاله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة]، أي معجزات دالّة على وجود الله سبحانه وتعالى ، وهم يريدون الآية على مزاجهم، ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا *  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا *  أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء]، وكأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو الّذي يجتبي ويختار ويأتي بالآيات!.

الآية رقم (204) - وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾: المطلوب والأمر الإلهيّ بأن لا تجعل القرآن كأيّ قراءة لأيّ أمر آخر، فيجب أن تكون متوضّأ وساتراً للعورة… هناك تحضيرات لقراءة القرآن الكريم، لكن إذا قُرأ القرآن أمامك فاستمع، وليس: اسمع فقط، فالاستماع: هو أن تسمع بتمعّنٍ وتدبّرٍ وتستجيب لأوامر ما سمعت.

﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾: أي أطيعوه.

﴿وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أي أن تتركوا كلّ شيء آخر وتنصتوا إنصاتاً كاملاً لعلّ الله سبحانه وتعالى  يرحمكم؛ لأنّ القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى، وفيه رحمات من الله عزّ وجلّ، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: من الآية 82]، فإذا قُرأ القرآن فيجب أن يكون هناك احترام لكلام الله، وهذه دعوة نقولها في التّعازي، أو في بعض المناسبات تجد النّاس يضعون القرآن الكريم وهم يتكلّمون، بل يجب احترام كلام الله وامتثال أمره. وقد جاء فعل ﴿قُرِئَ﴾ مبنيّاً للمجهول، بأيّ طريقةٍ قُرئ، عن طريق المسجّلة أو التّلفاز في السّيّارة أو في أيّ مكان، في تعزية أو في فرح.. فإذا قُرئ القرآن فعليك أن تلتزم بالاستماع والإنصات، ويجب أن لا يكون هناك تشويش لعلّ الله سبحانه وتعالى يرحمك من خلال استماعك وإنصاتك للقرآن الكريم، وقد قال النّبيّ :: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿المحرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»([1])، إذاً عندما تستمع للقارئ فكأنّك تقرأ القرآن الكريم.

 


([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفاً من القرآن ما له من الأجر، الحديث رقم (2910).

الآية رقم (205) - وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾: الذّكر مرور الشّيء في البال.

يجب أن تعيش مع المسبّب، مع الـمُنعم، لا تعيش في دنيا الأسباب مع الأسباب، بل تأخذ بالأسباب وتتكّل على المسبّب، هذا لا يكون إلّا أن يكون ذكر الله دائماً في قلبك وعلى لسانك وفي خاطرك وفي ذهنك.

﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾: لا بدّ من أن يكون الذّكر تضرّعاً، أي بذلّة وخوف من الله سبحانه وتعالى، وليس ذكراً عارضاً، يجب أن يكون فيه ذلّة لله سبحانه وتعالى، والذّلّه لله عزّ وجلّ هي أكبر عزّة ورفعة، وقد قيل:

حسبُ نفسي عزّاً بأنّي عبدٌ هو في قدسه الأعزّ ولكن

 

يحتفي بي بلا مواعيد ربُّ
أنا ألقاه متى وأين أحبُّ

الآية رقم (206) - إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ

﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: قد يسأل سائل: هل يوجد عنديّة عند الله؟ عنديّةٌ: أي هناك مكان وحيّز، فكيف تصحّ الألوهيّة؟ فالله سبحانه وتعالى خارج الزّمان والمكان ولا يوجد حيّز، الجواب: إنّ هذه العنديّة هي عنديّة الرّحمة والـمُلك والعناية من الله سبحانه وتعالى وليست عنديّة المكان، فإذاً الملائكة عند ربّك أي أنّهم يغشاهم الله سبحانه وتعالى  بمُلكه وعنايته، وهؤلاء الملائكة ليس لهم أيّ عملٍ إلّا التّسبيح والسّجود، والسّجود هو خضوع لله سبحانه وتعالى.

وهذه الآية فيها سجدةٌ اسمها سجدة التّلاوة، وفي القرآن الكريم خمس عشرة سجدة، وسجود التّلاوة يكون بأن تكبّر ثمّ تسجد مباشرةً وتقول: (سبحان ربّي الأعلى)، ثلاث مرّات، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: رأيتني اللّيلة وأنا نائمٌ كأنّي كنت أصلّي خلف شجرةٍ، فسجدت الشّجرة لسجودي وسمعتها وهي تقول: اللّهمّ اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عنّي بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبّلها منّي كما تقبّلتها من عبدك داوود، قال ابن عبّاس: فقرأ النّبيّ : سجدةً ثمّ سجد، قال ابن عبّاس: فسمعته وهو يقول مثل ما أخبر الرّجل من قول الشّجرة([1])، هنا المولى سبحانه وتعالى  يتحدّث عن سجود وعن تسبيح

الآية رقم (192) - وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

أي لا يستطيعون نصر غيرهم ولا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم.

الآية رقم (177) - سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ

﴿سَاءَ مَثَلًا﴾: أي قبُح هذا المثل، مثل الكلب الّذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.

﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾: لأنّك لا تستطيع أن تؤذي أو تظلم الله سبحانه وتعالى، وإنّما تظلم نفسك عندما تكذّب بآيات الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (178) - مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾: وهذه قضيّةٌ شغلت فكر المفسّرين والعلماء والفلاسفة وعلماء الكلام والمعتزلة، هل أفعال العباد مخلوقةٌ أو غير مخلوقةٍ؟ ما ذنب النّاس إن كان الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ۖ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف]؟ الأمر هنا يحتاج إلى بيانٍ، إذا كان الله سبحانه وتعالى  عمّم حكماً ثمّ خصّصه فالتّخصيص يحكم التّعميم؛ أي عندما يخصّص بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النّساء]، فالّذي يظلم نفسه ويكذّب ويجحد بآيات الله سبحانه وتعالى  هو الّذي حكم على نفسه بعدم هداية المعونة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى  يهدي البشريّة جمعاء، قال سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: من الآية 9]، للنّاس كلّهم، لكنّه يقول في آيةٍ أخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: من الآية 56]، وهذه هداية المعونة، فالاختيار هو الأساس، والأفعال مخلوقةٌ لله سبحانه وتعالى ، مثلاً اللّسان وفعله من خلق الله سبحانه وتعالى ، لكن توجيه اللّسان هو ما سيحاسب عليه الإنسان، فيستطيع أن يقول بلسانه: لا إله إلّا الله، ويستطيع -والعياذ بالله- أن يشرك بالله جلّ جلاله وأن يقول كلاماً سيّئاً، إذاً الأفعال مخلوقةٌ لله سبحانه وتعالى ، لكن توجيه هذه الأفعال هو الّذي يُحاسب عليه الإنسان، وقد تسأل: لماذا لم يعط الله سبحانه وتعالى  للجميع هداية المعونة؟ الجواب: لأنّه أعطى هداية الدّلالة للجميع، فمن اختار هداية الدّلالة أعطاه الله سبحانه وتعالى هداية المعونة.

﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: لأنّ الله تعالى بيّن له فاختار طريق الضّلال فزاده في ضلاله وغيّه.

الآية رقم (179) - وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾: ذرأ؛ أي بثّ ونشر.

﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾: ما دام الله سبحانه وتعالى بثّ ونشر كثيراً من الإنس والجنّ لجهنّم فلماذا يُحاسبهم؟ وهل خلقهم سبحانه وتعالى  ليذرأهم لجهنّم كما هو ظاهر الآية؟ هنا يجب أن نبيّن أنّ العلم في اللّغة العربيّة وبأوجه الإعراب فيها وبعلم تفسير كتاب الله سبحانه وتعالى  يغيب عن أذهان الجاحدين والجاهلين، فالدّين الإسلاميّ هو دين العقل والعلم والعمل، والإسلام لا يقبل شيئاً إلّا إذا محَّصه العقل، وكان أداةً من أدوات التّفكير، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى  هذا في كتابه الكريم فقال: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النّحل: من الآية 44]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النّساء: من الآية 82]، التّدبّر تقليب الأمور وفق العقل، فإذاً لا يزايدنّ أحدٌ بموضوع العقل على الإسلام ولا على القرآن الكريم ولا على سنّة النّبيّ محمّد :، فهذا هو عين الجهل، وإنّما العقل في الحقيقة إعمال الفكر بالبدائل والبراهين والإثباتات، فعندما نقول مثلاً هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ نحن نعلم أنّ الكون فيه أشياءٌ عابدةٌ بطبيعتها، خلقها الله سبحانه وتعالى  طائعةً: ﴿ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصِّلت]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحجّ: من الآية 18]، فعندما ذكر النّاس قال: كثيرٌ من النّاس يؤمن وكثيرٌ أيضاً يكفر ويشرك بالله جلّ جلاله؛ لأنّ هذا الإنسان أُعطي أمانة الاختيار، وعندما يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ نعلم أنّ هذه اللّام لام الصّيرورة، لام العاقبة، وليست لام التّعليل؛ أي أنّ الله سبحانه وتعالى  لم يخلق البشر من أجل جهنّم، إنّما خلقهم من أجل العبادة بدليل قوله سبحانه وتعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريات]، هذه لام التّعليل، والعبادة ليست هي الصّلاة والصّيام والحجّ والزكاة فقط، بل هي كلّ فعل خيرٍ يعود على الغير بالخير، الفلّاح في حقله إذا كان يعمل بتقوى الله فهو في عبادة، والعامل في مصنعه إذا عمل واستغلّ وقته فهو في عبادة، والموظّف في وظيفته في عبادة، كلّ إنسانٍ يقوم بعملٍ يؤدّي إلى الخير فهو في عبادة، فلا يقولنّ قائلٌ: لماذا يُحاسب الله سبحانه وتعالى  النّاس ما دام أنّه ذرأ؛ أي بثّ ونشر كثيراً من الجنّ والإنس من أجل جهنّم؟ الجواب: أنّ هذا من أجل العبادة، فإن أنت عصيت فإنّك تدخل جهنّم، فإذاً هذه لام المآل لام الصّيرورة، كالآية عندما ألقت أمّ موسى موسى في اليمّ فيقول سبحانه وتعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: من الآية 8]، اللّام هنا ليست لام تعليلٍ، هل التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحزناً؟ كانوا تركوه ليغرق، التقطه آل فرعون ليكون فرحاً وحبّاً وليس ليكون عدوّاً، لكن اللّام هنا لام الصّيرورة؛ أي أنّ مآل هذا الأمر أنّه صار عدوّاً لفرعون.

الآية رقم (180) - وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾: الحسنى تأنيثٌ لكلمة الأحسن، اسم تفضيلٍ، فما هي أسماء الله الحسنى؟ هذا الموضوع كثيراً ما يتردّد في أذهان النّاس، وحتّى نبسّط الأمر نحن نعلم أنّ أسماء الله الحسنى توقيفيّة، وأسماء الله الحسنى هي صفاتٌ لله سبحانه وتعالى، ارتقت لأن تكون أسماء، أمّا بالنّسبة للإنسان فلا يوجد لأيّ إنسانٍ اسمٌ يوصف بـ(الحسنى) لماذا؟ لأنّه عرضٌ لحدث؛ أي أقول: فلانٌ كريمٌ، اليوم كريمٌ وقد يكون غداً ليس كريماً، فهو صفة وليس اسماً، لا يصبح (كريم) اسماً إلّا إن كان لله سبحانه وتعالى ؛ أي كريمٌ أزلاً أبداً، فهذا الفعل وهذه الصّفة ارتقت لأن تكون اسماً فتبقى ثابتةً غير متغيّرةٍ، أمّا بالنّسبة للإنسان فاليوم كريمٌ وغداً بخيلٌ، اليوم قويٌّ وغداً ضعيفٌ، اليوم رحيمٌ وغداً غضوبٌ، فالإنسان عالم أغيار، لذلك هذه الصّفات لا تصبح أسماءً إلّا في حالةٍ واحدةٍ إذا كانت دائمةً، فإذا وجدت هذه الأسماء في غير الله سبحانه وتعالى  فهي صفاتٌ محدودةٌ؛ لأنّ ما سوى الله سبحانه وتعالى  متغيّر، أمّا بالنّسبة لله سبحانه وتعالى  فهي دائمةٌ، وهي أسماءٌ هو سمّاها، لذلك نجد في دعاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قوله: «اللّهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسمٍ هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همّي»([1]).

الآية رقم (181) - وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ

﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾: هناك الكثير من النّاس هادون ومهتدون، لكن لماذا قال: أمّة؟ الجواب: لأنّ صفات الكمال لا تتحقّق إلّا بالمجموع، هذا كريم وهذا حليم وهذا قويّ وهذا ذكيّ و… فصفات الكمال تحتاج إلى أمّة حتّى تنهض بها.

﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: لا تخلو الأرض من هداة مهديين يعدلون وعدلهم نابعٌ من الحقّ، والحقّ هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيّر، قال سبحانه وتعالى  عن القرآن الكريم: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: من الآية 105].