الآية رقم (203) - وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾: الخطاب لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والآية: هي المعجزة، والمراد إمّا آية كونيّة أو آية قرآنيّة، فالآيات القرآنيّة هي معجزاتٌ دالّةٌ على صدق بلاغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الله سبحانه وتعالى ، والآيات الكونيّة كلّ ما نراه أمامنا من شمس وقمر ونجوم ومجرّات وهواء وماء وغيوم وسحاب ونبات وحيوان، فهي آياتٌ تدلّ على وجود الله سبحانه وتعالى ، قال جلّ جلاله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة]، أي معجزات دالّة على وجود الله سبحانه وتعالى ، وهم يريدون الآية على مزاجهم، ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا *  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا *  أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء]، وكأنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو الّذي يجتبي ويختار ويأتي بالآيات!.

الآية رقم (204) - وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾: المطلوب والأمر الإلهيّ بأن لا تجعل القرآن كأيّ قراءة لأيّ أمر آخر، فيجب أن تكون متوضّأ وساتراً للعورة… هناك تحضيرات لقراءة القرآن الكريم، لكن إذا قُرأ القرآن أمامك فاستمع، وليس: اسمع فقط، فالاستماع: هو أن تسمع بتمعّنٍ وتدبّرٍ وتستجيب لأوامر ما سمعت.

﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾: أي أطيعوه.

﴿وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أي أن تتركوا كلّ شيء آخر وتنصتوا إنصاتاً كاملاً لعلّ الله سبحانه وتعالى  يرحمكم؛ لأنّ القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى، وفيه رحمات من الله عزّ وجلّ، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: من الآية 82]، فإذا قُرأ القرآن فيجب أن يكون هناك احترام لكلام الله، وهذه دعوة نقولها في التّعازي، أو في بعض المناسبات تجد النّاس يضعون القرآن الكريم وهم يتكلّمون، بل يجب احترام كلام الله وامتثال أمره. وقد جاء فعل ﴿قُرِئَ﴾ مبنيّاً للمجهول، بأيّ طريقةٍ قُرئ، عن طريق المسجّلة أو التّلفاز في السّيّارة أو في أيّ مكان، في تعزية أو في فرح.. فإذا قُرئ القرآن فعليك أن تلتزم بالاستماع والإنصات، ويجب أن لا يكون هناك تشويش لعلّ الله سبحانه وتعالى يرحمك من خلال استماعك وإنصاتك للقرآن الكريم، وقد قال النّبيّ :: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ﴿المحرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»([1])، إذاً عندما تستمع للقارئ فكأنّك تقرأ القرآن الكريم.

 


([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفاً من القرآن ما له من الأجر، الحديث رقم (2910).

الآية رقم (205) - وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ

﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾: الذّكر مرور الشّيء في البال.

يجب أن تعيش مع المسبّب، مع الـمُنعم، لا تعيش في دنيا الأسباب مع الأسباب، بل تأخذ بالأسباب وتتكّل على المسبّب، هذا لا يكون إلّا أن يكون ذكر الله دائماً في قلبك وعلى لسانك وفي خاطرك وفي ذهنك.

﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾: لا بدّ من أن يكون الذّكر تضرّعاً، أي بذلّة وخوف من الله سبحانه وتعالى، وليس ذكراً عارضاً، يجب أن يكون فيه ذلّة لله سبحانه وتعالى، والذّلّه لله عزّ وجلّ هي أكبر عزّة ورفعة، وقد قيل:

حسبُ نفسي عزّاً بأنّي عبدٌ هو في قدسه الأعزّ ولكن

 

يحتفي بي بلا مواعيد ربُّ
أنا ألقاه متى وأين أحبُّ

الآية رقم (206) - إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ

﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: قد يسأل سائل: هل يوجد عنديّة عند الله؟ عنديّةٌ: أي هناك مكان وحيّز، فكيف تصحّ الألوهيّة؟ فالله سبحانه وتعالى خارج الزّمان والمكان ولا يوجد حيّز، الجواب: إنّ هذه العنديّة هي عنديّة الرّحمة والـمُلك والعناية من الله سبحانه وتعالى وليست عنديّة المكان، فإذاً الملائكة عند ربّك أي أنّهم يغشاهم الله سبحانه وتعالى  بمُلكه وعنايته، وهؤلاء الملائكة ليس لهم أيّ عملٍ إلّا التّسبيح والسّجود، والسّجود هو خضوع لله سبحانه وتعالى.

وهذه الآية فيها سجدةٌ اسمها سجدة التّلاوة، وفي القرآن الكريم خمس عشرة سجدة، وسجود التّلاوة يكون بأن تكبّر ثمّ تسجد مباشرةً وتقول: (سبحان ربّي الأعلى)، ثلاث مرّات، عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: جاء رجلٌ إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: رأيتني اللّيلة وأنا نائمٌ كأنّي كنت أصلّي خلف شجرةٍ، فسجدت الشّجرة لسجودي وسمعتها وهي تقول: اللّهمّ اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عنّي بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبّلها منّي كما تقبّلتها من عبدك داوود، قال ابن عبّاس: فقرأ النّبيّ : سجدةً ثمّ سجد، قال ابن عبّاس: فسمعته وهو يقول مثل ما أخبر الرّجل من قول الشّجرة([1])، هنا المولى سبحانه وتعالى  يتحدّث عن سجود وعن تسبيح

الآية رقم (192) - وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

أي لا يستطيعون نصر غيرهم ولا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم.

الآية رقم (193) - وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ

أي إن كنتم صامتين أو دعوتم فالأمر سيّان؛ لأنّكم تدعون حجارةً وأوثاناً وتدعون أرباباً من دون الله سبحانه وتعالى، وهذا يدلّ على أنّ المقصود بالشّرك هنا ليس فقط عبادة الأصنام والأوثان، وإنّما أن تعتقد بأنّ فلاناً يضرّ وينفع ويصل ويقطع ويرفع ويمنع ويعزّ ويذلّ مع الله سبحانه وتعالى .

الآية رقم (194) - إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

الّذين تلجؤون إليهم من دون الله سبحانه وتعالى هم عبادٌ لا يملكون لأنفسهم شيئاً، ولا يملكون عطاء الخير أو تقديم الضّرّ، لذلك فإنّ النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لابن عبّاس رضي الله عنهما في الحديث المعروف: «يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلّا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلّا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصّحف»([1]).

﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: ادعوهم فليستجيبوا لكم، فإن كنتم صادقين هاتوا الدّليل والبرهان على ذلك.

 


([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب صفة القيامة والرّقائق والورع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الحديث رقم (2516).

الآية رقم (195) - أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ

﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: المولى سبحانه وتعالى  يدلّل عقليّاً على أنّ لهم كلّ الحواسّ الّتي تُدخل المعلومات إلى النّاس، الأيدي والأعين والآذان.

﴿قُل ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: ادعوا كلّ هؤلاء الشّركاء ودبّروا بخفاء ولا تمهلون في ذلك وهو تحدٍّ من الله سبحانه وتعالى  أو أنّ الله سبحانه وتعالى  يقول للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: قل لهم: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ ادعوا كلّ قوى الأرض وبيّتوا بخفاء ولن تستطيعوا أن تضرّوا أحداً إلّا بإذن الله سبحانه وتعالى .

الآية رقم (196) - إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ

إنّ وليّي المتولّي أمري هو الله سبحانه وتعالى الّذي نزّل الكتاب، وهو يتولّى الصّالحين، فنعم المولى ونعم النّصير، فطالما أنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي يتولّى أمري ويتولّى شأني فهو النّاصر وهو المعين.

الآية رقم (197) - وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ

الحقيقة الّتي يجب أن يعلمها الجميع بأنّ من تلجؤون إليهم من دون الله سبحانه وتعالى لا يملكون أن ينصروا أنفسهم حتّى يقدّموا لكم النّصر أو يقدّموا لكم أيّة منفعة دنيويّة.

الآية رقم (198) - وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ

لماذا؟ لأنّه قد ران على قلوبهم نتيجة لظلمهم وضلالهم وكفرهم وإشراكهم وتكبّرهم على أوامر الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (199) - خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ

هذه آية جمع المولى سبحانه وتعالى فيها كلّ مكارم الأخلاق، فمع كلّ الكيد الّذي كادوه للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمره الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بالعفو، ما أجمل هذا الدّين العظيم! وكيف طبّق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما جاء في القرآن الكريم.

﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: عندما نتحدّث عن خلق العفو، فهذا الخلُق لم يكن موجوداً قبل الإسلام، ليس فقط في شبه الجزيرة العربيّة وإنّما في العالم بمجمله، فقد كان العالم بين صولة الفرس والرّومان وبين عصبيّات وهمجيّات وقتال، لا يعرف أحدٌ معنى كلمة العفو حتّى طبّقها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد أن حوصر وعُذّب هو وأصحابه، وبعد أن طُرد من مكّة المكرّمة، بل بعد كلّ ما جرى من قِبل المشركين، دخل فاتحاً إلى مكّة المكرّمة وعاد إلى وطنه، وها هم عُتلّات قريش الّذين عذّبوه واضطهدوه وآذوه وحاصروه وقتلوا أصحابه يقفون بين يديه منتظرين حكمه فيهم فيقول لهم: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟»، قَالُوا: خَيْراً، أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ: «فَإِنّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: من الآية 92]، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ»([1])، عفا عنهم جميعاً.

الآية رقم (200) - وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾: النّزغ: النّخس، نخس من الشّيطان فماذا تفعل؟

﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: الاستعاذة طلب المعونة والحفظ من الله سبحانه وتعالى، فأنت تطلب العون من الله سبحانه وتعالى أمام نزغ الشّيطان حتّى تُبعد هذه الوساوس عنك.

﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: يسمع كلّ ما يجري ويعلم كلّ ما هو حاصل وسيحصل، فاطمئن أيّها الإنسان، فإذا جاءك نزغ أي نخس من الشّيطان فاستعذ بالله؛ لأنّه يدخل عن طريق الوساوس والنّزغ، لذلك يكون على الإنسان الاستعاذة وطلب العون والحفظ من الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (201) - إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ

الشّيطان يجري من بني آدم مجرى الدّم، والشّيطان يؤدّي إلى الغضب والغضب يؤدّي إلى القتل، وإلى المشاجرات والمشاحنات، لكن الّذين اتّقوا أي جعلوا بينهم وبين صفات الجلال أو عذاب الله حاجزاً، إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان، أي خيال يطوف ليلاً؛ لأنّ الشّيطان لا يُرى فهو تخيُّل، فإذا جاء ومسّ طائف من الشّيطان تذكّروا أوامر الله سبحانه وتعالى  وتذكّروا أن يطلبوا المعونة من الله سبحانه وتعالى  كي يحفظوا أنفسهم من أيّ مسّ من الشّيطان، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾، ولم يقل: إذا لمسهم، هذه نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى  بأنّ الشّيطان لا يلمس الإنسان.

﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾: مبصرون؛ لأنّ البصر هو أن ترى النّور وترى الأمور على حقيقتها، فكان مقابل الطّائف من الشّيطان، وهذا الخيال أن ترى الحقائق، وأن ترى نور الله سبحانه وتعالى، كي تواجه وساوس الشّيطان.

الآية رقم (202) - وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ

الإغواء يكون من إخوان الشّياطين ومن وساوس النّاس، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [النّاس].

﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: أي لا يُبعدون المسافة عن غيّهم وعن إغوائهم للنّاس، إذاً هو تحالف الشّرّ ما بين شياطين الإنس وشياطين الجنّ.

الآية رقم (187) - يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾: هناك خمس عشرة آية وردت فيها أسئلةٌ للنّبيّ : جاءت كلّها بصيغة المضارع؛ أي أنّ السّؤال يحدث الآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَج﴾ ]البقرة: من الآية 189[، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ ]البقرة: من الآية 215[، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِير﴾ ]البقرة: من الآية 217[، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ]البقرة: من الآية 219[، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾]البقرة: من الآية 220[، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى﴾]البقرة: من الآية 222[، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾]المائدة: من الآية 4[، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾]الأعراف: من الآية 187[، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾]الأنفال: من الآية 1[، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ﴾ ]الإسراء: من الآية 85[، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾  ]الكهف[، كلّها جاء بعدها: ﴿قُلْ﴾، لكن في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ﴾ يوجد فيها (فاء)؛ أي أنّهم لم يسألوا بعد وإنّما سيسألون عن الجبال، أمّا بقيّة الأسئلة فقد سألوا، فجاء بعدها: ﴿قُلْ﴾ يا محمّد، باستثناء سؤالٍ واحدٍ وهو قوله سبحانه وتعالى : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ]البقرة: من الآية 186[، لم يأتِ بصيغة المضارع ولم يأتِ معه (قل) فحذف الله سبحانه وتعالى  كلمة (قل)؛ لأنّه بوجودها يصبح هناك حاجزٌ، بل قال مباشرةً: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ حتّى نشعر بقرب المسافات بيننا وبين ربّ الأرض والسّماوات جلّ وعلا.

﴿يَسْأَلُونَكَ﴾: هنا يسألونك كبقيّة الأسئلة، فمن الّذي سأل؟ اليهود سألوا عن ثلاث قضايا؛ سألوا عن ذي القرنين وعن السّاعة وعن المدّة الّتي مكث فيها فتية الكهف.

﴿عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: مرساها؛ أي ترسو، متى إثباتها ووقوعها؟

﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾: والإجابة لليهود وللعالم أجمع بأنّ السّاعة والوقت الّذي ستنتهي فيه حياة الكائنات كلّها علمها عند ربّي.

﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾: أي لا يظهرها لوقتها إلّا الله سبحانه وتعالى.

﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ثقلت؛ أي واقعها فوق احتمال السّماوات وأهل السّماوات وهم الملائكة، ولا يعرفون شيئاً عنها، وكذلك أهل الأرض.

﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: لن تأتي السّاعة إلّا بشكلٍ مُفاجئ.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾: حفيٌّ؛ أي دائم السّؤال عنها.

الآية رقم (188) - قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

أراد الله سبحانه وتعالى من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقول للنّاس: إنّما أنا عبدٌ من عباد الله لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلّا ما شاء الله جلّ جلاله، فكلّ شيءٍ متعلّقٌ بالمشيئة. فأنا بشرٌ أمرض وأقاتل وأنتصر وأُهزم وتمرّ عليّ أحوال البشر، فلو كنت أعلم الغيب ما كان مسّني السّوء، وهذه عظمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه صادقٌ في البلاغ عن الله سبحانه وتعالى في كلماته كلّها.

﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: وظيفتي أن أنذر النّاس من عذاب يوم القيامة، وأن أُبشّر الطّائعين بالجنّة، وأنا بشيرٌ ونذيرٌ لقوم يؤمنون بالله وليس لمن لا يؤمنون به جلّ جلاله، فهؤلاء لا ينفعهم إنذارٌ ولا بشارةٌ.

الآية رقم (189) - هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هذا ثابت علميّاً وتاريخيّاً، وطالما أنّ القرآن قال فقد صدق، والنّفس الواحدة هي آدم عليه السلام.

﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: أي حوّاء.

﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾: الزّوجة سكن ومودّة ورحمة، سكن الرّوح وسكن البشريّة، وهو أساس عمارة البيوت والعائلات.

﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾: تعبيرٌ مهذّبٌ راقٍ عن عمليّة الجماع بين الرّجل والمرأة الّتي تتمّ بالحلال، بأسلوب راقٍ يرتقي إلى أنّ هذه العمليّة هي عمليّة من أجل النّسل والذّريّة.

﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ﴾: بداية الحمل.

﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: مرّت بمراحل الحمل حتّى أثقلت في الشّهور الأخيرة.

﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾: عندما اقتربت الولادة دعا الأبُ والأمُّ اللهَ.

﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾: أي صالح القوام والخُلقة وصالح الخُلُق أيضاً، هنا تنطبق على المعنيين، في هذه اللّحظات وقبل الولادة يلجأ الأب والأمّ إلى الدّعاء إلى الله؛ لأنّها لحظات شدّة يدعوان بأن يكون هذا المولود صالح البنيان وصالحاً في حياته، صالحاً لعمارة الأرض، صالحاً في أخلاقه.

﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: أي نشكرك يا ربّ، والشّاكر هو الطّائع.

الآية رقم (174) - وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نبيّن الآيات والدّلائل الواضحة الّتي لا يحتاج معها الإنسان إلى كثيرٍ من التّفكير في أنّ الله سبحانه وتعالى هو الخالق؛ لأنّه يجد أنّ كلّ شيءٍ يدلّ على وجوده سبحانه وتعالى، فالموجودات كلّها تدلّ على الواجد جلّ وعلا.

﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعلّهم يرجعون عن غيّهم وضلالهم ويعودون إلى إيمانهم.

الآية رقم (190) - فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾: انظر للإنسان كيف هو كنودٌ كفّارٌ! عندما آتاهما الله سبحانه وتعالى المولود وكان صالحاً جعلا له شركاء، قال بعض المفسّرين: من شركهم أن يسمّونه: عبد الدّار وعبد العُزّى… المهمّ أنّ الكناية في هذا الأمر بأنّ الإنسان عندما يكون في شدّة يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى ، وعندما تذهب عنه الشّدّة يُشرك به عزّ وجلّ، وليس المقصود أن يضع وثناً أو حجراً أو صنماً يعبده، بل يعتقد بالأسباب بدلاً من الله سبحانه وتعالى .

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تعالى علوّاً كبيراً عن إشراك النّاس.

عن شدّاد بن أوس رضي الله عنه قال: بينما أنا عند رسول الله : إذ رأيت بوجهه أمراً ساءني فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله ما الّذي أرى بوجهك؟ قال: «أمر أتخوّفه على أمّتي من بعدي»، قلت: وما هو؟ قال: «الشّرك وشهوة خفيّة»، قال: قلت: يا رسول الله، أتشرك أمّتك من بعدك؟ قال: «يا شدّاد، أما إنّهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولا حجراً ولكن يراؤون النّاس بأعمالهم»([1])، أي عندما تعمل العمل فهذا العمل يكون رياءً ونفاقاً فتعالى الله سبحانه وتعالى  عمّا يشركون، كما يقول الله جلّ جلاله في الحديث القدسيّ: «أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»([2])، فعندما تعمل العمل يجب أن يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى.

 


([1]) المستدرك على الصّحيحين للحاكم: ج4، ص/366، الحديث رقم (7940).
([2]) صحيح مسلم: كتاب الزّهد والرّقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، الحديث رقم (2985).