الآية رقم (165) - وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ﴾: وكلمة: ﴿خَلاَئِفَ﴾ لها معنيان:

1- أي الإنسان إمّا هو خليفةٌ لله سبحانه وتعالى في الأرض؛ لأنّ الله جلَّ جلاله استأمنه على خلقه، واستخلفه في هذه الحياة الدّنيا.

2- أو يأتي بمعنى آخر: خلائف الأرض: أي واحدٌ يخلف الآخر، جيلٌ يخلف جيلاً، الأبناء يخلفون الآباء.. هذه المدينة إن كانت لكم الآن، فلن تكون لكم بعد مئة عام، ستصبح لغيركم.

﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾: مَن المرفوع ومن المرفوع عليه؟ الجواب: كلّ إنسانٍ هو مجموع المواهب الّتي تكون فيه، قد تكون أنت مرفوعاً في جانبٍ ويكون غيرك مرفوعاً في جانبٍ آخر، أنت أعطاك الله سبحانه وتعالى مثلاً طاقةً في الذّكاء، وأعطى غيرك طاقةً في العضلات، وأعطى فلاناً طاقةً في الخبرة، رفع الله سبحانه وتعالى بعضكم فوق بعضٍ درجاتٍ، هذا مرفوعٌ وهذا مرفوعٌ عليه.

﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾: ليمتحنكم وليختبركم فيما آتاكم.

الآية رقم (164) - قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾: أبغي: أريد، يناقشهم هل أبغي ربّاً غير الله، حجراً أو صنماً أو…

﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾: الله سبحانه وتعالى ربّ كلّ شيءٍ؛ لأنّه هو المعطي وهو المنعم.

﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾: انظر إلى عظمة القرآن الكريم، فالله تبارك وتعالى لم يقل: (ولا تكسب كلّ نفسٍ إلّا لها)، بل قال: ﴿إِلاَّ عَلَيْهَا﴾؛ لأنّك تعتقد أنّ الكسب إن لم يكن لله سبحانه وتعالى فهو لك، بل هو عليك؛ لأنّك ستحاسب عليه أين أنفقته؟، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تزول قدما عبدٍ حتّى يُسأل عن أربعٍ: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه»([1]).

﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: الوزر: هو الثّقل بمشقّة، كلّ إنسانٍ يحمل وزره، ولا يحمل وزر غيره إلّا إذا أضلّ غيره.

﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: قد كان الخصام والجدل والمحاكاة مع اليهود، فبيّن سبحانه وتعالى أنّ العودة إليه جلَّ جلاله، وهو الّذي ينبّئهم بما كانوا يختلفون فيه مع الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم ومع المسلمين، وهذا حال كلّ النّاس.


([1]) كنز العمّال: الجزء 14، ص371، الحديث رقم (38982).

الآية رقم (163) - لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ

﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: أُمرت بأن تكون العبادات والصّلاة خالصةً صافيةً لا شِرك فيها ولا رياء، لله سبحانه وتعالى لا شريك له.

﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أُنزِل عليّ الإسلام، فأنا أوّل من آمن بالإسلام، وكلّ الأنبياء أُخذ منهم العهد بأن يؤمنوا بالنّبيّ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فالنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو أوّل المسلمين.

الآية رقم (162) - قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

﴿قُلْ﴾: قل يا محمّد.

﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي﴾: الصّلاة هي عمدة الأركان؛ لأنّها لا تسقط عن الإنسان في حالٍ من الأحوال، فالحجّ من استطاع إليه سبيلاً، والصّيام كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: من الآية 184]، والزّكاة تحتاج لنصابٍ، فإن لم يبلغ المال النّصاب فلا زكاة فيه، وفي الصّلاة يوجد حجٌّ بالتّوجّه إلى الكعبة، وفيها صيامٌ؛ لأنّك صائمٌ عن الطّعام والشّراب أثناء الصّلاة، وفيها زكاةٌ؛ لأنّها اقتطاع جزءٍ من الوقت، والوقت هو أصل العمل، والعمل هو الّذي يعطي ثمرة المال والزّكاة.

﴿وَنُسُكِي﴾: كلّ عبادةٍ اسمها نُسك، ولكن اشتهرت بها مناسك الحجّ، مأخوذة من النّسيكة، وهي السّبيكة من الفضّة الّتي تصهر حتّى تكون صافيةً، فالنّسك أي العبادات يجب أن تكون خالصةً لله سبحانه وتعالى، أنت تفعل خيراً لكي يسجّله الله سبحانه وتعالى لك وليس من أجل أن يُقال عنك: محسنٌ كريمٌ، تصلّي ليس من أجل أن يُقال عنك: مصلٍّ، وتزكّي ليس من أجل أن يمدحك النّاس، وتحجّ ليس ليُقال عنك: الحاجّ فلان، يجب أن تكون صافيةً كالسّبيكة. إذاً الصّلاة والنّسك والعبادات بيدك.

﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾: هذه بيد الله سبحانه وتعالى.

﴿لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الحياة يجب أن تكون لله سبحانه وتعالى حتّى يكون الموت في طاعة الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (161) - قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

﴿قُلْ﴾: قل يا محمّد.

﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي﴾: أي دلّني ربّي.

﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: هو صراط الله سبحانه وتعالى، الصّراط الموصل إلى الغاية، والصّراط هو أقصر مسافةٍ بين نقطتين، بين الدّنيا والآخرة، بين الدّنيا والجنّة، وهو طريق الأنبياء عليهم السَّلام.

﴿دِينًا قِيَمًا﴾: قيماً تقوم عليه الحياة بالقيم، جاء غذاءً للرّوح، فالدّين كلّه قيمٌ وأخلاقٌ، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»([1])، الصّدق، الأمانة، الإيثار، المحبّة، التّعاون، العطاء، الغيرة.. كلّ السّيّئات الأخلاقيّة طرحها جانباً.

﴿مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾: حنيفاً: أي مائلاً عن الشّرك، والحنف هو الميلان؛ لأنّ اليهود كانوا يدّعون بأنّهم يتّبعون إبراهيم عليه السَّلام، وهو جدّ الرّسول وهو أبو الأنبياء عليهم السَّلام.


([1]) سنن البيهقيّ الكبرى: كتاب الشّهادات، باب بيان مكارم الأخلاق ومعاليها التي من كان متخلّقاً بها كان من أهل المروءة، الحديث رقم (20571).

الآية رقم (160) - مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ

﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ﴾: التّاء في كلمة الحسنة ليست تاء تأنيثٍ، إنّما هي تاء المبالغة، الحسنة هي الخير الّذي يورث الثّواب.

﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا﴾: عن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيما يروي عن ربّه عزَّ وجلّ قال: «إنّ الله كتب الحسنات والسّيئات ثمّ بيّن ذلك، فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسناتٍ إلى سبعمئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ، ومن همّ بسيئةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له سيّئةً واحدةً»([1])، ما هذه العظمة؟ وما هذه الرّحمة من الله سبحانه وتعالى؟ الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعافٍ مضاعفةٍ، قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة].

﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾: هذه قمّة العدل مع الرّحمة.


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الرّقاق، باب من همّ بحسنةٍ أو بسيّئةٍ، الحديث رقم (6126).

الآية رقم (159) - إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾: يفرّقون الدّين؛ لأنّهم يناقضون منهج السّماء، فالدّين أمر بالوحدة، وأمر أن يكون النّاس في صفٍّ واحدٍ، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: من الآية 103].

﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾: كلّ دعوةٍ دينيّةٍ تفرّق النّاس فهي ليست من الدّين؛ لأنّها تخالف وتناقض منهج السّماء، فإنّ الّذين فرّقوا دينهم لست منهم يا محمّد في شيءٍ؛ لأنّ كلّ دعوات التّفرقة والتّمزيق والطّائفيّة هي دعواتٌ لا علاقة لها بالدّين؛ لأنّ الدّين يدعو إلى الوحدة.

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾: ينبّئهم يوم القيامة بما فعلوا في هذه الحياة الدّنيا.

الآية رقم (158) - هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ

ملائكة الموت عندما تأتي وتبسط أيديها تقول لهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: من الآية 93].

﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: الإتيان من الرّبّ هل هو كالإتيان من البشر؟ الجواب: الله سبحانه وتعالى كما أخبر جلَّ جلاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشّورى: من الآية 11]، فأنت تبصر والله سبحانه وتعالى بصيرٌ، فهل أنت ببصرك كما هي صفات الله سبحانه وتعالى؟ الإتيان من الرّبّ ليس هو انخلاعٌ من مكانٍ إلى مكانٍ، فهذا يكون للإنسان، فعندما يقول النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ينزل الله إلى السّماء الدّنيا كلّ ليلةٍ حين يمضي ثلث اللّيل الأوّل فيقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الّذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الّذي يسألني فأعطيه، من ذا الّذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتّى يضيء الفجر»([1])، فإنّه جلَّ جلاله ينزل نزولاً يليق بجلاله وبكمال صفاته، وليس هو نزولٌ من مكانٍ إلى مكانٍ، وليس هو إتيان انخلاعٍ من مكانٍ إلى مكانٍ، الإتيان من الرّبّ بالنّسبة لنا غير معلومٍ، لكنّ المعلوم هو أنّه ليس كمثله شيءٌ.

الآية رقم (157) - أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ

﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾: لو أنزل علينا التّوراة لكنّا أهدى، ولأخذنا أكثر ممّا أخذ اليهود.

﴿فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: البيّنة هي القرآن الكريم.

﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾: الهدى: هو الطّريق الموصل إلى الغاية، إذاً فيه هدىً ورحمةٌ لكم.

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ﴾: الإنسان عندما يظلم نفسه يكون أظلم ممّن يظلم غيره.

﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: أي انصرف وأعرض عنها.

﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا﴾: هم انصرفوا عنها وصرفوا غيرهم عن آيات الله سبحانه وتعالى.

﴿سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾: أي بما كانوا يعرضون ويصرفون أنفسهم وغيرهم عن ذكر الله سبحانه وتعالى وعن كتابه وعمّا جاء به رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم.

الآية رقم (156) - أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ

الخطاب الآن للعرب وللمشركين الّذين كانوا في المدينة ولقريش ولكلّ النّاس الّذين ناهضوا الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم من غير اليهود.

﴿أَن تَقُولُواْ﴾: لمشركي مكّة ومشركي المدينة.

﴿إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾: من أجل ألّا تقولوا: أنزل على اليهود التّوراة، وعلى النّصارى الإنجيل، ونحن لم ينزل علينا شيءٌ.

﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾: لأننّا أمّيّون لا نعرف أيّ شيءٍ.

الآية رقم (155) - وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

﴿وَهَذَا﴾: الحديث هنا عن القرآن الكريم، ﴿وَهَذَا﴾: إشارةٌ لشيءٍ تقدّم، وعندما تأتي: ﴿وَهَذَا﴾ إشارةٌ لمتعيَّنٍ لا ينصرف الذّهن إلّا إليه، ولا ينصرف الذّهن إلّا إلى القرآن الكريم لعظمة كتاب الله جلَّ جلاله.

﴿كِتَابٌ﴾: لأنّه مكتوبٌ في السّطور محفوظٌ في الصّدور، هذا الكتاب كُتب بعد أن حُفظ واسُتخرج من صدور الحافظين.

﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: وهو الإنزال من الله سبحانه وتعالى عن طريق جبريل الأمين عليه السَّلام، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدّخان].

﴿مُبَارَكٌ﴾: أكثر صفةٍ وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى هي ﴿مُبَارَكٌ﴾، ومباركٌ، أي: هناك حجمٌ، هذا الحجم لا يتناسب مع العطاء، لا تنقضي عجائبه، هذا يقرأ القرآن الكريم فيأخذ منه، وهذا يقرأ القرآن الكريم فيأخذ منه، وهذا يقرأ القرآن الكريم منذ ألف عامٍ، فيأخذ منه ويصلح له، وهذا يقرأ القرآن بعد ألف عامٍ وحتّى يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها فيأخذ منه.. فإذاً عطاؤه متجدّدٌ، وإذا مثّلنا الأمر بالطّعام الّذي يكفي اثنين، فأكل منه عشرةٌ فنقول: هذا الطّعام فيه بركةٌ، أي أنّ حجمه قليلٌ ولكنّ عطاءه كبيرٌ، مباركٌ، عطاء القرآن يتناسب مع قدرة العقول البشريّة في كلّ زمانٍ، فأنت في كلّ زمنٍ تأخذ من القرآن الكريم ما يناسب عقلك البشريّ، فعندما تقرأ وأنت في القرن الواحد والعشرين أو الثّاني والعشرين أو الثّالث والعشرين أو الرّابع والعشرين فإنّك ستجد بأنّ كلّ كلمةٍ من كتاب الله سبحانه وتعالى تتناسب مع استطاعة وقدرة العقل بما استوعب من علومٍ واكتشافاتٍ حديثة، وهي لا تناقض القرآن الكريم؛ لأنّه كلام الله سبحانه وتعالى المنزّل على رسوله محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وعجائبه لا تنقضي كما قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الّذي رواه سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنها ستكون فتنة»، قال: قلت: فما المخرج؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى -أو قال: العلم- من غيره أضلّه، هو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، وهو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلقُ عن كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه»([1]).

الآية رقم (153) - وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾: أي قل لهم يا محمّد: إنّ هذا صراطي، والصّراط: هو السّبيل والطّريق الموصل إلى الغايات.

﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾: كان الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم جالساً مع أصحابه فخطّ خطّاً مستقيماً، وخطّ على جانبيه عدّة خطوط، ثمّ قرأ الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾، أي عن سبيل محمّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا هو أمر الله سبحانه وتعالى.

﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: هنا قال: ﴿تَتَّقُونَ﴾؛ لأنّ سبيل محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم هو سبيل التّقوى وهو سبيل جوامع الخير.

قال كعب الأحبار: هذه هي الوصايا العشر الّتي جاءت لسيّدنا موسى عليه السَّلام في التّوراة، وهذه الأمور الأخلاقيّة القيميّة المعنويّة الّتي تعطي نور القيم للإنسانيّة جميعاً إنّما جاءت في كلّ الأديان، ولم تُنسخ في أيّ دينٍ، ففي كلّ الأديان هي محرّمةٌ على النّاس جميعاً.

الآية رقم (137) - وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

﴿وَكَذَٰلِكَ﴾: أي بذلك زيّن لكثيرٍ من المشركين قتل أولادهم. فقد كان من عادات العرب في الجاهليّة قتل أولادهم عند الولادة إذا كانوا لا يمتلكون المال الكافي للإنفاق عليهم، بالإضافة إلى عادة وأد البنات، فبيّن الله سبحانه وتعالى لنا في آيتين منفصلتين ما يتعلّق بموضوع قتل الأولاد، فقال جلَّ جلاله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ﴾ [الأنعام: من الآية 151]، والإملاق: الفقر، وفي آيةٍ أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ﴾ [الإسراء: من الآية 31]، والفرق بين الآيتين أنّه عندما قال الله سبحانه وتعالى في الأولى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾: أي من فقرٍ واقعٍ عليكم الآن؛ لأنّه قال بعدها: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ﴾، فأنت في حالة فقرٍ، والله سبحانه وتعالى تكفّل برزقهم بعد ولادتهم، أمّا عندما قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ:﴾ أي خوفاً من الفقر إذا جاءكم أولادٌ، فقال سبحانه وتعالى: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، أي يأتي الولد ورزقه معه، فهذا القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النّساء].

الآية رقم (152) - وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: قال: بالّتي هي أحسن، ولم يقل: بالحسنى، فأيّ شيءٍ أحسن؟ مال اليتيم هو أمرٌ عظيمٌ، وإكرام اليتيم هو أمرٌ في نصّ القرآن الكريم؛ لأنّ اليتيم فقد أباه، وهو بحاجةٍ للمجتمع، لذلك نجد في القرآن الكريم: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون]، من الّذي يكذّب بالدّين؟ هل هو الّذي لا يصلّي ولا يصوم ولا يحجّ؟ الجواب: لا، فقد أتى إلى جزئيّةٍ مهمّةٍ؛ ليعلمك المولى سبحانه وتعالى بأنّ الدّين إنّما جاء من أجل كلّ البشر، فقال جلَّ جلاله:

﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ ][الماعون]، يمنعون الخير، الماعون: هو المعونة، ويراؤون: أي يعملون للنّاس ولا يعملون لربّ النّاس، فإذا عملت لربّ النّاس فقد ضمنت المجتمع، هذا هو الدّين، وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خير بيتٍ في المسلمين بيتٌ فيه يتيمٌ يُحسن إليه، وشرّ بيتٍ في المسلمين بيتٌ فيه يتيمٌ يُساء إليه، أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا» وأشار بالسّبابة والوسطى([1])، والنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو اليتيم الأوّل، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ [الضّحى]، وهنا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾، حتّى لا يخطر ببالك أن تقترب من مال اليتيم،﴿ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي أن تثمّر هذا المال لصالح اليتيم حتّى يبلغ أشدّه، ويستطيع التّصرّف بماله.

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾: انظر كم هو أمرٌ مهمٌّ المساواة بين النّاس وعدم غشّهم وخداعهم.

﴿بِالْقِسْطِ﴾: أي بالعدل.

﴿الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾: الكيل للأحجام، والوزن للكثافة، فيجب أن توفّي المكيال وأن تقسط في الميزان.

الآية رقم (151) - قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾: الخطاب للنّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، المحرّمات الّتي وردت في الآيتين القادمتين محرمّاتٌ تتعلّق بالقيم المعنويّة وبالحياة الرّوحيّة، حياة القيم، وليس بالطّعام والشّراب، بينما كلّ ما ورد في الآيات السّابقة كان عن الطّعام والشّراب ما هو حلالٌ وما هو حرامٌ منهما.

﴿تَعَالَوْا أَتْلُ﴾: من التّلاوة والقراءة، لكن عندما يقول المولى عزَّ وجلّ: تعالوا، أي أقبلوا إلى أوامر الله سبحانه وتعالى بعلوٍّ؛ لأنّكم تأخذون من الأعلى، من الله سبحانه وتعالى ولا تأخذون من المساوي والمكافئ لكم من البشر.

﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾: ماذا حرّم الله سبحانه وتعالى؟ الجواب: هناك خمسة أمورٍ حرّمها الله سبحانه وتعالى وجعلها وصيّةً: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾: ما الفارق بين الوصيّة والأحكام؟ الجواب: الوصيّة تضمّ أمّهات المسائل في التّشريع، فعندما يموت إنسانٌ يُقال: قد وصّى هذه الوصيّة، والوصيّة تكون خلاصة تجربته في الحياة، كالوصايا الّتي وردت في خطبة النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حجّة الوداع حيث قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتّى تلقوا ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلّغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلّغت»([1]).

الآية رقم (150) - قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾: يا محمّد، قل لهم أن يأتوا بشهدائهم ليشهدوا فيفضح الله سبحانه وتعالى الشّهود أمام المشهود أمامهم.

﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: الهوى: شهوةٌ ترد إلى الذّهن فتجعله يعدل عن الحقّ.

من المؤكّد أنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام لا يتّبع أهواء الّذين كذّبوا بآيات الله تبارك وتعالى، إنّما هو أمرٌ للأمّة جميعاً من خلاله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.

﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: لماذا يأتي دائماً الإيمان بالآخرة؟ والجواب؛ لأنّ الآخرة هي مناط الحساب والعقاب، وأنّ الإنسان إن لم ينظر إلى الآخرة ونظر إلى الدّنيا فقط فإنّ المشهد سيكون ناقصاً، فالعدالة الإلهيّة والثّواب والعقاب والحساب إنّما يكونون في الجزء الثّاني من المشهد وهو اليوم الآخر، وإن أغفلت هذا الجزء تخبّطت في الجزء الأوّل من المشهد وهو الحياة الدّنيا.

﴿وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: أي يجعلون النّاس والأحبار واليهود والأصنام مساويةً لله جلَّ جلاله.

الآية رقم (149) - قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾: الحجّة هي الدّليل الّذي نقيمه لتأييد القول في الجدال، فالله سبحانه وتعالى له الحجّة البالغة، مثال: حجّة الملكيّة، أي: الدّليل على ملكه لكلّ ما في السّماوات وما في الأرض.

﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: لو شاء الله لجعل النّاس كلّهم مؤمنين، لكنّه سبحانه وتعالى لا يريد قوالباً خاضعةً، بل يريد قلوباً ناصعةً مختارةً، وهذا هو الفرق.

الآية رقم (148) - سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾: هم لم يقولوا بعد، ومع ذلك عندما جاء القرآن الكريم وقال: بأنّهم سيقولون هذا، فقد قالوه، فإنّ عدوّ الله سبحانه وتعالى يؤدّي الدّليل على صدق الله عزَّ وجلّ.

وهذه شبهةٌ تشبّث بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرّموه، فيقولون: إنّ الله مطّلعٌ على ما نحن فيه من الشّرك والتّحريم، وهو قادرٌ على تغييره بأن يُلهمنا الإيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر، فلم يغيّره، فدلّ ذلك على أنّ ما نحن فيه بمشيئته وإرادته ورضاه، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزّخرف].

هنا يجب أن ننتبه بأنّهم قد جاؤوا بقضيّةٍ في العقيدة وقضيّةٍ في التّكاليف، في العقيدة أنّه: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، فيجب أن ننتبه أنّ هناك مشيئةً كونيّةً لله سبحانه وتعالى ومراداً شرعيّاً، المشيئة الكونيّة لله سبحانه وتعالى لا يستطيع أحدٌ الخروج عنها، بالمعنى العامّ، صحيحٌ لو شاء الله عزَّ وجلّ ما أشركوا لا هم ولا آباؤهم؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس]، ولو شاء لأتى النّاس جميعاً طائعين له سبحانه وتعالى، فإذاً من مشيئة الله عزَّ وجلّ أن جعل لك مشيئةً، قال سبحانه وتعالى: ﴿مَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾  ۚ[الكهف: من الآية 29]

الآية رقم (147) - فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ

﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾: يا محمّد.

﴿فَقُل رَّبُّكُمْ﴾: هل قال: (ذو عذابٍ شديدٍ؟)، الجواب: لا، بل قال: ﴿ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾، لكن إيّاكم أن تطمعوا بالرّحمة الدّائمة، إنّها رحمة تأجيلٍ.

﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾: سيأتي بأسه، ولن يُردّ عن القوم المجرمين.

الآية رقم (146) - وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: هنا تحريم تأديبٍ، وليس تحريم ضررٍ، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يؤدّبهم، فحرّم على اليهود ما هو حلالٌ لغيرهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النّساء]؛ لأنّهم ظلموا حُرِّمت عليهم هذه الطّيبات.

﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: كلّ شيءٍ ليس بمشقوق الأصابع، فالبعير لا ينفرج خفّه، وكذلك خفّ النّعامة، وقائمة الوز، فاليهود لا تأكل الإبل ولا النّعام ولا الوز، ولا كلّ شيءٍ لم تنفرج قائمته.

﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾: إلّا ما علق على الظّهر من الشّحوم.

﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: يعني الأمعاء.

﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: إلّا ما اختلط من الشّحوم بالعظام فقد أحللناه لهم، كشحم الألية اختلط بالعصعص، فهو حلالٌ، وكلّ شيءٍ في القوائم والجنب والرّأس والعين وما اختلط بعظمٍ، فهو حلالٌ.

﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: ذلك جزيناهم ببغيهم واعتدائهم، فهذا التّضييق إنّما فعلناه بهم وألزمناهم به مجازاةً لهم على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، فهو تحريم تأديبٍ، فالإبل والنّعام والبطّ والإوز حُرّم تأديباً على اليهود حصراً، وأحلّ لهم ما فوق الظّهر من الشّحم -كما قلنا- والأمعاء وما اختلط بعظم.