الآية رقم (109) - يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ

أهذا سؤالٌ للرّسل أم أنّه لمن أُرسل إليهم الرّسل؟ والجواب: هي حجّةٌ على النّاس وليس على الرّسل عليهم السَّلام.

﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: ماذا أجابكم النّاس؟ هذا اليوم هو يوم الآخرة، يوم الحساب، هو اليوم الّذي يقف فيه النّاس جميعاً بين يدي الله سبحانه وتعالى ربّ العالمين، في هذا اليوم يجمع الله عزَّ وجلّ الخليقة والرّسل عليهم السَّلام، فيقول: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ ما هو جواب النّاس على الرّسالات الّتي أُرسلت إليهم من قِبَلي؟ انظروا لأدب الإيمان مع الله سبحانه وتعالى ودقّة الإجابة:

﴿قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب﴾: لماذا؟ الجواب: أوّلاً؛ لأنّ الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتصديق الرّسل يحتاج إلى نيّاتٍ، ويقول صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لامرىءٍ ما نوى»([1])، فقد يكون هناك منافقون كُثُر، وقد يكون هناك أناسٌ تابوا عند الموت، إذاً: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب﴾؛ لأنّك تعلم الغيب، وتعلم السّرّ وأخفى، حتّى لو علمنا جزءاً فإنّك تعلمه وتعلم الكلّ، وتعلم نيّات هؤلاء النّاس مَن كان منهم قد أطاعنا فيما أمرتَ به سبحانك. فهذا مِن دقّة الجواب الإيمانيّ من قِبَل الرّسل عليهم السَّلام؟!

 


([1]) سنن أبي داود: كتاب الطّلاق، باب فيما عني به الطّلاق والنّيّات، الحديث رقم (2201).

الآية رقم (108) - ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾:  إذاً تحريرٌ للعدل فهذا أقرب أن تكون الشّهادة على وجهها الصّحيح حين تؤكّد عليهما تلك التّأكيدات، شهادة بما وصّى به تماماً حين الموت.

﴿أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أو خشية من أن تردّ اليمين الكاذبة من قِبَل أصحاب الحقّ بعد حلفهم، فيفتضح الكاذب الّذي ردّت يمينه في الدّنيا وقت ظهور خيانته.

﴿وَاتَّقُوا اللّهَ﴾: والقضيّة هي قضيّة تقوى لله سبحانه وتعالى، ويجب نقل الشّهادة بدقّةٍ، وتكون الوصيّة أمانةً؛ لذلك النّاس الّذين يناقشون بالشّهود والشّهادة، نقول لهم كلمّةً مهمّة: الشّهادة ليست عملُ عقلٍ، وإنّما هي أمانةُ نقلٍ.

﴿وَاسْمَعُواْ﴾: أي أطيعوا واستجيبوا.

﴿وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: الفسوق: خروجٌ عن الطّاعة؛ فلأنّهم خرجوا عن الطّاعة لا تكون معهم الهداية.

الآية رقم (107) - فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ

﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾:  أي إن شُكّ على أنّهما كذبا.

﴿فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ﴾:  هذه قضيّة تحرّي عن العدل وعن الحقّ، أي إن أصبح هناك شكٌّ بأنّ شهادة الوصيّة غير صحيحةٍ فيُحضروا اثنين آخرين، فيحلفان: إنّ هؤلاء لكاذبون، ولم تكن الوصية كذلك.

﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: هنا نستقصي الحقّ لإقامة العدل، هذا هو المقصود في الإسلام.

الآية رقم (106) - يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ

تعطي هذه الآية الكريمة الإنسان موضوعاً مهمّاً يتعلّق بالوصيّة، فعليه أن يدبّر أمر نفسه وهو مقبلٌ على حياته الآخرة، فأهمّ شيءٍ بموضوع الوصيّة إسقاط الدّيون، والّذي يوصي قبل الموت في غير ما يتعلّق بالميراث كما حدّد النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنّما يوصي اعتقاداً منه أنّه يجب عليه أن يترك هذه الدّنيا وقد فعل ما يستطيع من خيرٍ، وأن تكون هذه الوصيّة هي آخر ما قام به من عملٍ يرضي به وجه الله سبحانه وتعالى.

﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: تأتي كلمة شهادة من مشهد، شهد الأمر: أي الّذي تشاهده، الدّين حقٌّ، والوصيّة هي تبرّعٌ، توصي بمالك الّذي حدّده النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، حيث قال: «إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقٍّ حقّه، ألا لا وصيّة لوارث»([1])، يجب أن ننتبه لهذه النّقطة.

الآية رقم (120) - لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾: فمن يملك السّماوات والأرض يملك طلاقة القدرة في التّصرّف فيما بين السّماء والأرض في الملكوت وفي الـمُلك.

﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾: توقف علماء اللّغة هنا؛ لأنّ (ما): تستخدم لغير العاقل، و(مَن): تستخدم للعاقل، فعندما يتحدّث عن هذا اليوم تستوي فيه كلّ الخليقة، يشمل العاقل وغير العاقل؛ لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾.

﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾: أتبعها بأنّه على كلّ شيءٍ، مهما كان ومهما صغُر ومهما كبُر فهو قديرٌ، وله الـمُلك وله المشيئة وله طلاقة القدرة سبحانه، فهو يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء، فمشيئة الله سبحانه وتعالى بأن يغفر للمؤمنين وأن يعذّب الكافرين والمشركين، فلا ينصّب أحدٌ من البشر نفسَه قاضياً ليقضي بين النّاس ويقول: هذا مؤمنٌ وهذا غير مؤمنٍ، وهذا يدخل الجنّة وهذا يدخل النّار، هذه فقط لله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (119) - قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾؛ لأنّ صدق الدّنيا يؤدّي إلى النّفع في الآخرة، عندما كنت صادقاً مع ربّك كان الرّضا من الله سبحانه وتعالى.

﴿رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾:  أي رضوا عن عطاءات الله سبحانه وتعالى الّتي لا تخطر على قلب بشرٍ، ففيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، وهذا هو الفوز العظيم.

الآية رقم (116-117) - وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ - مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

هذا ممّا يخاطب الله سبحانه وتعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السَّلام قائلاً له يوم القيامة: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ﴾ فيكون جواب سيّدنا عيسى عليه السَّلام: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ….﴾: إن كان صدر منّي هذا فقد علمتَه يا ربّ، فإنّه لا يخفى عليك شيءٌ، مَا قلته ولا أردته في نفسي، ولا أضمرته.

﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾: أي ما دعوتهم إلّا إلى الّذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه.

الآية رقم (115) - قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ

هنا استجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء السّيّد المسيح عليه السَّلام.

﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِين﴾: لأنّك قد رأيت بعينيك المعجزة الدّالّة، فإن كفرت بعد ذلك أيّها الإنسان عند رؤيتك المعجزة سيكون العذاب مغلّظاً ومشدّداً.

طلب الحواريّون من السّيّد المسيح عليه السَّلام مائدةً، فبدّل السّيّد المسيح الطّلب بأن تكون آيةً وعيداً عبر كلّ زمانٍ دالّةً على وجود الله سبحانه وتعالى، وعندما قال الله سبحانه وتعالى للحواريّين: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾  قال لهم بعد نزول المائدة: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِين﴾ لذلك نرى في نهاية السّورة قال السّيّد المسيح: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾.

الآية رقم (105) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

معركةٌ مستمرّةٌ بين فريقين، فريق الهداية وفريق الضّلال، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، ويقول جلَّ جلاله: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران]، ويقول عزَّ وجلّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر]، ويقول النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الدّين النّصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم»([1])، يمكن أن يعتقد الإنسان أنّ المقصود من الآية الكريمة أنّه عليه الاهتمام بنفسه دون النّظر إلى مجتمعه، ولكنّ معنى الآية الكريمة ليس كذلك بدليل أنّ سيّدنا أبا بكرٍ الصّدّيق رضي الله عنه صعد المنبر وقال: يا أيّها النّاس، إنّكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وإنّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «إنّ النّاس إذا رأوا ظالماً فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقابٍ»([2])

الآية رقم (114) - قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

دعا السّيّد المسيح عليه السَّلام الله جلَّ جلاله بقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾: استخدم عبارتين: (اللّهمّ) و(ربّنا)، هناك صفة الألوهيّة وصفة الرّبوبيّة، بصفة الألوهيّة قدّم الطّاعة، وصفة الألوهيّة تكون بالتّكليف الإيمانيّ، وأمّا صفة الرّبوبيّة، فالرّبّ: هو المتوليّ بالنّعم والعطاء.

﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ﴾: بدّل السّيّد المسيح عليه السَّلام طلب الحواريّين، هم طلبوا من الزّاوية الماديّة: ﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِين﴾، المعجزات خرق اقتدارٍ من مقتدرٍ، وخرقٌ لنواميس الكون، وليس سبق ابتكار، لكنّ السّيّد المسيح عليه السَّلام قال: ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ﴾، أي اجعلها آيةً معجزةً إيمانيّةً، وعيداً: العيد لحدثٍ عظيمٍ، إذاً أخذ النّاحية القيميّة، بعد ذلك فقال:

﴿وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِين﴾: والرّزق ليس فقط بالطّعام، لم يقل: نأكل منها، بل قدّم: ﴿عِيداً﴾؛ لأنّه ناحيةٌ قيميّةٌ، وقدّم: ﴿وَآيَةً مِّنكَ﴾؛ لأنّها معجزةٌ حتّى تكون عيداً لنا لأوّلنا وآخرنا عبر كلّ الزّمان والمكان، تكون هذه المائدة هي آيةً دالّةً معجزةً.

الآية رقم (118) - إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

انظر لأدب السّيّد المسيح عليه السَّلام في الطّلب من الله عزَّ وجلّ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾،  يا ربّ، أنت الّذي خلقت، وهؤلاء عبادٌ من عبادك، فإن تعذّبهم فطلاقة القدرة والمشيئة لا نتدخّل بها، ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾، لم يقل: (الغفور الرّحيم)، وهذا يثبت دقّة الأداء القرآنيّ، فلو كان الإنسان هو من كتبه لكتب: (إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرّحيم)، لا يصحّ أن يقول السّيد المسيح: الغفور الرّحيم؛ لأنّه يصبح وكأنّه قد استند على مغفرة الله سبحانه وتعالى ورحمته ليغفر لهم، لكنّه استند على عزّة الله جلَّ جلاله وحكمته. العزيز: أي المستغني عن عبادة خلقه، الّذي لا يُغلب. والحكيم: الّذي يضع الشّيء في نصابه فأنت الّذي تعلم إن كانوا يستحقّون المغفرة أو لا، وهذا من دقّة القرآن الكريم.

الآية رقم (113) - قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ

فأجاب الحواريّون السّيد المسيح عليه السَّلام بقولهم:

أوّلاً: رزقٌ نريد أن نأكل منها؛ لأنّها مائدةٌ من السّماء، ثانياً: لنطمئن على الكيفيّة، إذاً هي تثبيتٌ لإيمانهم.

﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِين﴾: تكون معجزةً للجميع قد شهدنا عليها.

الآية رقم (111) - وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

بعد أن عدّد الله سبحانه وتعالى النّعم الّتي أنعمها على السّيّد المسيح عليه السَّلام فيما يتعلّق بالتّأييد بروح القُدس وكلامه للنّاس في المهد وكهلاً، والمعجزات الّتي جاء بها.. الآن يذكر سبحانه وتعالى ما يتعلّق بمن آمن بالسّيّد المسيح عليه السَّلام؛ لأنّه ذكر مَن كفر فقال: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ﴾.

التّعريف اللّغويّ للحواري: الدّقيق النّقيّ الصّافي، فالحواريّون اصطلاحاً: المخلصون المحبّون لمنهج الله سبحانه وتعالى، هؤلاء الّذين آمنوا بالسّيّد المسيح عليه السَّلام وكانوا من تلامذته.

﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾: الوحي: هو الإعلام بخفاءٍ، أي ألهمت هؤلاء الإيمان.

﴿أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾: فعند إيمانك بالله سبحانه وتعالى لا بدّ أن تؤمن بالرّسول الّذي أرسله الله عزَّ وجلّ.

﴿قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُون﴾: الإسلام بمعناه العامّ: هو الاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى وطاعته والانقياد له جلَّ جلاله فيما أمر وفيما نهى.

الآية رقم (112) - إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

هؤلاء المخلصون المؤمنون المحبّون لمنهج الله سبحانه وتعالى الأنقياء الأتقياء عندما رأوا السّيّد المسيح عليه السَّلام يستطيع فعل كلّ هذه المعجزات بإذن الله عزَّ وجلّ، طلبوا منه -وكأنّه تحقيقٌ للإيمان- أن يروا بأعينهم، كما قال إبراهيم عليه السَّلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: من الآية 260]، هو يؤمن بأنّ الله محيي الموتى، ولكنّه يريد الرّؤية للكيفيّة، وعلى هذا المنوال قال الحواريّون وهم مؤمنون: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء﴾؛ لذلك سمّيّت سورة (المائدة).

﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾: كيف تقول: إنّ الحواريّين وهم مؤمنون بالله سبحانه وتعالى ومؤمنون بالسّيّد المسيح عليه السَّلام ويقولون: هل يستطيع؟ والجواب: من صفات الرّبّ والإله أنّه قادرٌ على كلّ شيءٍ، وكلمة ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ هنا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾: أي هل يستجيب ربّك لطلبنا يا عيسى بأن ينزل علينا مائدةً من السّماء، فكان جواب السّيّد المسيح عليه السَّلام: ﴿اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾، حوّلهم من المعجزة الحسّيّة إلى القيم الإيمانيّة، فلا يجوز أن تقترحوا على الله سبحانه وتعالى المعجزة. فانظر لجواب السّيّد المسيح الإيجابيّ وانظر لدّقّة الإجابة.

الآية رقم (110) - إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ

من بين الرّسل اختصّ الله سبحانه وتعالى سيّدنا عيسى ابن مريم عليه السَّلام بقوله: ﴿يَاعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ ردّاً على كلّ افتراءات اليهود وما فعلوه مع سيّدنا المسيح عليه السَّلام، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يعدّد النّعم الّتي أنعمها على السّيّد المسيح عليه السَّلام وهذا من باب التّكريم العظيم بالقرآن الكريم للسّيّد المسيح عليه السَّلام، ليحاسب اليهود على ما اقترفوه بحقّه عليه السَّلام، ومحاولتهم قتله وصلبه، ولكنّ الله جلَّ جلاله رفعه إليه ونجّاه منهم.

﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: روح القدس: جبريل عليه السَّلام.

﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾: مجرّد كلامه بالمهد هو تبرئةٌ للسّيّدة مريم البتول، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم]، فتكلّم في المهد دفاعاً عن السّيّدة مريم عمّا افتراه اليهود بحقّها.

الآية رقم (90) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: النّداء للمؤمنين، عندما تأتي: يا أيّها الّذين آمنوا، فهناك وظائف إيمانيّة، هناك: افعل ولا تفعل، هناك حلالٌ وحرامٌ، والسّبب بالتّوّجه للمؤمنين بأنّهم آمنوا بالله سبحانه وتعالى، فهم يعلمون أنّ الطّاعة لأمر الآمر وليس للعلّة الّتي يعتقدها الإنسان، فإن تبيّنت الحكمة فهذا جميلٌ وعظيمٌ، وإن لم تتبيّن الحكمة فإنّنا نتعبّد إلى الله سبحانه وتعالى ونطيعه فيما أمر.

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة قصر، فعندما تقول: إنّما زيدٌ مجتهدٌ، فإنّك قصرت الاجتهاد على زيدٍ.

﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: هناك أمرٌ حسّيٌّ وهو الخمر، وأمورٌ معنويّةٌ هي الميسر والأنصاب والأزلام.

الآية رقم (89) - لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: جاءت هذه الآية لكلّ ما يتعلّق بالأيمان الّتي يطلقها الإنسان لغواً.

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾:   أي: لا يعاقبكم، فليس هناك عقوبة على اللّغو في الأيمان، ما هو اللّغو؟ هو الشّيء الّذي يجري على اللّسان دون قصدٍ قلبيّ، مثال: والله لا أريد الذّهاب لمكان كذا… هذه أيمان، قسمٌ ويمينٌ، وهذا لغو؛ لأنّه يجري على اللّسان وليس له مرورٌ على القلب وتمكينٌ أو قصدٌ.

﴿وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾: عقّدتم وليس عقَدتم، أي تمّ جزم الأمر بالقلب، والثّبات عليه، وعندما قال الله سبحانه وتعالى عن امرأة العزيز: ﴿وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ﴾ [يوسف: من الآية 23]، لم يقل: غلَقت الأبواب بل قال: غلّقت، أي أحكمت إغلاق الأبواب عن قصد، وهنا عقّدتم كغلّقتم أي هناك إحكامٌ وجزمٌ في القلب على الأيمان، عندها يؤاخذكم الله سبحانه وتعالى، وله كفّارةٌ، فالمؤاخذة هنا ليست عقوبةً وإنّما كفّارةٌ، وهذا من رحمة الله عزَّ وجلّ، فإذا حلف إنسانٌ يميناً وهو عاقدٌ ومرّ هذا الأمر في القلب وله قصدٌ قلبيٌّ، ويريد الرّجوع عن اليمين جعل له كفّارةً أي ستراً، فكلّ كلمة كفرٍ تأتي بمعنى السّتر، أي ستر العقوبة بهذه الكفّارة، وفيها زجرٌ للذّنب أو زجرٌ للنّفس وجبرٌ للذّنب.

الآية رقم (88) - وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ

﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: كلّ ما ينتفع به هو رزقٌ، فالعلم رزقٌ، والجاه رزقٌ، والصّحّة والماء والطّعام.. كلّ ذلك يسمّى رزقاً، لكن هنا يتعلّق بالطّعام.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: بدأ الحديث بقوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الّذين آمنوا) وانتهى بقوله: ﴿الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾، وهذا تسويرٌ وإحاطةٌ للطّاعةِ بإيمانين: الإيمان الأوّل المخاطبة بالنّداء، والثّاني بالعمل.

وتقوى الله سبحانه وتعالى هي الّتي تقي الإنسان من غضب الله عزَّ وجلّ، وبالتّالي من النّار.

الآية رقم (104) - وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: أي  للمشركين.

﴿تَعَالَوْا﴾: قال: ﴿تَعَالَوْا﴾، ولم يقل: (اتّبعوا ما أنزل الله) فهم قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: من الآية 170]، وهذه إشارةٌ، أي ارتفعوا عن ما هبطتم إليه من فِكرٍ ومن أعمالٍ، فعندما تأخذ بأوامر الله سبحانه وتعالى أنت ترتفع، فاستخدم كلمة: ﴿تَعَالَوْا﴾، أي ارتفعوا عن انحطاطكم.

﴿إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾: ما أنزل الله سبحانه وتعالى وما أمر به الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، يريد الله سبحانه وتعالى أن يؤكّد باستمرارٍ على أنّ ما أمر به الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم كالّذي أمر به الله جلّ وعلا، وما نهى عنه الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم كالّذي نهى الله سبحانه وتعالى عنه بتفويضٍ، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية 7]، وقال عزَّ وجلّ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران]

الآية رقم (103) - مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾: هنا أربعة من الأنعام: بحيرة وسائبة ووصيلة وحام، مرّ بنا ما أحلّ الله سبحانه وتعالى من الأنعام وما حرّم منها، وهناك قاعدةٌ فقهيّةٌ تقول: الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نصٌّ قطعيٌّ في التّحريم، ومن له سلطة التّحريم؟ الجواب: إنّه الله عزَّ وجلّ والرّسول الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم، لا يستطيع أحدٌ من البشر أن يحلّل وأن يحرّم من تلقاء نفسه؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي خلق ويعلم ما يصلح لصنعته، فالخالق يدبّر أمر الخلق، وليس لمخلوقٍ أن يدبّر أمر الخلق.

البحيرة: هي من الأنعام، وهي ناقةٌ تشقّ أذنها شقّاً طويلاً كعلامةٍ أنّها محرّمةٌ فلا يحلبها ولا يتعرّض لها أحدٌ من النّاس.

السّائبة: هي النَّذْر، ينذر هذه الأنعام أو النّاقة فلا تُربط، وتأكل كما تريد، أي لا يجوز أن يُقترَب منها.