الآية رقم (170) - يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾: قد جاءكم محمّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم بالإسلام الّذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده ديناً.

﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾: فصدِّقوه، وصدّقوا بما جاءكم به من عند ربّكم من الدّين، فإنّ الإيمان بذلك خيرٌ لكم من الكفر به.

﴿وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: وإن تجحدوا رسالتَه وتكذّبوا بما جاءكم به من عند ربكم، فإنّ جحودكم ذلك وتكذيبكم به، لن يضرَّ غيركم، ومكروهُ ذلك عائدٌ عليكم، وذلك أنّ لله سبحانه وتعالى ما في السّماوات والأرض، ملكاً وخلقاً، لا ينقص كفركم بما كفرتم به من أمره، وعصيانكم إيّاه فيما عصيتموه فيه من ملكه وسلطانه شيئاً.

الآية رقم (171) - يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً

الغلوّ: هو الخروج عن حدّ الاعتدال بالحكم، ودين الإسلام دين وسطيّةٍ يرفض الغلو والتّشدّد في الأحكام، والوسطيّة هي الاعتدال وليست الوقوف في الوسط بين الحقّ والباطل، الوسطيّة هي اليسر في الأحكام والاعتدال فيها وعدم الغلوّ، لذلك قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «هلك المتنطِّعون»، قالها ثلاثاً([1]).

هنا تكريمٌ للمسيح عليه السَّلام، ففي عقيدتنا نقول: إنّه رسولٌ من الله سبحانه وتعالى وكلمته الّتي ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى مكانة المسيح عليه السَّلام بمعجزةٍ، وهي ولادته من غير أبٍ فقال عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران]، خلق الله سبحانه وتعالى آدم عليه السَّلام من عدم، قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف]، نحن لم نشهد الخلق الأوّل خلْق آدم عليه السَّلام الّذي خُلِق من دون أبٍ وأمٍّ، خلقه الله سبحانه وتعالى من ترابٍ كما جاء في آياتٍ متعدّدةٍ في القرآن الكريم، لذلك عندما تحدّث سبحانه وتعالى عن النّبيّ عيسى عليه السَّلام وضربَ المثل ضربه بآدم عليه السَّلام

الآية رقم (172) - لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا

الحديث هنا عن العبوديّة لله سبحانه وتعالى، ويفتخر السّيّد المسيح والملائكة والرّسل والخلق جميعاً بنسبتهم إلى العبوديّة لله سبحانه وتعالى.

العبوديّة لله سبحانه وتعالى على عكس العبوديّة للبشر، الّتي هي مذمومةٌ لدينا، فالله سبحانه وتعالى عندما يريد تكريم خلقٍ من خلقه ينسب العبوديّة إليه؛ لأنّ العبودية لله عزَّ وجلّ عطاءٌ، فالله سبحانه وتعالى عزيزٌ مستغنٍ عن عبادة خلقه، وفي الحديث القدسيّ: «يا عبادي، إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كلّ إنسان مسألته ما نقص ذلك ممّا عندي إلّا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، يا عبادي، إنّما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثمّ أوفيكم إيّاها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه»([1])، العبوديّة لله سبحانه وتعالى عِزٌّ، فعندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكرّم النّبيّ محمّداً صلَّى الله عليه وسلَّم أكمل له صفة العبوديّة فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء]، لم يقل: سبحان الّذي أسرى برسوله، ولا سبحان الّذي أسرى بنبيّه، ولا سبحان الّذي أسرى بمحمّدٍ، وإنّما قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾؛ لأنّ العبوديّة لله سبحانه وتعالى هي عطاءٌ تامٌّ منه سبحانه وتعالى

حسبُ نفسي عزّاً بأنّي عبدٌ هو في قدسه الأعزّ ولكن

 

يحتفي بي بلا مواعيد ربُّ
أنا ألقاه متى وأين أحبُّ

الآية رقم (173) - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا

والضّدُّ يُظهِر حُسنَه الضّدُّ، الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وبالمقابل الّذين كفروا واستكبروا.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾: الأجر على قدر العمل، لكنّه سبحانه وتعالى يزيدهم من فضله، والفضل فوق العدل، قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يدخل أحدكم الجنّة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله منه برحمة وفضل»([1])، رحمة الله سبحانه وتعالى هي فضلٌ فوق العدل، فالعدل عن العمل والفضل من رحمة الله تبارك وتعالى. والإيمان يحتاج إلى ترجمة، أي إلى عملٍ صالحٍ، فالإيمان دون عملٍ صالحٍ لا يُعدّ إيماناً، قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الإيمان بضعٌ وسبعون، أو بضعٌ وستّون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلّا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق»([2])، حتّى إماطة الأذى عن الطّريق هي شعبةٌ من شعب الإيمان، وقال عليه الصّلاة والسّلام: «تبسّمك في وجه أخيك لك صدقة»([3])، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه»([4])، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما آمن بي من بات شبعانَ وجاره جائعٌ إلى جنبه وهو يعلم به»([5])، فعناصرُ الإيمان كثيرةٌ كما بيّن المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم، وكلّها من خلال الأعمال الصّالحة، فلا إيمان بالقلب من دون أن يصدّقه العمل.

الآية رقم (174) - يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا

الخطاب الآن للبشريّة جمعاء، الرّسالات السّماويّة السّابقة كانت تأتي لمناطق وأقوامٍ منفصلةٍ، حيث لا يوجد طرق اتّصالٍ ولا مواصلاتٍ، فلا يعلم قومٌ عن قومٍ شيئاً، ينزل نبيٌّ هنا ونبيٌّ هناك، والأدواء متعدِّدةٌ لذلك كان الرّسل عليهم السَّلام يأتون بعلاجاتٍ متعدّدةٍ للأقوام حتّى أنزل الله سبحانه وتعالى رسالة الإسلام على النّبيّ محمّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم للنّاس جميعاً؛ لأنّ البشريّة قد اكتمل رُشدها، وبدأت بالتّطوّر العلميّ، فأصبح العالم كلّه كبقعةٍ واحدةٍ، وطرق المواصلات مؤمّنةٌ بينه، فكان الخطاب موجّهاً للنّاس جميعاً، وكأنّ الإسلام سبق العالم.

﴿قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ﴾: البرهان هو الإعجاز الدّالّ على صدق المبلّغ عن الله سبحانه وتعالى، فكلّ نبيٍّ جاء معه إعجازٌ دالٌّ على صدق بلاغه عن الله سبحانه وتعالى ، مثال: نوح عليه السَّلام كانت السّفينة هي المعجزة الّتي أنجت من ركب فيها وغرق كلّ من لم يركب فيها، صالح عليه السَّلام كانت معجزته النّاقة، إبراهيم عليه السَّلام لم تحرقه النّيران عندما أُلقِي فيها؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى أفقدها خاصّيتها، موسى عليه السَّلام من معجزاته العصا حيث كان يضرب بها الحجر فينفجر، وضرب بها البحر فانفلق، ليست القضيّة قضيّة عصى وإنّما هي قضيّة معجزةٍ، وهذا معنى برهان

الآية رقم (175) - فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا

أي الّذين آمنوا وتمسّكوا واستمسكوا بهذا القرآن الكريم، بهذا النّور، بهذه الهداية، سيدخلون برحمات الله سبحانه وتعالى وعطائه وفضله سبحانه وتعالى، وسيزيدهم في الهداية، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمّد].

﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾: ويهديهم الصّراط المستقيم، هذا الصّراط الّذي يؤدّي إلى الجنّة بإذن الله تبارك وتعالى.

الآية رقم (176) - يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: هي إرادة معرفة حكمٍ شرعيٍّ، وقد ورد في القرآن الكريم بطريقين:

1- يستفتونك كهذه الآية، أي يسألون عن حكمٍ شرعيٍّ.

2- وتأتي: يسألونك، وهي إمّا أن تأتي لمعرفة حكمٍ شرعيٍّ أو غير حكمٍ شرعيٍّ، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: من الآية 189]،  سألوه: ما بال الهلال يا محمّد يبدو صغيراً ثمّ يكبر ثمّ يعود صغيراً؟ فهذا ليس حكماً شرعيّاً.

لكن عندما يأتي السّؤال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فهي إرادة معرفة حكمٍ شرعيٍّ، لذلك عندما يعطي الإنسان فتوى فإنّه يعطيها نيابةً عمّا جاء من أحكامٍ شرعيّةٍ، وليس هو من يعطي الحكم، وإنّما يبيّن الحكم الشّرعيّ.

﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾: أي يعطيكم العلم بالحكم الشرعيّ في الكلالة. والكلالة تعني من ليس له أبٌ -أي متوفّى- ولا ولدٌ، فجاءت كلمة الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس، أي الأقارب المحيطين، فمن ليس له أصلٌ (أبٌ) ولا فرعٌ (ابنٌ)، فما هو الحكم بالنّسبة للمواريث إن كان له أقرباء؟

الآية رقم (165) - رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا

وظيفة الرّسل تبشير النّاس بالثّواب وإنذارهم بالعقاب، وبيان الطّريق لهم، هذا هو واجبهم، وهو الأساس في رسالات المرسلين والأنبياء عليهم السَّلام.

﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾: فلا تجريم إلّا بالنّصّ.

الآية رقم (150) - إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً

قضيّة الإيمان هي قضيّةٌ كليّةٌ لا أبعاض فيها، وهي أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى والرّسل كافّة، فالأنبياء عليهم السَّلام اصطفاهم المولى عزَّ وجل من خلقه ليوحي إليهم بدينه وشريعته عن طريق الملائكة عليهم السَّلام، فهناك وحدة الدّين كما قال سبحانه وتعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشّورى: من الآية 13]، فوحدة العقيدة واختلاف الشّرائع يكون عبر مرّ الزّمن حسب تغيّر أحوال الإنسان.

إذاً قضيّة الإيمان هي قضيّةٌ كليّةٌ لا تتجزّأ إلى أبعاض، فلا يمكن أن تقول: أؤمن بالله سبحانه وتعالى ولا أؤمن بهذا الرّسول، وهناك بعض الدّعوات الآن ومن قبل للابتعاد عن الإيمان بالرّسل عليهم السَّلام، حيث يقولون: نؤمن بالله سبحانه وتعالى ولا نؤمن بالرّسل، لماذا؟ لأنّ الإيمان بالرّسل عليهم السَّلام فيه تكليفٌ.

الآية رقم (166) - لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا

لأنّ اليهود كانوا يحاجّون النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فالله سبحانه وتعالى لم يقل: فقط أوحينا إليك وأوحينا إلى النّبيين وذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط… إلخ، لكنّه سبحانه وتعالى قال: ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: الله سبحانه وتعالى يشهد بما أنزل إليك، فقد أنزل إليك القرآن الكريم وحياً من عنده سبحانه وتعالى عن طريق جبريل عليه السَّلام.

﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾: بأمره؛ أي القرآن الكريم وهو كلام الله سبحانه وتعالى وصفةٌ من صفاته جلّ وعلا.

﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾: إيّاك أن تعتقد أنّ هناك استدراكاً على الله تبارك وتعالى أي إن لم تصدّق أنّ الله سبحانه وتعالى يشهد فالملائكة تشهد، لا، هذه ليست كما للبشر.

 ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: بيّن لك أنّه يكفي به بلا شكٍّ شهيداً، لكن الملائكة يشهدون بأنّهم هم طريقٌ لإنزال الوحي على قلب الرّسل عليهم السَّلام.

الآية رقم (151) - أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا

دائماً مع الإشراك والكفر بالله سبحانه وتعالى والجحود بأوامره وبرسله يكون الجزاء في الآخرة العذاب المهين

الآية رقم (167) - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيدًا

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي ستروا وجود الله سبحانه وتعالى، كما قلنا: الكافر في التّعريف اللّغويّ والاصطلاحيّ الشّرعيّ؛ هو الإنسان الّذي ستر وجود الله سبحانه وتعالى أي لا يؤمن بوجود إلهٍ خالقٍ للبشر والكون.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾:  لهم مشكلتان:

   – الأولى: بأنّهم ستروا وجود الله سبحانه وتعالى.

   – الثّانية: أضلّوا غيرهم بأنّهم صدّوا عن سبيل الله سبحانه وتعالى.

 ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: لأنّ البعد بينهم وبين المصدر بُعدٌ زمنيٌّ، مسافةٌ طويلةٌ، فالضّلال يصل للأبناء والأحفاد والأجيال الآتية، لذلك قد ضلّوا ضلالاً بعيداً، فهم لم يكتفوا بأنّهم كفروا وستروا وجود الله سبحانه وتعالى، بل أيضاً أضلّوا غيرهم ومنعوا النّاس عن السّير في سبيل الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (152) - وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا

هذه هي الصّورة المقابلة لأولئك الّذين جحدوا بآيات الله سبحانه وتعالى.

كما قال سبحانه وتعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة]، بينما اليهود قالوا: سمعنا وعصينا، وفرّقوا بين الله سبحانه وتعالى وبين رسله عليهم السَّلام.

الآية رقم (168) - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً

لا تقل: الله سبحانه وتعالى لم يهدني ولم يعطني الطّريق ولا يغفر لي، فالّذين ستروا وجود الله سبحانه وتعالى وظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم بكفرهم منع الله سبحانه وتعالى الهداية عنهم ولم يعنهم عليها.

الآية رقم (153) - يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا

سبب النّزول:

عن محمّدٍ بن كعب القرظيّ قال: جاء ناسٌ من اليهود إلى النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا: “إنّ موسى جاءنا بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح حتّى نصدِّقك”، فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾، أي أنّهم يريدون أن ينزّل الله سبحانه وتعالى عليهم أمراً ويطلب منهم سبحانه وتعالى مباشرةً أن يؤمنوا بمحمّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، هذا معنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾.

القرآن الكريم هو كتابٌ من السّماء، نزل على النّبيّ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم، أمّا هم فيريدون كتاباً خاصّاً بهم، والله سبحانه وتعالى يستهزئ بهم فقال للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ﴾، فإن كانوا يُطالبونك يا محمّد بأمرٍ مباشرٍ من الله سبحانه وتعالى لهم، فهم قالوا لموسى عليه السَّلام: أرنا الله جهرة، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام]؛ لأنّ الإدراك هو إحاطةٌ ولا يمكن لأحدٍ أن يحيط بقدرة الله سبحانه وتعالى وبصفاته.

الآية رقم (169) - إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا

إلّا طريقاً واحداً هم الّذين اختاروه وليس الله سبحانه وتعالى الّذي أخذهم إليه، اختاروه بكفرهم وبظلمهم، والله سبحانه وتعالى عندما يتحدّث عن الظّلم يقول في الحديث القدسيّ: «يا عبادي إنّي حرمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا»([1])، والنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السّماء، ويقول الرّبّ عزَّ وجلّ: وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين»([2])،  قضيّة الظّلم هي قضيّةٌ كبيرةٌ جدّاً، والظّلم يعني إبعاد الإنسان عن حقّه.

 


([1]) صحيح مسلم: كتاب البرّ والصّلة والآدب، باب تحريم الظّلم، الحديث رقم (2577).
([2]) سنن التّرمذيّ: كتاب صفة الجنّة، باب صفة الجنّة ونعيمها، الحديث رقم (2526).

الآية رقم (154) - وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا

﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾: أي بما عاهدوا وعقدوا وواثقوا الله سبحانه وتعالى.

رفع الله سبحانه وتعالى فوقهم جبل الطّور حتّى كاد أن يضربهم وينزل عليهم، وأخذ منهم عهداً وميثاقاً أن يأخذوا ما آتاهم سبحانه وتعالى بكلّ قوّة.

﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: أي ساجدين.

﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: السّبت من السّبات ومن السّكن فهو يوم راحةٍ، والقصّة معروفةٌ؛ فعندما تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم ابتلاءً؛ لأنّهم لا يستطيعون الصّيد، كانوا يحتالون ويعتقدون أنّهم يخادعون الله سبحانه وتعالى في ذلك.

إنّ بعض الآيات وبعض الأحداث الّتي تتعلّق باليهود يوردها الله سبحانه وتعالى بشكلٍ سريعٍ تسليةً لقلب الرّسول الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم ممّا يعانيه من اليهود ومن نقضهم الميثاق والعقود وتآمرهم مع مشركي قريش ومشركي العرب في ذلك الوقت. هذه الآيات ستأتي في سورٍ أخرى وبشكلٍ أوضحٍ ومفصّلٍ، وعندها سنفصّلها إن شاء الله تعالى.

طلبوا أن ينزّل عليهم الله عزَّ وجلّ المنّ والسّلوى، وجاوز بهم البحر، وطلبوا أن يروا الله سبحانه وتعالى جهرةً، ورفع فوقهم الطّور، أمرهم أن يدخلوا الباب سجّداً، وقال لهم: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾.. هذه الأوامر من الله سبحانه وتعالى نقضوها كلّها ولم يستجيبوا لأمره جلّ وعلا.

الآية رقم (155) - فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً

يتحدّث المولى عزَّ وجل عن اليهود، شعب بني إسرائيل، وعن نقضهم للمواثيق والعقود والعهود الّتي قطعوها على أنفسهم في المدينة المنوّرة، وكان ذلك تذكيراً بأجدادهم وبماضيهم المخزي مع شيخ الأنبياء موسى عليه السَّلام بكثرة طلباتهم وجحودهم وكفرهم وارتدادهم مع ما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السّلام.

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾: في اللّغة العربيّة (ما) حرفٌ زائدٌ، ولكن لا يجوز قراءة كتاب الله سبحانه وتعالى كأيّ كتابٍ آخرٍ بأن نقول: (ما) حرفٌ زائدٌ هنا، فالله سبحانه وتعالى لا يوجد في كلامه ما هو زائدٌ أو يُستغنى عنه.

فبنقضهم ميثاقهم، قد نظنّ أنّه يمكن الاستغناء عنها هنا؛ لأنّنا لا نعرف، فقد لعنّاهم لكثرة نقضهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ (ما) جاءت قبل الباء لتؤكّد كثرة نقضهم لعهود الله سبحانه وتعالى، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾، ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾، نقضوا المواثيق والعهود، أمّا لو قلت: فبنقضهم ميثاقهم لكان النّقض فقط مرّةً واحدةً، وهذا من دقّة الأداء والعطاء القرآنيّ.

﴿وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: كفروا بآيات الله سبحانه وتعالى الّتي أنزلها عليهم عند رؤيتهم انفلاق البحر، وغرق فرعون وجنوده، ورؤيتهم للطّريق أصبح ممهّداً أمامهم، ونزول المنّ والسّلوى عليهم، ومع كلّ هذا العطاء من الله سبحانه وتعالى كفروا بآياته عزَّ وجلّ وجحدوا بكلّ ما أعطاهم من دلائلَ وأسبابٍ وإثباتاتٍ على وجوده وعلى ضرورة طلب الإيمان به، وأضافوا إلى ذلك قتلهم الأنبياء عليهم السَّلام، كيحيى وزكريّا وغيرهما، وكانوا: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: من الآية 70].

﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: أي قلوبنا مغلّفةٌ في داخلها الإشراك والكفر، فلا يدخلها الإيمان، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، فالله سبحانه وتعالى يبيّن الطّريق، فمن اختار طريق الإشراك والعصيان يأتيه الطّبع على القلب، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ أي بسبب كفرهم.

الآية رقم (156) - وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا

البهتان: هو الكذب الكبير، والله سبحانه وتعالى يقول عن الكذب الواضح: إنّه عظيمٌ، فقد افتروا على السّيّدة مريم العذراء عندما اتّهموها بشرفها وتعرّضوا لها، وكفروا وقالوا من الأقوال ما لا يستطيع المرء أن يكرّره أو يتقبّله، فالسّيّدة مريم كان لها ماضٍ وتاريخٌ فاضلٌ، حيث تربّت بالمحراب قبل أن تحمل بالسّيّد المسيح عليه السَّلام، ورد في سورة (آل عمران) قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران]، فمنذ كانت طفلةً وهي تذكر الله سبحانه وتعالى في المحراب، ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران]، مريم الطّفلة العظيمة الفاضلة أوحت لنبيٍّ من الأنبياء بأمرٍ مهمٍّ، وهو أنّ الله سبحانه وتعالى يرزق من غير حسابٍ، أي من غير أسبابٍ، وهو كان حالُه كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم]، فقد تمّ الإيحاء من هذه الطّفلة العظيمة مريم، ومع تاريخها النّاصع والفاضل اتّهمها اليهود في شرفها وقالوا عليها هذا البهتان العظيم.

﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾: لأنّ مَن يقول هذا الكلام على مريم فقد كفر بالله تبارك وتعالى.

الآية رقم (157) - وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا

الواو هنا واو العطف، أي وبكفرهم وبقولهم، يعطف الأمر على أقوال اليهود: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، يردّ المولى سبحانه وتعالى على اليهود بما قالوه وبما ادّعوه من قتلهم وصلبهم للسّيّد المسيح عليه السَّلام، وليس مجالنا هنا أن نحاجج أحداً، ولا أن نتعدّى على عقائد أحدٍ، ولكن نريد أن يتّضح منطق الإيمان، ما نؤمن به ونعتقد به هو تكريمٌ وتعظيمٌ للسّيّد المسيح، فالمسيح عليه السَّلام لم يُصلَب، وليست القضيّة هنا قضيّة نقاشٍ ومحاججةٍ مع العقائد الأخرى، لكن لنبيّن لهم بأنّ عقيدتنا تقول: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فاعتقدوا أنّهم قتلوه أو صلبوه، ولكنّ الله سبحانه وتعالى رفعه إلى السّماء، وهذا تكريمٌ من العقيدة الإسلاميّة ونظرٌ عظيمٌ لمكانة السّيّد المسيح عليه السَّلام، وقد قال سبحانه وتعالى عنه: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم]، حملته بالأمر الإلهيّ ﴿كُن