الآية رقم (187) - وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

هذا تقريع لليهود في المدينة المنوّرة زمن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ممتدّ إلى كلّ حين، فالله أخذ ميثاق الّذين أوتوا الكتاب أنّه عليكم أن تبيّنوه للنّاس، ولا تكتمون الحقّ وأنتم تعلمون، لكنّهم نبذوه وراء ظهورهم.

ونبذ الشّيء: طرحه بقوّة.

﴿وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً: كلّ الحياة الدّنيا هي ثمن قليل مقابل هذا النّكران ونبذ ما جاء في كتاب الله جل جلاله.

الآية رقم (199) - وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

يؤرّخ الله سبحانه وتعالى لإيمان أهل الكتاب الّذين صبروا، وهنا قانون صيانة الاحتمال، فالله تعالى لا يبخس النّاس أشياءهم، فهناك من أهل الكتاب مَن آمن بالله وبما أُنزل على سيّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ: أولئك الّذين آمنوا بما نزّل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من أهل الكتاب، ولا يمكن أن يبيعوا دينهم بعرض قليل من هذه الحياة الدّنيا لهم أجر لا يمكن تصوّر مقداره؛ لأنّه من عند الله سبحانه وتعالى.

﴿إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: حتّى لا يغترّ الإنسان في هذه الحياة الدّنيا ويعتقد أنّه لن يُحاسب، فليعلم أنّ الله سريع الحساب؛ لأنّه ما بين حياتك وموتك لحظات وستتعرّض لهذا الحساب على ما قدّمت من عمل صالح أو طالح.

ثمّ يختم المولى سبحانه وتعالى سورة (آل عمران) بهذه الآية العظيمة:

الآية رقم (188) - لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

الحسبان للأمر أن يظنّه السّامع دون حقيقته.

﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ: هم يفعلون أشياء سيّئة كما فعل اليهود والمشركون في غزوة أُحُد، فلقد خذّلوا النّاس وفرّوا من المعركة وهم فرحون، وإن قاموا بعمل يفرحون بأنّهم فعلوا كذا وفعلوا كذا، ويحبّون أن يحمدوا على فعله، لكنّهم حقيقة لم يفعلوا شيئاً.

﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى بصير بالعباد، ومطّلع على الصّغائر وعلى الأعمال، وهناك قانون عامّ يقضي بأنّ الإنسان يحبّ أن يحمد بما يفعل، وفي هذا تشجيع للإنسان أن يفعل الخير، أمّا إن أضمر الشّرّ وأراد أن يُحمد على ما لم يفعل، ولا يبتغي من وراء عمله إلّا المدح والظّهور في المجتمع فهذا الأمر لا يقرّه الإسلام أبداً.

الآية رقم (200) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

هذا قانون وقاعدة إلهيّة عامّة وكلّ من آمن بالله عليه أن يأخذ بها وأن يستعدّ لأن يكون ممتثلاً لأمر الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه دخل بعقد إيمانيّ مع الله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْهذا الأمر لمن آمن بالله ولمن أيقن أنّ الأمر بيد الله تبارك وتعالى، وبأنّ قضاء الله نافذ، وأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي يضرّ وينفع، ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، وأنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، هذا الإنسان المؤمن كلّفه الله وأمره أن يصبر ويصابر ويرابط ويتّقي الله سبحانه وتعالى.

﴿اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ: ما الفرق بين الصّبر والمصابرة؟ صابروا: هناك مفاعلة، أمّا اصبروا: أي اصبر في نفسك، اصبر على ما تُبتلى به في الحياة الدّنيا، ولا يمكن أن تترجم الإيمان إلّا بالصّبر، لذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الصّبر نصف الإيمان»([1])؛ ولذلك الصّائم صابر، فكلّ أنواع الابتلاءات في هذه الحياة الّتي يتعرّض لها الإنسان من عالم الأغيار الّذي يعيش فيه، من انتقال من صحّةٍ إلى مرضٍ، ومن قوّةٍ إلى ضعفٍ، ومن شبابٍ إلى هرمٍ، ومن غنى إلى فقر، ومن حياةٍ إلى موتٍ، ومن سرورٍ إلى المنغّصات والآلام والأحزان، وكلّ ما يجري على بني آدم، ولا يستطيع أحد أن يتخلّف عن قانون الابتلاء الإلهيّ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك]

الآية رقم (189) - وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

بعد كلّ ما ذكره المولى سبحانه وتعالى عن غزوة أُحُد ومخالفة الرّماة وعن الشّهادة وعن فعل اليهود ومؤامراتهم وعن مكرهم وضلالهم وحقدهم أراد الله أن يُعلّم البشر أنّه لا يجري شيء في ملكه إلّا بأمره، وهو قانون عامّ:

﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ: له الملكيّة وله القدرة، هذا قانون حتّى يطمئنّ المؤمن، وحتّى يُنذر المشرك والكافر والجاحد بأنّ هذا ملك الله وهذه قدرته، وأنّه يملك كلّ شيء، ولا شيء في ملكه خارج عن قدرته.

﴿وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: يملك ويقدر وهو الوحيد الفعّال لما يريد، وهو يملك السّماوات ويملك الأرض، ويقول سبحانه وتعالى في آيات أخرى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[آل عمران]، يملك من يملك أيضاً، فملوك الأرض يعتقدون أنّهم يملكون، والله مالك الـمُلك، يملك السّماوات والأرض، ومَن في السّماوات ومَن في الأرض.

الآية رقم (190) - إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ

سئلت السيّدة عائشة رضي الله عنها: أخبرينا بأعجب شيء رأيتِه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: فسكتت ثمّ قالت: لـمّا كان ليلة من اللّيالي قال: «يا عائشة، ذريني أتعبّد اللّيلة لربّي»، قلت: والله إنّي لأحبّ قربك وأحبّ ما سرّك، قالت: قام فتطهّر ثمّ قام يصلّي، قالت: فلم يزل يبكي حتّى بلّ حجره، قالت: ثمّ بكى فلم يزل يبكي حتّى بلّ لحيته، قالت: ثمّ بكى فلم يزل يبكي حتّى بلّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة فلمّا رآه يبكي قال: يا رسول الله، لمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم وما تأخّر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت عليّ اللّيلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾»([1]).

إذاً علينا بهدوء ورويّة أن نتفكّر بها، وأن نتأمّلها كما كان النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

الآية رقم (191) - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

إذاً الذّكر يصاحب الفكر، وهذا دليلٌ على أنّ أوّل مَن يجب أن يتوصّل إلى العلوم، وأوّل من يجب أن يكون مخترعاً ومكتشفاً وحضاريّاً وعلميّاً هو المؤمن؛ لأنّه مُطالب بذلك من خلال القرآن الكريم.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ: قيل في تفسيرها: إنّ المقصود هو الصّلاة، فالصّلاة لا تسقط في حال من الأحوال، فإن لم تستطعها قائماً صلّيتها قاعداً، وإن لم تستطعها قاعداً صلّيتها مستلقياً، والصّلاة هي الذّكر؛ لأنّك تذكر المولى خلالها، والذّكر ضدّ النّسيان، أي إنّي جعلت الله تعالى في بالي بشكل دائم، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»([1]).

الآية رقم (192) - رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

الخزي يكون لمن مآله إلى النّار؛ لأنّ هذا الإنسان العاصي أو هذا الإنسان المشرك أو هذا الإنسان الملحد مصيره إلى النّار.

﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ: الّذين يظلمون النّاس والذين يظلمون أنفسهم، فليس لهم من ينصرهم يوم القيامة.

الآية رقم (193) - رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ

مَن الّذي سمعناه ينادي للإيمان؟ إنّه رسول الله، فقد جاء النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعرّفنا بربّنا وبلّغنا عنه، فأوّل كلمة قالوها: ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ﴾ إذاً هذا النّداء الّذي أطلقه النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم منذ ذلك الوقت، وقد بلغنا ببلوغ القرآن وسنّة وهدي نبيّنا إلينا، وأيضاً نداء الإيمان مركوز في فطرتنا قبل نزول الرّسل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف].

﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا: فماذا ينتظر مَنْ جَمحت به نفسه؟ «كلّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التّوّابون»([1])

الآية رقم (194) - رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ

يا ربّ آتنا ما وعدتنا من نعيم ومن رضوان، وما جاء به الرّسل وبشّرونا به بعد أن تغفر لنا ذنوبنا وتكفّر عنّا سيئاتنا يوم القيامة، ولا تخزنا يوم القيامة؛ لأنّك يا ربّ أنت الفعّال لما يريد، وأنت الوحيد الّذي لا تخلف الميعاد، هذا الدّعاء جاء بعد الفكر والذّكر.

الآية رقم (195) - فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ

﴿لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ: قال: عمل عامل لا قول قائل، فالقضيّة تحتاج إلى أعمال، فعندما استجاب هذا الدّعاء الصّادق من المؤمنين الّذين ارتقوا بأرواحهم وبأنفسهم وطلبوا المغفرة من الله وتكفير السّيّئات، استجاب لهم ربّهم: ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ: فكان الجواب على ما تقدّم عمل وليس قول، فلا بدّ من برهان عندما تتقدّم للدّعاء، لا بدّ أن تقدّم العمل، والإسلام لا يقبل من الإنسان الكلام من دون مصداق وترجمان، والتّرجمان كما قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل»([1])، فيجب عدم الفصل بين الشّعائر والمقاصد، فإذا لم تؤدّ الشّعائر إلى المقاصد فإنّها لم تزدك من الله إلّا بعداً كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلّا بعداً»([2])، «ربّ صائم ليس له من صيامه إلّا الجوع، وربّ قائم ليس له من قيامه إلّا السّهر»([3])، لذلك قال المولى سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم القضيّة قضيّة عمل، والعمل هو: قول وفعل.

الآية رقم (196) - لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ

تقلّبهم: تصرّفهم، وفي الأصل التّقلّب: هو حركة ونشاط في الحركة، فعندما يستطيع الإنسان أن يتقلّب أي يستطيع أن ينتقل من مكان إلى مكان، كما كان المشركون وأعداء الدّين في ذلك الوقت يفعلون، فهذا متاعٌ قليلٌ مهما طال؛ لأنّ عمر الدّنيا قليل، وأنت لا تقيس عمر الدّنيا إلّا بعمرك في الدّنيا، فبالنّسبة لك الدّنيا هذه الفترة الزّمنيّة الّتي تعيش فيها من الولادة إلى الموت، بغضّ النّظر عن ملايين السّنين لبقيّة البشر، فعندما تموت تكون الدّنيا قد انتهت بالنّسبة لك. فعلى الإنسان ألّا يغترّ عندما يرى قوّة الكفّار، وانتقالهم في البلاد من مكان إلى آخر، فهو كما أخبر سبحانه وتعالى:

الآية رقم (197) - مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

استمتاعٌ قليل، والمأوى والمآل سيكون في النّهاية إلى جهنّم وبئس المهاد.

والمهاد: هو المكان الّذي يستلقي فيه الإنسان.

الآية رقم (186) - لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾: أوّلاً في المال، والابتلاء يعني الامتحان، الابتلاء في المال أن يذهب هذا المال، وإمّا أن يكون ذهابه بطريقة التّصرّف بالمال. فإمّا أن يكون لديك مال ويذهب فتصبح فقيراً، وإمّا أن تكون غنيّاً ولكنّك تتصرّف بالمال بما يغضب الله، ولا تؤدّي حقّ المال، ولا تعطي الفقير ولا اليتيم ولا ذوي الحاجات وتصرف المال في المعصية، فإذاً هو ابتلاء، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾] الفجر[، فيعتقد أنّ التّكريم بالمال، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ[الفجر]، أي إنّه يعتقد أنّ المال دليل كرامة وأنّ الفقر دليل الإهانة، فيقول الله سبحانه وتعالى بعدها: ﴿كَلَّا فلا المال دليل كرامة ولا الفقر دليل إهانة، وانظر لامتحان المال: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر]، التّراث: الميراث. هذا في ميدان الابتلاء بالمال، أمّا في ميدان الابتلاء في الأنفس فمن يستطيع ألّا يمرض فليفعل، من يستطيع أن يمنع أيّ مرض أو أيّ جرثومة أو بكتيريا أن تصيبه؟! لا أحد على الإطلاق، أي إنّه سيُبتلى بنفسه أو إنّه سيموت. هذا نوع من الابتلاء.

الآية رقم (198) - لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ

عندما يقول: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْاْ: فالله سبحانه وتعالى يتحدّث عن حقيقة الدّين؛ لأنّ التّقوى هي جوامع الخير وطاعة المولى وعدم معصيته، وقد أتت هذه الآية بعد الآية المتعلّقة بالنّار وهي مأوى الّذين قاتلوا الرّسول في ذلك الوقت.

﴿نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ:  النُّزل يعدّ للضّيف، فكيف بما أعدّه ربّ البشر تبارك وتعالى للبشر؟!

﴿وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ: الأبرار: الّذين برّوا بعهدهم مع ربّهم

الآية رقم (170) - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

﴿فَرِحِينَ لماذا يذكر حالة الفرح الّتي تلفّهم؟ لأنّ أجواء الحزن تلفّ بأسر الشّهداء والذين قدّموا أنفسهم ودماءهم وأرواحهم، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يطمئن أسر وأحباب الشّهداء ويقول لهم: إنّ شهداءهم فرحون فلماذا يحزنون أهلوهم؟ ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِقال: من فضله، ولم يقل من عدله، فالفضل هو الزّيادة عن العدل، العدل أن توفّى على قدر العمل كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء]،  هذا العدل، أمّا الفضل فهو زيادة عمّا يستحقّ الإنسان، فأيّ تكريم هذا للذي قدّم نفسه وروحه ودمه فداء لوطنه ولدينه ولمقدّساته ولعرضه ولماله، لا يوجد بعد هذا التّعبير القرآنيّ ما يُسلّي قلوب المكلومين بشهدائهم أكثر من هذه الآية: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ، ولم يكتف بذلك بل قال﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ: البِشْر من الفرح، وهو مأخوذ من البشرة، فعندما يفرح الإنسان تُشرق بشرته.

﴿أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: الحزن يكون على ما وقع، فالذين من ورائهم أي من خلفهم من المؤمنين إمّا أن يكونوا خائفين من هذا المصير، أي القتل والشّهادة، وإمّا أن يكونوا قد حزنوا على فقدان الأحبّة.

الآية رقم (154) - ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا:  المغموم لا يقدر أن ينام، فأنزل الله سبحانه وتعالى نعاساً جعله أماناً لهم.

كلمة ﴿أَنزَلَ أي نزل من السّماء، وليس بالسّبب المعتاد الّذي هو النّعاس، أمّا ذلك فكان بأمر إلهيّ أنزله الله سبحانه وتعالى لطفاً ورأفة بهم.

﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ: هؤلاء الّذين اتّبعوا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس النّفاق، وأصبحوا ضمن دائرة المنافقين.

﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ:  لا تهمّهم إلّا نفوسهم.

﴿يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾:  والله سبحانه وتعالى هو الحقّ وأنزل القرآن بالحقّ، والحقّ: هو الشّيء الثّابت، منهم مَن قال: وعدنا الله سبحانه وتعالى بالنّصر وانهزمنا، وعادوا إلى أسلوب التّفكير الجاهليّ.

الآية رقم (169) - وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ: الحساب في الأصل هو العدّ، والمقصود هنا أنّ الحسابات البشريّة حسابات خاطئة فيما يتعلّق بالشّهداء الّذين يضحّون بأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل الوطن وفي سبيل الدّين والعرض والمقدّسات.

﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا: إيّاكم أن تعتقدوا أنّ الّذين قتلوا في سبيل الله أموات، نفى الله صفة الموت عن الشّهداء بينما قال في كثير من الآيات: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: من الآية 185] 

الآية رقم (153) - إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

الدّرس الّذي يعلّم النّصر في الأمر الكبير لا يُعتبر هزيمة في الأمر الصّغير، الّذي حدث شيء صغير لكنّ هذا الدّرس يعلّم النّصر الدّائم.

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ: تُصعدون وتَصعدون، ما الفارق؟ تَصعدون أي هناك مرتفع تصعدونه، أمّا تُصعدون فيعني الأرض مستوية سهلة تُصعدون فيها، أي تذهبون فيها.

﴿وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ: أي لا تلتفتون؛ لأنّكم خائفون ومسرعون.

﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ: النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام يهدّئ من روعهم ويدعو الّذين فرّوا في غزوة أُحُد.

الآية رقم (168) - الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

الآن يعالج القرآن الكريم موضوعاً من أخطر المواضيع وهو موضوع النّفاق داخل المجتمع، ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، المنافقون يحرّضون المسلمين الّذين عادوا من غزوة أُحُد ويشكّكون في أوامر الله سبحانه وتعالى وفي قضائه وفي كلّ ما حدث في غزوة أُحُد قائلين لو أطاعونا ما أصابهم القتل. فهم قعدوا وتخلّفوا عن جيش المسلمين قبل أن يقولوا: لو أطاعونا ما قتلوا، انظروا إلى الجواب الإلهيّ إلى أين نقلهم: ﴿قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، فالذي يعرف طريق السّلامة من القتل فليرنا طريق السّلامة من الموت، فالله يتحدّاهم أنّ الإنسان لا يموت إلّا بأجله، لكنّ أشرف الموت أن يُقتَل الإنسان شهيداً في سبيل الله سبحانه وتعالى.