الآية رقم (285) - آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ

هذه الآيات هي خواتيم سورة (البقرة)، وكما ورد عن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلم: «بينا جبرئيل عليه السلام جالس عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذ سمع نقيضاً من السّماء فرفع رأسه ثمّ قال: فتح باب من السّماء لم يفتح قبله قط، فإذا مَلَك يقول: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ منها حرفاً إلّا أعطيته»([1])، وكلّنا يحفظها وكلّنا يجب أن يحفظها.

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَۚ ): كان صلَّى الله عليه وسلَّم يقول في كثير من الأحداث الّتي تحدث: (أشهد أنّي رسول الله)، إذاً آمن الرّسول أوّلاً (بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَۚ )، والمؤمنون بعد أن آمن الرّسول آمنوا على إيمان الرّسول؛ لذلك الوهّابيّة وأمثالهم ينكرون علينا زيارة النّبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، فالكعبة هي بيت الله، نقول لهم: نحن ما عرفنا الله إلّا من خلال رسول الله عليه الصّلاة والسّلام، فحبّنا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ليس له حدود، نحن عرفنا الله وعرفنا بيت الله من خلال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، ولولاه صلَّى الله عليه وسلّم ما آمنّا ولا عرفنا، والدّليل هو هذه الآية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَۚ).

(كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ): عناصر الإيمان كلّها غيب كلّ آمن بماذا؟ بالله وملائكته وكتبه ورسله، قد يقول قائل: الكتب والرّسل ليست غيباً، لكنّ القرآن الكريم غيب، صحيح أنّه بالنّسبة لي مشهود لكنّه غيب عندما أُنزل، غيب من عند الله، والرّسول هو أيضاً بشر أمام الجيل الّذي عاصره، لكن كيف عرفوا أنّه رسول؟ فهذا غيب؛ لأنّه هو الّذي أخبرهم أنّ جبريل عليه السلام كلّفه من الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (280) - وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ

يضع المولى سبحانه وتعالى الدّاء ويضع العلاج، فما هو العلاج الّذي وضعه القرآن؟ (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ): هذا هو القرض الحسن، إذا كان الإنسان معسراً لديه ضيق لا يستطيع أن يوفّي القرض الّذي اقترضه في الوقت المحدّد، فنظرة الإسلام ليس للاقتصاد فقط، فالاقتصاد جزء لا يتجزّأ من حركة النّاس الاجتماعيّة؛ لأنّ الاقتصاد دعامة أساسيّة للمجتمعات، أدخل الإسلام هنا قضيّة جديدة على المفهوم المتعارف عليه، والّذي نجد أغلب المشكلات بين النّاس هي من جرّاء التّعاملات الماليّة، كما قال نبيّنا صلَّى الله عليه وسلم: «لكلّ أمّة فتنة، وإنّ فتنة أمّتي المال»([1]).

فإذا كان المقترض مُعسراً لا يستطيع سداد ما عليه فأنظره حتّى يتيسّر له سداد قرضه، ما هذا التّشريع الرّبّانيّ العظيم؟

(وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ): لم يكتف الإسلام بذلك وإنّما أضاف: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا)، يعني تعفيه نهائيّاً، فهذا ارتقاء في الكمالات الإيمانيّة، يجب أن لا تلاحق المحتاج بدفع القرض في وقت محدّد إذا كان معسراً، فإن استطعت أن تعفو وتتصدّق بالقرض فهو أفضل، العمليّة الاقتصاديّة الإسلاميّة بُنيت على ثلاثة أمور: الأمر الأوّل: الرّفد، الأمر الثّاني: الفرض، الأمر الثّالث: القرض.

القرض الحسن بالشّروط الّذي تحدّثنا عنها بالآية. فما هو الرّفد؟ الرّفد أن ترفد المحتاج بالصّدقة، الصّدقة لا يوجد فيها عمليّة اقتصاديّة ولاتجاريّة ولاربا ولا دَين بل هي صدقة.

إذاً بني الاقتصاد الإسلاميّ على: أوّلاً الرّفد من الصّدقة، ثانياً بعد الرّفد من الصّدقة يأتي الفرض الّذي هو الزّكاة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى جعل في أموال الأغنياء ما يسع الفقراء، فإذاً هي قضيّة تتعلّق بالحركة الاقتصاديّة للمجتمع، فقد جعل الله سبحانه وتعالى حقوقاً للفقراء في أموال الأغنياء حتّى قال بعض العلماء: إنّ الّذي لا يدفع الزّكاة يعدُّ سارق؛ لأنّه سرق مال الفقير.

إذاً إن وجدت أنّ المقترض معسر لا يستطيع السّداد فعليك أن تتصدّق بالقرض، فهل يُتّهم هذا الدّين بأنّه دين القسوة ودين الإرهاب كما أرادوا أن يشوِّهوه بتمثيلهم له؟! هذا الدّين الّذي يرتقي في الكمالات الإيمانيّة إلى درجة أن يبني الاقتصاد بهذا الشّكل، ولكن يوجد نقطة مهمّة نبّه عليها النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أخذ أموال النّاس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله»([2])، فعندما تقترض وتريد أن تردّ القرض فإنّ الله سبحانه وتعالى يردّ عنك، وهذه من العوامل التّحفيزيّة للعمل في مجال الاقتصاد.

 


([1]) صحيح ابن حبّان: كتاب الزّكاة، باب جمع المال من حلّه وما يتعلّق بذلك، الحديث رقم (3223).
([2]) صحيح البخاريّ: كتاب الاستقراض وأداء الدّيون والحجر والتّفليس، باب من أخذ أموال النّاس يريد أداءها أو إتلافها، الحديث رقم (2257).

الآية رقم (284) - لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

(لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ): إذاً حصر الله سبحانه وتعالى ملك الكون والتّصرّف فيه له، عندما قدّم (لِّلَّهِ) فكلّ ما سيأتي بعدها فهو ملك لله، فكلّ ما في السّماوات وما في الأرض ملك له جلّ وعلا، وإن اعتقد بعض النّاس في الأرض أنّ لهم ملكيّة، لكن هذه الملكيّة زائلة؛ لأنّه في عالم أغيار، فأنت تملك قصراً لكن إمّا إنّك ستغادر القصر إلى القبر وإمّا أن يغادرك القصر بالفقر، أليس كذلك؟ فإذاً (لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) لا يوجد أحد معه حصر بالملكيّة إلّا الله سبحانه وتعالى.

(وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ): بكى سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وبكى وبكى على هذه الآية، إن نُبدي ما في أنفسنا أو نخفيه يحاسبنا به المولى سبحانه وتعالى؟! فجاءت الآيات (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: من الآية 286]، فإذاً إلى ماذا يُشير قوله: (إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ)؟ لأنّ هناك مواجيد قبل الأفعال، إمّا أن يهمّ الإنسان بالخير أو أن يهمّ بالشّرّ.. والإنسان إن فعل سيّئة كما قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلم: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشراً إلى سبع مئة ضعف، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت»([1])، لكن بناء على هذه الآيات فهي:

الآية رقم (279) - فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ

(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا): إذاً هناك من يريد ألّا يفعل، وبدليل ما نراه الآن في كلّ الكرة الأرضيّة من النّظام الرّأسماليّ.

(فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ): هذا أمر مخيف جدّاً، فهذه المرّة الوحيدة الّتي يستخدم فيها المولى سبحانه وتعالى هذه العبارة (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ).

(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدّثر: من الآية 31]،  فلا تعرف من أين يأتيك، يمحق المال، ويأخذ الصّحّة، وتلاقي من العنت والشّدائد والمصائب والهموم ما تلاقي، وتُحاسب يوم القيامة، (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) [الحديد: من الآية 20].

(فَأْذَنُوا): من كلمة الإذن، والأذن هي وسيلة الإعلام، والآذان هو إعلام بدخول الوقت، الأذن هي وسيلة التّلقّي، وسيلة السّمع: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: من الآية 36]، فأذنوا أي اعلموا، فهذا إعلام بحرب، هذه الحرب خصمك فيها من لا طاقة لك على مواجهته، الله ورسوله.

(وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ): لماذا؟ لأنّه ضمن لك رأس المال ومنع عنك زيادة الرّبا أو الفائدة الّتي هي حرام والّتي حرّمها الله سبحانه وتعالى، فإذاً الأمر يحتاج إلى توبة، من يرتكب الرّبا فقد ارتكب موبقة، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اجتنبوا السّبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»([1]).

 


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النّساء]، الحديث رقم (2615).

الآية رقم (283) - وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ

(وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ): في حالة السّفر لا يوجد كاتب عدل، إذاً لا مانع إن لم تجدوا فرهانٌ مقبوضةٌ، إذاً يوجد رهن، أباح الإسلام هذا الأمر حتّى يكون هناك ضمانة إضافيّة.

(فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا): فإذا كنّا بطريق سفر يقول له: يا أخي، لا أريد رِهاناً ولا أيّ شيء، لكن ربطه بتقوى الله لماذا؟ لأنّه: (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) إذاً كلّ الأمر مربوط بتقوى الله.

(وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ): يأتي الآن بعد الكاتب بالعدل وبعد الدّائن والمدين والعلاقات.. إلى الشّاهد، فإنّ عليه إثم إذا كتم الشّهادة؛ لأنّه حين كتم الحقّ، ومن خلال كتمانه جعل الباطل يكسب على حساب الحقّ؛ فلذلك نهى المولى عن الكتمان. وهنا سؤال: لماذا قال: (وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) مع أنّ الشّهادة باللّسان وليست بالقلب؟ لأنّ القلب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب»([1])، إذاً فهو آثم قلبه؛ لأنّ القلب مصدر كلّ النّوازع النّفسيّة والإنسانيّة.

 


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، الحديث رقم (52).

الآية رقم (278) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الخطاب هنا للمؤمنين، فالمؤمن بينه وبين الله سبحانه وتعالى عقد إيمانيّ، فعليه أن يأخذ الأوامر والتّكاليف من الله سبحانه وتعالى، فعند التّكاليف والأوامر الإلهيّة يأتي الخطاب للّذين آمنوا، فإذا استخدم الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)

فاعلم أنّ بعدها وظيفة وتكليفاً إيمانيّاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) [البقرة: من الآية 183]، (يأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة]،  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم) [البقرة: من الآية 254]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النّساء]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النّساء], (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب) [المائدة]، حتّى عمليّة ترك الرّبا خوطب بها المؤمنون؛ لأنّ الرّبا كان سائداً في المجتمع الجاهليّ.

الآية رقم (282) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

هذه الآية تختم القضيّة الاقتصاديّة، وقد وضع الإسلام قانوناً لم تستطع كلّ دول العالم أن تحيد عنه حتّى هذه اللّحظة، وهو فيما يتعلّق بتسجيل العقود عند كاتب العدل، حتّى كلمة كاتب العدل جاءت استناداً لهذه الآية الكريمة، آية المداينة ذكرت أنّ الدّين أو الحقوق يجب أن تُكتب وأن تُوثّق، وكلّ ما أُخذ بعد ذلك من عقود تجاريّة وصكوك تستند في البدء إلى آية المداينة، وهي أطول آية في كتاب الله سبحانه وتعالى.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ): الخطاب إن كان فيه تكليف فهو خطاب للمؤمنين؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يكلّف من لا يؤمن، هنا لا ينطبق: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين) [البقرة: من الآية 256]؛ لأنّ عدم الإكراه يكون بالاعتقاد، أنت حرّ تؤمن بالإسلام أو لا تؤمن، أمّا إذا آمنت بالإسلام فيجب أن تطبّق ما أمر به الإله الّذي آمنت به، (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: من الآية 29]، نحن لا نسوق النّاس إلى الإسلام بسياط القوّة، وإنّما يُساق النّاس إلى دين الله سبحانه وتعالى بأخلاق الإسلام وبالفكر والعقل والقناعة والحجّة والدّليل والبرهان، قال سبحانه وتعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: من الآية 111].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ): هذا توثيقٌ للعمليّة الاقتصاديّة وحفاظٌ على حقوق المدين وعلى حقوق الدّائن.

(إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى): وقت محدّد.

(فَاكْتُبُوهُ): وثّقوه واكتبوه.

الآية رقم (277) - إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

لا يُقبل الإيمان وحده دون عمل صالح، فالإيمان ليس بالتّحلّي ولا بالتّمنّي، ولكنّ الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إذاً هات برهانك على الإيمان، وأوّل برهان على الإيمان أن تنفق ممّا أعطاك الله، قال سبحانه وتعالى: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: من الآية 92].

(وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ): أضاف ركنين من أركان الإسلام، ركن استدامة الولاء لله، ركنٌ دائمٌ لا يسقط عنك في حالٍ من الأحوال وهو الصّلاة؛ لأنّ الزّكاة تسقط عن الفقير، والحجّ لمن استطاع إليه سبيلاً، وهذا والصّوم يسقط عن المريض، إلّا الصّلاة: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النّساء: من الآية 103]،  الصّلاة لا تسقط لا بمرض ولا بغيره، فإن لم تستطع قائماً صلّيت قاعداً، وإن لم تستطع قاعداً فمستلقياً، وإن لم تستطع مستلقياً فبعينيك، فإن لم تستطع بعينيك أخطرت أركان الصّلاة على ذهنك، فإذاً لا تسقط الصّلاة في حال من الأحوال، والصّلاة مدخل إلى كلّ العبادات.

(وَآتَوُا الزَّكَاةَ): غالباً ما نجد أنّ الله سبحانه وتعالى يربط ركن الزّكاة بركن الصّلاة، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النّور]، (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [المزمّل]، الصّلاة هي صلة مع الله وهي استدامة ولاء لله، والزّكاة هي برهان على صدقك مع الله تبارك وتعالى.

الآية رقم (276) - يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ

فإذاً هذه إشاعة الخير في المجتمع، ما هذه المقارنة العظيمة؟

(يَمْحَقُ): المحق: النّقصان، ومنه: المحاق، آخر الشّهر إذا انمحق الهلال، يُقال: محقه: إذا نقصه وأذهب بركته، أي يزول أثراً بعد أثر، فإذاً لا يزول مال الرّبا دفعة واحدة، ولكن انظروا إلى المرابين وانظروا إلى ميراثهم لأبنائهم هل مُحق أم لا؟ هذا قرآن يُتلى ويتعبّد به ويُصلّى به إلى يوم الدّين، فلا يمكن أن يقول المولى: إنّه يمحق الرّبا إلّا ويُمحق الرّبا، ولكن لا يزول دفعة واحدة، هذا الدّاء داء خطير في المجتمعات يدمّر اقتصاد المجتمعات.

(وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ): الزّيادة تكون بالصّدقة، فإذا أردت أن يزيد مالك ويربو فعليك أن تنفق منه على خلق الله وتُساعد المحتاجين والفقراء، فأيّ صورة راقية وأعظم وأجمل وأربى من هكذا صورة.

(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ): لم يقل سبحانه وتعالى: (والله لا يحبّ كلّ كافر آثم)، وإنّما استخدم صيغة مبالغة للكلمتين: (كَفَّارٍ) صيغة مبالغة من كافر، (أَثِيمٍ) صيغة مبالغة من آثم، فهو مُكثر في جحوده لأمر الله وكفره؛ لأنّه أحلّ الرّبا واستغلّ حاجة المحتاجين؛ لذلك جاءت نهاية الآية المتعلّقة بالرّبا وأكلة الرّبا في المجتمع: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).

الآية رقم (275) - الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

القضيّة في الآيات الّتي مرّت معنا هي قضيّة اقتصاديّة، وعماد الاقتصاد الإسلاميّ قائمٌ على تحقيق الاقتصاد السّليم في المجتمع من خلال الزّكاة والصّدقات وكيفيّة أداء فعل الزّكاة الّتي هي فعل عمل اقتصاديّ. ولا بدّ من بيان أنّ طريقة التّعامل بين الغنيّ والفقير يعتريها قضيّة خطيرة اقتصاديّة يقوم عليها الاقتصاد الرّأسماليّ الآن أو اقتصاد معظم الدّول، وهي الرّبا.

وتعريف الرّبا: هو الزّائد، وهو أن تستغلّ حاجة المحتاج وتضاعف مالك من خلال استغلال احتياجه، إذاً هو أسوأ صورة من صور العمل الاقتصاديّ؛ لذلك قال بعض العلماء الاقتصاديّين: لا يكون الاقتصاد سليماً إلّا إذا كانت الفائدة صفراً، يعني لا يوجد ربا، إذاً الرّبا هو استغلال حاجة المحتاج، ماذا يحدث؟ لماذا هذه العلاقة علاقة بشعة؟ الّذي يحدث أنّ هذا غنيّ وهذا محتاج فقير، الغنيّ يضمن أن يعيد ماله وزيادة من المال الّذي أقرضه للفقير، الّتي هي الرّبا، أو ما تُسمّى في أيّامنا: الفائدة، فإذاً هو استغلّ الحاجة وإضافة لاستغلاله للحاجة كسب على قدر حاجة المحتاج، وتأتي الآيات هنا لتبيّن خطورة الرّبا في المجتمع الّذي هو أساس الفساد الاقتصاديّ، فعلّة وآفة المال الرّبا، فإذا ظهر الزّنا والرّبا في قوم فقد أحلّوا بأنفسهم سخط وعذاب الله.

الآية رقم (274) - الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

إذاً الإنفاق إمّا أن يتعلّق باللّيل والنّهار أي بالزّمن أو بالكيفيّة، أي: السّرّ والعلانيّة، فلا تؤخّر صدقة تستطيع أن تفعلها في اللّيل إلى النّهار، ولا تؤخّر صدقة تستطيع أن تفعلها في النّهار إلى اللّيل، ولا تنفق فقط في العلانية، بل أنفق في السّرّ وفي العلن.

سبب النّزول:

كان لعليّ رضي الله عنه أربعة دراهم، فأنفق درهماً ليلاً ودرهماً نهاراً، ودرهماً سرّاً، ودرهماً علانية، فنزلت: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً).

(فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) يأخذون أجرهم من الله، ولا خوف عليهم من مستقبل ينتظرهم؛ لأنّ المستقبل بيد الله سبحانه وتعالى وأنت تعمل لله، فإذاً لا خوف عليك، ولن تحزن في الآخرة، ولن تحزن نتيجة شعورك أنّ مالك نقص، فالحزن لن يدخل إلى قلبك لا في الدّنيا ولا

في الآخرة ما دمت تتعامل في الصّدقة مع الله ولا تتعامل مع الفقراء.

الآية رقم (273) - لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ

(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ): هذا مثال على مصرف من مصارف الزّكاة، الفقراء الّذين أُحصروا، ونزلت في المهاجرين الّذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة المنوّرة، وليس لهم سبب يردّون به على أنفسهم ما يغنيهم، وقوله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ) يعني: سفراً للتّسبّب في طلب المعاش، والضّرب في الأرض: هو السّفر.

(يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ): هذا دليلٌ على أنّهم لا يطلبون ولا يسألون، فالجاهل بحالهم يحسبهم أغنياء من تعفّفهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، لكن كيف تعرفهم؟ تعرفهم بسيماهم، ماهي السّيمة؟ هي العلامة المميّزة، تعرفهم بخشوعهم وانكسارهم وليس بألسنتهم وسؤالهم وطلبهم.

(لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا): لا يسألون ويلحّون في السّؤال ويقفون على أبواب النّاس، هذا مصرف، ما الّذي يجب علينا أن نفهمه؟ يجب أن لا نترك المحتاج حتّى يسأل، كأنّ الآية تقول لنا: إنّ هناك كثيراً ممّن نحسبهم أغنياء من التّعفّف علينا أن نبحث عنهم وننظر بسيماهم ونتطلّع إلى أحوالهم؛ لذلك شُرعت صلاة الجماعة وصلاة الجمعة حتّى يكون الاجتماع بين النّاس، وحتّى يسأل النّاس بعضهم بعضاً، وحتّى يرى النّاس حاجات الآخرين ويشعر بحاجة الضّعيف والمريض والمحتاج والمسكين وإن لم يطلب، ليس كلّ النّاس يقفون على الأبواب ويمدّون أيديهم ويطلبون.

(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ): كن مطمئنّاً بأنّ من عملت لأجله يعلم، فإذاً على قدر ما تعمل لأجله وعلى قدر ما تبحث عن حاجات الضّعفاء والمساكين على قدر ما يكون لك الأجر، فكن مطمئنّاً بأنّه عليم.

الآية رقم (272) - لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ

سبب النّزول:

اعتمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمرة القضاء، وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمّها قتيلة وجدّتها يسألانها، وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتّى أستأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فإنّكما لستما على ديني فاستأمرته في ذلك، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية. فأمرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد نزول هذه الآية، أن تصَّدّق عليهما، فأعطتهما ووصلتهما. قال الكلبيّ: ولها وجه آخر، وذلك أنّ ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا، فلمّا أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وأرادوهم على أن يسلموا، فاستأمروا رسول الله فنزلت هذه الآية، فأعطوهم بعد نزولها. إذاً الإنفاق لا يتعلّق بأنّك تنفق على المسلم فقط، الله سبحانه وتعالى استدعى كلّ الخلق إلى الوجود، فأنت تستطيع أن تعطي المسلم وغير المسلم من الصّدقات إن كان محتاجاً، بدليل أنّ هذه الآية جاءت ضمن آيات الإنفاق في سبيل الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (281) - وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ

يذكّر الله سبحانه وتعالى المرابين ويذكّر أيضاً المؤمنين والمتصدّقين والمحسنين؛ لأنّ المحسن هو فوق المتصدّق، فالمحسن هو الّذين يعفو عن القروض إن كان المقترض معسراً، يذكّر الجميع بأنّ عليكم أن تتّقوا يوماً، أنت لا تتّقي اليوم، أنت لا تخاف من الزّمن بل تخاف من أحداث هذا الزّمن، من الأحداث الّتي ستجري في هذا اليوم، الّذي هو يوم القيامة ويوم الحساب، بالنّتيجة اتّقوا يوماً: أي اجعلوا بينكم وبين يوم الحساب حاجزاً، بأن تكون الحسنات أكثر: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء].

(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ): الرّجوع إلى الله سبحانه وتعالى عند انقضاء الأجل ليس بقرار من الإنسان، إنّما هو بقرارٍ من ربّ الإنسان.

(ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ): هذه هي الموازين القسط الّتي تُزان فيها الحسنات والسّيّئات، ولا شكّ بأنّ تعامل الإنسان وفق الإيمان مع أخيه الإنسان هو أكثر ما يثقل الميزان، لماذا؟ لأنّ الله  سبحانه وتعالى أراد من التّشريع الإسلاميّ أن يكون من أجل خير الإنسان، فالله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى صلاتك ولا إلى زكاتك ولا إلى حجّك ولا إلى صومك، وإنّما أنت تعمل لنفسك: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْد اللَّه هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَم أَجْرًا) [المزمّل: من الآية 20]، فإذاً كلّ ذلك سيكون في ميزان حسناتك، وهذه الحسنات هي من طبيعة تعامل الإنسان وفق أحكام شرع الله تبارك وتعالى مع أخيه الإنسان

الآية رقم (286) - لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

أجاب الله سبحانه وتعالى الدّعاء وجاءت هذه الآية وهي جواب على الّذي اعتقد بأنّ الله سبحانه وتعالى سيحاسبه على ما في نفسه وليس على فعله فقال سبحانه وتعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) طالما كلّفك إذاً هي بوسعك، وتستطيع أن تؤدّي أكثر من ذلك، بدليل أنّه كلّفك بخمس أوقات صلاة، أنت تستطيع أن تصلّي خمسين ركعة، لكنّه لم يكلّفك بخمسين، كلّفك بصيام شهر واحد وأنت تصوم اثنين وخميس بالإضافة للشّهر، وأحياناً تصوم شهرين، كلّفك اثنين ونصف بالمئة في شأن الزّكاة، وأنت قد تدفع عشرة.. إذاً هو كلّف ما في الوسع، فطالما أنّك وجدت أمراً تكليفيّاً إيمانيّاً أمر به المولى سبحانه وتعالى فاعلم أنّه بوسعك لماذا؟ لأنّه رخّص لك عندما لا يكون بوسعك فقال سبحانه وتعالى: (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [الفتح: من الآية 17]، وقال تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: من الآية 184]، وقال سبحانه وتعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التّوبة]،  إذاً كلّ شيء بالتّكليف ضمن الوسع.

الآية رقم (264) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ

إذاً إبطال مفعول الصّدقة يتمّ من خلال المنّ والأذى؛ لأنّ الإسلام هو إشاعة خير حتّى ولو بالكلمة الطّيّبة، فإذاً لا يجوز أن يكون هذا المال الّذي أنفقته سبباً لإيذاء الآخرين.

(الَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ): هذا مثل ضربه الله عزَّ وجلّ، مثل للإنسان الّذي يمنّ أو يؤذي حين ينفق، وأنت تعرف عند إنفاقك هل تنفق مراءاة للنّاس أم إنّك تؤمن بالله وتؤمن باليوم الآخر، وذكر هنا اليوم الآخر؛ لأنّ الأمر لا يتعلّق فقط في الدّنيا وإنّما يتعلّق بالحساب في الآخرة، أنت توزّع من مالك صدقات حتّى يُشاع في المجتمع، إذاً اذهب وخذ أجرك ممّن أنفقت لهم، أنت أبطلت مفعول الصّدقة وهو أن تأخذ الأجر من الله، ولا خوف عليك ولا على أولادك، ولا تحزن في الآخرة، ولا تخاف في الدّنيا على ذريّتك، أبطلت كلّ هذه المفاعيل ممّن عملت له والله سبحانه وتعالى أغنى الشّركاء عن الشّرك، عن شدّاد بن أوس رضي الله عنه قال: بينما أنا عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذ رأيت بوجهه أمراً ساءني فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله ما الّذي أرى بوجهك؟ قال: «أمر أتخوّفه على أمّتي من بعدي»، قلت: وما هو؟ قال: «الشّرك وشهوة خفيّة»، قال: قلت: يا رسول الله، أتشرك أمّتك من بعدك؟ قال: «يا شدّاد، أما إنّهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولا حجراً ولكن يراؤون النّاس بأعمالهم»([1])، وهذا هو الشّرك الخفيّ، وهذا ما أشارت إليه الآية القرآنيّة:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ)؛ لأنّ الّذي ينفق رياء النّاس لا يؤمن بالله، حتّى لو تعاملت مع الله سبحانه وتعالى لكن قد تضعف نفسك فتمنّ أو تتحدّث بما أعطيت؛ لذلك صدقة السّرّ هنا تكون أفضل إذا خفت من الرّياء.

الآية رقم (263) - قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ

(قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ): فإن أعطيت سائلاً صدقة وألحقتها بالمنّ والأذى والإساءة إلى من أعطيت، فالكلمة الطيّبة أفضل بكثير من العطاء الماليّ إذا كان معه أذى؛ لذلك قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيّبة»([1])، إذاً المعروف ضدّه المنكر، والمعروف هو الشّيء الّذي ألفه النّاس وتعارفوا عليه، وهو الخير، والمنكر هو ما أنكرته النّفس البشريّة وهو الشّرّ، فالكلمة قد تكون سلاماً تداوي به الإنسان أكثر من أن تؤذيه بمالك، وذلك بأن تعطيه وتمنّ عليه.

(وَمَغْفِرَةٌ): ما علاقة المغفرة هنا؟ أشاع الإسلام القيم، أنت عندما تفعل الخير حتّى بالكلمة الطّيّبة أو بعفوك عن إنسان، (أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) [النّور: من الآية 22]، هذا هو المعنى.

(وَاللَّهُ غَنِيٌّ): فالله سبحانه وتعالى غنيّ، طلب منك أن تنفق على خلقه وهو الّذي خلقك وخلقه وهو الّذي استدعاك واستدعاه فإذاً هو غنيّ عنك وعنه وطالما هو غنيّ عنك وعنه فإذاً أنت تتعامل مع غنيّ، قال عليه الصّلاة والسّلام: «أنفق بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً»([2]).

(حَلِيمٌ) : يعني أنّ الله سبحانه وتعالى يمهل لكنّه لا يهمل.


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الأدب، باب طيب الكلام، الحديث رقم (5677).
([2]) المعجم الكبير للطّبرانيّ: باب العين، عبد الله بن مسعود الهذليّ، الحديث رقم (10300).

الآية رقم (262) - الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

إذاً تبيّن لي أمر الآن، أنّ المثل حتّى ينطبق له شرط معلّق به، وهو أنّك لا تتبع الإنفاق بالمنّ والأذى.

(ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى): لم يقل: (ولا يُتبعون) مع أنّه لو كان بشر الّذي يكتب لقال: (ولا يتبعون)، لماذا جاءت هنا (ثُمَّ)؟

ثمّ على التّراخي؛ لأنّك قد لا تمنّ عند العطاء، بل تمنّ بعد مضي زمن؛ لذلك جاءت: (ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى)، إذاً الّذين ينفقون أموالهم في سبيل الله عليهم ألّا يُتبعوا ما أنفقوا منّاً ولا أذى حتّى يُقبل ذلك الإنفاق منهم، فطالما فعلت الأمر في سبيل الله فدع الأمر لله، لماذا اشترط الله عزَّ وجلّ هذا الشّرط تحديداً؟ لأنّ الإنسان لحظة الإنفاق قد يكون في حالة إيمانيّة، ثمّ تعتريه تغيّرات، فمن الممكن أن يمنّ ويؤذي من خلال هذا العطاء بالكلمة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يحصّن العطاء والرّزق، وأن يحصّن الإنفاق بأن يكون خالصاً في سبيل الله؛ لذلك فإنّ الّذي يُنفق ويمنّ يخسر خسارتين: الخسارة الأولى: بأنّه خسر المال الّذي أعطاه للفقير، أمّا الخسارة الثّانية: هي بأنّه حوّل هذا الفقير إلى عدوّ له حين تمنّنه من خلال الإنفاق والعطاء. فبدلاً من أن تعالج قضيّة اجتماعيّة خسرت المال وخسرت مَن أنفقت عليه المال؛ لذلك تخسر خسارتين.

(لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ): الحقيقة أنّ الّذي يمنّ عندما يعطي هو تصوّر الضّعيف الّذي أنفق عليه، ولم يتصوّر قدرة ربّ الضّعيف، فلو وضع في تصوّره ربّ الضّعيف لم يمنّ ولم يؤذِ، إذاً هناك قاعدة هذه القاعدة هي أنّك تأخذ الأجر ممّن عملت له، هذه قاعدة بشريّة، أنت موظف في الدّولة تأخذ الرّاتب من الدّولة، والطّبيب يأخذ الأجرة من المريض.. وهكذا، إذاً هذا قانون كلّ عمل يكون له أجر ممّن عملت له، فإذا كنت تنفق في سبيل الله إذاً العمل لله فلماذا تمنّ؟ أنت تعطي هذا الفقير، وهذا اليتيم، وهذا البائس، وهذا المحتاج، كيف تمنُّ عليه وهذا العمل في سبيل الله؟ إذا كان في سبيل الله فإذاً اطلب أجرك ممّن عملت له؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى في تذييل هذه الآية: (لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ): إذاً الأجر من الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (261) - مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

الآيات السّابقة تحدّثت عن كيفيّة إحياء الموتى، قلت لكم: إنّ القرآن الكريم لا يمكن أن يكون من لدن بشر، فأيّ كتاب يكتبه بشر فلا بدّ من أن يكون هناك وحدة أو تسلسل في الموضوع وفق العقل البشريّ، القرآن الكريم فيه وحدة في الموضوع وفيه تسلسل ولكن حسب القدرة الإلهيّة، وليس حسب العقل البشريّ، وهذا هو الفارق، حسب العقل البشريّ ما علاقة الإنفاق وشحّ النّفس بالموضوع الّذي سبق؟ الموضوع الّذي سبق مشهد من حوار الخليل إبراهيم عليه السلام مع النّمرود، فكأنّك كنت مع قصّة قرآنيّة ومع قضيّة تتعلّق بقصّة سيّدنا إبراهيم عليه السلام، لكن الموضوع أو القصص القرآنيّ ليس قصصاً بشريّاً وإنّما هو للعبرة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [يوسف: من الآية 111]، هو عبرة وعظة ليستمرّ عبر الزّمان والمكان، ووحدة الموضوع حسب القدرة الإلهيّة هو وحدة التّكاليف الإيمانيّة ووحدة معالجة دخائل النّفس البشريّة، أنت كإنسان تكتب موضوعاً وتجعل له أبواباً فتضع سورة إبراهيم، سورة يوسف، سورة محمّد، سورة هود، سورة يونس، سورة موسى، سورة عيسى، وهكذا.. ثمّ تجعل باب الزّكاة، باب الحجّ، باب الجهاد، باب الإنفاق، باب برّ الوالدين، باب الأخلاق… فتقسّم المواضيع حسب العناوين، أمّا في إعجاز البلاغ البيانيّ فيما يتعلّق بالقرآن الكريم فالقرآن كلام ربّ البشر للبشر فإذاً هو يعالج النّفس البشريّة فيأتي لها من كلّ المداخل وبكلّ المواضيع، ولا يوجد هناك حسب عقلك وحدة في الموضوع، ولكن حسب الإرادة الإلهيّة هذا ممكن، فكما أورد لك قصّة تتعلّق بكيفيّة إحياء الموتى وبنقاش جرى بين الخليل إبراهيم وبين النّمرود فهو أيضاً يعالج مباشرة معك ما يتعلّق بالإنفاق وبشحّ النّفس، فالوحدة الإيمانيّة واحدة، فإذا سألت: ما علاقة هذه بهذه؟ العلاقة أنّك إنسان تتلقّى عن ربّ الإنسان، وهو يعالج كلّ أدواء البشر الفكريّة والعقليّة والأخلاقيّة والقيميّة.

الآية رقم (260) - وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

مازلنا بنفس الموضوع، وكثير من النّاس يستند إلى هذه الآية بأنّ إبراهيم عليه السَّلام قال: أرني كيف تحيي الموتى؟ ويتساءلون: حتّى إبراهيم كان عنده شكّ؟ الجواب: طبعاً لا، لننظر إلى دقّة الأداء القرآنيّ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ)، إذاً هو كان مؤمناً إيماناً قطعيّاً أنّ الله سبحانه وتعالى يحيي الموتى، كما أنّك إذا ذهبت إلى بنّاء وقلت له: كيف بنيت هذا القصر العظيم؟! أنت تشاهد القصر أمامك ومتأكّد من وجوده، لكنّك تطلب منه أن يُريك كيف بناه وكيف وضع الأعمدة وكيف وضع الإسمنت المسلّح وركّبها على بعضها حتّى استكمل هذا البناء، إذاً هو يرى ويؤمن إيماناً مطلقاً بأنّ هذا القصر موجود، ولكنّه يسأل عن الكيفيّة، وهكذا سؤال سيّدنا إبراهيم عليه السَّلام؛ لأنّ هناك تخيّلاً عنده لهذه الكيفيّة، ودلّل على ذلك سيّدنا إبراهيم عليه السّلام بقوله: (قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) إلى التّصوّرات الّتي كنت أتصوّرها حول إحياء الموتى هذا هو المعنى؛ لأنّه قال: (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) وإلّا كانت أتت الآية بهذا الشّكل: (إذ قال إبراهيم ربّي أرني أتحيي الموتى)؟ هو لا يشكّ بأنّ الله سبحانه وتعالى قادر على إحياء الموتى ولكن سؤاله عن كيفيّة إحياء الموتى.

(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ): صرهنّ: أي اجمعهنّ إليك.

والمراد أحضر أربعة من الطّيور واجمعها أمامك.