الآية رقم (37) - وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ

﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾: كما أرسلنا الرّسل بالرّسالات، أنزلنا القرآن الكريم، واستخدام لفظة: ﴿ أَنْزَلْنَاهُ ﴾؛ أي نزل من علوٍ، من اللّوح المحفوظ.

﴿ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾: كلام الله عز وجل الخاتم الّذي خُتمت به رسالات السّماء كان حُكماً عربيّاً، وقد وصف الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم بأنّه حكمٌ عربيٌّ، كما نقول ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى: هذا قاضٍ عادل، ومن كثرة عدله نقول: هذا القاضي عدلٌ، فهذا القرآن هو فيصلٌ وحكمٌ لبيان الحقّ والباطل وكلّ ما يتعلّق بأمور النّاس، ونجد اللّغات على وجه الأرض قد تشتّتت وتوزّعت، فاللّغة اللّاتينيّة توزّعت إلى فرنسيّة وإنجليزيّة وإيطاليّة و… إلخ، وغيرها من اللّغات إلّا اللّغة العربيّة، فالقرآن الكريم حفظها، قال سبحانه وتعالى: ﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾]يوسف[، والنّبيّ , يقول: «أحبّوا العرب؛ لأنّي عربيٌّ، والقرآن عربيٌّ، وكلام أهل الجنّة عربيٌّ»([1])، فتمكين اللّغة العربيّة بالنّسبة إلى لساننا أمرٌ حاسمٌ، وعندما نتحدّث عن العروبة أو عن العربيّة فنحن لا نتحدّث عن عنصريّة، وإنّما عن لسانٍ عظيمٍ ولغةٍ عظيمةٍ تجمع هذه الثّقافة وتجمع أحوال النّاس، هذه اللّغة الّتي فيها من الميّزات والخصائص ما جعلها الله سبحانه وتعالى وعاءً لكلماته العظيمة، وقد قلنا سابقاً: بأنّه في هذه اللّغة الكلمة الواحدة تُعطي مجموعةً من المعاني، نحو كلمة (العين)، فتعني العين الّتي نرى بها، وتعني الجاسوس، وتعني عين الماء، ونحن نعتزّ بعروبتنا وباللّغة العربيّة ونفخر بها ونحافظ عليها؛ لأنّها جزءٌ لا يتجزّأ من أوامر الله سبحانه وتعالى، ولولا القرآن الكريم لاندثرت اللّغة العربيّة، أو لأصبحت اللّهجات العامّيّة في الدّول العربيّة لغات منفصلة بدلاً من اللّغة العربيّة، ولكن الّذي منع العامّية من التّغلّب على اللّغة الفُصحى هو القرآن الكريم، قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ ]الحجر[، فاللّغة العربيّة محفوظةٌ بحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى.

﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾: بعض المفسّرين يرى أنّ هذه الآية خطابٌ لأمّة النّبيّ ,، وهي ليست إنقاصاً من قَدر رسول الله ,، إنّما هي منعٌ لكلّ متّبعٍ للنّبيّ , من أن يتّبع أهواء الّذين كفروا والّذين حاربوا وواجهوا الإسلام منذ اللّحظات الأولى.

﴿ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ﴾: لأنّ ما جاء في القرآن الكريم هو العلم، العلم بحقيقة وجود الإنسان، وحقيقة ما يجب أن يعبد الإنسان، وما تكون فيه حياته خالصة وصادقة وأمينة ومستقيمة من خلال أحكام القرآن الكريم، فالّذي يتّبع الهوى بعد ما جاء القرآن الكريم فليس له من الله سبحانه وتعالى واقٍ؛ أي وِقاية من العذاب، وليس له إلّا الحساب والعقاب.

([1]) شعب الإيمان: باب في حبّ النّبيّ :، الحديث رقم (1433).

الآية رقم (38) - وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾: الأُسوة تأتي بالجنس القابل للمقارنة، والرّسل الّذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى جاؤوا ليكونوا أسوةً للبشريّة، فأمرٌ طبيعيٌّ أن يكون لهم ذريّةٌ وأزواجٌ، وقد أنكر المشركون ذلك بقولهم: ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾]الفرقان: من الآية 7[، فهم يريدون رسولاً مَلكاً، ولكنّ الأسوة السّلوكيّة لا تكون إلّا برسولٍ بشريّ، قال سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ ]الكهف: من الآية 110[.

﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: لا يستطيع أيّ رسولٍ أن يأتي بآيةٍ أو بمعجزةٍ إلّا بأمر الله سبحانه وتعالى.

﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾: كلّ شيءٍ عنده بمقدار، وكلّ شيءٍ عند الله سبحانه وتعالى مكتوب ومؤجّل بهذا الأجل الموقوت عند الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (39) - يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ

﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾: هناك أحكام تنزل يكتب الله سبحانه وتعالى في أمّ الكتاب؛ أي اللّوح المحفوظ، بأنّها مؤقّتة، مثال: تدرّج تحريم الخمر، وكذلك التّوجّه إلى المسجد الأقصى بالنّسبة إلى القبلة، فمحا الله سبحانه وتعالى هذه وأثبت ما في أمّ الكتاب بأن نتوجّه إلى الكعبة المشرّفة، فالأمر موقوتٌ، إذاً عندما نقول: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾هي أحكامٌ مرحليّة لمدّةٍ محدّدةٍ فقط، هذه المدّة تنتهي وينتهي زمن الحكم السّابق، ويأتي حكمٌ لاحق موجود في أمّ الكتاب، فهذه الأحكام المرحليّة لا يمكن أن تأتي دفعةً واحدةً حتّى يعتاد النّاس عليها.

الآية رقم (40) - وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ

﴿ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ﴾: وإمّا نرينّك يا محمّد في حياتك بعض الّذي نَعِد هؤلاء المشركين باللّه من العقاب والخزي والنّكال في الدّنيا.

﴿ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾: أي قبل أن نُريك ذلك.

﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾: أي إنّما أرسلناك لتبلّغهم رسالة اللّه عز وجل.

﴿ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾: أي حسابهم وجزاؤهم على الله عز وجل، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ ]الغاشية[.       

الآية رقم (41) - أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾: أي أولم يعلموا.

﴿ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ ﴾: عندما تأتي كلمة الأرض في القرآن الكريم قد تأتي كنايةً عن بقعة أرض، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾ ]القصص: من الآية 81[، وقوله جل جلاله: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾ ]المائدة: من الآية 21[؛ أي بقعة من الأرض معيّنة.

﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: أي سينقص عدد الـمُلحدين والمشركين من الأرض، وبعض المفسّرين قال: الأمر هنا علميٌّ، فالأرض كرويّةٌ، لكن إذا أتيت إلى أطرافها من القطبين ومن خطّ الاستواء فلا تكون مستديرة بشكلٍ كاملٍ، وإنّما غير كاملة الاستدارة هذا معنى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، والله أعلم، قد يكون هذا وقد يكون ذاك، وقد يأتي زمنٌ يكتشف العلم أكثر حول هذه الآية العظيمة.

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾: الله سبحانه وتعالى يحكم ويفصل، وهو سبحانه وتعالى عندما يقضي أو يحكم بأمرٍ لا يأتي استئنافٌ على حكمه، وليس من ورائه أحدٌ يُسدّد الحكم أو يقول: هذا الحكم ناقص.

﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: النّتيجة بأنّ الحساب سريعٌ، أنت تعتقد أنّ الوقت طويلٌ، وعندما تأتي السّاعة كما قال سبحانه وتعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾]النّازعات[.

الآية رقم (42) - وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ

﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾: أي بيّتوا بِخفاء لرسلهم.

﴿ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ﴾: الله سبحانه وتعالى يمكر بهم، ولا نقول عن الله سبحانه وتعالى بأنّه ماكرٌ، ولكنّه جل جلاله يُبطل مكر هؤلاء، فهم يبيّتون بخفاءٍ، وهو ليس عنده خفاءٌ.

﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾: يعلم ما تكسب كلّ نفسٍ في كلّ دقيقةٍ وفي كلّ سكَنةٍ وفي كلّ ثانية، فعلمه كاشفٌ لأحوال البشر كلّها.

الآية رقم (43) - وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾: القضيّة كلّها أنّهم يحاولون إنكار أنّ النّبيّ , مرسلٌ من عند الله عز وجل.

﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: أجبهم يا محمّد أنّه يكفي بأنّ الله تعالى على كلّ شيءٍ شهيد.

﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: ويكفي بأنّ الله جل جلاله يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصّدور، وعنده علم العلوم السّابقة في الكتاب، وكلّ ما يتعلّق بالإنسان من حياةٍ أو موتٍ… إلخ.

الآية رقم (36) - وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ

﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: عندما نزل القرآن الكريم كان هناك أهل كتابٍ من النّصارى وأهل كتابٍ من اليهود، فمنهم مَن فرح بنزوله؛ لأنّه يؤيّد الكتب الّتي معهم، كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وسلمان الفارسيّ وكثيرٌ من الّذين فرحوا بهذا القرآن، على عكس المشركين.

﴿ وَمِنَ الْأَحْزَابِ ﴾: من أحزاب المشركين؛ أي من أقسامهم.

﴿ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾: مِن المشركين مَن قال: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، حتّى من أهل الكتاب منهم من آمن ببعض وكفر ببعض.

﴿ قُلْ ﴾: قل يا محمّد، وهذه من صدق الأمانة في البلاغ عن الله عز وجل.

﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ﴾: الأمر الّذي جاءني هو أن أعبد الله تعالى من غير أيّ شريك، لا من أوثانٍ ولا من إنسانٍ ولا من قِوىً ولا من أيّ شيءٍ، والعبادة تكون خالصةً لوجهه جل جلاله، وهذا هو أساس الدّين، وأساس كلّ ما جاء من رسالاتٍ سماويّة.

﴿ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾: أدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ولستُ داعياً لنفسي.

﴿ وَإِلَيْهِ مَآبِ ﴾: سيكون المآب والرّجعة إليه عز وجل.

الآية رقم (23) - جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ

عقبى الدّار هي جنّات عدنٍ.

﴿جَنَّاتُ﴾: أي بساتين.

﴿عَدْنٍ﴾: أي إقامة دائمة.

المقصود بالجنّات البساتين، وفي آياتٍ أخرى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ]التّوبة: من الآية 72[، فللإنسان هذه الأشجار وهذه البساتين، وفيها مساكن طيّبة، والجنّة كما بيّن النّبيّ , في الحديث الصّحيح: «فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ»([1])، وهنا عندما نناقش القضايا الغيبيّة والعقائديّة المتعلّقة بالجنّة والنّار وما تحويه، وما فيها من أنهار…، فكلّها تخضع لمعيارٍ واحدٍ، هذا المعيار هو قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾]الرّعد: من الآية 35[، ﴿مَثَلُ﴾؛ أي أنّ العقل البشريّ لا يستطيع تصوّر ما في الجنّة، فهي ﴿مَثَلُ﴾؛ أي تقريب للأذهان بمثل ما يعرف الإنسان؛ لأنّ الشّيء إن لم تكن تعرفه فلا تستطيع تسميته، فمثلاً عندما اخترعوا التّلفاز سُمّي كذلك بعد إنشائه، وكلّ ما يتعلّق بالجنّة يخضع لهذا المعيار، فالجنّات والبساتين والأنهار والمساكن الطيّبة… كلّ هذه الأمور هي للتّقريب للعقل البشريّ، بدليل قول نبيّه ,: «فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ»، فإذا لم يخطر على بالك، ولم تره عيناك، ولم تسمع عنه أذُناك، فكيف ستتصوّره؟! لذلك يقرّب الله سبحانه وتعالى ذلك للأذهان البشريّة.

﴿يَدْخُلُونَهَا﴾: يدخل هذه الجنّات أولو الألباب الّذين اتّصفوا بالصّفات التّسع الّتي تحدّثنا عنها.

﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: الجنّة ليست لك فقط، وإنّما لمن تحبّ في هذه الحياة الدّنيا أيضاً، وهذا من رحمة وعطاء الله سبحانه وتعالى، لكن بشرط أن يكون صالحاً، بما أنّه قال: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ فالمراد العائلة كلّها، فكلمة الآباء تُطلق على الأمّهات والآباء، بدليل قوله سبحانه وتعالى في سورة يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ ]يوسف: من الآية 100[؛ أي أمّه وأبيه، وهنا يدخل الإنسان الصّالح جنّات عدنٍ ومن صلح من الآباء والأزواج والذّريّات، والإنسان يحنّ بعاطفته الّتي خلقها الله سبحانه وتعالى إلى ذرّيّته وإلى أمّه وأبيه وزوجته، فهؤلاء جميعاً يكونون مع بعضهم بإذن الله سبحانه وتعالى بشرط الصّلاح.

﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾: أي أبواب الطّاعات،

([1]) صحيح مسلم: كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، الحديث رقم (2825).

الآية رقم (24) - سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ

﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾: معنى سلام: الأمن والاطمئنان وعدم القلق والرّضا، هذا هو المعنى العامّ لكلمة سلام، لذلك تقول عند الانتهاء من الصّلاة: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والإسلام مشتقٌّ من كلمة السّلام وهذا عكس كلّ الإرهاب والتّطرّف والإكراه.

الملائكة يقولون: سلامٌ عليكم؛ أي عليكم الأمن والاطمئنان والرّضا؛ لأنّ الجنّة ليس فيها أغيار، لن تكون صحيحاً فتمرض، أو غنيّاً فتفقر، أو حيّاً فتموت، هذا معنى السّلام العامّ، ونحن نجد ملحظاً رائعاً في اللّغة العربيّة مرّت معنا عندما دخلت الملائكة على سيّدنا إبراهيم ليُبشّروه وهم في طريقهم إلى قوم لوط: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا﴾ ]هود: من الآية 69[، في اللّغة العربيّة يجب أن تكون حسب عقلنا اللّغويّ (قالوا سلاماً قال سلاماً)، المفروض أن تكون منصوبة، لكن هو قال: ﴿ سَلامًا ﴾؛ لأنّ السّلام بالنّسبة إلى الملائكة دائماً مبتدأ، وهو ثابتٌ.

﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾: الآن لم يعد هناك صبرٌ، فالمؤمن في الجنّة ليس في عالم أغيار، بل في نعيمٍ مقيمٍ بما صبر، ولنلحظ هنا أنّ الصّفات الّتي مرّت ودخل الإنسان بسببها -بعد رحمة الله عز وجل- الجنّة هي تسع صفات مرّت معنا، لكنّ الملائكة حدّدوا صفةً واحدةً وهي الصّبر، لما له من أهميّةٍ، وأنّه دليلٌ على الإيمان، وهو الأساس في مواجهة طبيعة الحياة الّتي هي أكدارٌ وابتلاءات.

﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾: هذه هي العاقبة الّتي هي نعيمٌ مقيمٌ

الآية رقم (25) - وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ

﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: العهد الّذي بينهم وبين الله تعالى هو عهد الفطرة المركوزة في الإنسان، قال سبحانه وتعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ ]الأعراف: من الآية 172[، وبعد أن جاءت الرّسل وآمن بها الإنسان وأعطى ربّه عهداً على الإيمان، هناك ميثاقٌ آخر وهو ميثاق الفطرة داخل الإنسان، فالإنسان يولد على الفطرة كما قال النّبيّ ,: «ما من مولودٍ إلّا يولَد على الفطرة»([1])، فالإنسان نقض هذه الفطرة ونقض عهد الله عز وجل.

﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾: أي يقطّعون الأرحام ويقطّعون الصّلات؛ لأنّ علاقاتهم كلّها تشوبها المصالح، ولا تشوبها الأخلاق والكوابح، هذا هو الفارق الكبير، فالإنسان الّذي ليس عنده أخلاق لن يبرّ والديه، ولن يصل إخوته وأقاربه، وإن كان هناك ميراثٌ فسيقاتل من أجل ميراثه؛ لأنّ المصلحة هي الّتي تحرّكه وليس الإيمان.

﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾: الفساد هو إفساد كلّ شيءٍ عن حاله الّذي خلقه الله سبحانه وتعالى عليه، فالله جل جلاله خلق الكون والإنسان والكائنات كلّها على هيئة الصّلاح لتؤدّي مهمّتها، فهذه المهمّة الّتي تؤدّيها إذا أفسدها الإنسان وغيّر من صلاحها فسيأتي الفساد بأنواعه كلّها، الماليّ والأخلاقيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، بدليل أنّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾]الرّوم: من الآية 41[، الأصل هو الصّلاح، لذلك لا يوجد إيمانٌ من غير عملٍ صالحٍ، وإنّ ترك الأمور على حالها يُبقيها صالحةً كما خلقها الله سبحانه وتعالى، لكن الإنسان يفسد المياه والجوّ والأخلاق والعلاقات… والله سبحانه وتعالى يحبّ الصّلاح، فنجد في آيات القرآن الكريم قوله: ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ]العصر[، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلً﴾ ]الكهف[، فدليل الإيمان هو العمل الصّالح، وهو عكس الفساد، فإذا أردت الصّلاح فيجب عليك أن تسير بالاستقامة الّتي هي عنوان هذا الدّين، يقول تبارك وتعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾]الفاتحة[، فالاستقامة هي الصّراط المطلوب، قال عز وجل: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾]هود: من الآية 112[، وقال جلّ وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾]الأحقاف: من الآية 13[، فلا يمكن للإنسان أن يقول: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، ثمّ يكذب أو ينمّ أو يرتشي أو يسرق أو يقتل أو يزني…

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾: اللّعنة؛ أي الطّرد من رحمة الله سبحانه وتعالى، فلهم سوء الدّار، فيكون المأوى جهنّم وبئس المصير.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصّبيّ فمات هل يُصلّى عليه؟ وهل يُعرض على الصّبيّ الإسلام؟ الحديث رقم (1292).

الآية رقم (26) - اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ

﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: البسط هو مدّ الشّيء، فالله سبحانه وتعالى يوسّع على من يَشاء من خلقه في رزقه، فيبسط له منه.

والرّزق لا يقتصر فقط على المال، وإنّما هو كلّ ما يُنتفع به، فالصّحّة رزقٌ، والعلم رزقٌ، والأخلاق رزقٌ، والمال هو جزءٌ من هذا الرّزق، والله سبحانه وتعالى طمأن النّاس بكفالة الرّزق، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَاْلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ ]الذّاريات[، دخل سيّدنا عمر بن الخطّاب t إلى المسجد فوجد رجلاً يرفع يديه إلى السّماء ويدعو بالرّزق، فقال t: “لَا يَقْعُدُ أحدكم عن طلب الرّزق يقول: اللَّهُمَّ ارزقني، فَقَد عَلِمْتُم أَنَّ السَّمَاءَ لَا تُمطِر ذهباً ولا فضّة”، فالرّزق مضمونٌ، ولكن لا بدّ من الحركة والعمل للحصول عليه، والأخذ بالأسباب أساسٌ في هذه الحياة الدّنيا، وقد أراد الله سبحانه وتعالى لهذه الحياة أن تكون مجال اختبارٍ وابتلاءٍ؛ لذلك لا بدّ من ارتباط الأسباب بالمسبّبات، لكنّ الفاعل الحقيقيّ هو الله عز وجل، وكلّ ما سوى الله سبحانه وتعالى فقد جرى عليه فعل الفاعل.

﴿وَيَقْدِرُ﴾: يضيّق.

فهناك أناسٌ رزقهم ضيّقٌ، ولكن هل ترك الله سبحانه وتعالى الخلق هكذا، أو أنّه جعل في مال الأغنياء حقّاً للفقراء؟ هل ضمن الرّزق للبشر كلّهم؟ الجواب: نعم، إنّ الله عز وجل فرض في أموال الأغنياء ما يسع الفقراء، فلو أخرج الأغنياء زكاة أموالهم لما وُجِد فقراء، فهذا سيّدنا عمر بن عبد العزيز t وزّع الأموال وبقي في بيت المال فقال: وزّعوا على الفقراء وزّعوا على المساكين وزّعوا على من يريد الزّواج وزّعوا… وبقيت الأموال كثيرة، فقال: انثروا الحبّ على رؤوس الجبال حتّى لا يُقال: بأنّه جاع طيرٌ في عهد عمر، فلو أنّ الأغنياء أدّوا حقّ الله تعالى فيما عليهم للفقراء ما جاع فقيرٌ، وهذا هو الحقّ المعلوم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾]المعارج[.

﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الفرح بطبيعته ليس أمراً غير مرغوبٍ فيه، بدليل أنّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ]يونس[، فالفرح غير مذمومٍ إذا لم يكن ببطرٍ وتكبّرٍ واستغناءٍ عن عطاء الله سبحانه وتعالى، بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾]القصص[، فهذه المعايير الأخلاقيّة القيميّة الّتي تضمن المجتمعات، فالفرح مقبولٌ عندما يكون بحقّ، أمّا هنا فهو فرحٌ بباطل؛ لأنّ المولى سبحانه وتعالى قال: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فقد فرحوا بهذه الدّنيا، ويجب أن تكون الفرحة هي الفرحة الحقيقيّة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، برضا الله جل جلاله، والرّضا بقضائه وهذا فارقٌ كبيرٌ بمعنى الفرح.

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾: المتاع: هو الشّيء الزّائل، شيءٌ لا يبقى، مُتعة قليلة وزائلة، فلا تُقارن هذه الدّار الّتي أنت راحلٌ عنها بالدّار الّتي أنت قادمٌ إليها، لا تُقارن هذه الدّار الّتي مدّة لبثك فيها لا تتجاوز اليسير إلى الخُلد والبقاء الدّائم، لذلك كان سيّدنا عمر بن عبد العزيز يقول: يا ساكن القبر غداً، ما غرّك من الدّنيا، هل تعلم أنّك تبقى أو تبقى لك؟! جاء الأمر من السّماء، جاء غالب القدر والقضاء، جاء من الأمر الأجل ما يمتنع منه، هيهات يا مغمض الوالد والولد والأخ ومكفّنه، يا مغسّل الميت ومخلّيه، يا تاركه وذاهباً عنه ماذا تقول لملك الموت؟

فالموت حقٌّ، والإنسان زائلٌ، ذاهبٌ إلى ربّه، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فلا يكون الفرح بمتاعٍ زائلٍ كالحياة الدّنيا، وإنّما بالآخرة الباقية.

الآية رقم (27) - وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: قالوا عندما نزل القرآن الكريم، وهو أكبر وأعظم آية: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ ]فصّلت: من الآية 26[؛ أي شوِّشوا على القرآن، وقد قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾]الزّخرف: من الآية 31[، وقالوا: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ]الزّخرف[، فالقضيّة عندهم ليست قضيّة إيمانٍ، وإنّما هي قضيّة تعجيزٍ.

﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾: من أناب؛ أي من يعود إليه، فلا بدّ من أن يُعمل الإنسان عقله، ويفتح صدره وقلبه لدعوة الحقّ حتّى يستطيع أن يتلقّى هذا العطاء الإلهيّ من القرآن الكريم أو من دعوة الرّسالات السّماويّة والأنبياء الّذين جاؤوا، فالقضيّة هنا ليست قضيّة إنزال آياتٍ ومعجزاتٍ على الرّسول الكريم، فهم لن يؤمنوا مهما جاءتهم من آيات، كما جرى مع الأنبياء السّابقين.

وهنا قضيّةٌ مهمّةٌ، تُثير إشكالاً لدى بعض النّاس أحياناً، فيقول: الله جل جلاله لم يشأ أن يهديني، فما ذنبي أنا بهذا الموضوع؟ والمولى سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾]القصص[، هنا يجب أن نبيّن بأنّ الهداية تكون عامّةً للبشر كلّهم وهي هداية الدّلالة، فإذا أخذ بها الإنسان فالله سبحانه وتعالى يؤيّده بهداية المعونة، مثال: وُضِعَت لافتةٌ مكتوبٌ عليها: اذهب من هذا الطّريق، ولافتةٌ أخرى مكتوبٌ عليها لا تذهب من هذا الطّريق، فتكون أنت من اخترت، وكذلك عندما اخترت طريق الإيمان فالنّتيجة كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ]محمّد[، وعندما يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾؛ أي أنّك لن تخرج عن قدرة الله سبحانه وتعالى، فلو شاء لجعلك مؤمناً، وهذه من صفات الله سبحانه وتعالى الّتي لا يستطيع الإنسان أن يستوعبها، فأنت لست مخوّلاً أو مطلوباً منك أن تقول: لماذا هداني الله سبحانه وتعالى؟ أو لم يهدني؟ فقد بيّن لي الطّريق وقال: إذا اخترت هذا الطّريق فهو صواب… والله سبحانه وتعالى يُحاسب الإنسان على اختياره، فالهداية الّتي أُحاسب عليها هي الّتي تبيّنت لي، والإنسان هو الوحيد الّذي أُعطي العقل ليختار بين البدائل، وهذا هو مناط التّكليف، وعلى هذا يكون الثّواب والعقاب، فطريق الهداية بالنّسبة إلى الإنسان هو طريق الاختيار بين طريق الهداية وبين طريق الضّلال، فإذا اخترت هذا الطّريق فستُحاسب، ولكنّك لا تُحاسَب على إرادة الله سبحانه وتعالى أو على قضاء الله جل جلاله أو على قدره سبحانه وتعالى، وليس لك شأنٌ فيه، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ]آل عمران[، فهذه من صفات الله سبحانه وتعالى، والإنسان غير مطالبٍ بها.

﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾: رجوع الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى والاستغفار أساس الإيمان، وليس أن يؤمن الإنسان لمجرّد رؤية معجزةٍ ثمّ تذهب هذه المعجزة، والنّبيّ , جاءت معه معجزات كبرى، كمعجزة الإسراء والمعراج وتسبيح الحصى بين يديه وتفجير الماء بين يديه… إلخ، لكن بما أنّ القرآن الكريم خالدٌ بخلود الدّهر الّذي خُلق فيه الإنسان فهو المعجزة الباقية الخالدة لرسولنا الكريم، وهو الآية، لذلك قال سبحانه وتعالى عن القرآن الكريم: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾]الشّعراء[، فسمّيت أحرف وكلمات وآيات القرآن الكريم آيات؛ أي أنّها معجزات، ففي كلّ حرفٍ وفي كلّ كلمةٍ وفي كلّ جملةٍ هناك آيةٌ تدلّ على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى صدق رسول الله

الآية رقم (28) - الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قال العلماء: هي بدل عمّن أناب، فالّذين خصّهم الله تعالى بالهداية والّذين أنابوا لربّهم هم الّذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر الله عز وجل، هذا المعنى العامّ بالنّسبة إلى هذه الآية، وأمّا مدلولات وعطاء هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾فمن عناوين الإيمان اليقين، وعندما يكون اليقين والرّضا يغمران قلب الإنسان فلا بدّ أنّه عامرٌ بذكر الله سبحانه وتعالى.

﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾: أوّلاً: القرآن الكريم هو ذكرٌ، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾]الشّعراء[، فما هو التّعريف العام للذّكر؟

الذّكر هو عكس النّسيان؛ أي أن يخطر الخاطر بالبال، أن يكون معك، لذلك الذّكر هو أن تكون مع الله سبحانه وتعالى باستمرار، كما قال ,: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»([1])، فالذّكر ليس استحضاراً لغائب، إنّما حضورك أنت من غيبةٍ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى موجودٌ، ولكنّك أنت الّذي غبت، فإذا ذكرت الله سبحانه وتعالى فهذا ليس استحضاراً لغائبٍ، وإنّما هو حضورٌ من قِبَلك، فعندما يكون الإنسان مع الله سبحانه وتعالى ويذكره في عمله وقوله، في لسانه ويده وعينيه.. وفي كلّ شأنٍ من شؤونه، فإنّه يخاف الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى أمر الإنسان بالإحسان والعدل والاستقامة، فكيف سيكون حال هذا الإنسان الذّاكر؟!

الله سبحانه وتعالى خصّ الذّاكرين بكثيرٍ من الآيات القرآنيّة، وقد يسأل بعضهم: هل يحتاج الذّكر إلى مجالس؟ الجواب: هي طيّبةٌ ومباركة؛ لأنّها حلقاتٌ للذّكر، لكنّ الذّكر يكون في الأحوال كلّها؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾]البقرة: من الآية 200[، ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾]النّساء: من الآية 103[، فالذّكر أن تكون مع الله سبحانه وتعالى في كلّ أمرٍ من أمورك، وفي كلّ عملٍ من أعمالك، فعندما تكون مع الله سبحانه وتعالى فهذه هي الوسيلة الوحيدة لاطمئنان القلب، والاطمئنان هو اليقين والرّضا والسّكينة، وهو القبول في هذه الحياة الدّنيا بما قسمه الله سبحانه وتعالى للإنسان.

وذكر الله سبحانه وتعالى هو أمرٌ مهمّ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾]البقرة: من الآية 152[، فكم نحن محتاجون ألّا ننسى الله سبحانه وتعالى حتّى لا ينسانا من رحمته، قال سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ]آل عمران[، والذّكر يكون مع الفكر، كما كانت السّيّدة رابعة العدويّة تقول:

تصاعد أنفاسي إليك عتابُ
وإن لاحت الأسرار فهي رسائل فليتك تحلو والحياة مريرةٌ
وليت الّذي بيني وبينك عامرٌ
إذا صحّ منك الودّ فالكلّ هيّنٌ          .
وكلّ إشاراتي إليك خطابُ
فهل لرسالات المحبّ جوابُ وليتك ترضى والأنام غضابُ وبيني وبين العالمين خرابُ
وكلّ الّذي فوق التّراب ترابُ
.

فما أجمل أن يعيش الإنسان مع الله سبحانه وتعالى مطمئنّ القلب، وهنا عندما يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ ﴾، لم يقل اطمأنّت أو ستطمئنّ، بل استخدم الفعل المضارع، فقرن الإيمان وحقيقة الإيمان بالاطمئنان، فإذا كنت مؤمناً فإنّك تعلم بأنّ الفاعل الحقيقيّ في هذا الكون هو الله سبحانه وتعالى، وأنّ كلّ ما سِوى الله عز وجل فقد وقع عليه فعل الفاعل، تعلم أنّه لا يضرّ ولا ينفع ولا يخفض ولا يرفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يعزّ ولا يذلّ ولا يحيي ولا يميت سوى الله عز وجل، فتعيش في حالةٍ من الاطمئنان والسّكون والهدوء وراحة البال؛ لأنّ الحياة أغيار؛ ولأنّ الحياة فيها من الأكدار والمصائب والبلايا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾]البقرة[، فالذّكر عُمدةٌ بالنّسبة إلى العبادات، وهو من أسهل العبادات ومن أصعبها بالوقت ذاته، من أسهلها؛ لأنّك تذكر الله سبحانه وتعالى باللّسان كيفما كنت وفي أيّ حالٍ، قال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ]آل عمران: من الآية 191[، ولكن ليس الأمر مجرّد أن تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، أستغفر الله، اللّهمّ صلّ على سيّدنا محمّد، لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين، فصيغ الذّكر كثيرة جدّاً، ولكن تحقّق الذّكر في القلب والوجدان هو أن تعيش مع الله سبحانه وتعالى، وعندما تعيش مع الله جل جلاله فإنّك تعيش حالةً من الاطمئنان، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾، لم يقل: (الّذين آمنوا تطمئنّ قلوبهم)، وإنّما عطف الاطمئنان على الإيمان؛ أي أنّه من عناصر الإيمان أن تُرضي الرّحمن، وبذلك تسعد كإنسانٍ وتذهب عنك الأحزان، هذا معنى من معاني الذّكر، وعندما نقول للإنسان: الذّكر أن تعيش مع الله سبحانه وتعالى، لا نقصد أنّك في حالة عباداتٍ مستمرّة، وإنّما أعمال؛ لأنّ الإيمان مقترنٌ بالعمل الصّالح، فأنت إذا عملت وأنت تذكر الله سبحانه وتعالى؛ أي أنّك تخشى الله عز وجل، فلا مال حرام يدخل عليك، ولا أذيّة إنسانٍ يتطرّق إليك، ولا.. فتكون إنساناً فاعلاً ومصلحاً وصالحاً في هذا المجتمع.

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: ألا: هي حرف تنبيهٍ، أراد أن ينبّه النّاس جميعاً، فلن يطمئنّ قلب أيّ إنسانٍ إلّا إذا ذكر الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه في هذا يتّكل على القويّ، والقادر، والمعطي، والمانع، والرّزّاق، والمحيي، والمميت، فيا أيّها الإنسان الهلع، أيّها الإنسان الجزع، أيّها الإنسان الّذي يتمنّى الرّزق، أيّها الإنسان الّذي يتمنّى زوال المصائب عنه، أيّها الإنسان الّذي يتمنّى الشّفاء، أيّها الإنسان الّذي يخاف من الأمراض، أيّها الإنسان الّذي يخاف من الموت، أيّها الإنسان الّذي يخاف من الظّلم، أيّها الإنسان الّذي يخاف من غيره، هناك سبيلٌ واحدٌ لا سِواه على الإطلاق: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فاذكروا الله تعالى، وكونوا معه سبحانه وتعالى، ولا تنسوه جل جلاله، يقول الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء النّاس: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾]التّوبة: من الآية 67[، فالإنسان عندما ينسى الله سبحانه وتعالى فإنّه ينسى نفسه؛ أي لن يحقّق لنفسه الاطمئنان والرّاحة والسّكينة، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾]الحشر: من الآية 19[، فهذه معادلةٌ محقّقةٌ لا محال، فلذلك الآية الكريمة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، هي شعار المؤمن، والإيمان ليس مجرّد كلمات، ليس مجرّد إيمانٍ بالتّحلّي ولا بالتّمنّي، ولكنّ الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل، وقر في القلب؛ أي وقر معه الرّضا والسّكينة والرّاحة والاطمئنان، وبعد هذه المقدّمة يمكن أن نفهم لماذا جاءت الآية: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فيها ثلاثة مقاطع كلّها تؤدّي إلى المعنى العظيم، إلى العطاء الوفير من المولى سبحانه وتعالى لأصحاب الإيمان الّذين وقر الإيمان في قلوبهم، فالإيمان يصنع المعجزات ويحقّق الغايات والآمال والطّموحات؛ لأنّ المؤمن مطمئنّ القلب ثابت الجأش في هذه الحياة وعند المصائب والابتلاءات في هذه الحياة الدّنيا، وقد قال نبيّنا ,: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»([2])، فنطلب المعونة من الله سبحانه وتعالى على ألّا ننسى الله جل جلاله.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النَّبيَّ , عن الإيمان والإسلام والإحسان، وعلم السّاعة، الحديث رقم (50).

([2]) مسند الإمام أحمد: تتمّة مسند الأنصار، حديث معاذ بن جبل، الحديث رقم (22119).

الآية رقم (29) - الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: تأتي عبارة ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا﴾دائماً مقرونةً بالعمل، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ]التّوبة[، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾]الكهف[، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ ]الكهف[، ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ]العصر[، فالإيمان معطوفٌ دائماً على العمل الصّالح، فلا يمكن أن يكون الإيمان من غير تُرجُمان، وترجمان الإيمان هو العمل الصّالح؛ أي ما يفيد الآخرين، وهو عكس الفاسد، إنّ أيّ كلامٍ عن الإيمان يستوجب معه بيان يقدّمه الإنسان وهو العمل الصّالح.

﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: طوبى: من الطّيّب؛ أي فرحٌ وقرّة عين، فهؤلاء لهم الفرح وقرّة العين.

﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: مآب: مرجع؛ أي مرجع حسن، سيكون مرجعهم إلى الله سبحانه وتعالى، إلى الجنّة والثّواب عمّا آمنوا به وعملوا من الصّالحات، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾]النّجم[.

الآية رقم (30) - كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾: لقد أرسلناك يا محمّد في أمّةٍ قد خلت من قبلها أممٌ كما حدث بالأمم السّابقة، فلست بِدعاً من الرّسل، وهكذا هي سنّة الله سبحانه وتعالى في خلقه، فهناك أممٌ كثيرة أرسل الله عز وجل لهم الأنبياء والمرسلين من أجل أن يقدّموا لهم النّصح والرّشاد.

فهذه الرّسالة الّتي أرسلها الله سبحانه وتعالى هي القرآن الكريم والنّبيّ ,؛ لأنّ القرآن الكريم أُنزل على النّبيّ ,، فلا فصل على الإطلاق ما بين القرآن الكريم وبين هداية النّبيّ العدنان ,، وهناك مَن يحاول إلغاء حديث رسول الله ,، والله سبحانه وتعالى بيّن في مُحكم التّنزيل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ]الحشر: من الآية 7[، وقال جل جلاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ ]الأنفال[، فالإعراض عن رسول الله , هو إعراضٌ عن القرآن الكريم، والقرآن الكريم نزل على النّبيّ ,، وبيان القرآن من خلال الأسوة السّلوكيّة برسول الله ,، قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾]الأحزاب[.

﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: تتلو؛ أي شيءٌ يتلو شيئاً؛ أي تتابع، فنحن مأمورون بتلاوة القرآن الكريم امتثالاً لأمر ربّنا سبحانه وتعالى ولهدي نبيّنا ,.

﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾: لم يقل: بالقادر، بالمنتقم، بالجبّار، بل قال: بالرّحمن، جاء بهذا الاسم من أسمائه الحُسنى، فهم يجحدون بالعطاء والرّحمة، قال بعضهم في سبب نزول هذه الآية: إنّ النّبيّ , عندما قال لكفّار قريش: «اسجدوا للرّحمن»، قالوا: وما الرّحمن؟ فنزلت هذه الآية.

﴿قُلْ﴾: من أمانة التّبليغ عند الرّسول , عندما يقول له المولى سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ﴾ تأتي بالقرآن الكريم كما هي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾]الإخلاص[، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾]الزّمر: من الآية 53[.

﴿هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: الدّخول بالإسلام هو أن تشهد أنّه لا إله إلّا هو.

﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: التّوكّل على الله عز وجل جزءٌ لا يتجزّأ من الإيمان به سبحانه وتعالى؛ لأنّه هو المتصرّف بشؤونك، مثلاً -ولله المثل الأعلى- أنت وكّلت محامياً بقضيّةٍ فهو سيتولّى الدّفاع عنك، ويتولّى كلّ شؤون هذه القضيّة بعد أن تقوم بإجراءات، كأن توكّله عند كاتب العدل ليصبح وكيلك، وأنت تتوكّل على الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة، والتّوكّل عليه عز وجل يعني أن تأخذ بأسبابه، فلا يعتقدنّ أحدٌ بأنّه يتوكّل على الله عز وجل من دون الأخذ بأسبابه جل جلاله، وهذا ما فعله نبيّنا , في كلّ شؤون حياته، ففي الهجرة كان النّبيّ , يستطيع وبكلّ سهولة أن يهاجر من مكّة إلى المدينة المنوّرة علناً وأمام النّاس جميعاً، وقد تكفّل الله سبحانه وتعالى بحمايته، فقال جل جلاله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾]المائدة: من الآية 67[، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾]الطّور: من الآية 48[، فكان يستطيع أن يقف وسط مكّة ويقول: توكّلت على الله وسأهاجر، وما تستطيعون فعله فافعلوه، لكنّه لم يفعل ذلك؛ لأنّه يريد أن يعلّمنا معنى كلمة: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾بأنّه لا يمكن أن نتوكّل عليه جل جلاله إلّا بعد أن نأخذ بأسباب الله سبحانه وتعالى في كونه، فإن لم نفعل فإنّنا نسيء الأدب مع الله عز وجل، فنجد أنّ النّبيّ , أخذ بكلّ الأسباب فوضع مخطّطاً مع أبي بكرٍ t، واستعمل عامر بن فهيرة للطّريق ومن أجل التّعمية على المشركين، وتمّ الاتّفاق مع السّيّدة أسماء بنت أبي بكر 7 من أجل تأمين الطّعام، وتمّ الاتّفاق مع سيّدنا الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ليبيت في فِراش النّبيّ , حتّى يوهِم المشركين بوجوده، وبعد أخذه بالأسباب اختبأ , بالغار مع أبي بكر، فالتّوكّل هو عمل القلب وليس عمل الجوارح، تقوم الجوارح بالعمل والقلب مطمئنّ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾]الرّعد[، أوّل تفسير لها هو التّوكّل على الله عز وجل، والتّوكّل يكون بعد أخذ الأسباب، فعندما أخذ النّبيّ , بالأسباب كلّها، وحاصره المشركون في الغار، عندها قال الصّدّيق: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، فقال ,: «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما»([1]).

﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾: متاب: مصدر تبتُ إليه، فهو الّذي نرجع إليه بالتّوبة

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب التّفسير، سورة (براءة)، الحديث رقم (4386).

الآية رقم (31) - وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ

﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾: هذا ما قاله المشركون عندما طلبوا من النّبيّ , معجزةً حسّيّةً والقرآن الكريم يتنزّل، وهو أكبر معجزةٍ خالدةٍ إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها.

فهم أرادوا تعجيز النّبيّ ,، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يبعث أيّ معجزةٍ، وهناك معجزاتٌ كثيرةٌ لنبيّنا ,، والقرآن الكريم هو معجزةٌ بالكلمة، ولن يكون معجزةً حسّيّةً؛ أي أنّك تريد القرآن الكريم لتدكّ به الجبال، أو لتقطّع به الأرض، أو لتكلّم به الموتى.. وهذا ما طلبوه، أرادوا مَلَكاً من السّماء، وأن يُفجِّر لهم من الأرض ينبوعاً، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ ]الإسراء[، فإذاً هذا ما طلبوه، أرادوا معجزةً حسّيّةً، والمعجزة الحسّيّة تنقضي بانقضاء وقتها، أمّا المعجزة الخالدة فهي الّتي تبقى مدى الزّمان وهي القرآن الكريم.

﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾: كلّ شيءٍ بيد الله جل جلاله، ولستم أنتم من يقترح على الله عز وجل ما هي المعجزة، فالقرآن الكريم خالدٌ بخلود الزّمان، وهو بالكلمة، والمولى جل جلاله يستطيع أن يجعل الجبال تندكّ بيد النّبيّ , كما فرق البحر بعصا موسى عليه السلام، ويستطيع , أن يكلّم الموتى كسيّدنا عيسى عليه السلام، ولكنّها معجزاتٌ حسّيّةٌ تنقضي.

﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾: الّذين آمنوا يجب أن يعلموا بأنّ الله سبحانه وتعالى لو أراد لهدى النّاس جميعاً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾]يونس[، فلا تتأمّلوا أن يهتدي هؤلاء؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قد بيّن لهم طريق الهداية، وهم اختاروا طريق الضّلال، لكنّ الله سبحانه وتعالى بعلمه الكاشف يعلم بأنّهم لن يهتدوا.

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: قارعة: نازلة شديدة أو أمرٍ عظيم.

﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: فإذاً لكلّ أجلٍ كتابٌ، وليس من صفات الله سبحانه وتعالى العجلة، فالعجلة من طبع الإنسان، والله سبحانه وتعالى كلّ شيءٍ عنده بمقدار، وعندما يأتي الموعد فلا يُخلف الله سبحانه وتعالى الميعاد، ووعد الله سبحانه وتعالى في الكتاب وفي الأجل، انظر إلى دقّة هذه الآية: ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾]الكهف[؛ أي أنّه صدر الأمر وانتهى، لكن هناك موعدٌ يخرج فيه ويحدث؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد، ولكلّ أجلٍ كتابٌ.

الآية رقم (32) - وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: فلست بِدعاً من الرّسل يا محمّد، فالرّسل من قبلك استُهزئ بهم، وهذا الاستهزاء من شيم أعداء الحقّ، فهم عندما يفشلون في الحجّة والبرهان يستخدمون أساليب الاستهزاء، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾]الحجر[، فالمولى جل جلاله تكفّل بهذا الأمر.

﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: الإملاء: الإمهال؛ أي أمهلتهم مدّة حتّى ظنّوا أنّهم غير معذّبين، والمولى عز وجل يمهل ولا يهمل، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾]الفجر[.

﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾: ثمّ: حرف عطفٍ على التّراخي، لم يقل تبارك وتعالى: (وأخذتهم)، أو (فأخذتهم)، بل على التّراخي؛ أي أنّ هناك إمهالٌ، وبعد الإمهال يأتي الإهلاك من الله عز وجل، ويأخذ الّذين ظلموا والّذين كفروا بأنواع العذاب.

﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾: ترك للمستمع أن يتخيّل كيف كان هذا العقاب، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾]هود[.

الآية رقم (33) - أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: القائم على كلّ نفس؛ أي يدير ويدبّر كلّ نفسٍ بشريّة، والمولى سبحانه وتعالى يترك الجواب ليُعمِل الإنسان فكره، فالقرآن الكريم ليس كتاباً وِفق الصّيغ البشريّة، فمن هو قائمٌ على كلّ نفسٍ يدبّر الأمر، من الطّبيعيّ أنّه ليس كغير القائم.

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾: هؤلاء الشّركاء لله سبحانه وتعالى لا يملكون أن يكونوا قائمين على كلّ نفس.

﴿ قُلْ سَمُّوهُمْ ﴾: قل يا محمّد: سمّوهم، والإله لا يُسمّى، هو يسمّي نفسه، وهم سمّوهم باللّات والعُزّى وهُبَل ومناة الثّالثة.. إلخ.

﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾: علم الله سبحانه وتعالى كاشفٌ، وعلمه لا يُقارن بعلم البشر، فعلمه أزليّ أبديٌّ؛ أي يعلم الماضي والحاضر والمستقبل بالوقت ذاته، لذلك يتحدّاهم المولى سبحانه وتعالى فهو يعلم كلّ نفسٍ ما كسبت، ويعلم ظاهر القول وباطن القول، ويعلم ما في الأرض وكلّ ما يجري على سطح الأرض وفي الأكوان جميعاً.

﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: بل: للإضراب.

﴿بَلْ﴾: مبنيٌّ للمجهول، فتحتمل أنّ الشّيطان زيّن لهم هذه الأعمال المنكرة، وتحتمل أنّ أهواء النّفس هي من زيّنت: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ ]يوسف: من الآية 53[.

﴿مَكْرُهُمْ﴾: المكر: هو التّبييت بخفاء، فهم يبيّتون لك يا محمّد بالخفاء.

﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: أي عن الطّريق المستقيمة الموصلة إلى الله تبارك وتعالى.

﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: علم الله سبحانه وتعالى كاشفٌ، وهو لا يضلّ إلّا من اتّبع طرق الضّلالة، قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ ]طه: من الآية 123[، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾]طه[، فالهداية والضّلال بعمل الإنسان واختياره، والله سبحانه وتعالى لا يُضلّ من أراد الهداية، فقد جعل للإنسان خياراً، وهو يُحاسبه على اختياره، وعندما يقول جل جلاله: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ليس معنى هذا بأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يُضلّه، ولكنّ الله جل جلاله كتب بأنّ هذا طريق الهداية وهذا طريق الضّلال، وبما أنّه سبحانه وتعالى بإرادته وبِقَدَره وبمشيئته جعل الإنسان مختاراً ولم يجعله مُجبراً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ]يونس[، فالإنسان إذاً هو الّذي يختار الهدى أو الضّلال، وعندما اختار هذا الخيار فهو لم يخرج عن مشيئة الله سبحانه وتعالى الّذي جعل له القدرة على الاختيار، فالّذين اختاروا الهداية يزيدهم هداية، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾]محمّد[، والّذين اختاروا طريق الكفر والضّلال فإنّهم يزدادون فيه ويُزيّن لهم الشّيطان العمل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾]الصّفّ[، وهنا يزداد ضلال الإنسان، وهنا تنطبق الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.

الآية رقم (34) - لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ

﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾: لهم عذاب في الدّنيا قد لا ترونه، وقد لا تعتقدون به، فلا تنظر إلى ظاهر الأمور، وإنّما هذا الإنسان المشرك بالله سبحانه وتعالى أو الّذي كفر بالله عز وجل، هو مُعذَّب دائماً، ونحن لا نرى هذا العذاب، فهو مُعذَّب؛ لأنّه مُبتلىً والإنسان لا يستطيع أن يردّ المرض والموت والفقر والآفة والابتلاء عن نفسه، أمّا الإنسان المؤمن فليس مُعذَّباً في الدّنيا؛ لأنّه يرضى بقضاء الله سبحانه وتعالى، قال ,: «عجباً لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلّا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له»([1]).

([1]) صحيح مسلم: كتاب الزّهد والرّقائق، باب المؤمن أمره كلّه خير، الحديث رقم (2999).