الآية رقم (3) - وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ

﴿غَاسِقٍ﴾: الغاسق: اللّيل الّذي اشتدّ ظلامه، وتأتي بمعنى دافق.

﴿إِذَا وَقَبَ﴾: دخل بظلمته في كلّ شيءٍ، فقد يستر عن الإنسان مظانّ الشّرّ، فلا يستطيع أن يتّقيها، كوحشٍ مفترسٍ، أو عدوٍّ متربّصٍ، أو غير ذلك من مكائد ومؤامراتٍ باللّيل، فهذه تُكشَف بالنّهار، فقوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ لا بدّ منه؛ لأنّنا لا قوّة لنا على دفع هذه الأخطار عنّا.

والأصل في وقب؛ أي النّقرة في الجبل نتيجة المطر ينزل بشدّةٍ فيصنع حفرةً، ولا يحدث ذلك إلّا إذا كان المطر غزيراً وشديداً ومُستمرّاً.

الآية رقم (4) - وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ

﴿النَّفَّاثَاتِ﴾: كلمة تُشعر بالتّأنيث، لذلك فسّروها بأنّها السّاحرات، أو النّفس السّاحرة، أكانت لرجلٍ أم امرأةٍ، هنا وقف بعض النّاس موقفاً من مسألتين: المسألة الأولى: السّحر، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، والثّانية: الحسد، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، فأنكروهما؛ لأنّهما لا تخضعان لقضيّةٍ علميّةٍ عقليّةٍ عندهم، وكأنّهم أرادوا أن يبرّروا قضايا الدّين كلّها بصورٍ محسوسةٍ، تدخل تحت نطاق التّجربة، مع أنّ مسائل العقيدة لا تدخل ضمن نطاق التّجريب، وليست المسائل كلّها يمكن أن تُخضع للتّجارب، نقول: ما دمت قد تديّنت وآمنت بإلهٍ له من الصّفات كذا وكذا، فلا تجعل عقلك حجّةً على ما خلق هذا الإله، فمن هذه المخلوقات ما لا تعرفه أنت، ولا يقع تحت حواسّك، والعقل يُطمئنك على سلامة هذه القضيّة؛ لأنّ كثيراً من الأشياء كانت موجودةً، لكنّها لم تكن تدخل تحت نطاق العقل والتّجربة، ثمّ لـمّا أذن الله سبحانه وتعالى  لها بالظّهور عرفها العقل وخضعت للتّجربة، كما رأينا في ظاهرة الكهرباء، والميكروبات وغيرهما من الأمور الّتي لم يكن أحدٌ يصدّق وجودها، فلماذا لا يكون الغيب في الماضي الّذي صار مشهديّاً الآن وسيلةً للمؤمن في أن يكون حُجّةً في الحُكم على الأشياء وعدم وجودها، فنقول للّذين ينكرون السّحر: إنكاركم هذا يُصادم النّصّ القرآنيّ والأحاديث الصّحيحة، ولا اجتهاد مع النّصّ، فالعقل هنا لتقريب الأشياء، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة].

الآية رقم (5) - وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ

﴿حَاسِدٍ﴾: الحسد هو تمنّي زوال النّعمة من المحسود.

والعين حقٌّ كما قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أعطى الله سبحانه وتعالى بعض النّاس أسلحةً كالأسلحة المادّيّة، المسدس أو البندقيّة أو السّيف، يستطيعون استخدامها ضدّ من يريدون، لكن ما الّذي يحجب الإنسان عن الاعتداء على غيره واستخدام هذه الأسلحة؟ الجواب: يحجبه إيمانه بمنهج الله سبحانه وتعالى، كذلك الحاسد عنده سلاح الحسد، ومن الممكن أن يستخدمه، والسّؤال: هل الحسد مُتعلّقٌ بإرادة الحاسد، أو هو أمرٌ قاهرٌ فوق إرادة الحاسد؟ هنا تبرز لنا وظيفة التّكليف الإلهيّ، لذلك نقول للإنسان الّذي يحقد على النّعم، وعلى النّاس الّذين يمتلكونها: إنّ هذا الحقد هو اختياريٌّ وليس مفروضاً، لذلك الحاسد لا يكون مؤمناً؛ لأنّه لو فهم أنّ العطاء كلّه من الله سبحانه وتعالى ما حسد وما حقد.

كلّ العداوات قد تُرجى سلامتها   إلَّا عداوة من عاداكَ من حسد

تفسير سورة الفلق

المعوذتان مع سورة (الإخلاص) كما بيّن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، تُقرأ قبل النّوم، وعند الملمّات، وعند الحسد، ولشرح الصّدر، ولردّ العين.

الآية رقم (1) - قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ

﴿أَعُوذُ﴾: ألجأ وأعتصم وأستجير.

والخطاب هنا للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والـمُستَعاذ به هو ربّ الفلق تبارك وتعالى، وهناك أربعة أمورٍ نستعيذ من شرورها: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.

﴿الْفَلَقِ﴾: شقّ الشّيء وفصل بعضه عن بعضٍ.

وهو إمّا الصّبح الّذي يُفلَق نوره، أو يفلِق نورُه ظلمةَ اللّيل، والنّور هو أمّ الهداية، وفيه نسير على هدىً وبصيرةٍ، وإمّا أنّه ما ينفلق عنه الوجود والحياة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: من الآية 95]، فربّ الفلق هو ربّ الوجود الّذي أبدع وخلق وذرأ وبرأ، وهو الأحقّ والأولى أن نستعيذ به ونلجأ إليه.

الآية رقم (2) - مِن شَرِّ مَا خَلَقَ

﴿مِن شَرِّ﴾: هذا يعني أنّ بعضاً من المخلوقات الّتي خلقها الله سبحانه وتعالى فيها شرٌّ، حتّى لو كان فيها جانبٌ من جوانب الخير، فما دام الشّيء موجوداً فلا يكون خيراً محضاً ولا شرّاً محضاً، ففي زاويةٍ من زواياه قد يكون خيراً، وفي زاويةٍ أخرى شرّاً، فالله سبحانه وتعالى يعلّمنا أن نستعيذ من الشّرّ لكي تبقى لنا جوانب الخير، وأن نستعيذ به وحده لا بغيره؛ لأنّه الوحيد سبحانه وتعالى القادر أن يعصمنا وأن يعيذنا من هذه الشّرور.