الآية رقم (2) - مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ

بعد التّبّ المال والكَسب؛ لأنّه كان يستعلي بهما، فكان يقول: “إن كان ما يقول ابن أخي حقّاً، فأنا أفتدي بمالي وولدي”، فردّ الله سبحانه وتعالى  عليه هذه المقولة، بأنّ ماله وولده لن يُغنيا عنه شيئاً، ولن يدفعا عنه عذاب الله سبحانه وتعالى ، وللعلماء في هذه الآية قولان: أحدهما: بأنّ المال هو الأصل الّذي يمتلكه الإنسان أو الميراث، ثمّ تنشأ عنه المكاسب من الأرباح، كأن يكون عنده بستانٌ وشجرٌ فيثمر، أو حيواناتٌ فتلد، والآخر: أنّ الكسب يعني الولد لقوله عليه الصّلاة والسّلام: «إنّ من أطيب ما أكل الرّجل من كسبه وولده من كسبه»([1]).

ثمّ تنقلنا الآيات إلى جزاء الآخرة.

 


([1]) سنن أبي داوود: كتاب الإجارة، باب في الرّجل يأكل من مال ولده، الحديث رقم (3528).

الآية رقم (3) - سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ

﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾: سيجد حرَّها ويذوق وبالـها.

﴿ذَاتَ لَهَبٍ﴾: لهب النّار: ما يسطع منها عند اشتعالها.

هذه المشاهد لا تُرى إلّا في الدّار الآخرة، فجعل صدق ما نراه في الدّنيا دليلاً على صدق ما لم نره من أمور الآخرة من الغيب، ولأنّ الحديث هنا عن أمور الآخرة أتى الإخبار بالسّين: ﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ في المستقبل، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنّه قدّم الأمر الـمُدرك الـمُحسوس على الأمر الغيبيّ ليكون دليلاً عليه، فقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ هذا في الدّنيا، وفي الآخرة قال سبحانه وتعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾.

الآية رقم (4) - وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ

﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: هي من سادات قريشٍ، وكنيتها: أمّ جميلٍ، أروى بنت حربٍ بنت أميّة، أخت أبي سفيان.

ينتقل الحديث إلى زوجة أبي لهبٍ، حيث كانت لها منزلةٌ بين قومها، ولكنّها لم تكتفِ بدور زوجها في محاربة الرّسول الكريم ودعوته، بل لعبت دوراً كبيراً في مُصادمة الدّعوة وإيذاء النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، معتمدةً بذلك على مال زوجها وعلى أخيها الّذي كان من سادة القوم، وعزّ عليها إلّا أن تقوم هي بالذّات بالحقد والحسد للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: قال العلماء في تفسير هذه الآية: إنّها على الحقيقة، فقد كانت تحمل الحطب وترميه في طريق الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم وتؤذيه به، وكان أبو لهبٍ جاراً للرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال بعض العلماء: إنّ الحطب هنا كنايةٌ عن النّميمة، فكانت أروى بالفعل تمشي بين قومها بالنّميمة، وكأنّها تحمل الحطب الّذي تحرق به نفسها والنّاس من حولها، وقد كانت مشهورةً أيضاً بين القوم بالحسد والحقد والنّميمة، وهي من أهمّ أسباب إيقاد نار العداوة بين النّاس.

الآية رقم (5) - فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ

﴿فِي جِيدِهَا﴾: الجيد: العنق وموضع القلادة منه.

﴿مِنْ مَسَدٍ﴾: من ليفٍ خشنٍ، مُحكم الفتل والجدل.

والعرب تستخدم هذا اللّفظ في موضع المدح وذكر المحاسن، أمّا هذا الجيد فزينته ومكان قلادته حبلٌ من مسدٍ؛ أي ليفٍ، واللّيف بطبيعته خشنٌ فما بالك حينما يفتل فتلاً شديداً ويصير حبلاً يلفّ العنق؟!

لنتأمّل هذه السّورة وما تحمله من المهانة والذّلّة، فبعد المكانة والعزّة في قومها تصير إلى هذا الحال، وكأنّها أخذت الجزاء من جنس العمل، وكأنّ الحبل الّذي كانت تعقد به حزمة الحطب لتؤذي به الرّسول الكريم انتقل إلى عُنُقها فطوّقه، وتحمل أيضاً الإيقاع التّصويريّ، فنقف مثلاً عند كلمة: ﴿لَهَبٍ﴾ ، أبو لهبٍ كان اسمه عبد العُزّى، لكنّه كان أحمر الوجه كأنّه نارٌ ملتهبةٌ، فسمّوه أبا لهبٍ، ولم يختلف جزاؤه عن هذه الصّورة: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، كذلك زوجته: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ ، كان جزاؤها: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، وكلمة التّبّ: تعني القطع بشدّةٍ، فهي أشبه بالشّدة الّتي فُتل بها الحبل من مسدٍ، فالجمل والألفاظ متجانسةٌ منتظمةٌ مع أداء المعاني الـمُرادة في توافقٍ مُعجزٍ وبيانٍ بديعٍ.

تفسير سورة المسد

تواصل الآيات الكريمة جولتها في خرق حُجُب المستقبل، فبعد أن حدّثنا الله سبحانه وتعالى  عن الكوثر الّذي أعطاه للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ، وختم السّورة بأنّ شانئه ومبغضه هو الأبتر، ثمّ حدّثنا عن النّصر الّذي أعطاه للرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في الدّنيا، كان لا بدّ أن يُعطينا نموذجاً للجانب الآخر، لمن يُبغض النّبيّ، الشّانئ له، فاختار لذلك النّموذج أحد الـمُبغضين لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولدعوته، المصادمين لها من بداية الدّعوة إلى نهايتها، واختاره من أقارب الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم من أهله وأقرب النّاس إليه، وهو عمّه أبو لهبٍ، وأنزل فيه هذه الآيات قرآناً خالداً يُتلى إلى يوم القيامة، وبشّر أبا لهبٍ بالعاقبة الأخرويّة بالعذاب والهلاك وهو ما يزال في الدّنيا، ويمكن أن يؤمن، لكنّ قائل القرآن الكريم الّذي يعلم الغيب، ويكشف لنا حُجُب الزّمن والمستقبل، حكم على أبي لهبٍ بأنّه لن يؤمن، ولن يخطر ببال أبي لهبٍ أن يؤمن؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى  يعلم أنّ أبا لهبٍ لم يكفر فقط بالنّبيّ :، بل تعدّى في كفره هو وزوجته، فأخذ يصدّ النّاس عن دين الله سبحانه وتعالى ، ويقول لهم: لا تصدّقوه.. إنّه كذّاب، يتصادم هذا الرّجل مع النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ويقف ضدّه ويتّهمه بالكذب، حتّى عندما حوصر النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في شِعب أبي طالب لم يخرج من بني هاشم ويقف بجانب المحاصِرين إلّا أبو لهبٍ، فقد عاهد قريشاً على مقاطعة بني هاشم وهو واحدٌ منهم، فجاءت سورة المسد لتُعالج هذه المواقف، وتحكم على أبي لهبٍ هذا الحكم الـمُقدّم عليه وعلى زوجته.

الآية رقم (1) - تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ

﴿تَبَّتْ﴾: التّبّ: تعني القطع والهلاك والبوار.

﴿يَدَا﴾: اليد كنايةٌ عن الإنسان كلّه؛ لأنّ أغلب الأعمال البشريّة يباشرها المرء بيديه، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [النّساء: من الآية 182].

﴿أَبِي لَهَبٍ﴾: عمّ النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، واسمه عبد العزّى بن عبد المطّلب، سُـمّيَ أبا لهبٍ: لإشراق وجهه، وذُكِر بلقبه هذا للإشارة إلى أنّ مآله إلى نارٍ ذات لهب، فوافقت حال كُنيته.

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ هذا ليس دعاءً من الله جلَّ جلاله؛ لأنّ أمره تبارك وتعالى مُجابٌ ولا يحتاج إلى من يُجيب، فعندما يكون من الله سبحانه وتعالى فهو حُكمٌ متحقّقٌ وواقعٌ، دليل ذلك قول الحقّ سبحانه وتعالى مرّةً ثانيةً: ﴿وَتَبَّ﴾ ؛ أي قد حصل بالفعل.