الآية رقم (3) - وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ

﴿وَلَا يَحُضُّ﴾: لا يحثُّ.

فمن صفات الـمُكذّب بالدّين أنّه لا يحضّ على طعام المسكين، إذاً في الحالة الأولى: يدعّ اليتيم بالتّعدّي الفعليّ، والحالة الثّانية: لا يحضّ على طعام المسكين، فعندما يأتيك اليتيم أو المسكين وليس لديك ما تعطيه، فلا أقلّ من أن تحضّ غيرك على أن يُعطيه، وهذا أضعف الإيمان.

هذه عباداتٌ حدّثنا القرآن الكريم عنها، عباداتٌ اقتصاديّةٌ واجتماعيّةٌ، وكأنّ الحضّ على إطعام ومساعدة المساكين، ونقل الخير إلى الآخرين، وانتقال التّكافل الاجتماعيّ بين أفراد المجتمع هو أساسٌ من الأسس العقائديّة في العبادات الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

بعد هذه العبادات الاقتصاديّة والاجتماعيّة ينقلنا إلى عبادةٍ أخرى، هي الصّلاة الّتي هي عماد الدّين في العبادات المعروفة:

الآية رقم (4) - فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ

سبب النّزول: أخرج ابن الـمُنذر عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، قالَ: نزلت في المنافقين، كانوا يُراؤون المؤمنين بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارية؛ أي الشّيء الـمُستعار.

﴿فَوَيْلٌ﴾: خزيٌ وعذابٌ وهلاكٌ.

هذا تهديدٌ موجّهٌ لمن دخل بالفعل في زمرة المصلّين الّذين يؤمنون بالله سبحانه وتعالى  ويؤدّون العبادات والشّعائر بالشّكل الظّاهر فقط، أمّا في القلوب فليس هناك خشوعٌ ولا إيمانٌ ولا امتثالٌ، شرح لنا ذلك الحديث الشّريف عندما صلّى أحدهم أمام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فأدّى شكل الصّلاة في المسجد النّبويّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم دخل المسجد فدخل رجلٌ فصلّى فسلّم على النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فردّ وقال: «ارجع فصلّ، فإنّك لم تصلّ»، فرجع يصلّي كما صلّى، ثمّ جاء فسلّم على النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «ارجع فصلِّ، فإنّك لم تصلِّ»، ثلاثاً([1])، فليست الصّلاة بالشّكل فقط بل بالمضمون، هنا المولى تعالى يُهدّد الّذي يقوم بالصّلاة ويسهو عن حقيقتها؛ لأنّ الصّلاة هي عماد الدّين من أقامها فقد أقام الدّين ومن تركها فقد هدم الدّين.

 


(([1] صحيح البخاريّ: كتاب صفة الصّلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصّلوات كلّها في الحضر والسّفر وما يجهر فيها وما يخافت، الحديث رقم (724).

الآية رقم (5) - الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ

﴿سَاهُونَ﴾: غافلون عن الصّلاة، يُؤخّرونها عن وقتها.

أي يذهبون إلى الصّلاة ويؤدّون شكلها من غير موضوعها ومضمونها، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: من الآية 45]، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى  بعباده أن جعل الويل لمن يسهو عن الصّلاة لا من يسهو في الصّلاة، لذلك عندما سمع الأعرابيّ هذه الآية قال: الحمد لله الّذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ﴾، ولم يقل: في صلاتهم؛ لأنّنا جميعاً نسهو في صلاتنا، حتّى أهل الخشوع ومن يؤدّي الصّلاة بحقّها.

الآية رقم (6) - الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ

﴿يُرَاءُونَ﴾: في الصّلاة وغيرها، والرّياء: الـمُصانعة وفعل الشّيء لغير وجه الله سبحانه وتعالى، إرضاءً للنّاس.

والمرائي هو الّذي يؤدّي شكل الصّلاة على أكمل وجهٍ من غير الاهتمام بمضمونها، غايته فقط أن يُقال عنه في المجتمع: إنّه مصلٍّ، لكنّه في الحقيقة غير ذلك، فالمرائي يُراعي نظر النّاس ولا يُراعي نظر الله سبحانه وتعالى إليه، قال شدّاد بن أوس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «أخوف ما أخاف على أمّتي الشّرك والشّهوة الخفيّة»، قلت: يا رسول الله، أتشرك أمّتك من بعدك؟، قال: «نعم، أما إنّهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم…»([1]).

 


([1]) مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد: ج3، الحديث رقم (5226).

الآية رقم (7) - وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ

﴿الْمَاعُونَ﴾: كلّ ما يُستعان ويُنتفع به كالإبرة والفأس والقِدر والقصعة وغيرها من لوازم البيت الّتي تُستعار؛ لأنّها لا تتوفّر في البيوت كلّها، ولا يقتنيها الفقراء، وتأخذ أيضاً معنى معونة الخير للغير بشكلٍ عامٍّ.

هذه صفةٌ مادّيّةٌ أخرى لهؤلاء ترتبط بالّذي يدعّ اليتيم، وتجربة الإنسان في الأمور المادّيّة في الحياة هي تجربةٌ تتعلّق بحقيقة المنهج الإسلاميّ، والنّفس بطبعها مُحبّةٌ للمال حريصةٌ على جمعه، فإن هانت عليك أموالك أمام مطلوب الله سبحانه وتعالى منك فاعلم أنّك على المنهج الصّحيح، وإن كنت على خلاف ذلك فلتُراجع نفسك.

إذا نظرنا إلى هذه السّورة وجدناها تتضمّن أصولاً اقتصاديّةً بها قوام الحياة، وتتضمّن أيضاً أصلاً وجدانيّاً، وهو يتمثّل في حقيقة الصّلاة والقُرب من الله سبحانه وتعالى، وإذا استقام هذان الأمران استقام حال المجتمع، وإذا صلُحا صلُح بهما المجتمع؛ لأنّ الجميع يستشعر أنّ ربوبيّته لإلهٍ واحدٍ، وهنا تتضّح لنا العلاقة بين سورة (الماعون) وسورة (قريش) الّتي آخرها: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش]، فيتبيّن لنا بأنّ حقيقة الأمر وحقيقة الدّين تتعلّق بنقل الخير للغير.

الآية رقم (1) - أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ

﴿أَرَأَيْتَ﴾: في هذه السّورة تحديداً يمكن أن تؤخَذ على حقيقتها؛ أي هل أبصرت يا محمّد مَن يكذّب بالدّين؟

قيل: سبب نزولها حادثةٌ فريدةٌ من أبي جهلٍ لـمّا ضرب اليتيم ودفعه، أو أبي سفيان، أو العاصّ بن وائل، والنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد يكون شهد هذه الحادثة.

الهمزة في: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ همزةٌ استفهاميّةٌ، وهي من أساليب القرآن الكريم، يأتي الخبر بصورة استفهامٍ؛ لأنّ الحقّ سبحانه وتعالى  يريد أن يُشرك الـمُخاطب في الحديث، فكأنّ الجواب ليس عن البشر، ولا بدّ أن يُخبر به؛ لأنّنا حين نسمع هذا السّؤال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ربّما نفهم أنّ الّذي يكذّب بالدّين هو الّذي لا يؤمن بالله سبحانه وتعالى  ولا برسوله :، ولا يصلّي ولا يصوم ولا يحجّ ولا يزكّي، لكنّ الحقّ سبحانه وتعالى  يريد أن يُخبرنا بأنّ التّكذيب بيوم الدّين ليس بالضّرورة التّكذيب بأصل الإيمان أو عدم الإيمان، إنّما الـمُكذّب قد يكون مؤمناً بالله سبحانه وتعالى  لكنّه لا يسير على منهجه جلَّ جلاله ، ولا يفعل الأوامر ولا ينتهي عن النّواهي؛ لأنّ العمل والتّطبيق هو الـمِحكّ للإيمان، فالإيمان هو: “ما وقر في القلب وصدّقه العمل”([1])، كما قال الحسن البصريّ رضي الله عنه، فمن السّهل أن يعتقد الإنسان، لكن من الصّعب أن يعمل ويطبّق ويحمل نفسه على المنهج الّذي يعتقده.

 


([1]) مصنّف ابن أبي شيبة: كتاب الإيمان والرّؤيا، الحديث رقم (30351).

الآية رقم (2) - فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ

إذاً هو مؤمنٌ بالله سبحانه وتعالى وبأصل الدّعوة إليه جلَّ جلاله ، لكن في سلوكه ضعفٌ وتشكيكٌ، وهذا لأنّه يغفل عن المنهج، وصورة الجزاء عنده باهتةٌ بيوم الآخرة، ولو استحضر صورة العذاب ما تجرّأ على أن يُخالف المنهج أو يقوم بمعصيةٍ، عن الحارث بن مالك رضي الله عنه: أنّه مرّ برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقال له: «كيف أصبحت يا حارثة؟»، قال: أصبحت مؤمناً حقّاً، قال: «انظر ما تقول، إنّ لكلّ حقٍّ حقيقةً، فما حقيقة إيمانك؟»، قال: عزفت نفسي عن الدّنيا، وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي بارزاً، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها، وكأنّي أنظر إلى أهل النّار يتضاغون فيها، قال: «يا حارثة، عرفت فالزم» قالها ثلاثاً([1])، فهنا نجد أنّ الصّحابيّ  رضي الله عنه وصف إيمانه بالحقّ، وهذه مسألةٌ كبيرةٌ، فأراد رسول الله : أن ينبّه إلى خطورة هذا الجواب، وأنّ الكلام لا يُطلق هكذا.