الآية رقم (6) - إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ

﴿الْإِنسَانَ﴾: المراد: جنس الإنسان، وقيل: الـمُراد به هنا: الكافر.

﴿لَكَنُودٌ﴾: الكنود: الجحود الكفور الّذي يجحد نعمة الله سبحانه وتعالى عليه، من كند: إذا قطع، كأنّه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشّكر.

وصف الله سبحانه وتعالى الإنسان بأنّه كنودٌ؛ أي لا يتذكّر أحياناً أنّ مهمّة عقله تتعلّق بالإيمان بالله عزَّ وجل، فهو بهذا الجحود لا يتقبّل النّوائب والمصائب الّتي يتعرّض لها، قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما: إنّ هذه الآية نزلت في قرط بن عبد الله بن نوفل القرشيّ، اجتمعت فيه هذه الخصال، وقيل: إنّها نزلت في الوليد ابن المغيرة. فالكنود هو الّذي خالف العهد، وجَانَب الصّدق، وألِف الهوى، لكنّ الله سبحانه وتعالى هنا حكم على جنس الإنسان بهذا، فذكّره بذلك، وذكر الأمر مُعرّفاً بالألف واللّام  ﴿الْإِنسَانَ﴾ الّذي يتسخّط من ربّه عزَّ وجل، وكلّما لحقته مصيبةٌ نسي النّعم ونظر إلى النّقم، هذا الإنسان لا ينتج منه خيرٌ أو نفعٌ، لا له ولا لغيره، كالأرض الكنود الّتي لا تُنبت شيئاً.

الآية رقم (7) - وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ

﴿وَإِنَّهُ﴾: الهاء هنا عائدة على الحقّ سبحانه وتعالى، فإنّه شهيدٌ على كنود وجحود وكفر هذا الإنسان، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: من الآية 6]،  ثم يقول سبحانه وتعالى  في جواب القسم عن الإنسان:

الآية رقم (8) - وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ

﴿الْخَيْرِ﴾: المقصود هنا المال.

فالإنسان يحبّ المال حُبّاً شديداً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر]، وقلبه معلّقٌ به، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «تَعِس عبد الدّينار، تَعِس عبد الدّرهم، تَعِس عبد الخميصة، إن أُعطِي رضي، وإن مُنِع سخط، تَعِس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش»([1])، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لو أنّ لابن آدم وادياً من ذهبٍ أحبّ أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلّا التّراب، ويتوب الله على من تاب»([2])، فالإنسان يودّ أن تكون له الدّنيا بما فيها ولا يشبع، ولا يملأ عينه إلّا التّراب، وبما أنّه مُحِبٌّ للمال فهو حريصٌ عليه بخيلٌ به، لا يؤدّي حقّ الله سبحانه وتعالى  وحقّ الفقراء، ولا يبذل ولا يُنفق منه. والمال يُقصد به أيضاً أكل مال الميراث.

﴿لِحُبِّ﴾: كلمة: (حبّ) مصدرٌ، والمصدر أحياناً يُضاف إلى فاعله أو مفعوله الواقع عليه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾  [الإنسان]،  ﱣﱓ ﱔﱢ؛ أي مع حبّه له وتعلّق قلبه به.

 


([1]) المعجم الأوسط للطّبرانيّ: ج3، باب من اسمه إبراهيم، الحديث رقم (2595).
([2]) صحيح البخاريّ: كتاب الرّقاق، باب ما يُتّقَى من فتنة المال، الحديث رقم (6075).

الآية رقم (9) - أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ

الخطاب للإنسان المغترّ بماله وجاهه وسلطانه، أفلا يعلم هذا الإنسان الجحود الكنود أنّ هناك لحظةً ووقتاً سيُبعثر فيها ما في القبور، من الأجداث والأكفان والعظام المفتّتة، وذلك يوم القيامة عندما تهتزّ الأرض.

﴿بُعْثِرَ﴾ غير كلمة (بُعِث) قدرة الله سبحانه وتعالى تجمعهم بعد أن يستخرج ما في القبور.

أفلا يعلم هذا البخيل إذا بُعث النّاس من قبورهم وعُرضوا على مولاهم ماذا سيجري. ولو تأمّلنا كلمة ﴿بُعْثِرَ﴾نجد العجب بأنّه لم يقل: (بُعث) بل ﴿بُعْثِرَ﴾، وزيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، كأنّ الحقّ سبحانه وتعالى يقول لهم: لا تظنّوا أنّ هذه القبور ستظلّ على حالها قد أُغلقت على من دُفن فيها، فلا تُفتح ولا تُشقّ، بل ستنشقّ وسيُبَعثر ما فيها، وقدرة الله سبحانه وتعالى تجمعهم.

الآية رقم (10) - وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ

﴿وَحُصِّلَ﴾: تحصيل الشّيء: تميّزه، كتميُّزِ الخير والشّرّ في القلوب، وجمعه وإبرازه، فلن يخفى منه شيءٌ مهما صغُر أو ضاق، ويُثاب ويعاقب على الأعمال حسب ما يستقرّ في القلب من نيّاتٍ ويقين.

الآية رقم (11) - إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ

﴿لَّخَبِيرٌ﴾: الخبير: هو الّذي يعرف التّفاصيل، لا تخفى عليه خافيةٌ.

فلا نخدع أنفسنا ونحسب أنّنا أخفينا شيئاً عن الخالق جلَّ جلاله، فالله سبحانه وتعالى مُطّلع على السّرائر والأعمال، يعلم ما تُخفي الأنفس وما تُعلِن، وهو سبحانه وتعالى خبيرٌ بنيّة من فعل أيّ فعلٍ، خيراً كان أو شرّاً، فهو خبيرٌ بنيّة من أبدى الصّدقة ومن أخفاها، ومن بنى مسجداً، ومن فعل الخير للنّاس، وهذه مسألةٌ تجعل القلوب ترتجف خوفاً ورعباً، فالإنسان يمكن أن يُدلّس على البشر، فيتهرّب ممّا عليه ويزوّر ويأكل المال العامّ ويرتشي.. إلخ، لكن هناك لا مجال؛ لأنّه تبارك وتعالى: ﴿بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ ، خبيرٌ فيما ندع وفيما نعمل.

الآية رقم (1) - وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا

يُقسم الله سبحانه وتعالى بما شاء على ما يشاء، وقد أقسم الله جلَّ جلاله بخلقٍ من خلقه يؤدّي مهمّةً لعباده وهي (العاديات ضبحاً)، سواءٌ كانت هذه العاديات في عملٍ جهاديٍّ، أم في عمل خيرٍ، أم في عملٍ عباديٍّ، كما فسّر بعضهم أنّها موكب الحجيج. والقسم دائماً يأتي لتأكيد مُقسَمٍ عليه، ويكون موضع خلافٍ، وجواب القسم: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ*وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ*وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)، ثلاثة أمور.

﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾: الخيل العادية الجارية في سبيل الله سبحانه وتعالى ضدّ الأعداء، وتُطلَق أيضاً على الإبل تعدو من عرفة إلى مزدلفة في الحجّ ومن مزدلفة إلى مِنى.

﴿ضَبْحًا﴾: الضّبح: صوت أنفاس الخيل، وهو ليس بصهيلٍ ولا حمحمةٍ.

فالله سبحانه وتعالى يُقسم بالخيل في ساحة القتال، أو بالإبل في أماكن مُباركةٍ.

الآية رقم (2) - فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا

﴿فَالْمُورِيَاتِ﴾: الإيراء: إخراج النّار بزندٍ ونحوه.

﴿قَدْحًا﴾: القدح: الضّرب لإخراج النّار.

من شدّة عدو الخيل فإنّ حوافرها تُصيب الحجارة فتقدح منها ناراً، فالموريات: هي الخيل قد قدحت النّار بحوافرها، وبعض المفسّرين قالوا: هو مكر الرّجال، وبعضهم قالوا: الألسنة السَّليطة، وبعضهم قالوا: إنّ الإبل حين تسير تنسف بمناسمها الحصى. فالقسم هنا عامٌّ للموريات كلّها الّتي تُخرج النّار قدحاً، سواء كانت الخيل أم الإبل أم اللّسان؛ لأنّ اللّسان أحياناً يفعل هذا الفعل.

الآية رقم (3) - فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا

﴿فَالْمُغِيرَاتِ﴾: الإغارة تكون صُبحاً أوّل ضوء النّهار، وهي مجموعة الخيل إذا أغارت وفيها مفاجأةٌ للعدوّ وإيقاعٌ له بقوّةٍ وعنفٍ.

الآية رقم (4) - فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا

﴿فَأَثَرْنَ﴾: إثارته؛ جعله مرتفعاً في الجوّ.

﴿نَقْعًا﴾: النّقع: الغبار والدّخان.

فالخيل العاديات تُثير بحوافرها الغبار في ساحة الوغى، وتكاد الرّؤية تنعدم، لذلك نجد أنّ الضمير: ﴿بِهِ﴾ عاد على المكان.

الآية رقم (5) - فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا

﴿فَوَسَطْنَ﴾: صِرْن وسط الجمع.

هذه الخيول العاديات قد توسّطت جمع المتحاربين المتقابلين، وهذا يدلّ على أنّها حقّقت بإغارتها مفاجأة العدوّ في الصّباح، وتخطّت خطوط الدّفاع الأولى، وتوسطّت الجمع.