الآية رقم (188) - لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

الحسبان للأمر أن يظنّه السّامع دون حقيقته.

﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ: هم يفعلون أشياء سيّئة كما فعل اليهود والمشركون في غزوة أُحُد، فلقد خذّلوا النّاس وفرّوا من المعركة وهم فرحون، وإن قاموا بعمل يفرحون بأنّهم فعلوا كذا وفعلوا كذا، ويحبّون أن يحمدوا على فعله، لكنّهم حقيقة لم يفعلوا شيئاً.

﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى بصير بالعباد، ومطّلع على الصّغائر وعلى الأعمال، وهناك قانون عامّ يقضي بأنّ الإنسان يحبّ أن يحمد بما يفعل، وفي هذا تشجيع للإنسان أن يفعل الخير، أمّا إن أضمر الشّرّ وأراد أن يُحمد على ما لم يفعل، ولا يبتغي من وراء عمله إلّا المدح والظّهور في المجتمع فهذا الأمر لا يقرّه الإسلام أبداً.

الآية رقم (197) - مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

استمتاعٌ قليل، والمأوى والمآل سيكون في النّهاية إلى جهنّم وبئس المهاد.

والمهاد: هو المكان الّذي يستلقي فيه الإنسان.

الآية رقم (13) - تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ﴾: المقصود إن كانت أوامر فلا تعتدوها ولا تتجاوزوها، وإن كانت نواهي فلا تقربوها.

الآية رقم (189) - وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

بعد كلّ ما ذكره المولى سبحانه وتعالى عن غزوة أُحُد ومخالفة الرّماة وعن الشّهادة وعن فعل اليهود ومؤامراتهم وعن مكرهم وضلالهم وحقدهم أراد الله أن يُعلّم البشر أنّه لا يجري شيء في ملكه إلّا بأمره، وهو قانون عامّ:

﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ: له الملكيّة وله القدرة، هذا قانون حتّى يطمئنّ المؤمن، وحتّى يُنذر المشرك والكافر والجاحد بأنّ هذا ملك الله وهذه قدرته، وأنّه يملك كلّ شيء، ولا شيء في ملكه خارج عن قدرته.

﴿وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: يملك ويقدر وهو الوحيد الفعّال لما يريد، وهو يملك السّماوات ويملك الأرض، ويقول سبحانه وتعالى في آيات أخرى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[آل عمران]، يملك من يملك أيضاً، فملوك الأرض يعتقدون أنّهم يملكون، والله مالك الـمُلك، يملك السّماوات والأرض، ومَن في السّماوات ومَن في الأرض.

الآية رقم (198) - لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ

عندما يقول: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْاْ: فالله سبحانه وتعالى يتحدّث عن حقيقة الدّين؛ لأنّ التّقوى هي جوامع الخير وطاعة المولى وعدم معصيته، وقد أتت هذه الآية بعد الآية المتعلّقة بالنّار وهي مأوى الّذين قاتلوا الرّسول في ذلك الوقت.

﴿نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ:  النُّزل يعدّ للضّيف، فكيف بما أعدّه ربّ البشر تبارك وتعالى للبشر؟!

﴿وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ: الأبرار: الّذين برّوا بعهدهم مع ربّهم

الآية رقم (14) - وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ

الثّواب هو الجنّة، والعقاب هو العذاب المهين في النّار.

الآية رقم (190) - إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ

سئلت السيّدة عائشة رضي الله عنها: أخبرينا بأعجب شيء رأيتِه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: فسكتت ثمّ قالت: لـمّا كان ليلة من اللّيالي قال: «يا عائشة، ذريني أتعبّد اللّيلة لربّي»، قلت: والله إنّي لأحبّ قربك وأحبّ ما سرّك، قالت: قام فتطهّر ثمّ قام يصلّي، قالت: فلم يزل يبكي حتّى بلّ حجره، قالت: ثمّ بكى فلم يزل يبكي حتّى بلّ لحيته، قالت: ثمّ بكى فلم يزل يبكي حتّى بلّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة فلمّا رآه يبكي قال: يا رسول الله، لمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم وما تأخّر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت عليّ اللّيلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾»([1]).

إذاً علينا بهدوء ورويّة أن نتفكّر بها، وأن نتأمّلها كما كان النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

الآية رقم (199) - وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

يؤرّخ الله سبحانه وتعالى لإيمان أهل الكتاب الّذين صبروا، وهنا قانون صيانة الاحتمال، فالله تعالى لا يبخس النّاس أشياءهم، فهناك من أهل الكتاب مَن آمن بالله وبما أُنزل على سيّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ: أولئك الّذين آمنوا بما نزّل على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من أهل الكتاب، ولا يمكن أن يبيعوا دينهم بعرض قليل من هذه الحياة الدّنيا لهم أجر لا يمكن تصوّر مقداره؛ لأنّه من عند الله سبحانه وتعالى.

﴿إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: حتّى لا يغترّ الإنسان في هذه الحياة الدّنيا ويعتقد أنّه لن يُحاسب، فليعلم أنّ الله سريع الحساب؛ لأنّه ما بين حياتك وموتك لحظات وستتعرّض لهذا الحساب على ما قدّمت من عمل صالح أو طالح.

ثمّ يختم المولى سبحانه وتعالى سورة (آل عمران) بهذه الآية العظيمة:

الآية رقم (15) - وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً

الفاحشة كما عبّر القرآن الكريم هي الزّنى، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء].

﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ﴾: انظروا لدقّة حفظ الأنساب والأعراض، لذلك قذف المحصنات من الكبائر، ولا بدّ من شهادة أربعة أشخاص حتّى لا تصبح الأسر معرّضة للاهتزاز بسبب حقد الحاقدين والمؤذين الّذين يحاولون تشويه سمعة النّاس، فالإسلام حرص كلّ الحرص ليس فقط على بناء الأسرة في عقد الزّواج وشروطه واختيار الزّوجة واختيار الزّوج، لكن بعد ذلك المحافظة على العلاقة الزّوجيّة وصيانتها من أن تعتريها الاتّهامات وخصوصاً في أعراض النّساء، فكان التّشديد في هذا الموضوع، وأكبر تشديد في شهادة وردت في القرآن الكريم هو في موضوع يتعلّق بالمرأة.

الآية رقم (191) - الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

إذاً الذّكر يصاحب الفكر، وهذا دليلٌ على أنّ أوّل مَن يجب أن يتوصّل إلى العلوم، وأوّل من يجب أن يكون مخترعاً ومكتشفاً وحضاريّاً وعلميّاً هو المؤمن؛ لأنّه مُطالب بذلك من خلال القرآن الكريم.

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ: قيل في تفسيرها: إنّ المقصود هو الصّلاة، فالصّلاة لا تسقط في حال من الأحوال، فإن لم تستطعها قائماً صلّيتها قاعداً، وإن لم تستطعها قاعداً صلّيتها مستلقياً، والصّلاة هي الذّكر؛ لأنّك تذكر المولى خلالها، والذّكر ضدّ النّسيان، أي إنّي جعلت الله تعالى في بالي بشكل دائم، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»([1]).

الآية رقم (200) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

هذا قانون وقاعدة إلهيّة عامّة وكلّ من آمن بالله عليه أن يأخذ بها وأن يستعدّ لأن يكون ممتثلاً لأمر الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه دخل بعقد إيمانيّ مع الله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْهذا الأمر لمن آمن بالله ولمن أيقن أنّ الأمر بيد الله تبارك وتعالى، وبأنّ قضاء الله نافذ، وأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي يضرّ وينفع، ويعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، وأنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، هذا الإنسان المؤمن كلّفه الله وأمره أن يصبر ويصابر ويرابط ويتّقي الله سبحانه وتعالى.

﴿اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ: ما الفرق بين الصّبر والمصابرة؟ صابروا: هناك مفاعلة، أمّا اصبروا: أي اصبر في نفسك، اصبر على ما تُبتلى به في الحياة الدّنيا، ولا يمكن أن تترجم الإيمان إلّا بالصّبر، لذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «الصّبر نصف الإيمان»([1])؛ ولذلك الصّائم صابر، فكلّ أنواع الابتلاءات في هذه الحياة الّتي يتعرّض لها الإنسان من عالم الأغيار الّذي يعيش فيه، من انتقال من صحّةٍ إلى مرضٍ، ومن قوّةٍ إلى ضعفٍ، ومن شبابٍ إلى هرمٍ، ومن غنى إلى فقر، ومن حياةٍ إلى موتٍ، ومن سرورٍ إلى المنغّصات والآلام والأحزان، وكلّ ما يجري على بني آدم، ولا يستطيع أحد أن يتخلّف عن قانون الابتلاء الإلهيّ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك]

الآية رقم (16) - وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا

قال العلماء: هذه الآية تتعلّق بالالتقاء بين رجلين أي اللّواط، وهذا الأمر محرّم شرعاً كما ورد في نصّ هذه الآية، أو كما قال معظم العلماء في تفسيرها، والله جعل الفطرة السّليمة للإنسان تقبل الالتقاء بين الرّجل والمرأة، وفق القواعد الضّابطة للشّهوات من خلال الزّواج بشروطه، فكما كانت تتحدّث الآيات السّابقة عن اللّاتي يأتين الفاحشة من نسائكم وجعل الضّوابط هي شهادة أربعة لحفظ الأعراض والأنساب، أيضاً حرّم الإسلام الشّذوذ الجنسيّ، والّذين يطالبون بتدمير القيم من خلال المثليّة الجنسيّة الّتي هي السّبب الرّئيسيّ في تفكّك المجتمعات الغربيّة وتفشّي مرض الإيدز وأمراض أخرى، ولا شكّ أنّ الانحلال الأخلاقيّ هو مرض اجتماعيّ وصحّيّ، وهذا ينعكس على كلّ البشريّة من خلال التّخلّي عن القيم الّتي جاءت بها الأديان السّماويّة، وهي واضحة من ثنايا تعاليم القرآن الكريم، فالمرأة ليست أداة للزّينة وللّهو وللمتعة الجسديّة، وإنّما هي شريكة للرّجل في كلّ شؤون الحياة، ويجب على الإنسان ألّا يدع شهوته تسيّره إلى الحضيض والمهالك، وإنّما الإنسان العاقل هو الّذي يستطيع أن يسيّر شهوته ويضبطها وفق الحدود الّتي حدّدها الله سبحانه وتعالى.

﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا﴾: هناك دعوة متكرّرة للإصلاح في المجتمع وهي التّوبة، فإذا تاب الإنسان وأصلح ما أفسد فإنّ الله كان وما زال توّاباً رحيماً.

﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾: توّاب: صيغة مبالغة، فالله يتوب على هذا وعلى هذا، يقبل التّوبة الصّادقة من كلّ الخلق.

رحيماً: يرحم الإنسان بألّا يجعله يقع في الذّنب.

الآية رقم (192) - رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

الخزي يكون لمن مآله إلى النّار؛ لأنّ هذا الإنسان العاصي أو هذا الإنسان المشرك أو هذا الإنسان الملحد مصيره إلى النّار.

﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ: الّذين يظلمون النّاس والذين يظلمون أنفسهم، فليس لهم من ينصرهم يوم القيامة.

الآية رقم (1) - يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾: المطالبة بأن نتّقي الله سبحانه وتعالى الّذي يعطي الدّلائل والإثباتات على أنّه هو الخالق: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي نفس آدم عليه السلام، والخلق: هو إيجاد من عدم، وإمداد من عدم، الله خلق وأمدّ النّاس بالماء والهواء والزّرع وكلّ ما نراه.

قال هنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾: ولم يقل: (يا أيّها النّاس اتّقوا الله)؛ لأنّه عندما يتحدّث عن الألوهيّة يتحدّث عن الطّاعة، أمّا عندما يتحدّث عن الرّبوبيّة فإنّه يتحدّث عن العطاء، فالله قبل كلّ شيء هو الّذي خلقنا من نفس واحدة، فإذاً أيّ مساواة وأيّ حقوق إنسان يمكن أن تعدل هذه الآية في القرآن الكريم، الّذي خلقنا سواسية كأسنان المشط، فلا كبير ولا صغير، ولا أمير ولا مأمور، ولا أبيض ولا أسود ولا أحمر، ولا غنيّ ولا فقير، ولا ضعيف ولا قويّ.. النّاس جميعاً خُلقوا من نفس واحدة

الآية رقم (17) - إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ﴾: تكفّل الله بالتّوبة، لكن التّوبة على الله للذين يعملون السّوء بجهالة، فعندما فعل هذه السّيّئات وارتكب هذه المحرّمات كان يجهل العقوبة وقت وقوع المعصيّة ثمّ تاب.

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾: من قريب حدّدها النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: «إنّ الله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد مالم يغرغر»([1])، والإنسان لا يعلم الوقت الّذي يحين فيه الأجل، لذلك عليه أن يُسارع إلى التّوبة.

﴿وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾: لماذا لم يقل هنا: وكان الله غفوراً رحيماً ما دام الموضوع هنا يتعلّق بالتّوبة؟ الله سبحانه وتعالىكان عليماً بصدق الإنسان وبأنّه لم يكن يخطّط لهذه المعاصي عن إصرار، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزّمر]، لكنّ الشّرط عندما عمل السّوء عن جهالة في ذلك الوقت تاب من قريب أي قبل أن يغرغر، وكان صادقاً في توبته، هنا تكون التّوبة الصّحيحة ويعفو الله تعالى عنه.

 


([1]) صحيح ابن حبّان: كتاب الرّقائق، باب التّوبة، الحديث رقم (628).

الآية رقم (193) - رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ

مَن الّذي سمعناه ينادي للإيمان؟ إنّه رسول الله، فقد جاء النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعرّفنا بربّنا وبلّغنا عنه، فأوّل كلمة قالوها: ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ﴾ إذاً هذا النّداء الّذي أطلقه النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم منذ ذلك الوقت، وقد بلغنا ببلوغ القرآن وسنّة وهدي نبيّنا إلينا، وأيضاً نداء الإيمان مركوز في فطرتنا قبل نزول الرّسل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف].

﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا: فماذا ينتظر مَنْ جَمحت به نفسه؟ «كلّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التّوّابون»([1])

الآية رقم (2) - وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا

عندما تحدّث المولى سبحانه وتعالىعن النّفس الواحدة وأنّه خلق منها زوجها، كان السّائد في كلّ مجتمعات الأرض أنّ المرأة هي العنصر الضّعيف، فأراد الله أن يغيّر من قناعات البشر ويبيّن أنّ المرأة كالرّجل، وأنّها خُلقت من نفس الرّجل، بعد ذلك أتى إلى الضّعف الّذي ينتج عن فقدان أحد الأبوين، الضّعف يكون باليتم فتحدّث عن اليتامى، واليتيم: هو الّذي فقد أباه ولم يلق حنان الأب ورعايته، أضعف حلقة في المجتمع هي حلقة اليتم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾؛ لأنّه من المعلوم أنّ اليتيم الّذي فقد أباه يكون هناك وصيّ عليه، فمال اليتيم يبقى تحت رعاية الوصيّ حتّى يكبر ويصبح في سنّ يحقّ له فيها التّصرّف بأمواله، وهي سنّ الرّشد والبلوغ.

﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: طالما أنت وصيّ على هذا المال فقد تهتمّ بماله؛ لأنّك تضمّ مالك إلى ماله، وأنت تحاول أن تدير وتنمّي مال اليتيم فإيّاك أن تتبدّل الخبيث من مالك بالطّيّب من مال اليتيم.

الآية رقم (18) - وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: أي أنّه يُكثر من السّيّئات ويصرّ عليها ولا يبالي بالدّعوة المتكرّرة للكفّ عن الخطأ.

﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾: عندما يواجه الإنسان الموت ففي هذه اللّحظات لن يستفيد المجتمع شيئاً من توبته، ولن تكون هذه التّوبة دعوة متكرّرة للإصلاح، وتكون هذه التّوبة إنّما بدرت منه؛ لأنّ الإنسان يعتقد في هذه اللّحظات أنّه فقد كلّ ما يملك في هذه الدّنيا وأنّه راحل عنها، فهو يقول: إنّي تبت الآن، فعند ذلك لا تُقبل منه.

الآية رقم (3) - وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ

ألّا تقسطوا: ألّا تعدلوا، القسط: العدل.

إذا خاف الإنسان ألّا يقسط في اليتامى فما علاقة: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾؟ يتحدّث المولى سبحانه وتعالى أوّلاً عن حقوق الأيتام، فيجب عليك أن تعطي اليتيم حقّه، وألّا تتبدّل الخبيث بالطّيّب، وأن تكون مقسطاً في حقّه، كذلك الإنسان الّذي يريد أن يتزوّج من اليتيمة، قد يريد الزّواج منها من أجل مالها، أو لأنّها يتيمة لا قوّة لها إضافة إلى ضعفها كونها امرأة، جاء الحديث هنا في معرض قضيّة اليتم، وعندما بدأ القرآن الحديث عن النّساء أشار إلى أنّ الوعاء الحاضن للنّفس البشريّة هو المرأة، وهذا من تكريم المرأة.

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى:  إن خفت ألّا تقيم العدل باعتبار أنّها يتيمة، أو يمكن أن تأخذ من مالها بعد أن تتزوّجها، اترك هذا الأمر فأمامك متّسع في أمر الزّواج.

الآية رقم (19) - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا

يعالج النّصّ القرآنيّ كلّ ما يتعلّق بالمرأة من هضم للحقوق، فعندما يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾: فإنّه يخاطب من دخل في عقد الإيمان مع الله تبارك وتعالى.

﴿لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا﴾: العادات الّتي كانت موجودة هي أنّه إذا مات الإنسان جاء وليّه أو ابنه فيرث المال ويرث زوجة المتوفّى، فالوليّ أو الّذي يرث يأخذ الزّوجة ويضع عباءته عليها فيأخذها ويستحلّها له أو يزوّجها ويقبض مهرها، فكانت المرأة سلعة لذلك قال المولى سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: العضل: هو المنع من الزّواج والتّضييق على المرأة. فالمرأة في الإسلام إذا مات زوجها تدخل في العدّة فإذا خرجت من العدّة يحقّ لها أن تتزوّج، لكنّهم كانوا يمنعونها من الزّواج، فحرّم الله ذلك إلّا بحالة واحدة هي الفاحشة المبيّنة والواضحة.