الآية رقم (26) - قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ﴾: كيف ذلك؟ هو لم يزل واقفاً في المدينة، كيف قيل: ادخل الجنّة؟

قيل فوراً: ادخل الجنّة، وانتهى الموضوع لسببين: أوّلاً هذا قرآنٌ كريمٌ والمتكلّم هو الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى لا زمان عنده ولا مكان، فيتحدّث المولى سبحانه وتعالى بصيغة الماضي والحاضر والمستقبل.

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ﴾؛ أي في المستقبل، فكلّ شيءٍ عند الله سبحانه وتعالى في المستقبل وكأنّه الآن، فقد قاموا بقتل الرّجل فقيل: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ ﴾، فهو شهيدٌ، وقد قال سبحانه وتعالى عن الشّهيد: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[آل عمران]، فقد قُتِل الرّجل نتيجةً لهذا الإقرار فقيل: ادخل الجنّة فوراً.

﴿ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ﴾: قوله هذا في المستقبل، فهذا كلام ربٍّ وليس كلام عبدٍ.

الآية رقم (27) - بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ

المغفرة سبقتْ المكرُمة، والتّخلية تأتي قبل التّحلية، كذلك الحقّ تبارك وتعالى -ولله المثل الأعلى- قبل أنْ يُدْخِل عبده الجنّة يُنقِّيه أوّلاً من الذّنوب، ويطهّره ممّا عَلَق به، وهذه هي التّخلية، ثمّ يُكرمه بالجنّة، وهذه هي التّحلية.

الآية رقم (21) - اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ

﴿ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾: يعني لم يطلبوا منكم أجراً على دعوتهم، وهذا لا يُقال إلّا إذا كان العمل الّذي قام به يحتاج إلى أجرٍ، والرّسول ما جاء إلّا لينفع المرسَل إليهم، فهو منطقيّاً يحتاج إلى أجرٍ، لكن مَنْ يستطيع أنْ يوفيه أجره؟ لا أحد يوفيه أجره إلّا الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ نَفْع الرّسول يتعدَّى نفْع الدّنيا إلى نفع الآخرة، فمَنْ من البشر يعطي الرّسول ما يستحقّه؟ لذلك رأينا الرّسل عليهم السلام جميعاً يقولون هذه الكلمة: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: من الآية 72]، يعني: أنتم أيّها القوم لا تملكون مقدار أجري، ولا تقدرون على تقييمه، إنّما يعطيني أجري الّذي أعمل من أجله.

رسل الله عليهم السلام كلّهم قالوا هذه الكلمة إلّا رسولين، هما: سيّدنا إبراهيم، وسيّدنا موسى عليهما السّلام؛ لأنّ إبراهيم عليه السلام كانت أوّل دعوته لأبيه آزر، فهناك واجبٌ تجاه الأب، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾[الأنعام: من الآية 74]، لذلك لم يقل: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، فالواجب أوّلاً أن تدعو أباك، فهذا جزء من واجبه عليه السلام تجاه والده أو عمّه، وكذلك سيّدنا موسى عليه السلام أوّل ما دَعا دَعا فرعون الّذي ربَّاه في بيته، وله فَضْلٌ عليه، وله حقّ عليه أن يدعوه.

الآية رقم (22) - وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾: حوارٌ فكريّ، ثلاثة مرسلين، وهذا هو الرّابع الّذي جاء من أقصى المدينة، يقول لهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾، استخدم العقل والحكمة والحوار، ثمّ يلتفت هذا الرّجل إلى نفسه، فيقول للقوم: أنا لا آمركم أمراً أنا عنه بنَجْوَة، ولو كنتُ سأغشُّكُم فلن أغشَّ نفسي.

﴿ فَطَرَنِي ﴾: أي خلقني من العدم.

هو الّذي صنعني، أوجدني من عدم، وأمدَّني من عُدم، ولا زال يُوالي عليَّ نعمه، فما يمنعني أن أعبده وهو أَوْلَى بالعبادة.

﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾: يذكّرهم بالرّجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه]، فالإنسان عندما يموت فإنّه قد عاد ورجع إلى ربّه جل جلاله.

الآية رقم (23) - أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ

﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾: الاستفهام في: ﴿أَأَتَّخِذُ﴾ يحمل معنى التّعجُّب والإنكار، فهو يتعجّب وينكر: كيف يتّخذ من دون الله سبحانه وتعالى آلهة، والله جل جلاله هو الّذي خلقه.

﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾: هذه العبارة فيها لفتةٌ لطيفةٌ ينبغي تأمّلها؛ لأنّ صفة الرّحمة في الرّحمن تتناقض مع الضّرّ، فكيف جمع السّياق بينهما؟ نقول: إذا فسّرتَ ما يجري عليك به قَدَر الله سبحانه وتعالى على أنّه ضُرٌّ لك فتعقَّل أنّه من رحمن، فلا بدّ أن يكون لمجريه عليك وهو الرّحمن حكمةٌ فيما أجرى، لذلك نقول: أحمدك ربّي على كُلِّ قضائك وجميع قدرك، حَمْدَ الرّضا بحكمك، لليقين بحكمتك.

فكأنّ الحقّ سبحانه وتعالى يقول لك: تنبّه أنّه ليس كلّ ما تراه بقوانينك ضارّاً لك، فمُجريه عليك رحمن، ففي طيَّات هذا الضّرّ نَفْعٌ كثيرٌ، كما يقدّم الأب الحنون ولده للطّبيب فيُجري له جراحةً مؤلمةً، ليُصلح باقي الجسم، فهذا ضررٌ في الظّاهر، وفي الحقيقة رحمةٌ به، فلا تحكم على أقدار الله سبحانه وتعالى الّتي يُجريها عليك إلّا من منطلق أنّها من رحمنٍ أرحم بك من الوالدة بولدها، وأنت خَلْقه وصَنْعته.

الآية رقم (24) - إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ

﴿ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾: إنْ فعلتُ ذلك، وذهبتُ إلى عبادة هذه الآلهة أكون في ضلال.

﴿ مُبِينٍ ﴾: بيِّن واضح.

وقوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، كأنّ الضّلال يحاصره ويحيط به من كلّ ناحية، بحيث لا يستطيع أنْ ينجو منه.

الآية رقم (25) - إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ

﴿ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾: هل آمنوا حتّى قال لهم: ﴿ بِرَبِّكُمْ ﴾؟ الجواب: لا، لكن هذا قرآن كريم، والله سبحانه وتعالى يرصد لنا الأجواء والحوار، فهذا الرّجل جاء من أقصى المدينة أمام المرسلين، فالتفت إليهم وقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، يُسمع المرسلين ويُسمع القوم

الآية رقم (10) - وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ

من لا يعرف بالقرآن الكريم ولا بفقه اللّغة العربيّة يقول: بما أنّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلماذا الإنذار، ولماذا الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى؟ الجواب: السّوائيّة هنا ليست بالنّسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست بالنّسبة إلى الدّعاة، بل بالنّسبة إلى النّاس، فهذه السّوائيّة للنّاس الّذين اختاروا الكفر، وليست لك أنت، أمّا أنت فستأخذ الأجر من الله سبحانه وتعالى على دعوتك وتبلّغ أوامره، كما قال صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»([1])، ومن اختار طريق الكفر والعناد سواءٌ عليه ءأنذرته أم لم تنذره لا يؤمن، فهو عندما اختار فإنّه لن يؤمن؛ لأنّه لا إكراه في الدّين، والأنبياء عليهم السلام كلّهم جاؤوا بالخيار، هذا هو الدّين، وهذه أوامر الله سبحانه وتعالى، فإن أردت أن تتّبع أوامره أعانك الله سبحانه وتعالى، وإن أردت أن تكفر وتجحد فالله سبحانه وتعالى يزيد في طغيانك، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾[البقرة: من الآية 15].

(([1] صحيح البخاريّ: كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكِر عن بني إسرائيل، الحديث رقم (3461).

الآية رقم (11) - إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ

﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾: من الّذي ينتفع بالإنذار؟ من اتّبع الذّكر، والذّكر هو القرآن الكريم، ومَن ينتفع بالذّكر والإنذار هو مَن آمن بالله سبحانه وتعالى وبالجنّة والنّار، وهو من يذكر الله سبحانه وتعالى.

﴿ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ﴾: وهذه نقطةٌ مهمّةٌ، فنحن نخشى الرّحمن بالعلن، بالمشهد، لكن هل يا ترى كلّنا يخشى الرّحمن بالغيب؟ هل يا ترى في سرّنا نعلم بأنّ الله سبحانه وتعالى يرانا؟ فأصل الخشية أن تكون في الغيب؛ أي في السّرّ وليس في العلن، كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»([1])، فهناك رقيبٌ مستمرٌّ عليك، هذا الرّقيب ليس إنساناً مثلك، وليس قانوناً فقط، وإنّما هو رقيبٌ بالغيب، تعلم بأنّ الله سبحانه وتعالى يرى، فلا تستطيع أن تعصيه، وإذا أردت أن تعصيه فاذهب إلى مكانٍ لا يراك فيه جل جلاله.

رُوِي أنّ المعتضد وهو أحد ملوك دولة بني بُوَيْه أيّام الخلافة العبّاسيّة، وكان مشهوراً بالذّكاء والعدل، وحدث أن جاء رجلٌ إلى سوق بغداد ليبيع عِقْداً نفيساً ليحجّ بثمنه، فلم يجد في السّوق مشترياً لنفاسة العِقد، ومرَّ الرّجل بشيخٍ وقور عليه علامات الصّلاح، فقال: هذا رجلٌ أمينٌ أُودع عنده هذا العِقد أمانة حتّى أعود من الحجّ، فلمّا عاد من الحجّ سأل الشّيخ عن العِقد الّذي تركه عنده، فأنكره الشّيخ، وخابت محاولاته كلّها لاستعادة العِقد، وعندما سمعه أحد المارّة قال: يا هذا، إنّه رجلٌ مخادعٌ كذّاب، اذهب إلى المعتضد، وسوف يُعيد لك العِقد بذكائه وحيلته، فذهب الرّجل إلى المعتضد وقصَّ عليه القصّة، فقال له: اذهب في الغد واجلس بجوار هذا الرّجل، وسوف أمرُّ عليك في موكبي، فلا تَقُمْ لي، وإنْ كلَّمتُك فرُدّ وأنت جالس، ودَعْني أتصرّف في هذه المسألة.

وفي الغد مَرَّ المعتضد في موكبه المهيب، وحوله الحاشية والصّولجان فنظر إلى صاحب العقد، وقال: يا فلان، منذ متى وأنت هنا؟ وكيف لا تخبرني بوجودك لأقابلك وأؤدّي لك حقّك؟!

سمع الشّيخ هذا الكلام فظنَّ أنّ الرّجل من معارف الملك ومن أتباعه، فارتعد ونادى صاحب العِقْد، وقال له: أرجوك لا تذكرني أمام الملك بحكاية العِقْد هذه، وقَام إلى العِقْد فردّه إلى صاحبه، فلقد خاف هذا الرّجل من المعتضد ولم يخف من الله سبحانه وتعالى، فقد خشي الرّحمن بالشّهود وليس بالغيب، وهذا الملحظ مهمٌّ جدّاً؛ لأنّه سرّ الإيمان.

وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾: نجد أنّه سبحانه وتعالى قال: ﴿الرَّحْمَنَ﴾، ولم يقل: (القويّ)، الرّحمن من الرّحمة، وهي الّتي يغفر الله سبحانه وتعالى بها الذّنوب.

﴿ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴾: الأجر هو نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى، والأجر لا يكون كريماً، وإنّما الّذي يعطي الأجر هو الكريم، والمعنى أنّ كرم المعطي تعدَّى إلى العطيّة، فصارت العطيّة كريمة، فالأجر عند الله سبحانه وتعالى كريمٌ، فكيف بأكرم الأكرمين؟

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النّبيّ , عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم السّاعة، الحديث رقم (50).

الآية رقم (12) - إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ

هنا تركيز على قضيّة البعث والنّشور، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾: يجب أن ننتبه إلى لفتات اللّغة العربيّة، فالله سبحانه وتعالى قد اختارها وعاءً لكلامه؛ لأنّ هذه اللّغة ممكن أن تستوعب مجمل الأسرار وكذلك كمالات كلام الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يتحدّث بأسلوبه وجلاله وكماله، وكمال الله سبحانه وتعالى لا يحاط.

﴿إِنَّا نَحْنُ﴾: ﴿إِنَّا﴾ شبيهة بـ ﴿نَحْنُ﴾، فما الفرق بين ﴿إِنَّا﴾و ﴿نَحْنُ﴾؟ وهل يوجد تكرارٌ؟ الجواب: لا، بل هناك أسرارٌ، لماذا لم يقل: (إنّا نحيي الموتى)، فلماذا يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾؟ حتّى تعمل عقلك أيّها المؤمن، وتعلم بأنّ الله سبحانه وتعالى هو وحده القادر على إحياء الموتى، فهناك أمورٌ كثيرة تراها في هذه الدّنيا قد تكون بالظّاهر من الأمور المشترَكات، فإذا سئلت: من هو الّذي خلقك؟ يكون الجواب: الله جل جلاله، فإذا نظرت وجدت الأب والأمّ، وقد خرجتَ من رحم الأمّ، فتعتقد أنّ هناك اشتراكاً بهذا العمل، وكذلك عندما ترى النّور، ترى الماء، ترى تفاعل كذا مع كذا، تحرّكت الشّمس عند الكسوف.. فنرى اشتراك الأسباب وننسى المسبّب، أمّا إحياء الموتى فلم يشترك فيها أحد، وليس هناك أسبابٌ مع المسبّب، فليس إلّا الله جل جلاله، فعندما يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ لأنّكم لن تستطيعوا أن تحيوا الموتى مهما فعلتم أيّها النّاس، فإذا مات الإنسان انتهى الأمر، لذلك يقول: ﴿إِنَّا﴾ وأكّدها بـ: ﴿نَحْنُ﴾، ليعلم الإنسان أنّ هذا الأمر مختصٌّ فقط بالله سبحانه وتعالى.

﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾: الكتابة قبل الإحياء، الكتابة في الحياة الدّنيا، قال سبحانه وتعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار]، فالحسنات والسّيّئات تُكتب في الدّنيا، وبعد ذلك يتمّ إحياء الموتى، ومن ثمّ يحاسب الإنسان عليها، نكتب ما قدّموا من عملٍ فهو مسجّلٌ مكتوبٌ.

فالمولى سبحانه وتعالى سيحيي الموتى، وموضوع الموت مُقلقٌ للإنسان، فهو يخاف؛ لأنّه سينتقل من دارٍ إلى دارٍ، ومن مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، كان سيّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: خلقنا للأبد، وإنّما الموت هو انتقال من دارٍ إلى دار، فخلق الإنسان للأبد وهذه المرحلة هي مرحلة فقط، لحظات وينتقل بها الإنسان من دنيا فانية إلى دار خالدة باقية، لذلك طمأنك ربّك بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾، فإيّاك أن تعتقد أنّ الموت هو النّهاية، وإيّاك أن تخاف من الموت، وإنّما خفْ من العمل الّذي قدّمته، فإذا قدمت إلى ربّك فإنّا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدّموا من أعمال، فسرّ الحياة وسرّ الوجود هو سرّ الموت، فما يقدّم الإنسان في حياته الدّنيا هي مزرعة للآخرة.

﴿وَآثَارَهُمْ﴾: هل عمل الإنسان هو فقط الّذي يقوم به؟ فإذا حرمت وارثاً من إرثه، أليس هذا من أثر العمل؟ هل حرم الأب الإناث؟ هل علّم الأب الأولاد؟ هل نفع بعلمه؟ هل نفع بصدقته؟ بأثره في الحياة؟ هل أولاده على صلاحٍ؟ ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾؛ أي كلّ ما تركوه، آثارهم معهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»([1])، فهناك عمليّة حسابات دقيقة، فهذه الحسابات راصدة. نكتب أثر ما قدّموا في الدّنيا، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ»([2])، فهذه الأمور كلّها من أثر الإنسان، وكما قلنا في سورة الكهف: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾[الكهف]، فالجدّ كان صالحاً، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يعطيهما الكنز، وهذا من أثر العمل، فليطمئنّ الإنسان عندما يقوم بالعمل الصّالح، وليخف عندما يقوم بالعمل الطّالح.

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ ﴾: هناك فارقٌ ما بين الإحصاء والكتابة، الإحصاء هو عدٌّ، وليس فقط كتابة العمل وأثره، وإنّما تتمّ عمليّة مراجعة الحسابات وتدقيقها.

﴿ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾: الإمام هو الّذي يؤتمّ به، وهو الّذي يُتَّبَع، وكلّ شيءٍ أحصيناه؛ أي أعددناه في إمامٍ مبينٍ، تمّ الجمع والإحصاء، ووضعت الأعمال كلّها في إمامٍ، وهو اللّوح المحفوظ الّذي حُفِظَت فيه الأعمال منذ الأزل، والإنسان هو الّذي عمل هذه الأعمال.

([1]) صحيح مسلم: كتاب العلم، بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أو سَيِّئَةً وَمَنْ دَعَا إِلى هُدًى أو ضَلَالَةٍ، الحديث رقم (1017).

([2]) سنن التّرمذيّ: أبواب الأحكام، باب في الوقف، الحديث رقم (1376).

الآية رقم (13) - وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ

لا بدّ أن نتحدّث عن ضرب الأمثال في القرآن الكريم، والضّرب هو إيقاع شيءٍ على شيءٍ، ويتوجّب أن يكون الضّارب أقوى من المضروب، يقول الرّافعيّ:

أَيا هَازِئاً مِنْ صُنُوفِ القَدَرِ
وَيَا ضَارِباً صَخْرةً بِالعَصَا                     .
  بنفْسِكَ تُعنف لَا بالقَدَر
ضَربْتَ العَصَا أَمْ ضرَبْتَ الحَجَر؟
.

والضّرب يؤدّي إلى الإيلام كما قلنا، لذلك فإنّنا عندما نسمع الأمثال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾، فهناك ضربٌ على العقل وليس على اليد، فالأمثال في القرآن الكريم كثيرةٌ، وفي سورة النّور يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾[النّور: من الآية 35]، هذا أعظم مثلٍ ضُرب على وجه الأرض، هذا المثل هو مثلٌ للتّنوير الّذي ينوّره الله سبحانه وتعالى؛ لأنّنا لا نستطيع أن نحيط بنور الله عز وجل، فلنلحظ هذا المثل بعظمته، ومعناه باختصارٍ شديدٍ: يتعلّق بمشكاة، الّتي هي نافذة (كوّة) صغيرة، لماذا المصباح في زجاجة؟ سؤال فيزيائيّ، كي يحجب الهواء ويمنع من الدّخان فيكون النّور صافياً، الزّجاجة كأنّها كوكب دريٌّ، والكوكب الدّريّ يضيء بذاته، ثمّ إنّ هذا المصباح يُوقَد بزيتٍ من أرقى أنواع الزّيوت وهو زيت الزّيتونة، هذه الزّيتونة لا هي شرقيّة فتكون حارّة، ولا هي غربيّة فتكون باردة، والزّيت من أنقى أنواع الزّيوت؛ لأنّه يُضيء بنفسه، ولو لم تمسسه نار، نورٌ على نور، تصوّروا هذه المجموعة كلّها من الأنوار تضيء، وهذا المثل ليس هو نور الله سبحانه وتعالى، وإنّما هو تنوير الله جل جلاله.

وهنا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ﴾:

أيّ قرية؟ أيّ مرسلين؟ لا نعرف، والله سبحانه وتعالى لا يريد منّا أن نعرف، فلا العلم فيها مفيد، ولا الجهل عنها مضرّ، لكن المهمّ هو العبرة من المثل، بعض المرويّات قالت: بأنّها منطقةٌ هنا أو منطقةٌ هناك، وبأنّ المرسلين الاثنين، أرسلهم سيّدنا عيسى عليه السلام إلى النّاس في تلك المدينة، لكنّ الله سبحانه وتعالى لم يقل، لماذا لم يقل من هم المرسلون وما هي القرية؟ لأنّه يريد ألّا نتعلّق بالبلد أو بالأشخاص، لكنّه يريد أن تبقى العبرة.

الآية رقم (14) - إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ

يوجد أمامنا الآن اثنين من المرسلين كذّبهم القوم فعزّز الله سبحانه وتعالى بثالث، لماذا لم يقل: فعزّزناهما بثالث؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى يعزّز الحقّ ولا يعزّز الأنبياء.

فقد جاؤوا إلى قومٍ ضالّين، ولديهم كثيرٌ من الجحود، والنّكران بالإيمان.

﴿فَعَزَّزْنَا﴾: أي قوَّيْنا.

﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾: بدأ هنا حوار عقل وفكر، ولذلك الإسلام ليس إسلام قهر ولا إرهاب، لنلحظ كيف ينتهي الحوار الفكريّ بين من لديه الحجّة والبيان وبين من ليس لديه الحجّة أو البيان، قالوا: إنّا إليكم مرسلون، بدأ الحوار، فلمّا كذَّبوا وأنكروا للمرّة الثّانية كان لا بُدَّ من تأكيد الكلام على هذا النّحو: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، وكلّ كلمة من هذه العبارة فيها تأكيدٌ، أوّلاً بـ(إنَّ)، ثمّ أسلوب القصر في تقديم الجار والمجرور ﴿ إِلَيْكُمْ ﴾.

الآية رقم (15) - قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ

﴿ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾: يعدّون بشريّة الرّسل قَدْحاً في الرّسالة، فيعتقدون أنّه يجب أن يكون الرّسل من الملائكة، لكن كيف تتحقّق الرّسالة إذا لم يكُنْ الرّسول من البشر؟ فالرّسول يجب أن يكون أسوةً سلوكيّةً للنّاس، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾[الكهف: من الآية 110]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾[الإسراء]، هذا أوّل ردٍّ عليهم.

﴿ وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ ﴾: دلّ على غبائهم في الأداء، فعجيبٌ منهم أنْ يعترفوا لله سبحانه وتعالى بصفة الرّحمة، وهم لا يؤمنون به، ومن مقتضيات هذه الرّحمة أنّه سبحانه وتعالى أرسل إليهم بشراً رسولاً.

﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴾: أنتم تكذبون علينا.

الآية رقم (16) - قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ

يؤكّد الرّسل عليهم السلام رسالتهم، فيقولون: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، وجملة: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾حلّت محلّ القسم، فالأمر إمّا أنْ يكون صحيحاً، أو غير صحيح.

الآية رقم (17) - وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ

وما علينا إلّا أن نبلّغكم رسالة الله عز وجل الّتي أُرسلنا بها إليكم بلاغاً يبيّن لكم أنَّا أبلغناكموها

الآية رقم (18) - قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ

كان جوابهم أنّهم كذّبوا وأنكروا فقالوا:

﴿ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾: أي تشاءمنا بكم.

والتّطيُّر من الطّيَرة، وكانت عادة معروفة عند العرب، فكانوا حين يريد أحدهم عمل شيءٍ، يأتي إلى طيرٍ فيزجره ويُطلقه، فإنْ طار إلى اليمين تفاءل وأمضى ما ينوي عليه، وإنْ طار إلى اليسار أمسك وتشاءم، وقد حَرَّم الإسلامُ هذه العادة ونهى عنها.

﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾: أي عمّا تقولونه من أنّكم مُرْسَلُون بمنهجٍ، فالرّسل تحدّثوا بالقول، لم يفعلوا شيئاً، بل باللّسان والكلمة الطّيّبة، وليس بالكلمة الجارحة، ولا الرّصاصة القاتلة، وإنّما الكلمة الجارحة والفعل السّيّئ جاء من الّذين تصدّوا للرّسل.

﴿ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾: فجمعوا عليهم الرّجم والعذاب الأليم، والرّجم غير العذاب، الرّجم رَمْيٌ بالحجارة حتّى الموت، فهو إنهاءٌ للعذاب، فمَنْ مات لن تستطيع أنْ تُعذِّبه، لذلك قالت العرب: لا يضير الشّاة سلخها بعد ذبحها.

الآية رقم (19) - قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ

﴿ طَائِرُكُمْ ﴾: يعني شؤمكم.

﴿ مَعَكُمْ ﴾: أي ملازم لكم.

﴿ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ﴾: أئن ذُكِّرتم بالله سبحانه وتعالى وبمنهج خالقكم، وبما يُسعدكم في دنياكم تكون النّتيجة أنّكم تهدّدون الـمُذَكِّر لكم بالرّجم وبالعذاب الأليم، بدل أنْ تُعينوه وتتّبعوا ما جاءكم به.

﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: أي متجاوزون للحدِّ؛ لأنّ الأمر بيننا وبينكم لم يخرج عن كونه مناظرةً كلاميّةً لم نتعدَّ فيها حدود البلاغ بأنّنا مُرْسَلون إليكم، فكانت النّتيجة أنْ قابلتم المناظرة الكلاميّة بهذا الفعل القاسي المسرف المتجاوز للحدِّ، حيث جمعتم علينا الرّجْم والعذاب الأليم.

الآية رقم (20) - وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ ﴾: يدلّ على أنّ الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى كانت منتشرة في المدينة ولو في السّرّ، وأنّ الرّسولين الأوّلين اللّذين كذَّبهما القوم كان لهما أنصارٌ مؤمنون بهما، مُصدِّقون لدعوتهما، فلمّا جاء الثّالث وأيضاً كذَّبه القوم أخذتْ هؤلاء المؤمنين حَمِيَّة الحقّ، وكان منهم هذا الرّجل الّذي جاء من أقصى المدينة يسعى لِنُصْرة الحقّ وإعلاء كلمته.

﴿ يَسْعَى ﴾: أي أنّ مجيئه لم يكُنْ عاديّاً، إنّما مسرعاً يجري.

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴾: وقوله: ﴿ يَا قَوْمِ ﴾ نداءٌ لتحنين المنادَى، كأنّه يقول: يا أهلي، يا أهل بلدي، فذكر ما بينه وبينهم من صلات المودّة والرّحمة.

الآية رقم (9) - وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾: أي أمامهم.

﴿ سَدًّا ﴾: حاجزاً ومانعاً.

هل معنى هذا أنّ الله سبحانه وتعالى يُعين الكافر على الكفر؟ الجواب: نعم؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قد بيّن للنّاس، فمن اختار الكفر يعينه على كفره، ومن اختار الإيمان يعينه على الإيمان، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمّد]، ومن اختار الكفر يجعل من بين يديه ومن خلفه سدّاً؛ أي من أمامه سدّاً فلا يرى المصير، ومن خلفه فلن ينظر إلى الّذين ماتوا من خلفه، ولم يتّعظ بالأقوام السّابقين.

﴿ فَأَغْشَيْنَاهُمْ ﴾: الغشاوة تكون على الأعين.

﴿ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾: لأنّ الشّمس تشهد، والقمر يشهد، والماء يشهد، والطّريق يشهد، والشّجر يشهد، والإنسان يشهد، وسمك البحار يشهد، وكلّ شيءٍ يشهد أنّه لا إله إلّا الله، إلّا أنت: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾، فأنت اخترت طريق الكفر، لذلك عندما أراد النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يخرج من بيته عند الهجرة، وكان المشركون يحيطون ببيته إحاطةً كاملةً، فتح الباب وقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾، فلم يروا شيئاً وخرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم بسرّ هذه الآية، وبسرّ سورة (يس).

مقدمة تفسير سورة يس

سورة (يس) سورةٌ عظيمةٌ، وهي سورةٌ محفوظةٌ في قلوب وأرواح ونفوس كثيرٍ منّا، وهذه السّورة لها كثيرٌ من الأسرار والعطاءات الإلهيّة الّتي أخبر عنها النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعن فضائلها.

وهي من السّور المكّيّة، عدد آياتها ثلاث وثمانون آية، فواصلها القصيرة لها وقعٌ قويٌّ في النّفوس المؤمنة، موضوعاتها الرّئيسة هي موضوعات السّور المكّيّة، تحدّثت عن توحيد الألوهيّة والرّبوبيّة وعاقبة المكذّبين بهما، والقضيّة الّتي يشتدّ عليها التّركيز في السّورة هي قضيّة البعث والنّشور.

من فضائل هذه السّورة:

عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «يس قَلْبُ الْقُرْآنِ، لَا يَقْرَؤُهَا أَحَدٌ يُرِيدُ اللَّهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ، فَاقْرَؤُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ»([1])، فسورة (يس) هي قلب القرآن الكريم، والقلب هو نبض الحياة، فسورة (يس) هي نبض الحياة في دنيانا، وعظمة هذه السّورة بأنّها لِـمَا تُقرأ له، وكأنّها تضخّ الحياة في كلّ شيءٍ.

(([1] مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد: كتاب التّفسير، باب سورة البقرة، الحديث رقم (10810).