الآية رقم (110) - قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً

﴿قُلِ ادْعُوا﴾: أي: اذكروا، أو نادوا، أو اطلبوا.

﴿اللَّهَ﴾: عَلَم على واجب الوجود سبحانه وتعالى، ومعنى: عَلَم على واجب الوجود أنّها إذا أُطْلِقَتْ انصرفتْ للذّات الواجبة الوجود، وهو الحقّ سبحانه وتعالى، كما نُسمِّي شخصاً، فإذا أُطْلِق الاسم ينصرف إلى المسمَّى، والأسماء عندنا أنواع كثيرة: إمّا اسم، أو كُنْية، أو لَقَب، فالاسم: يُطلَق على المولود بعد ولادته ويُعرَف المولود به، والكُنْية: تُطلَق على الإنسان، وتُسبَق بأب أو أمّ أو ابن أو بنت، كما نقول: أبو بكر، وأمّ المؤمنين، واللّقب: وصف يُشْعِر بالمدح أو الذّمّ، كما نقول: الصِّدّيق، الشّاعر، الفاروق، فإذا كان الاسم معه شريك غيره لا بُدَّ لتمييزه من وَصْفه وَصْفاً يُعْرف به، فشخصين اسمهما محمّد، نضيف لقب يميّز أحدهما عن الآخر، فإذا أُطلِق الاسم بصفته ينصرف إلى شخص معيّن.

والحقّ سبحانه وتعالى سَمَّى نفسه بأسمائه الّتي قال عنها: الأسماء الحُسْنى، وكلمة (حُسْنى) أفعل تفضيل للمؤنّث، مثل: كبرى، والمذكّر منها أحسن، لكن لماذا وَصَف أسماءه سبحانه وتعالى بالحسنى؟ الجواب: أنّ الأسماء عند البشر قد لا تنطبق على المسمَّى الّذي أُطلقت عليه، فقد نُسمِّي شخصاً: «سعيد» وهو شقيّ، وهذا ليس بحَسنٍ في الأسماء، الحسَن في الاسم أنْ يطابق الاسم المسمَّى، ويتوفّر في الشّخص الصّفة الّتي أُطلِقت عليه، لكنّه لا يأخذ الحُسْن الأعلى؛ لأنّ الحُسن الأعلى لأسماء الله عز وجل الّتي سَمّى بها نفسه، فله الكمال المطلق.

فلفظ الجلالة الله عَلَم على واجب الوجود، وبعد ذلك جاءت صفات غلبت عليه، بحيث إذا أُطلِقَتْ لا تنصرف إلّا إليه، فإذا قُلْنا: العزيز على إطلاقه فإنّها لا تنصرف إلّا لله سبحانه وتعالى، لكن يمكن أن نقول: فلان العزيز في قومه، فلان الرّحيم بمَنْ معه، فلان النّافع لـمَنْ يتّصل به، إنّما لو قُلْت: النّافع، على إطلاقه فهو الله سبحانه وتعالى، لذلك حَلَّتْ الصّفات محلَّ اسم الذّات الله؛ لأنّها إذا أُطْلِقَتْ لا تنصرف إلّا إليه عز وجل، فأسماءُ الله الحُسْنى هي في الأصل صفات له سبحانه، ولو تأمّلنا هذه الأسماء لوجدناها على قسمين: أسماء ذات، وأسماء صفات فعليّة، اسم الذّات لا يتّصف الله سبحانه وتعالى بمقابله، فالعزيز مثلاً اسم ذات، فلا نقول في مقابله: الذّليل، والحيّ اسم ذات فلا نقول: الميّت، أمّا اسم الصّفة الفعليّة فيكون له مقابل، فالمعزّ صفة فعل يعني يُعِزّ غيره، ومقابلها المذلّ، والضَّارّ مقابلها النّافع، والمحيي مقابلها المميت.. وهكذا، فإنْ وجدتَ للاسم مقابلاً فاعلم أنّه اسمٌ لصفة الفعل من الله عز وجل، وإذا لم يكن له مقابل فهو اسم ذات، لكن تقف مثلاً عند السَّتَّار وهي صفة فعل؛ لأنّه يستر غيره، لكن ليس لها مقابل فلا نقول: الفضَّاح، لماذا؟ لأنّه عز وجل يريد أنْ يتخلّق خَلْقه بهذه الصّفة، وأنْ يُربِّب صفة السّتر عند النّاس للنّاس، فلو علم النّاس، عن أحد أمراً فاضحاً لزهدوا في كلّ ما يأتي من عنده ولو كان حسنة، وبذلك يُحرَم المجتمع من طاقات كثيرة من الخير، لكن حين تستر على صاحب العيب عيبه، فإنّك تعطي للمجتمع فرصة لينتفع بما لديه من صفات الخير وليتحسّن ويتوب؛ لذلك الله سبحانه وتعالى يُعصَى ويحبّ أن يُستَر على عبده العاصي؛ لكي يستمرّ دولاب الحياة؛ لأنّه لا يوجد أحد له كمال إلّا النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾: الله: العَلَم على واجب الوجود، وهو اسم ذات لا يدلُّ على صفةٍ معيّنة، لكنّه يحمل في طيّاته كلّ صفات الكمال فيه، فإنْ كانت للأسماء الأخرى مجالات، فالقادر في القدرة، والحكيم في الحكمة، والقابض في القبض، والعزيز في العِزّة، فإنّ لكلّ اسم مجالاً، فإنّ الله هو الاسم الجامع للصّفات كلّها، لذلك في الحديث النّبويّ الشّريف: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَال لَا يُبْدَأ فِيهِ بِاسْمِ الله فَهُوَ أَبْتَر»([1])، فيكفي أن تقولَ في الإقدام على الفعل: باسم الله؛ لأنّك ذكرتَ الاسم الجامع لكلِّ صفات الكمال.

﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾: واختار الرّحمن دون الجبار أو القهّار؛ لأنّ الرّحمة صفة التّحنين للخلق، فالحقّ سبحانه وتعالى يُظهِر هذه الصّفة لعباده حتّى في أسماء الجبّار والقهّار؛ لأنّها من خَدَم الرّحمة ومن أسبابها؛ لأنّ العبد إذا عرف لله سبحانه وتعالى صفة الجبروت، وصفة القهر، وصفة الانتقام انتهى عن أسباب الوقوع تحت طائلة هذه الصّفات، فكأنّه يرحم عباده حتّى بصفات القهر والانتقام، وكذلك اختار اسم ﴿الرَّحْمَنَ﴾؛ لأنّ مجال التّكليف كلّه الرّحمة، وما نزل المنهج من الله سبحانه وتعالى إلّا لينظّم حياة النّاس ويُحقِّق لهم السّعادة في حركة الحياة، فيتكامل الخَلْق فيما بينهم، ويتعاونون، ويتساندون ولا يتعاندون، ويكونون جميعاً على قلب رجلٍ واحد، هذه غاية المنهج الإلهيّ في دنيا النّاس أنْ يعيشَ المجتمع آمناً سالماً، فالرّحمانيّة الإلهيّة هي الغالبة في التّشريع كلّه، وهي السِّمَة العامّة، يقول سبحانه وتعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾[الرّحمن]، فالقرآن الكريم الّذي نزل لِيُنظّم حياة النّاس، ويصلح حركة الحياة، ويضع السّلام بينك وبين الله عز وجل، وبينك وبين نفسك، وبينك وبين النّاس، هذا القرآن الكريم مظهر من مظاهر هذه الرّحمانيّة الإلهيّة.

ونقف على لطيفة أخرى لاستخدام اسم الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنَ﴾ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: من الآية 59]؛ أي: بعد أن خلق الخَلْق كلّه، بسمائه وأرضه وما فيهما استوى على العرش؛ لأنّ الاستواء على العرش يعني أنّ كلّ شيء تَـمَّ له سبحانه وتعالى خَلْقاً وإيجاداً، فيعني مباشرة الملك والقدرة ولكن برحمته وليس بجبروته، فاختار صفة الرّحمة ليوحي لنا أنّ العرش والقوّة والقهر والجبروت إنّما يكون من رحمة الله سبحانه وتعالى، وليرحم بعضنا بعضاً، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَرَاحَمُوا»([2])، «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»([3]).

﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: فأيُّ اسم تدعو به، فأسماؤه كلّها حُسْنى، فتدعو بما يناسب حاجتك، فإنْ أردت عِلْماً فقُلْ: يا عالم علِّمني، وإنْ كنتَ ضعيفاً فقُلْ: يا قويّ قَوِّني، وإنْ أردتَ العزّة فَقُلْ: يا عزيز أعِزَّني.. وهكذا، فتستطيع أن تدعو بأيّ اسمٍ من أسماء الله عز وجل.

﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ﴾: الصّلاة يراد بها كلّ أعمال الصّلاة.

﴿وَلَا تَجْهَرْ﴾: فالجهر منهيٌّ عنه.

﴿وَلَا تُخَافِتْ﴾: أي: لا تُسِرَّها بحيث لا تُسْمع نفسك، وهذا منهيّ عنه أيضاً.

فكِلَا الطّرفين مذموم، وخَيْر الأمور الوسط، ونُوضِّح هنا: إذا كان الجهر بالصّلاة منهيّاً عنه فارتفاع الصّوت عالياً من باب أَوْلَى، فأنت حين ترفع صوتك بالقرآن الكريم، قد تُوقِع بعض النّاس في الإثم والحرج، ولعلّ غيرك في هذا الوقت يريد أن يستغفر، أو يُسبِّح أو يصلّي، أو يقوم بعملٍ آخر، والحقّ سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[الأعراف]، فلا نُدخِل النّاس في هذا الأمر.

﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: أي: بين الجهر والإسرار، واسلك سبيل الوسطيّة الّتي جاء بها الشّرع، وتأسّ برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يتفقّد الصّحابة ليلاً فوجد أبا بكر رضي الله عنه يقرأ، ولا يكاد يسمع صوته، فلمّا سأله، قال: يا رسول الله، أناجي ربّي وهو عالم بي، فلمّا ذهب إلى عمر  رضي الله عنه وجده يقرأ بصوت عالٍ، فلمّا سأله قال: يا رسول الله، أزجر به الشّيطان، عندها أمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أنْ يرفع صوته قليلاً، وأمر عمر أن يخفض صوته قليلاً، وهذا الاعتدال وهذه الوسطيّة أُمِرْنَا بها حتّى في الدّعاء، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: من الآية 205]، فكلمة: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: البينيّة هذه تكاد تشيع في أحكام الدّين كلّه؛ لأنّ القرآن الكريم جاء لأمّة وسط بالأمور الوسط في شؤون الحياة كلّها.

([1]) الفتح السّماويّ للمناويّ: ج1، سورة الفاتحة، الحديث رقم (4).

([2]) السّنن الكبرى للنّسائيّ: كِتَابُ القَضَاءِ، حُكْمُ الحَاكِمِ فِي دَارِهِ، الحديث رقم (5928).

([3]) سنن التّرمذيّ: أَبْوَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي رَحْمَةِ الْمُسْلِمِينَ، الحديث رقم (1924).

الآية رقم (111) - وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ﴾: فما المحمود عليه في الآية؟ الجواب: كلّ ما ورد بعدها.

﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: الله سبحانه وتعالى لم يتّخذ ولداً، وهذا نعمة كبيرة على العباد يجب أنْ يحمدوه عليها.

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: ولو أنّ لله سبحانه وتعالى شريكاً في الملْك، لذهب كلّ إلهٍ بما خَلَق، وهذا أيضاً من النِّعَم الّتي تستوجب الحمد.

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: الوليّ: هو الّذي يليك، وأنت لا تجعل أمرك إلّا لمن تثق به أنّه يجلب لك نَفْعاً، أو يدفع عنك ضُرّاً، والحقّ سبحانه وتعالى ليس له وليٌّ يلجأ إليه ليعزّه؛ لأنّه سبحانه وتعالى العزيز المعِزّ القائم بذاته عز وجل، ولا حاجة له إلى أحد، فلا تجعل ولايتك إلّا لله عز وجل، فهو العزيز سبحانه وتعالى.

﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾: لأنّ عظمة الحقّ سبحانه وتعالى في نفس المؤمن أكبر من كلّ شيء، وأكبر من كلّ كبير؛ لذلك جُعلتْ (الله أكبر) شعار الأذان والصّلاة، فلا بُدَّ أن تُكبِّر الله سبحانه وتعالى، وتجعله أكبر مِمّا دونه من الأغيار، فإنْ ناداك وأنت في أيّ عمل فقُلْ: الله أكبر من عملي، وإنْ ناداك وأنت في حضرة عظيم، فقل: الله أكبر من أيِّ عظيم، كبِّره تكبيراً بأن تُقدِّم أوامره ونواهيه على كلّ أمر، وعلى كلّ نهي، فالله سبحانه وتعالى بذاته أكبر من أيّ شيء، حتّى إن كانت الجنّة، ففي آخر سورة الكهف يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: من الآية 110]، فلم يَقُلْ: مَنْ كان يرجو جزاء ربّه، أو جنّة ربّه، أو نعيم ربّه، إنّ المؤمن الحقّ لا ينظر إلى النّعيم، بل يطمع في لقاء الـمُنعِم سبحانه وتعالى.

الآية رقم (101) - وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: وقد سبق أن اقترح كفّار مكّة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّة آيات ذُكرَتْ في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾[الإسراء]، فأراد الله سبحانه وتعالى أنْ يُلفِت نظره أنّ سابقيهم من اليهود أتتهم تسع آيات، ونزلت عليهم دون أنْ يطلبوها، ومع ذلك كفروا، فالمسألة كلّها تعنّت وعناد من أهل الكفر في كلّ زمان ومكان.

﴿بَيِّنَاتٍ﴾: أي: واضحات مشهورات كالصّبح؛ لأنّها حدثت جميعها على مَرْأى ومشهد من النّاس، والمراد بالآيات التّسع هنا هي الآيات الخاصّة بفرعون؛ لأنّ كثيرين يخلطون بين معجزات موسى عليه السلام إلى فرعون، ومعجزاته إلى بني إسرائيل، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ هي الآيات الّتي أُرسِل بها إلى فرعون وقومه، وهي: العصا الّتي انقلبتْ حيّة، واليد الّتي أخرجها من جيبه بيضاء مُنوّرة، وأَخْذ آل فرعون بالسّنين ونَقْصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات، ثمّ لـمّا كذَّبوا أنزل الله عز وجل عليهم الطّوفان، والجراد، والقُمّل، والضّفادع، والدّم، هذه تسع آيات خاصّة بما دار بين موسى عليه السلام وفرعون، أمّا المعجزات الأخرى لسيّدنا موسى عليه السلام، مثل العصا الّتي ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، ونَتْقُ الجبل فوقهم كأنّه ظُلَّة، وإنزال المنِّ والسَّلْوى عليهم، فهذه آيات خاصّة ببني إسرائيل.

﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾: والأمر هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كيف يسأل بني إسرائيل الّذين جاءهم موسى عليه السلام وقد ماتوا، والموجود الآن ذرّيّتهم؟ نقول: لأنّ السّؤال لذرّيّتهم هو عَيْن سؤالهم؛ لأنّهم تناقلوا الأحداث جيلاً بعد جيل؛ لذلك قال سبحانه وتعالى مُخاطباً بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾[إبراهيم]، والنّجاة لم تكُنْ لهؤلاء، بل لأجدادهم المعاصرين لفرعون، لكن خاطبهم الله عز وجل بقوله: ﴿أَنْجَاكُمْ ﴾؛ لأنّه سبحانه وتعالى لو أهلك أجدادهم لما وُجِدُوا هم، فكأنّ نجاة السّابقين نجاةٌ للّاحقين، وسؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني إسرائيل سؤال حُجَّةٍ واستشهاد؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾[الإسراء: من الآية 59]؛ أي: الّتي اقترحوها ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾[الإسراء: من الآية 59]، وما دام كذَّب بها الأوّلون فسوف يُكذِّب بها هؤلاء؛ لأنّ الكفر مِلَّة واحدة في كلّ زمان ومكان، فمسألة طلب الآيات واقتراح المعجزات ليستْ في الحقيقة رغبة في الإيمان، بل مجرّد عناد ولَجَج ومحاولة للتّعنُّت والجدَل العقيم لإضاعة الوقت.

﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ﴾: أي: بعد أنْ رأى الآيات كلّها:

﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾: فاتّهمه بالسّحر بعد أنْ أراه كُلَّ هذه الدّلائل والمعجزات، وكلمة ﴿مَسْحُورًا﴾: اسم مفعول بمعنى سحره غيره، وقد يأتي اسم المفعول دالّاً على اسم الفاعل لحكمة، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾[الإسراء]، فقوله ﴿مَسْحُورًا﴾ تفيد أنّه سحَر غيره، أو سحره غيره؛ لأنّ المسحور هو الّذي أَلَـمَّ به السّحر، إمّا فاعلاً له، أو مفعولاً عليه، وهذه الكلمة قالها كفّار مكّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾[الإسراء: من الآية 47]، والمسحور بمعنى المخبول الّذي أثّر فيه السّحر، فصار مخبولاً مجنوناً، وهذا كذب وافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الآية رقم (102) - قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا

﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ﴾: أي: قال موسى عليه السلام لفرعون، والتّاء في ﴿عَلِمْتَ﴾مفتوحة؛ أي: تاء الخطاب، فهو يُكلِّمه مباشرة ويُخاطبه: لقد علمتَ يا فرعون عِلْمَ اليقين أنّني لستُ مسحوراً ولا مخبولاً، وأنّ ما معي من الآيات ممّا شاهدته وعاينته من الله ربّ السّموات والأرض، وأنت تعلم ذلك جيّداً إلّا أنّك تنكره، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾[النّمل: من الآية 14].

﴿بَصَائِرَ﴾: أي: أنزل هذه الآيات بصائر تُبصّر النّاس، وتفتح قلوبهم، فيُقبلوا على ذلك الرّسول الّذي جاء بآية معجزة من جنس ما نبغَ فيه قومه، ثمّ لم يَفُتْ موسى عليه السلام وقد ثبتتْ قدمه، وأرسى قواعد دعوته أمام الجميع أنْ يُكلِّم فرعونَ من منطلق القوّة، وأن يُجابهه واحدة بواحدة، فيقول:

﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: فقد سبق أنْ قال فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾فواحدة بواحدة، والبادي أظلم.

﴿مَثْبُورًا﴾: المثبور: الهالك، أو الممنوع من كُلِّ خير، وكأنّ الله سبحانه وتعالى أطْلعَ موسى عليه السلام على مصير فرعون، وأنّه هالكٌ عن قريب.

نعود إلى قصّة موسى عليه السلام وفرعون لنستنبط منها بعض الآيات والعجائب، وأوّل ما يدعونا للعجب أنّ فرعون هو الّذي ربَّى موسى عليه السلام منذ أنْ كان وليداً، وفي وقتٍ كان يقتل فيه الذّكور من أبناء قومه، لنعلم أنّ الله سبحانه وتعالى يحول بين المرء وقلبه، وأنّ إرادته عز وجل نافذة، فقد وضع محبّة موسى عليه السلام في قلب فرعون وزوجته فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾[القصص: من الآية 9]، فأين ذهبت عداوتُه وبُغْضه للأطفال؟ ولماذا أحبَّ هذا الطّفلَ بالذّات؟ ألم يكُنْ من البديهيّ أنْ يطرأ على ذِهْن فرعون أنّ هذا الطّفل ألقاه أهله في اليَمِّ لينجو من القتل؟ ولماذا لم تطرأ هذه الفكرة البديهيّة على ذِهْنه؟ اللّهمّ إلّا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: من الآية 24]، لقد طمس الله عز وجل على قلب فرعون حتّى لا يفعل شيئاً من هذا، وحال بينه وبين قلبه.

الآية رقم (103) - فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا

﴿فَأَرَادَ﴾: أي: فرعون.

﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾: كلمة (استفزَّ) سبق الكلام عنها في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾[الإسراء: من الآية 64]، فالاستفزاز هو الإزعاج بالصّوت العالي، وهذا الصّوت أو هذه الصَّيْحة يُخرجها الفارس أو اللّاعب كما نرى في لعبة الكاراتيه مثلاً لِيُزعِج الخصم ويُخيفه، وأيضاً فإنّ هذه الصّيحة تشغَل الخَصْم، وتأخذ جزءاً من تفكيره، فيقِلّ تركيزه، فيمكن التّغلُّب عليه، فالمعنى: أراد فرعون أنْ يستفزّهم ويخدعهم خديعة تُخرِجهم من الأرض، فتخلو له من بعدهم، وهذا دليلٌ على غباء فرعون وحماقته، فما جاء موسى عليه السلام إلّا ليأخذ بني إسرائيل، كما جاء في قوله عز وجل: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشّعراء]، فكأنّ غباء فرعون أعان القدر الّذي جاء به موسى عليه السلام، ولكن كان لله سبحانه وتعالى إرادة فوق إرادة فرعون، فقد أراد أن يُخرج بني إسرائيل وتخلو له الأرض، وأراد الحقّ سبحانه وتعالى أن يستفزّه هو من الأرض كلّها ومن الدّنيا، فأغرقه الله عز وجل وأخذه أَخْذَ عزيز مقتدر، وعاجله قبل أنْ يُنفِّذ ما أراد، فأغرقه الله عز وجل ومَنْ معه جميعاً.

الآية رقم (104) - وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا

﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: من بعد موسى عليه السلام.

﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾: أغلب العلماء قالوا: أي: الأرض المقدّسة الّتي هي بيت المقدس، الّتي قال سبحانه وتعالى عنها: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: من الآية 21]، فكان ردّهم على أمر موسى عليه السلام بدخول البيت المقدّس: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [المائدة: من الآية 22]، وقالوا: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[المائدة: من الآية 24]، لكنّ كلمة: ﴿الْأَرْضَ ﴾ هنا جاءت مجرّدة عن الوَصْف: ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ من غير أنْ يُقيِّدها بوصفٍ، كما نقول: أرض الحرم، أرض المدينة، وإذا أردتَ أنْ تُسكِنَ إنساناً وتُوطّنه تقول له: اسكن؛ أي: استقرّ وتوَطّن في دمشق، أو حلب، أو طرطوس، مثلاً، لكن: اسكن الأرض، كيف وأنا موجود في الأرض بالفعل؟! لا بُدَّ أن تُخصِّص لي مكاناً اسكن فيه، نقول: جاء قوله سبحانه وتعالى: ﴿اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ هكذا دون تقييد بمكان معيّن، لينسجم مع آيات القرآن الكريم الّتي حكمتْ عليهم بالتّفرُّق في أنحاء الأرض، فلا يكون لهم وطن يتجمّعون فيه، كما قال عز وجل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾[الأعراف: من الآية 168]، والواقع يُؤيّد هذا، حيث نراهم مُتفرِّقين في شتَّى البلاد، إلّا أنّهم ينحازون إلى أماكن مُحدَّدة لهم يتجمَّعون فيها، ولا يذوبون في الشّعوب الأخرى، فتجد كلّ قطعة منهم كأنّها أمّة مُستقلّة بذاتها لا تختلط بغيرها، فلا حقّ لهم في فلسطين، ولا حقّ لهم في المسجد الأقصى.

﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: والمراد بوَعْد الآخرة: هو الإفساد الثّاني لبني إسرائيل، حيث قال سبحانه وتعالى عن إفسادهم الأوّل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا[الإسراء]، فقد جاس رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون خلال ديارهم في المدينة، وفي بني قريظة وبني قَيْنُقاع، وبني النّضير، وأجلاهم، ثمّ انقطعت الصّلة بين المسلمين واليهود فترة من الزّمن، ثمّ يقول سبحانه وتعالى عن الإفسادة الثّانية لبني إسرائيل: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾[الإسراء: من الآية 7]، وهذه الإفسادة هي ما نحن بصدده الآن، حيث سيتجمّع اليهود في وطنٍ واحد ليتحقّق وَعْد الله عز وجل بالقضاء عليهم، وهل يستطيع المسلمون أن ينقضُّوا على اليهود وهم في شتيت الأرض؟ لا بُدَّ أنّ الله سبحانه وتعالى أوحى إليهم بفكرة التّجمُّع في وطن قوميّ لهم كما يقولون، حتّى إذا أراد أَخْذهم لم يُفلتوا، ويأخذهم أخْذ عزيز مقتدر، وهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾؛ أي: مجتمعين بعضكم إلى بعض من شَتّى البلاد، وهو ما يحدث الآن على أرض فلسطين.

الآية رقم (105) - وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾: الحقّ هو الشّيء الثّابت الّذي لا يطرأ عليه التّغيير أبداً، أمّا الباطل فهو مُتغيّر مُتلوّن؛ لأنّه زَهُوق، والباطل له ألوان متعدّدة، والحقّ ليس له إلّا لون واحد، لذلك لـمّا ضرب الله سبحانه وتعالى لنا مثلاً للحقّ والباطل، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرّعد]، فإنْ رأيت في عَصْر من العصور خَوَرَاً يصيب أهل الحقّ، وعُلُوّاً يحالف أهل الباطل فلا تغترّ به، فهو عُلُوّ الزَّبَد يعلو صَفْحة الماء، ولا ينتفع النّاس به، وسرعان ما يذهب جُفَاءً.

﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: نلاحظ هنا أنّ ضمير الغائب في: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ لم يتقدَّم عليه شيء يُوضِّحه ويعود إليه، صحيح أنّ الضّمير أعْرفُ المعارف، لكن لا بُدَّ له من مرجع يرجع إليه، وهنا لم يُسبق الضّمير بشيء، كما سُبق بمرجع في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: من الآية 88]، فهنا يعود الضّمير في: ﴿بِمِثْلِهِ﴾ إلى القرآن الكريم الّذي سبق ذكره، نقول: إذا لم يُسبَق ضمير الغائب بشيءٍ يرجع إليه، فلا بُدَّ أن يكون مرجعه مُتعيّناً لا يختلف فيه اثنانِ، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[الإخلاص]، فهو ضمير للغائب لم يسبق بمرجع له؛ لأنّه لا يرجع إلّا إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر لا يُختَلفُ عليه، كذلك في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: القرآن الكريم؛ لأنّه شيءٌ ثابت مُتعيّن لا يُختَلف عليه، وجاء الفعل (أنزل) للتّعدية، فكأنّ الحقّ سبحانه وتعالى كان كلامه وهو القرآن الكريم محفوظاً في اللّوح المحفوظ، إلى أنْ يأتيَ زمان مباشرة القرآن الكريم لمهمّته، فأنزله الله عز وجل جملة واحدة من اللّوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[القدر]، وهذا هو المراد من قوله ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، ثمّ نُنزِّله مُنَجَّماً حَسْب الأحداث في ثلاث وعشرين سنة مُدَّة الدّعوة كلّها.

﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: أي: نحن، فالمراد الحقّ سبحانه وتعالى هو الّذي حفظه في اللّوح المحفوظ، وهو الّذي أنزله، وأنزله على الأمين من الملائكة الّذي اصطفاه لهذه المهمّة، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾[الشّعراء]؛ أي: جبريل عليه السلام الّذي كرَّمه الله سبحانه وتعالى وجعله روحاً، كما جعل القرآن الكريم روحاً في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾[الشّورى: من الآية 52]، وقال عنه أيضاً: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾[التّكوير]، والكريم لا يكتم شيئاً مِمّا أُوحي إليه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾[التّكوير]، هذه صفات جبريل عليه السلام الّذي نزل بالوحي من الحقّ سبحانه وتعالى.

﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾: الأولى كانت: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: الوسائل الّتي نزل بها كلمة ثابتة، وكلّها حَقٌّ لا رَيْبَ فيه ولا شَكَّ، ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي: مضمونه، وما جاء به منهج، معجزة حقٌّ؛ لأنّه تحدّى الفُصَحاء والبلغاء وأهل اللّغة والعالم فأعجزهم في مراحل التّحدّي كلّها، والقرآن الكريم يحتوي على منهج حقّ، ونزل بما هو حقّ من: إلهيّات وملائكة ونبوّات ومعجزات وأحكام وشرائع وقصص، كلّها حَقٌّ ثابت لا شَكَّ فيه، فنزل الحقّ الثّابت من الله سبحانه وتعالى بواسطة مَنِ اصطفاه من الملائكة بالحقّ وهو جبريل عليه السلام، على مَنِ اصطفاه من النّاس وهو محمّد صلى الله عليه وسلم، وصدق الحقّ سبحانه وتعالى حين قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر]، ونسوق هنا دليلاً عصريّاً على أنّ كتاب الله عز وجل جاء بالحقّ الثّابت الّذي لا يتغيّر على مَرِّ العصور، ففي ألمانيا استحدث أحد رجال القانون قانوناً للتّعسّف في استعمال الحقّ، وظنّوا أنّهم جاؤوا بجديد، واكتشفوا سلاحاً جديداً للقانون ليعاقب مَنْ له حَقّ ويتعسّف في استعمال حقّه، ثمّ سافر إلى هناك محامٍ عربيّ مسلم للدّراسة، فقرأ عن القانون الجديد الّذي ادَّعَوْا السّبق إليه، فأخبرهم أنّ هذا القانون الّذي تدَّعُونه لأنفسكم قانون إسلاميّ ثابت وموجود في سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعمدوا إلى كتب السّيرة، فوجدوا قصّة الرّجل الّذي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ رجلاً له نخلة يمتلكها داخل بيته، أو أنّها تميل في بيته، فأخذها ذريعة وجعل منها مسمار جحا، وأخذ يقتحم على صاحب البيت بيته بحجّة أنّه يباشر نخلته، فماذا كان حكم الرّسول صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة؟ هذا الرّجل له حَقٌّ في النّخلة، فهي مِلْكٌ له لكنّه تعسَّف في استعمال حقّه، وأتى بما لا يليق من المعاملة، فالمفروض ألَّا يذهب إلى نخلته إلَّا لحاجة، مثل: تقليمها، أو تلقيحها، أو جمع ثمارها، لقد أحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرّجل وطلب منه أن يهبَ له هذه النّخلة، أو أنْ يبيعها له، وإمّا تُقطَع..، أليس ذلك من الحقّ الذي سبق به الإسلام؟ وأليس دليلاً على استيعاب شرع الله عز وجل لكلّ كبيرة وصغيرة في حياة النّاس؟ أَضِفْ إلى ذلك ما قاله بعض العلماء من أهل الإشراقات في معنى: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: وعلى الحقّ الّذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل القرآن الكريم كما تقول: ذهبت إلى حلب ونزلت بفلان؛ أي: نزلت عنده أو عليه.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾: والبشارة تكون بالخير، والنّذارة تكون بالشّرّ، ويُشترط في التّبشير والإنذار أن تُعطَى للمبشَّر أو للمُنْذَر فرصة يراجع فيها نفسه، ويُعدّل من سلوكه، وإلّا فلا فائدة، ولا جدوى منهما، فتُبشّر بالجنّة وتُنذَر بالنّار في مُتَّسَع من الوقت ليتمكّن هذا من العمل للجنّة، ويتمكّن هذا من الإقلاع عن سبيل النّار، فالمعنى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية].

الآية رقم (106) - وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً

﴿فَرَقْنَاهُ﴾: أي: فصّلناه، أو أنزلناه مُفرّقاً مُنجّماً حَسْب الأحداث.

﴿عَلَى مُكْثٍ﴾: على تمهُّل وتُؤدَة وتأنٍّ.

وقد جاءت هذه الآية للردِّ على الكفّار الّذين اقترحوا أن ينزل القرآن الكريم جملة واحدة، كما قال سبحانه وتعالى حكاية عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾[الفرقان]؛ أي: نَزَّلْنَاه مُرتّلاً مُفرّقاً آيةً بعد آية، والرّتل: هو المجموعة من الشّيء، كما نقول: رتل من السّيّارات، وهكذا نزل القرآن الكريم مجموعة من الآيات بعد الأخرى، وهذه الطّريقة في التّنزيل تُيسِّر للصّحابة حِفْظ القرآن الكريم وفَهْمه والعمل به.

فكيف كانت معالجة هذه الآفة الّتي تمكّنتْ من النّاس لو نزل القرآن الكريم جملة واحدة؟ إنّ الحقّ سبحانه وتعالى بنزول القرآن الكريم مُفَرّقاً مُنجّماً حَسْب الأحداث، كأنّه يُجري مشاركة بين آيات التّنزيل والمنفعلين بها الّذين يُصِرّون على تنفيذ مطلوباتها، حتّى إنّهم ليبادرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسّؤال، مع أنّه صلى الله عليه وسلم قد نهاهم أن يبدؤوه بالسّؤال، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾[المائدة: من الآية 101]، فالقرآن الكريم نزل مُفرّقاً مُنجّماً عبر ثلاث وعشرين سنة على قلب النّبيّ صلى الله عليه وسلم حسب الأحداث ليكون هناك انفعال معها، وأحياناً تنزل الآيات إجابة على تساؤلات بعضهم، فالقرآن الكريم موجودٌ منذ الأزل، ولكنّ مشيئة الله سبحانه وتعالى أن ينزل من السّماء الدّنيا مفرّقاً: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾[الفرقان: من الآية 32].

الآية رقم (107) - قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا

﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾: آمنوا: أمر، ولا تؤمنوا: نَهْي، والأمر والنّهي نوعان من الطّلب، والطّلب أن تطلب من الأدنى أن يفعل، والنّهي أنْ تطلبَ من الأدنى ألَّا يفعل، فإنْ كان الطّلب من مُساوٍ لك فهو التماس، وإنْ كان من أعلى منك فهو دعاء، لذلك حينما نقول للطّالب أعرب: (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ)، يقول: اغفر: فعل أمر، نقول له: أنت سطحيّ العبارة؛ لأنّ الأمر هنا من الأدنى للأعلى، من العبد لربّه عز وجل، فلا يقال: أمر، إنّما يقال: دعاء، والطّاعة أن تمتثل الأمر والنّهي، فهل نقول في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ أنّها للتّخيير، فإنْ آمنوا فقد أطاعوا، وكذلك إنْ لم يؤمنوا فقد أطاعوا أيضاً؟ الجواب: بالتّأكيد لا، فالأمر والنّهي هنا لا يُراد منه الطّلب، بل يراد به التّهديد أو التّسوية، كما تقول لابنك حين تلاحظ عليه الإهمال: ذاكر أو لا تذاكر، أنت حرّ، ولا شكّ في أنّك لا تقصد النّهي عن المذاكرة، بل تقصد تهديده وحثّه على المذاكرة، فقوله: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ للتّسوية، كما قال عز وجل: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: من الآية 29]، فهذا ليس أمراً بحيث أنّ الّذي يفعل الأمر أو النّهي يكون طائعاً، بل المراد هنا التّهديد أو التّسوية.

﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: أي: أتباع الرّسالات السّابقة الّذين نزلت عليهم الكتب السّماويّة، وقرؤوا التّوارة والإنجيل.

﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: أي: القرآن الكريم.

﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: كلمة: ﴿يَخِرُّونَ﴾ توحي بأنّهم يسارعون إلى السّجود، وكأنّها عمليّة انفعاليّة غير إراديّة، فبمجرّد سماع القرآن الكريم يرتمون على الأرض ساجدين؛ لأنّهم تفاعلوا معه، واختمر الإيمان في نفوسهم.

﴿لِلْأَذْقَانِ﴾: جمع ذَقن، وهي أسفل الفَكِّ السّفليّ، ومعلومٌ أنّ السّجود يكون على الجبهة، أمّا هؤلاء فيسجدون بالوجه كلّه، وهذا دليل على الخضوع والاستسلام لله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (108) - وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً

أي: يقولون حال سجودهم: سبحان ربّنا الّذي وَفّى بوعده في التّوراة والإنجيل، وبعث الرّسول الخاتم محمّد صلى الله عليه وسلم ومعه القرآن الكريم، سبحانه فقد حقّق لنا وَعْده وأدركناه.

الآية رقم (109) - وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا

﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾: لقد خَرُّوا ساجدين لله سبحانه وتعالى قبل ذلك؛ لأنّهم أدركوا القرآن الكريم الّذي نزل على محمّد صلى الله عليه وسلم، وهو ما قرؤوه في كتبهم، فإنّهم عاصروا زمن هذا النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أمّا المرّة الثّانية فيخرّون ساجدين لـمّا سمعوا القرآن الكريم تفصيلاً وانفعلوا به، فيكون له انفعال آخر، لذلك يزيد هنا الخشوع والخضوع، فيقول:

﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾: فكلّما قرؤوا آية ازدادوا بها خشوعاً وخضوعاً لله تبارك وتعالى.

الآية رقم (96) - قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

﴿قُلْ﴾: أي: رَدّاً على ما اقترحوه من الآيات وعلى اعتراضهم على بشريّة الرّسول.

﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: الشّهيد إنّما يُطلَب للشّهادة في قضيّة ما، فما القضيّة هنا؟ القضيّة هي قضيّة تعنُّت الكفّار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنّهم طلبوا منه مَا ليس في وُسْعه، والرّسول صلى الله عليه وسلم لا يعنيه المتعنّتون في شيء؛ لأنّ أمره مع ربّه عز وجل؛ لذلك قال: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، فإنْ كانت شهادة الشّاهد في حوادث الدّنيا تقوم على الإخبار بما حدث، وعليها يترتّب الحكم فإنّ شهادة الحقّ سبحانه وتعالى تعني أنّه عز وجل الشّهيد الّذي رأى، والحاكم الّذي يحكم، والسّلطة التّنفيذيّة الّتي تنفِّذ، لذلك قال: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، فهو كافيك هذا الأمر؛ لأنّه كان بعباده ﴿خَبِيرًا﴾ يعلم خفاياهم ويطّلع على نيّاتهم من وراء هذا التّعنُّت، ﴿بَصِيرًا﴾ لا يخفى عليه شيء من أمرهم.     

الآية رقم (97) - وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾: سبق أنْ قُلْنا: إنّ الهداية نوعان:

الأولى: هداية الدّلالة المطلقة الّتي تكون لجميع الخلق المؤمن والكافر، فقد دَلَّ الله سبحانه وتعالى المؤمن والكافر على الطّريق المستقيم، وبيَّنه لهم، وأرشدهم إليه.

والأخرى: هداية التّوفيق والمعونة للقيام بمطلوبات المنهج الّذي آمنوا به، وهذه خاصّة بالمؤمن، فبعد أنْ دَلَّه الله سبحانه وتعالى آمن وصدَّق واعترف لله عز وجل بالفضل والجميل، بأن أنزل له منهجاً ينظّم حياته، فأتحفه الله عز وجل بهداية التّوفيق والمعونة.

فالمولى سبحانه وتعالى يهدي الجميع هداية إرشاد وبيان ودلالة، ويختصّ مَنْ آمن بهداية المعونة والتّوفيق للقيام بمقتضيات المنهج، كما قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾[محمّد]، وقال عن الآخرين: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الصّفّ: من الآية 7]، لكن يهدي العادلين، وقال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصّفّ: من الآية 5]، لكن يهدي الطّائعين، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾[البقرة: من الآية 264]، لكن يهدي المؤمنين، فبيَّن الحقّ سبحانه وتعالى في أساليب القرآن الكريم مَنْ شاء هدايته، أمّا مَنْ آثر الكفر وصمّم ألَّا يؤمن فهو وشأنه، بل ويزيده الله عز وجل من الكفر ويختم على قلبه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾[الأنعام: من الآية 110].

﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾: قلنا: إنّ (مَن) اسم موصول بمعنى (الّذي)، واستخدام (مَن) كاسم موصول لا يقتصر على (الّذي) فقط، بل تستخدم لجميع الأسماء الموصولة: الّذي، الّتي، اللّذان، اللّتان، الّذين، اللّاتي، فنقول: مَنْ جاءك فأكرِمْه، ومَنْ جاءتك فأكرمْها، ومَنْ جاءاك فأكرمهما، ومَنْ جاءتاك فأكرمهما، ومَنْ جاؤوك فأكرمهم، ومَنْ جِئْنَكَ فأكرمْهُنّ، فهذه ستّة أساليب تؤدِّيها (مَنْ)، فهي صالحة للمذكّر والمؤنّث والمفرد والمثنّى والجمع، وعلينا أن نلحظ (مَنْ) في الآية: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾جاءت (مَنْ) دالَّة على المفرد المذكّر، وهي في الوقت نفسه دالّة على المثنّى والجمع والمذكّر والمؤنّث، ونسأل: لماذا جاءت (مَنْ) دالّة على المفرد المذكّر بالذّات دون غيره في مجال الهدى، أمّا في الضّلال فجاءتْ (مَنْ) دالّة على الجمع المذكّر؟ هنا مَلْحظ دقيق يجب تدبُّره: في الاهتداء جاء الأسلوب بصيغة المفرد: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾؛ لأنّ للاهتداء سبيلاً واحداً لا غير، هو منهج الله سبحانه وتعالى وصراطه المستقيم، فللهداية طريقٌ واحد أوضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ»([1])، أمّا في الضّلال، فجاء الأسلوب بصيغة الجمع: ﴿فلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ لأنّ طرق الضّلال متعدّدة ومناهجه مختلفة، فللضّلال ألف طريق، وهذا واضح في قول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: من الآية 153]، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ t، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَطّاً، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ»، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطاً عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ»([2])، فالهداية لها طريقٌ واحد، والضّلال له أَلْف مذهب، وألف منهج؛ لذلك لو نظرتَ إلى أهل الضّلال لوجدتَ لهم في ضلالهم طُرُق، ولكلّ واحد منهم هواه الخاصّ في الضّلال، فعلينا أنْ نقرأ هذه الآية بوعيٍ وتأمُّلٍ وفَهْمٍ لمراد المتكلّم سبحانه وتعالى، ومن هنا تتّضح توقيفيّة القرآن الكريم، حيث دقّة الأداء الإلهيّ الّتي وضعتْ كُلَّ حَرْف في موضعه.

﴿أَوْلِيَاءَ﴾: أي: نُصَراء ومعاونين ومُعينين.

﴿مِنْ دُونِهِ﴾: أي: من بعده.

﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: الحشْر: القيام من القبر والجمع للحساب.

﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: هنا تعجّب بعض الصّحابة، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكيف يسير الإنسان على وجهه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ»([3]).

بل: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، هذا استطراق لوسائل الإهانة، ففضلاً عن مَشْيهم على الوجوه فهم عُمْي لا يروْنَ شيئاً، ولا يهتدون، وهم صُمٌّ لا يسمعون نداءً، وهم بُكْمٌ لا يقدرون على الكلام، ولك أنْ تتصوَّر إنساناً جمعت عليه كلّ هذه الوسائل ليس في يومٍ عاديّ، بل في يوم البعث والنّشور، فإذا به يُفَاجأ بهْول البعث، وقد سُدَّت عليه جميع منافذ الإدراك، فهو في قلب هذا الهَوْل والضّجيج، ولكنّه حائر لا يدري شيئاً، ولا يدرك ما يحدث من حوله.

ولنا هنا لفتة على هذه الآية، فقد ورد في القرآن الكريم كثيراً: (صُمٌّ بُكْم) بهذا التّرتيب إلّا في هذه الآية جاءت: ﴿وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، ومعلوم أنّ الصَّمَم يسبق البَكَم؛ لأنّ الإنسان يحكي ما سمعه، فإذا لم يسمع شيئاً لا يستطيع الكلام، واللّغة بنت السّماع، وهي ظاهرة اجتماعيّة ليستْ جنساً وليست دَمَاً، وسبق أنْ قُلْنا: إنّ الولد الإنجليزيّ إذا تربَّى في بيئة عربيّة يتكلّم بالعربيّة والعكس؛ لأنّ اللّغة ليست جنساً، بل ظاهرة اجتماعيّة تقوم على السّماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللّسان، حتّى العربيّ نفسه الّذي يعيش في بيئة عربيّة، إلّا أنّه لم يسمع هذه الألفاظ الغريبة المتقعِّرة لا يستطيع محاكاتها ولا يعرف معناها، لكن في هذه الآية جاء البكَم أوّلاً، لماذا؟ لأنّه ساعة يُفاجأ بهوْلِ البعث والحشر كان المفروض أن يسأل أوّلاً عَمَّا يحدث، ثمّ يسمع بعد ذلك إجابة على ما هو فيه، لكنّه فُوجئ بالبعث وأهواله، ولم يستطع حتّى الاستفسار عَمَّا حوله، وهكذا سبق البكَم الصَّمَم في هذا الموقف.

وهنا أيضاً اعتراض لبعض المستشرقين ومَنْ يُجارونهم، يقولون: القرآن يقول: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾، فينفي عنهم الرّؤية، وفي آيات أخرى يقول: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾[مريم: من الآية 75]، ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: من الآية 53]، فأثبت لهم الرّؤية، فكيف نجمع بين هذه الآيات؟ والمتأمّل في حال هؤلاء المعذَّبين في موقف البعث يجد أنّ العمى كان ساعة البعث، حيث قاموا من قبورهم عُمْياً لِيتحقّقَ لهم الإذلال والحيرة والارتباك، ثمّ بعد ذلك يعودون إلى توازنهم ويعود إليهم بصرهم ليشاهدوا به ألوان العذاب الخاصّة بهم، وهكذا جمع الله عز وجل عليهم الذّلّ في الحاليْن: حال العمى وحال البصر، لذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾[ق].

﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مأواهم: أي: مصيرهم ونهايتهم.

﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: خَبَتْ: خبت النّار؛ أي: ضَعُفَت أو انطفأتْ، لكن ما دام المراد من النّار التّعذيب، فلماذا تخبو النّار أو تنطفئ؟ أليس في ذلك راحة لهم من العذاب؟ الجواب: إنّ المتأمّل في الآية يجد أنّ خفوت النّار وانطفاءها هو في حَدِّ ذاته لَوْنٌ من العذاب؛ لأنّ استدامة الشّيء يُوطِّن صاحبه عليه، واستدامة العذاب واستمراره يجعلهم في إِلْف له، فإنْ خَبتِ النّار أو هدأتْ فترةً فإنّهم سيظنّون أنّ المسألة انتهت، ثمّ يُفاجئهم العذاب من جديد، فهذا أنكَى لهم وآلم في تعذيبهم، فمن أين عرف العرب هذه النّظريّات العلميّة الدّقيقة؟ ومَنْ أخبر بها الرّسول صلى الله عليه وسلم؟ إنّه لَوْنٌ من ألوان الإعجاز القرآنيّ للعرب ولغيرهم.     

([1]) السُّنّة لابن أبي عاصم: ج1، بَاب 6، الحديث رقم (15).

([2]) مسند الإمام أحمد بن حنبل: مُسْنَدُ الـمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، مُسْنَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ t، الحديث رقم (4142).

([3]) سنن التّرمذيّ: أَبْوَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابٌ: وَمِنْ سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، الحديث رقم (3142).

الآية رقم (98) - ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا

﴿ذَلِكَ﴾: أي: ما حدث لهم من العذاب الّذي نستبشعه.

﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: أي: حاق بهم العذاب عَدْلاً لا ظُلْماً، فإيّاك حين تسمع آيات العذاب هذه أن تأخذَك بهم رَأْفة أو رحمة؛ لأنّهم أخذوا جزاء عملهم وعنادهم وكفرهم، والّذي يُعطِّف قلوب النّاس على أهل الإجرام هو تأخير العقاب، فهناك فَرْقٌ بين العقوبة في وقت وقوع الجريمة، وهي ما تزال بشعةً في نفوس النّاس، وما تزال نارها تشتعل في القلوب، فإنْ عاقبتَ في هذا الجوّ كان للعقوبة معنىً، وأحدثتْ الأثر المرجوّ منها وتعاطفَ النّاس مع المظلوم بدلَ أنْ يتعاطفوا مع الظّالم، وبين تأخير عقوبة المجرم في ساحات المحاكم لعدّة سنين، عندها لا شَكَّ في أنّ الجريمة ستُنْسَى وتبرد نارها، وتتلاشى بشاعتها، ويطويها النّسيان، فإذا ما عوقب المجرم فلن يبدو للنّاس إلَّا ما يحدث من عقوبته، فترى النّاس يرأفون به ويتعاطفون معه، فعلينا أن نحذر أن تأخذنا رأفة بهذا الأمر؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الأعلم، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النّور: من الآية 2]، ثمّ يوضّح سبحانه وتعالى حيثيّة هذا العذاب:

﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾: والآيات تُطلق على الآيات الكونيّة، أو على آيات المعجزات المؤيّدة لِصِدْق الرّسول، أو آيات القرآن الكريم الحاملة للأحكام، وقد وقع منهم الكفر بالآيات كلّها، فكفروا بالآيات الكونيّة، ولم يستدلّوا بها على الخالق سبحانه وتعالى، ولم يتدبّروا الحكمة من خَلْق هذا الكون البديع، وكذلك كفروا بآيات القرآن الكريم ولم يُؤمنوا بما جاءتْ به، وهذا كلّه يدلُّ على نقص في العقيدة، وخَلَل في الإيمان الفطريّ الّذي خلقه الله سبحانه وتعالى فيهم، وكذلك كذَّبوا بمعجزات الرّسول صلى الله عليه وسلم، فدلَّ ذلك على خَلَل في التّصديق، ومن باطن هذا الكفر ومن نتائجه أنْ قالوا:

﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: وهذا القول منهم تكذيبٌ لآيات القرآن الكريم الّتي جاءتْ على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخبرهم أنّهم مبعوثون يوم القيامة ومُحاسَبُون، وهم بهذا القَوْل قد نقلوا الجدل إلى مجال جديد هو: البعث بعد الموت.

﴿عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾: الرّفات: هو الفُتَات وَزْناً ومعنىً، وهو: الشّيء الجافّ الّذي تكسّر؛ لذلك جاءت بالتّرتيب، هكذا: عظاماً ورُفَاتاً؛ لأنّ جسم الإنسان يتحلّل وتمتصُّ الأرض عناصر تكوينه، ولا يبقى منه إلّا العظام، وبمرور الزّمن تتكسّر هذه العظام، وتتفتّتْ وتصير رفاتاً، وهم يستبعدون البعث بعد ما صاروا عظاماً ورفاتاً.

﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾: الهمزة هنا استفهام يُفيد الإنكار، فلماذا ينكر هؤلاء مسألة البعث بعد الموت؟ فمثلاً: علماء الجيولوجيا والحَفْريات يقولون: إنّ الأشياء المطمورة في باطن الأرض تتغيّر بمرور الزّمن، وتتحوّل إلى موادّ أخرى، ففيها حركة وتفاعل، أو قُلْ: فيها حياة خاصّة بها تناسبها، فليست الحياة قاصرة على حركتنا في الحياة الدّنيا، بل للحياة معنى آخر أوسع بكثير من الحياة الّتي يفهمها هؤلاء، فالإنسان الحيّ مثلاً له في مظهريّة أموره حالتان: حالة النّوم وحالة اليقظة، فحياته في النّوم محكومة بقانون، وحياته في اليقظة محكومة بقانون، هذا وهو ما يزال حيّاً يُرزَق، فعندما نخبرك أنّ لك قانوناً في الموت وقانوناً في البعث فعليك أنْ تُصدِّق، ألم تَرَ النّائم وهو مُغْمَض العينين يرى الرّؤيا، ويحكيها بالتّفصيل وفيها حركة وأحداث وألوان، وهو يدرك هذا كلّه وكأنّه في اليقظة؟ حتّى مكفوف البصر الّذي فقد هذه الحاسّة، هو أيضاً يرى الرّؤيا كما يراها المبصر تماماً ويحكيها لك، يقول: رأيتُ كذا وكذا، كيف وهو في اليقظة لا يرى؟ نقول: لأنّ للنّوم قانوناً آخر، وهو أنّك تدرك بغير وسائل الإدراك المعروفة، ولك في النّوم حياة مستقلّة غير حياة اليقظة، وقد ترى الرّؤيا تحكيها لصاحبك في نصف ساعة، في حين أنّ العلماء توصّلوا إلى أنّ أقصى ما يمكن للذّهن متابعته في النّوم لا يتجاوز سبع ثوان، ممّا يدلُّ على أنّ الزّمن في النّوم مُلْغى، كما أنّ أدوات الإدراك ملغاة، فحياتك في النّوم غير حياتك في اليقظة، وكذلك في الموت لنا حياة، وفي البعث لنا حياة، ولكلٍّ منهما قانون يحكمها بما يتناسب معها، وقد يقول قائلٌ عن الرُّؤَى: إنّها مجرّد تخيُّلات لا حقيقةَ لها، لكن يَرُدّ هذا القول ما نراه في الواقع من صاحب الرُّؤْيا الّذي يحكي لك أنّه أكل طعاماً، أو شرب شراباً ما يزال طَعْمه في فمه، وهكذا، فهذا يُكذِّب هذه الأقوال، فالحقّ سبحانه وتعالى يريد أنْ يُوضّح لنا أنّنا في النّوم لنا حياة خاصّة وقانون خاصّ، لنأخذ من هذا دليلاً على حياة أخرى بعد الموت.

والعلماء قالوا في هذه المسألة بظاهرة المتواليات، والمراد بها: إذا كانت اليقظة لها قانون، والنّوم له قانون ألطف وأخفّ من قانون اليقظة، فبالتّالي للموت قانون أخفّ من قانون النّوم، وللبعث قانون أخفّ من قانون الموت، وقد حَسَم القرآن الكريم هذه القضيّة في قوله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص: من الآية 88]؛ أي: كلُّ ما يُقَال له شيء في الوجود هالك إلّا الله سبحانه وتعالى فهو الباقي، والهلاك ضدّه الحياة، بدليل قوله عز وجل: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: من الآية 42]، فلكلّ شيء مهما صَغُر في كَوْن الله عز وجل حياة خاصّة تناسبه قبل أنْ يعتريه الهلاك، فنستطيع القول: بأنّ للعظام وللرّفات حياةً، ولك أيّها المنكر وجود حتّى بعد أنْ صِرْتَ رُفاتاً، فشيء منك موجود يمكن أن يكون نواةً لخلْقِك من جديد، وبمنطق هؤلاء المنكرين: أيّهما أهوَنْ في الخَلْق، الخَلْق من شيءٍ موجود، أم الخَلْق ابتداءً؟ وقد ردّ عليهم الحقّ سبحانه وتعالى بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق]؛ أي: في علمه سبحانه وتعالى عدد ذرّات كلّ مِنّا، وكم في تكوينه من موادّ، لا ينقص من ذلك شيء، وهو سبحانه وتعالى قادرٌ على جمع هذه الذّرّات مرّة أخرى، وليس أمره عز وجل متوقّفاً على العلم فقط، بل عنده كتاب دقيق يحفظ التّفاصيل كلّها، ولا يغيب عنه شيء، وقال عز وجل كذلك في الرّدّ عليهم: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [ق]؛ أي: في خَلْط وشَكٍّ وتردُّد، وقد ناقشنا كثيراً حول هذا الأمر.

﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾: إنّهم يستبعدون البعث من جديد؛ لذلك فالحقّ سبحانه وتعالى يجاري هؤلاء ويتسامح معهم، فيقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الرّوم: من الآية 27]، فإعادة شيء كان موجوداً أسهلُ وأهونُ من إيجاده مِنْ لا شيء، والحديث هنا عن بَعْث الإنسان، هذا المخلوق الّذي أبدعه الخالق سبحانه وتعالى، وجعله سيّد هذا الكون، وجعل عمره محدوداً، فما بالكم تنشغلون بإنكار بعث الإنسان عن باقي المخلوقات وهي أعظم الخَلْقِ في الإنسان، وأطول منه عُمراً؟! فإنكار البعث هو إنكار للإيمان بالله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (99) - أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: إذا جاءت همزة الاستفهام بعدها واو العطف وبعدها نفي، فاعلم أنّ الهمزة دخلتْ على شيءٍ محذوف، فتقدير الكلام هنا: أيقولون ذلك، ويستبعدون البعث، ولم يَرَوْا أنّ الله سبحانه وتعالى الّذي خلق السّموات والأرض قادر على أنْ يخلق مثلهم؟!

﴿مِثْلَهُمْ﴾: أي: يخلقهم ويُعيدهم من جديد؛ لأنّ الخَلْق إنشاء جديد، فهُمْ خَلْق جديد مُعَادٌ، فالمثليّة هنا في أنّهم مُعَادون، أو يكون المراد ﴿مِثْلَهُمْ﴾؛ أي: ليسوا هم، بل خَلْق مختلف عنهم على اعتبار أنّهم كانوا في الدّنيا مختارين، ولهم إرادات، أمّا الخلق الجديد في الآخرة وإنْ كان مثلهم في التّكوين إلّا أنّه عاد مقهوراً على كلّ شيء لا إرادةَ له؛ لأنّه الآن في الآخرة الّتي سينادي فيها الخالق سبحانه وتعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾[غافر: من الآية 16].

﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: أي: أنّ القيامة الّتي كذَّبوا بها وأنكروها واقعة لا شكّ فيها، لكنّ هؤلاء مهما أتيتَ لهم بالأدلّة، ومهما ضربتَ لهم الأمثلة، فإنّهم مُصمِّمون على الإنكار؛ لأنّ الإيمان سيسلبهم ما هم فيه من السّيادة والفساد والطّغيان، وسيُسوّي بينهم وبين بقيّة النّاس، وسيُقيّد حرّيّتهم فيما كانوا فيه من ضلال وفساد، لكنّ هؤلاء السّادة والعظماء الّذين تأبَّوْا على الإيمان، وأنكروا البعث خوفاً على مكانتهم وسيادتهم، ألم يتعرَّضوا لظلمٍ من أحد في الدّنيا؟ ألم يعتَدِ عليهم أحد؟ ألم يسرق منهم أحد ولم يتمكّنوا من الإمساك به ومعاقبته؟ لقد كان أَوْلَى بهم الإيمان بالآخرة، حيث تتحقّق عدالة العقاب، وينالون حقوقهم مِمَّنْ ظلمهم، أو اعتدى عليهم.

ثمّ ينتقل السّياق القرآنيّ إلى موضوعٍ جديد، حيث يقول سبحانه وتعالى:

الآية رقم (100) - قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا

﴿قُلْ﴾: أمر من الله سبحانه وتعالى أنْ يقولَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأمّته هذا الكلام.

﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾: الخزائن: هي ما يُحفظ بها الشّيء النّفيس لوقته، فالخزائن مثلاً لا نضع فيها التّراب، بل الأشياء الثّمينة ذات القيمة.

﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾: أي: خَيْرات الدّنيا من لَدُن آدم عليه السلام وحتّى قيام السّاعة، وإنْ من شيء يحدث إلى قيام السّاعة إلّا عند الله سبحانه وتعالى خزائنه، فهو موجود بالفعل، ظهر في عالم الواقع أم لم يظهر: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: من الآية 21]؛ أي: أنّه موجود في عِلْم الله عز وجل، إلى حين الحاجة إليه.

﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾: أي: لو أنّ الله سبحانه وتعالى ملَّك خزائن خيراته ورحمته للنّاس، فأصبح في أيديهم خزائن لا تنفد، ولا يخشى صاحبها الفقر، لو حدث ذلك لأمسك الإنسان وبخِلَ وقَتَر خوف الفقر؛ لأنّه جُبِل على الإمساك والتّقتير حتّى على نفسه، وخوف الإنسان من الفقر ولو أنّه يملك خزائن رحمة الله عز وجل الّتي لا نفادَ لها ناتج عن عدم مقدرته على تعويض ما أَنفق؛ ولأنّه لا يستطيع أنْ يُحدِث شيئاً، والبخل يكون على الآخرين، فإنْ كان على النّفس فهو التّقتير، وهو أمرٌ مُخزٍ، فقد يقبل أن يُضَيِّق الإنسانُ على غيره، أمّا أنْ يُضيّق على نفسه فهذا منتهى ما يمكن تصوّره.      

الآية رقم (93) - أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً

﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: البيت: هو المكان المعدّ للبيتوتة، والزّخرف: أي: الـمُزَيَّن، وكان الذّهب وما يزال أجمل أنواع الزّينة؛ لأنّ كلّ زُخْرف من زخارف الزّينة يطرأ عليه ما يُغيِّره فيبهت لونه، وينطفئ بريقه، وتضيع ملامحه إلّا الذّهب، ونرى الّذين يُحبُّون أن ينافقوا نفاقَ الحضارات، ويتبارَوْنَ في زخرفة الصّناعات يُلصِقون على المصنوعات الخشبيّة مثلاً طبقة أو قشرة من الذّهب؛ لتظلَّ محتفظة بجمالها.

﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾: أي: يكون لك سُلَّم تصعد به في السّماء، ويظهر أنّهم تسرّعوا في هذا القول، ورَأَوْا إمكانيّة ذلك، فسارعوا إلى إعلان ما تنطوي عليه نفوسهم من عناد: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾، وكأنّهم يُبيِّتون العناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم كاذبون في الأولى وكاذبون في الثّانية، ولو نزَّل الله عز وجل عليهم الكتاب الّذي أرادوا ما آمنوا، وقد رَدَّ عليهم الحقّ سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام].

وانظر إلى ردّ القرآن الكريم على هذا التّعنّت السّابق كلّه:

﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾: وكلمة: ﴿سُبْحَانَ﴾ كلمة التّنزيه العُلْيا للحقّ سبحانه وتعالى، وقد تحدَّى بها الكون كلّه؛ لأنّها كلمة لا تُقَال إلّا لله عز وجل، ولم يحدث أبداً بين النّاس أنْ قالها أحدٌ لأحد، مع ما في الكون من جبابرة وعُتَاة، يحرص النّاس على منافقتهم وتملُّقهم، وهذه كلمة اختياريّة يمكن أن يقولها كلّ إنسان، لكن لم يجرؤ أحد على قَوْلها لأحد، هذا لم يحدث؛ لأنّ المتكلّم هو الله ربُّ العالمين.

ومن هذا التّحدّي أنّ الحقّ عز وجل له صفات وله أسماء، الأسماء مأخوذة من الصّفات، إلّا اسم واحد مأخوذ للذّات، هو لفظ الجلالة (Q)، فهو عَلَم على الذّات الإلهيّة لم يُؤخَذ من صفة من صفاته سبحانه وتعالى، فالقادر والغفور والحيّ والقيوم وغيرها من الأسماء مأخوذة من صفات، إنّما (Q) عَلَم على الذّات الجامعة لهذه الصّفات كُلِّها، لذلك تحدَّى الخالق سبحانه وتعالى الخَلْق جميعهم، وقد أعطاهم الحرّيّة في اختيار الأسماء أنْ يُسمُّوا أنفسهم أو أبناءهم بهذا الاسم (Q)، ويعلن هذا التّحدّي في كتابه الكريم فيقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾[مريم: من الآية 65]؟ ومع ذلك لم يجرؤ أحدٌ على ذلك أبداً.

﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾؛ لأنّ الأمور الّتي طلبوها أمورٌ بلغتْ من العجب حَدَّاً، ولا يمكن أن يُتعجّب منها إلّا بــ (سبحان الله)؛ لأنّها كلمة التّعجُّب الوحيدة الّتي لا تُطلَق لغير الله عز وجل، وكأنّه أرجع الأمور كلّها لله عز وجل، ولقد كان لهم غِنىً عن ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى الّذي نزل إليهم.

﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾: هل ادّعيْتُ لكم أَنِّي إله؟! ما أنا إلّا بشر أبلّغكم رسالة ربّي، وأفعل ما يأمرني به، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾[يونس: من الآية 15].

الآية رقم (94) - وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً

أي: ما منعهم من الإيمان إلّا أن يكون الرّسول بشراً، هذه هي القضيّة الّتي وقفت في حلوقهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾؟ والمتأمِّل في مسألة التّبليغ عن الله سبحانه وتعالى يجد أنّها لا يمكن أنْ تتمّ إلّا ببشر، فكيف يُبلّغ البشر جنس آخر؟ وكيف يكون أسوة للنّاس إذا كان من الملائكة؟ ولا بُدَّ للتّلقِّي عن الله عز وجل من وسائط بين الحقّ سبحانه وتعالى وبين النّاس؛ لأنّ البشر لا يستطيع أنْ يتلقّى عن القُوّة العليا مباشرة، فهناك مراحل: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشّورى]، لكنّ الرّسول البشريّ كيف يُكلِّم الله عز وجل؟ لا بُدَّ أنْ نأتي برسولٍ من الجنس الأعلى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾[الحجّ: من الآية 75] وهذه مرحلة، ثمّ يصطفي رسولاً من البشر يتلقّى عن الملَكِ كي يستطيع أنْ يُبلِّغ النّاس؛ لأنّ النّاس لا يقدرون على اللّقاء المباشر مع الملائكة، والمهمّ هو الأسوة السّلوكيّة من بشر لبشر، هؤلاء البشر يتمتّعون بصفات وأخلاق تكون عنواناً للجميع، فماذا يُزعجكم في أنْ يكون الرّسول بشراً؟ ولماذا تعترضون على هذه المسألة وهي أمرٌ طبيعيٌّ؟ يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾[يونس: من الآية 2].  

الآية رقم (95) - قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً

﴿قُلْ﴾: أي: رَدَّاً عليهم، لو أنّ الملائكة يمشون في الأرض مطمئنّين لَنزَّلنا عليهم مَلَكاً رسولاً لكي يكون من طبيعتهم، فلا بُدَّ أنْ يكون المبلِّغ من جنس المبلَّغ، وهذا واضح في حديث جبريل عليه السلام الطّويل حينما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن بعض أمور الدّين لِيُعلّم الصّحابة: ما الإحسان؟ ما الإيمان؟ ما الإسلام، فيأتي جبريل عليه السلام مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة رجلٍ من أهل البادية، وبعد أنْ أدَّى مهمّته انصرف دون أنْ يشعر به أحد، فلمّا سألوا عنه قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»([1]).

شيء آخر يقتضي بشريّة الرّسول، وهو أنّ الرّسول أسوة سلوك لقومه، كما قال عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: من الآية 21]، فكيف تتمّ هذه الأسوة؟ وكيف يقتدي النّاس بها إنْ كان الرّسول مَلَكاً؟ فالرّسول عندما يُبلِّغ منهج الله سبحانه وتعالى عليه أنْ يُطبّق هذا المنهج في نفسه أوّلاً، فلا يأمرهم أمراً، وهو عنه بِنَجْوَة، بل هو إمامهم في القول والعمل، لذلك كان سيّدنا عمر رضي الله عنه إذا أراد أن يُقنّن قانوناً ويرى أنّه سيتعب بعض الظّالمين والمنحرفين يجمع أهله ويخبرهم بما أراد، ثمّ يُحذّرهم من المخالفة: “فو الذي نفسي بيده، مَنْ خالفني منكم إلى شيء لأجعلنّه نكَالاً للمسلمين، وأنا أوّل مَنْ أُطبِّقه على نفسي”.     

([1]) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، بَابُ معرفة الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، والقَدَرِ وَعَلَامَةِ السَّاعَةِ، الحديث رقم (8).

الآية رقم (84) - قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: أي: أنّ كلّ إنسانٍ يعمل على طريقته، وعلى طبيعته، وعلى مقدار ما تكوّنت به من خلايا الإيمان، أو من خلايا إيمان اختلطت بخلايا عصيان، أو بما عنده من خلايا كفر، فالنّاس مختلفون وليسوا على طبعٍ واحد، فلا تحاول أن تجعل النّاس على طبعٍ واحد.

وما دام الأمر كذلك، فليعمل كلّ واحدٍ على شاكلته، وحسب طبيعته، فإنْ أساء إليك إنسان سيّئ الطّبع فلا تقابله بسوء مثله، ولتعمل أنت على شاكلتك، ولتقابله بطبع طيّب؛ لذلك يقولون: لا نُكافئ مَنْ عصى الله فينا بأكثر من أنْ نُطيع الله فيه، وبذلك يستقيم الميزان في المجتمع، ولا تتفاقم فيه أسباب الخلاف.

﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ﴾: والرّبُّ: المتولّي للتّربية، والمتولّي للتّربية لا شكّ في أنّه يعلم خبايا المربَّى، ويعلم أسراره ونيّاته، كما قال عز وجل: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك].