الآية رقم (120) - إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

بعد أن ذكرتْ الآيات طرفاً من سيرة اليهود، وطرفاً من سيرة أهل مكّة تعرَّضتْ لخليل الله إبراهيم عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام، والسّؤال: لماذا إبراهيم عليه السلام بالذّات دون سائر الأنبياء؟ ذلك لأنّه أبو الأنبياء، وجميعهم يتحدّثون أنّهم من نسل إبراهيم عليه السلام، والرّسالات كلّها الّتي أتت بعد سيّدنا إبراهيم عليه السلام تنسب نفسها إليه، فجاءت الآية الكريمة تحلّل شخصيّته عليه السلام، وتُوضِّح صفاته، وتردُّ وتُبطِل مزاعم اليهود في إبراهيم عليه السلام، وصفاته هي:

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾: الأُمَّةُ في معناها العامّ: الجماعة، وسياق الحديث هو الّذي يُحدِّد عددها، فنقول مثلاً: أمّة الشّعراء؛ أي: جماعة الشّعراء، وقد تكون الأمّة جماعةً قليلة العدد، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: من الآية 23]، فسُمّي جماعةٌ من الرّعاة الّذين كانوا موجودين حينها أمّة؛ لأنّهم خرجوا لغرضٍ واحدٍ، وهو سَقْي دوابّهم، وتُطلَق الأمّة على جنسٍ في مكان، كأمّة العرب، أمّة الرّوم، أمّة الفرس.. إلخ، وقد تُطلِق على جماعةٍ تَتْبَعُ نبيّاً من الأنبياء، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾  [فاطر: من الآية 24]، وحين نتوسَّع في معناها نجدها في رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم تشمل الأمم جميعها؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم أُرسِل إلى النّاس كافّة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: من الآية 92]؛ أي: جامعة للأمم كلّها، فالمعنى أنّ إبراهيم عليه السلام يقوم مقام أمّة كاملة؛ لأنّ الكمالات المطلقة لله سبحانه وتعالى وحده، والكمالات الموهوبة من الله عز وجل لخلْقه في الرّسل هي كمالاتٌ بشريّةٌ موهوبةٌ من الله سبحانه وتعالى، أمّا ما دون الرّسل فقد وُزِّعت عليهم هذه الكمالات، فأخذ كلّ إنسانٍ واحداً منها، فهذا أخذ الحلم، وهذا الشّجاعة، وهذا الكرم.. إلخ، وهكذا لا تجتمع الكمالات إلّا في الرّسل الكرام، فإذا نظرنا إلى إبراهيم عليه السلام وجدنا فيه من المواهب ما لا يُوجد إلّا في أمّةٍ كاملةٍ، كذلك كان رسولنا محمّد صلى الله عليه وسلم حينما حَدَّد موقعه بين رسالات الله سبحانه وتعالى في الأرض، يقول: «الخَيْرُ فيَّ وَفِي أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»([1])؛ «الخَيْرُ فيَّ»: هذا هو الكمال البشريّ الّذي أعطاه الله سبحانه وتعالى إيّاه، «وَفِي أُمَّتِي»: أي: أنّ كلّ واحدٍ منهم أخذ جزءاً من هذا الكمال، فكأنّ كماله صلى الله عليه وسلم مُبعثرٌ في أمّته كلّها، لذلك حين نتتبّع تاريخ إبراهيم عليه السلام في كتاب الله سبحانه وتعالى نجد كلّ موقفٍ من مواقفه يُعطِينا خَصْلةً من خصال الخير، وصِفةً من صفات الكمال، فإذا جمعنا هذه الصّفات وجدناها لا توجد إلّا في أمّةٍ بأسْرها، فهو إمامٌ وقدوةٌ جامعةٌ لخصال الخير كلّها، وأنّه عليه السلام يقوم مقام أمّة في عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته.

﴿ قَانِتًا لِلَّهِ﴾: أي: خاشعاً خاضعاً لله سبحانه وتعالى في عبادته.

﴿ حَنِيفًا ﴾: الحنف في الأصل: الميْل، وقد جاء إبراهيم عليه السلام والكون على فسادٍ واعوجاجٍ في تكوين القيم، فمالَ إبراهيمُ عليه السلام عن هذا الاعوجاج، وحَادَ عن هذا الفساد، والله سبحانه وتعالى لا يبعث الرّسل -عليهم السّلام- إلّا إذا عَمَّ الفساد، فميْله عن الاعوجاج والفساد، معناه أنّه كان مستقيماً معتدلاً على الدّين الحقّ، مائلاً عن الاعوجاج، حائداً عن الفساد.

ثمّ يُنهي المولى سبحانه وتعالى الآية بقوله:

﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: وهذه هي الصّفة الرّابعة لخليل الله إبراهيم عليه السلام بعد أن وصفه بأنّه كان أمّةً قانتاً لله حنيفاً، وجميعها تنفي عنه الشّرك بالله عز وجل، فما فائدة نَفْي الشّرك عنه مرّةً أخرى في قوله: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؟! يجب أنْ نُفرّق بين أنواع الشّرك، فمنه الشّرك الأكبر، وهو أن تجعل لله سبحانه وتعالى شركاء، وهو القمّة في الشّرك، ومنه الشّرك الخفيّ، بأن تجعل للأسباب الّتي خلقها الله سبحانه وتعالى دَخْلٌ في تكوين الأشياء، فالآية هنا: ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: الشّرك الخفيّ، عن شدّاد بن أوس رضي الله عنه قال: بينما أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رأيت بوجهه أمراً ساءني فقلت: بأبي وأمّي يا رسول الله، ما الّذي أرى بوجهك؟ قال: «أَمْرٌ أَتَخَوَّفُهُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي»، قلت: وما هو؟ قال: «الشِّرْكُ وَشَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ»، قال: قلت: يا رسول الله، أتُشرك أمّتك من بعدك؟ قال: «يَا شَدَّادُ، أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْساً وَلَا قَمَراً وَلَا وَثَناً وَلَا حَجَراً، وَلَكِنْ يُرَاءُونَ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّيَاءُ شِرْكٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»([2])، فعندما تعمل عملاً تريد منه غير الله سبحانه وتعالى فهذا شركٌ خفيٌّ، فالأوصاف السّابقة نفتْ عنه الشّرك الأكبر، فأراد سبحانه وتعالى أن ينفي عنه شركَ الأسباب أيضاً، وهو دقيقٌ خفيٌّ، ولذلك عندما أُلقِيَ عليه السلام في النّار لم يلتفت إلى الأسباب وإنْ جاءت على يد الملَك جبريل عليه السلام، فقال له حينما عرض عليه المساعدة: أمّا إليك فلا، وأمّا إلى ربّي فعلمه بحالي يكفي عن سؤالي، فكانت النّتيجة: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾[الأنبياء].

(([1] المقاصد الحسنة للسّخاويّ: حرف الخاء المعجمة، الحديث رقم (468).

([2]) المستدرك على الصّحيحين للحاكم: ج4، ص/366، الحديث رقم (7940).

الآية رقم (121) - شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ﴾: فيه تلميحٌ لأهل مكّة الّذين جحدوا نعمة الله عز وجل وكفروها، وكانت بلدهم آمنةً مطمئنّةً، فلا يليق بكم هذا الكفر والجحود، وأنتم تدَّعُون أنّكم على ملِّة إبراهيم عليه السلام، فإبراهيم عليه السلام لم يكن كذلك، بل كان شاكراً لله سبحانه وتعالى على نعمه.

﴿ اجْتَبَاهُ ﴾: اصطفاه واختاره للنّبوّة، واجتباء إبراهيم عليه السلام كان عن اختبارٍ، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ [البقرة: من الآية 124]؛ أي: اختبره ببعض التّكاليف، فأتمّها إبراهيم عليه السلام على أكمل وجهٍ، فقال له ربّه جل جلاله: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة: من الآية 124].

﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: كيف ذلك؟! بعد هذه الأوصاف الإيمانيّة كلّها تقول الآيات: ﴿وَهَدَاهُ﴾، أليست هذه كلّها هداية؟ نقول: المراد زاده هدايةً؛ أي: هداية المعونة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾[محمّد].

الآية رقم (122) - وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ

﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: يُبيِّن الحقّ سبحانه وتعالى أنّ جزاء إبراهيم عليه السلام عظيمٌ في الدّنيا قبل جزاء الآخرة، والمراد بحسنة الدّنيا محبّة أهل الأديان له، وكثرة الأنبياء -عليهم السّلام- في ذرّيّته، والسّيرة الطّيّبة، والذّكر الحسن، وكلّما صلّينا على سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: اللّهمّ صلِّ على سيّدنا محمّدٍ وعلى آل سيّدنا محمّدٍ كما صلّيت على سيّدنا إبراهيم وعلى آل سيّدنا إبراهيم.. فالذّكر الحسن إلى الآن، وها نحن نتحدّث عن صفاته ومناقبه ونفخر ونعتزّ به، وهذا العطاء من الله سبحانه وتعالى لإبراهيم عليه السلام في الدّنيا؛ لأنّه بَالَغَ في طاعة ربّه وعبادته، وقد طلب إبراهيم عليه السلام من ربّه جل جلاله هذه المكانة، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشّعراء]، ﴿ حُكْمًا ﴾: أي: حكمة أضع بها الأشياء في مواضعها، و﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾: هو الذّكر الطّيّب والثّناء الحسن بعد الموت.

﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾: فإنْ كان هذا جزاء إبراهيم عليه السلام في الدّنيا، فلا شكَّ أنّ جزاء الآخرة أعظم.

الآية رقم (123) - ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

الآيات السّابقة تحدّثت عن سيّدنا إبراهيم عليه السلام بأنّه كان أمّةً قانتاً لله حنيفاً، ولم يك من المشركين، شاكراً لأنعم الله عز وجل، اجتباه وهداه إلى صراطٍ مستقيم.. إلخ.

﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾: يا محمّد.

﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: كأنّ قمّة مناقب إبراهيم عليه السلام وحسناته أنّنا أوحينا إليك يا خاتم الرّسل أن تتّبع ملّته، وملّة إبراهيم: أي: شريعة التّوحيد.

ثمّ يُؤكّد الحقّ سبحانه وتعالى براءة إبراهيم عليه السلام من الشّرك فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾.

الآية رقم (124) - إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

بعد أن تحدَّث المولى سبحانه وتعالى عن سيّدنا إبراهيم أبي الأنبياء، وذكر جانباً من صفاته ومناقبه تكلَّم عن بني إسرائيل في قضيّةٍ خالفوا فيها أمر الله سبحانه وتعالى بعد أن طلبوها بأنفسهم، وكأنّ القرآن الكريم يقول لهم: لقد زعمتم أنّ إبراهيم عليه السلام كان يهوديّاً، فها هي صفات إبراهيم، فماذا عن صفاتكم أنتم؟ أين أنتم من إبراهيم عليه السلام؟! ويعطينا الله سبحانه وتعالى مثالاً عن مخالفتهم لربّهم فيما يأمر به، وأنّهم ليسوا كإبراهيم عليه السلام في اتّباعه، فيذكر ما كان منهم في أمر السّبت.

﴿ السَّبْتُ ﴾: هو يوم السّبت المعروف التّالي للجمعة السّابق للأحد، والسّبت مأخوذٌ من سَبَتَ يَسْبِت سَبْتاً، يعني: سكن واستقرَّ، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النّبأ]، ذلك أنّ بني إسرائيل طلبوا يوماً يرتاحون فيه من العمل، ويتفرّغون فيه لعبادة الله عز وجل، وقد اقترح عليهم نبيّهم موسى عليه السلام أن يكون يوم الجمعة، فهو اليوم الّذي أتمَّ الله سبحانه وتعالى فيه خَلْق الكون في ستّة أيّامٍ، وهو اليوم الّذي اختاره الخليل إبراهيم عليه السلام، ولكنّهم رفضوا الجمعة واختاروا يوم السّبت، وقالوا: إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الدّنيا في ستّة أيّامٍ بدأها بيوم الأحد، وانتهى منها يوم الجمعة، وارتاح يوم السّبت -وكأنّ الله سبحانه وتعالى يتعب ويرتاح- سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوّاً كبيراً، وكذلك نحن نريد أن نرتاح ونتفرّغ لعبادة الله سبحانه وتعالى يوم السّبت، وهكذا كانت رغبتهم واختيارهم، أمّا أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم فقد اختار الله سبحانه وتعالى لها يوم الجمعة، فاليهود طلبوا يوم السّبت واختاروه للرّاحة من العمل والتّفرّغ للعبادة، فهذا مطلبهم، وقد وافقهم ربُّهم سبحانه وتعالى عليه، وأمرهم أنْ يتفرّغوا لعبادته في هذا اليوم، ووافقهم ليكون دليلاً عليهم بأنّهم لن يُوفُوا بما التزموا به وإن اختاروه بأنفسهم، فلو اختار لهم يوماً آخر لاعترضوا عليه كعادتهم، ولكن ها هم يختارونه بأنفسهم، كما أنّ قصّة السّبت مع اليهود جاءت لتخدم قضيّةً عقديّةً عامّةً، هي أنّ الآيات الّتي تأتي مُصدِّقةً للرّسل في البلاغ عن الله سبحانه وتعالى قد تكون من عند الله عز وجل وباختياره سبحانه وتعالى، وقد تكون باختيار المرسَل إليهم أنفسهم، وقد كان من بني إسرائيل أنْ كذَّبوا بهذه وهذه، ولذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾[الإسراء: من الآية 59]؛ أي: لكونهم يقترحون الآية ثمّ يُكذِّبونها، وقصّة السّبت ذُكِرَتْ في مواضع كثيرةٍ، مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف].

لقد نقض اليهود عهدهم مع الله سبحانه وتعالى كعادتهم، وأخلفوا ما التزموا به، وذهبوا للصّيد في يوم السّبت، فكانت تأتيهم الحيتان والأسماك تطفو على سطح الماء كالشّراع، ولا ينتفعون منها بشيءٍ إلّا الحسرة والأسف، فيقولون: لعلّها تأتي في الغد، فيخيّب الله سبحانه وتعالى رجاءهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: من الآية 163]، لا تأتيهم تنكيلاً بهم، وقد سمَّى القرآن الكريم ذلك منهم اعتداءً؛ لأنّهم اعتدوا على ما شرع الله سبحانه وتعالى، قال جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة].

﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾: كلمة: ﴿ اخْتَلَفُوا ﴾ تُوحي بوجود طائفتين متناقضتين في هذه القضيّة، والحقيقة أنّ الخلاف لم يكُنْ بين اليهود بعضهم بعضاً، بل بينهم وبين نبيّهم موسى عليه السلام الّذي اختار لهم يوم الجمعة، فخالفوه واختاروا السّبت، فجعل الله سبحانه وتعالى الخلاف عليهم، فالمعنى: إنّما جُعِل السّبت حُجّةً على الّذين اختلفوا فيه؛ لأنّه أثبت عدوانهم على يوم العبادة، فبعد أن اقترحوه واختاروه انقلب حُجّةً عليهم، ودليلاً لإدانتهم، ولو تأمّلنا قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾، نجد أنّ كلمة: ﴿عَلَى﴾ تدلُّ على الفوقيّة، فكأنّ السّبت جاء ضدّ مصلحتهم، وكأنّ خلافهم مع نبيّهم موسى عليه السلام انقلب عليهم.

الآية رقم (125) - ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ

بعد أن تحدثتْ الآيات عن النّموذج الإيمانيّ الأعلى في الإنسان في شخص أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وجعلتْ من أعظم مناقبه عليه السلام أنّ الله سبحانه وتعالى أمر خاتم رسُله صلى الله عليه وسلم باتّباعه، أخذتْ في بيان الملامح العامّة لمنهج الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾: الحقّ سبحانه وتعالى لا يُوجّه هذا الأمر بالدّعوة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إلّا وهو يعلم أنّه سيُنفِّذ ما أُمِر به، وسيقوم بأمر الدّعوة، ويتحمّل مسؤوليّتها.

﴿ ادْعُ إِلَى ﴾: بمعنى دُلَّ النّاس وأرشدهم.

﴿ سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾ السّبيل هو الطّريق والمنهج.

﴿ بِالْحِكْمَةِ ﴾: الحكمة: وَضْع الشّيء في موضعه المناسب، ولكن لماذا تحتاج الدّعوةُ إلى الله سبحانه وتعالى حكمةً؟ لأنّك لا تدعو إلى منهج الله سبحانه وتعالى إلّا مَنِ انحرف عن هذا المنهج، ومَنِ انحرف عن منهج الله عز وجل تجده أَلِف المعصية وتعوَّد عليها، فلا بُدَّ لك أنْ ترفقَ به لِتُخرجه عمّا أَلِفَ، وتقيمه على المنهج الصّحيح، فالشّدّة والعنف في دعوة الدّين تنفّره؛ لأنّك تجمع عليه شدّتين: شدّة الدّعوة والعنف فيها، وشدّة تَرْكه لما أحبَّ وما أَلِفَ من أساليب الحياة، فإذا ما سلكتَ معه مَسْلَك اللِّين والرِّفق والحكمة، وأحسنت عَرْض الدّعوة عليه طاوعك في أنْ يترك ما كان عليه من مخالفة المنهج الإلهيّ، ومعلومٌ أنّ النّصْح في عمومه ثقيلٌ على النّفس، وخاصّةً في أمور الدّين، فإيّاك أن تُشعِر مَنْ تنصحه أنّك أعلم منه أو أفضل منه، إيّاك أن تواجهه بما فيه من النّقص، أو تحرجه أمام الآخرين؛ لأنّ هذه التّصرّفات من الدّاعية إلى الله سبحانه وتعالى لا تأتي إلّا بنتيجةٍ عكسيّةٍ، فهذه الطّريقة تُثير حفيظة النّاس، وربّما دَعَتْهم إلى المكابرة والعناد، وهذه الطّريقة في الدّعوة هي المرادة من قوله سبحانه وتعالى: ﴿ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾، ويُروى في مقام الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة قصّةٌ دارت بين الحسن والحسين رضي الله عنه، هذه القصّة تجسيدٌ صادقٌ لما ينبغي أنْ يكون عليه الدّاعية إلى الله عز وجل، فيُروى أنّهما رَأيَا رجلاً لا يُحسِن الوضوء، وأرادا أنْ يُعلِّماه الوضوء الصّحيح دون أنْ يجرحَا مشاعره، فما كان منهما إلّا أنّهما افتعلا خصومةً بينهما، كلٌّ منهما يقول للآخر: “أنت لا تُحسِن أنْ تتوضّأ”، ثمّ تحاكما إلى هذا الرّجل أنْ يرى كلّاً منهما يتوضّأ، ثمّ يحكم: أيّهما أفضل من الآخر، وتوضّأ كلٌّ منهما فأحسن الوضوء، بعدها جاء الحُكْم من الرّجل يقول: “كلّ منكما أحسن، وأنا الّذي ما أحسنْتُ”، إنّه الوعظ في أعلى صورةٍ، والقدوة في أحكم ما تكون، مثالٌ آخر للدّعوة يضربه لنا الرّسول صلى الله عليه وسلم، حينما أتاه شابٌّ في فَوْرة شبابه، يشتكي من أشرس الغرائز، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ فَتىً شَابّاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ.. مَهْ، فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟»، قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟»، قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟»، قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟»، قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ»، قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟»، قَالَ: لَا وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ»، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ([1])، هكذا تجرّأ الشّابّ ولم يُخْفِ عِلّته، وهكذا لجأ إلى الطّبيب ليطلب الدّواء صراحةً، ومعرفة العلّة أوّلَ خطوات الشّفاء، فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل نهره؟ لننظر إلى منهج الدّعوة، كيف يكون، وكيف استلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم داء الزّنا من نفس الشّابّ؟ فلم يزجره، ولم ينهره، ولم يُؤذه، بل أخذه وربَّت على كتفه في لطفٍ ولينٍ، فلنتأمّل هذا التّلطُّف في بيان الحكم الصّحيح، فمعالجة الأدواء في المجتمع تحتاج إلى فقهٍ ولباقةٍ ولينٍ وحكمةٍ وحُسْن تصرّفٍ، إنّنا نرى حتّى أولئك الّذين لا يؤمنون حينما يصنعون دواءً مُرّاً يغلّفونه بغُلافة رقيقة حُلْوة المذاق ليستسيغه المريض، ويسهل عليه تناوله، وما أشبه علاج الأبدان بعلاج القلوب في هذه المسألة، ويقول أهل الخبرة في الدّعوة إلى الله عز وجل: النّصح ثقيلٌ فلا تُرْسِله جبلاً، ولا تجعله جدلاً، والحقائق مُرّةٌ فاستعيروا لها خِفّة البيان.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع عن شيءٍ لا يُرضيه من ذنبٍ أو فاحشةٍ في مجتمع الإيمان بالمدينة كان يصعد منبره الشّريف، ويقول: ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا، أو فعلوا: كذا وكذا.. ويكتفي بالتّوجيه العامّ دون أنْ يجرحَ أحداً من النّاس.

﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: والجدل مناقشة الحجج في قضيّةٍ من القضايا، وعلى كُلٍّ من الطّرفين أنْ يعرضَ حُجّته بالّتي هي أحسن؛ أي: في رفقٍ ولينٍ ودون تشنُّجٍ أو غَطْرسةٍ.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾: النّتيجة هي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية]، فالنّتيجة: أنّه مطلوبٌ منك الجدال بالّتي هي أحسن، والله سبحانه وتعالى هو الأعلم بمن ضلّ عن سبيله وكُتب عليه الضّلال، وهو أعلم بمن اهتدى حقيقةً، فهذه قضايا قلوب وليست قضايا قوالب.

([1]) مسند الإمام أحمد بن حنبل: تتمّة مسند الأنصار، حديث أبي أُمامة الباهليّ، الحديث رقم (22211).

الآية رقم (126) - وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ

﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾: نلاحظ أنّ هذا المعنى ورد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: من الآية 194]، وبمقارنة الآيتين نرى أنّهما يقرّران المثليّة في ردّ الاعتداء: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ، و ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فالحقّ سبحانه وتعالى وإنْ شرع لنا الرّدّ على الاعتداء بالمثل، إلّا أنّه جعله صعباً من حيث التّنفيذ، فمن الّذي يستطيع تقدير المثليّة في الرّدّ، بحيث يكون مثله تماماً دون اعتداءٍ، ودون زيادةٍ في العقوبة، وكأنّ في صعوبة تقدير المثليّة إشارة إلى استحباب الانصراف عنها إلى ما هو خيرٌ منها، كما قال سبحانه وتعالى:

﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾: فقد جعل الله سبحانه وتعالى في الصّبر سَعةً، وجعله خيراً من رَدِّ العقوبة، ومقاساة تقدير المثليّة فيها، فضلاً عمّا في الصّبر من تأليف القلوب ونَزْع الأحقاد، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ [فصّلت: من الآية 34]، وكما قيل:

يا من تأتيك العداوة     مِنَ الّذي ومِـنَ الّتي

ادفــــع فديتــكَ بالّتـي     حتّى ترى: إذا الّذي

ففي ذلك دَفْعٌ لشراسة النّفس، وسَدٌّ لمنافذ الانتقام، وقضاءٌ على الضّغائن والأحقاد.

﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾: الخيريّة هنا من وجوهٍ:

أوّلاً: في الصّبر وعدم رَدِّ العقوبة بمثلها إنهاءٌ للخصومات، وراحةٌ للمجتمع أن تفزعه سلسلةٌ لا تنتهي من العداوة.

ثانياً: مَنْ ظُلِم من الخلق، فصبر على ظلمهم، فقد ضمن أنّ الله سبحانه وتعالى في جواره، ويجعله في معيّته وحفظه؛ لذلك قالوا: لو علم الظّالم ما أعدَّه الله سبحانه وتعالى للمظلوم لَضنَّ عليه بالظّلم، والمتتبّع لآيات الصّبر في القرآن الكريم يجد تشابهاً في تذييل بعض الآيات، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: من الآية 17]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾  [الشّورى]، ولا ننسى أنّ المتكلّم هو الله سبحانه وتعالى، فليس المعنى واحداً، فلكلّ حرفٍ هنا معنىً، والمواقف مختلفة، فلننظر إلى دِقّة التّعبير القرآنيّ، فالمصائب الّتي تُصيب الإنسان على نوعين:

النّوع الأوّل: هناك مصائبٌ تلحق الإنسان بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، وليس له غريمٌ فيها، كمن أُصيب في صحّته أو تعرَّض لجائحةٍ في ماله، أو انهار بيته… إلخ، وفي هذا النّوع من المصائب يشعر الإنسان بألم الفَقْد ولذْعة الخسارة، لكن لا ضغن فيها على أحدٍ، فالصّبر على هذه الأحداث قريبٌ؛ لأنّه ابتلاءٌ وقضاءٌ وقدر، فلا يحتاج الأمر بالصّبر هنا إلى توكيد، ويناسبه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: من الآية 17].

أمّا النّوع الآخر: فهو المصائب الّتي تقع بفعل فاعلٍ، كالقتل مثلاً، فإلى جانب الفَقْد يوجد غريمٌ لك، يُثير حفيظتك، ويهيّج غضبك، ويدعوك إلى الانتقام كلّما رأيته، فالصّبر في هذه أصعب، وحَمْل النّفس عليه يحتاج إلى توكيدٍ كما في الآية الثّانية: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشّورى]، فاستعمل هنا لام التّوكيد؛ لأنّ الصّبر هنا شاقٌّ، والفرصة مُتَاحَةٌ للشّيطان لِيُؤلّب القلوب، ويثير الضّغائن والأحقاد.

كما نلاحظ في الآية الأولى قال: ﴿وَاصْبِرْ﴾، وفي الثّانية قال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾؛ لأنّ أمامه غريماً، ويُحكى في قصّة اليهوديّ المرابي الّذي أعطى رجلاً مالاً على أنْ يردَّه في أجلٍ معلومٍ، واشترط عليه إنْ لم يَفِ بالسّداد في الوقت المحدّد أن يقطع رَطْلاً من لحمه، ووافق الرّجل، وعند موعد السّداد لم يستطع الرّجل أداء ما عليه، فرفع اليهوديّ الأمر إلى القاضي وقَصَّ عليه ما بينهما من اتّفاقٍ، وكان القاضي صاحب فِطْنةٍ، فقال: نِعمَ العقد شريعة المتعاقدين، وأمر له بسكّين، وقال: خُذْ من لحمه رَطْلاً، ولكن في ضربةٍ واحدةٍ، وإنْ زاد عن الرّطل أو نقص أخذناه من لحمك أنت، ولـمّا رأى اليهوديّ مشقّة ما هو مُقْدِمٌ عليه آثر السّلامة وتصالح مع خصمه، والسّؤال الآن: ما علاقة هذه الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، بما قبلها: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النّحل: من الآية 125]؟ الدّعوة إلى منهج الله سبحانه وتعالى يلفت الإنسان خليفة الله سبحانه وتعالى في أرضه أنْ يلتزمَ بمنهج الله عز وجل الّذي استخلفه، ووضع له هذا المنهج لِيُنظّم حركة حياته، والدّاعية يواجه هؤلاء الّذين يُفسدون في الأرض، ويحقّقون لأنفسهم مكاسب ومصالح على حساب غيرهم، ومَن يحقّق لنفسه مصلحةً على حساب غيره لا بُدَّ أن تكون له قوّةٌ وقدرةٌ، بها يطغى ويستعلي ويظلم، فإذا جاء منهج الله سبحانه وتعالى ليعدّل حركة هؤلاء ويُخرجهم ممّا أَلفُوه، وينزع منهم سلطان الطّغيان والظّلم، ويسلبهم هذا السّوط الّذي يستفيدون به، فلا بُدَّ أنْ يُجادلوه ويصادموه ويقفوا في وجهه، فقد جمع عليهم شدّة النّصح والإصلاح، وشدّة تَرْك المكاسب، فعلَى الدّاعية أن يتحلّى بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادلهم بالّتي هي أحسن، فإذا ما تعدَّى الأمر إلى الاعتداء عليه، واستشرى الفساد وغلبت شراسة الطّباع، فسوف نحتاج إلى أسلوبٍ آخر، وهو الصّبر، وفي قوله جلَّ وعَلا: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ تحذيرٌ أن يزيدَ الرّدّ على مثله، وبذلك يتعلّم الخصوم أنّك خاضعٌ لمنهجٍ ربّانيٍّ عادلٍ يستوي أمامه الجميع، فهم وإن انحرفوا وأجرموا فإنّ العقاب بالمثل لا يتعدّاه، ولعلّ ذلك يلفتهم إلى أنّ الّذي أمر بذلك لم يطلق لشراسة الانتقام عنانها، بل هَدَّأَها ودعاها إلى العفو والصّفح، ليكون هذا أدعى إلى الهداية، وهذا التّوجيه الإلهيّ في تقييد العقوبة بمثلها قبل أن يتوجّه إلى أمّته صلى الله عليه وسلم توجّه إليه في تصرُّفٍ خاصٍّ، لا يتعلّق بمؤمنٍ على عموم إيمانه، ولكن بمؤمنٍ حبيبٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب منزلةٍ عظيمةٍ عنده، إنّه عمّه وصاحبه حمزة بن عبد المطلب سيّد الشّهداء رضي الله عنه، فقد مثَّل به الكفّار في أُحُد، وشقَّتْ هندٌ بطنه، ولاكت كبده، فشقَّ الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثَّر في نفسه، وواجه هذا الموقف بعاطفتين: عاطفته الإيمانيّة، وعاطفة الرّحم والقرابة فهو عمّه الّذي آزره ونصره، ووقف إلى جواره، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، قَالَ:  «لَئِنْ ظَفَرْتُ بِقُرَيْشٍ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ مِنْهُمْ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾([1])، فالحقّ سبحانه وتعالى العادل الّذي أنزل ميزان العدل والحقّ في الخلق هَدَّأ من رَوْعه، وعدَّل له هذه المسألة ولأمّته من بعده، فقال: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾، والمتأمّل للأسلوب القرآنيّ في هذه الآية يلحظ فيها دعوةً إلى التّحنُّن على الخصم والرّأفة به، فالمتحدّث هو الله سبحانه وتعالى، فكلّ حرفٍ له معنى، فلا تأخذ الكلام على إجماله، ولكن تأمّل فيه فسوف تجد من وراء الحرف مُراداً وأنّ له مطلوباً، فلماذا قال الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ﴾، ولم يستخدم: (إذا) مثلاً؟ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ كأنّ المعنى: كان يجب ألَّا تعاقبوا، أمّا (إذا) فتُفيد التّحقيق والتّأكيد، والله سبحانه وتعالى يريد أنْ يُحنِّن القلوب، ويضع ردَّ العقوبة بمثلها في أضيق نطاق، فهذه رحمة حتّى تضمن الأمن والسّلام بين البشريّة والنّاس، كما أنّ في قوله سبحانه وتعالى: ﴿عَاقَبْتُمْ﴾ دليلٌ على أنّ ردَّ العقوبة يحتاج إلى قوّةٍ واستعدادٍ، كما قال عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: من الآية 60]، كأنّه يقول: كونوا دائماً على استعدادٍ، وفي حال قوّةٍ تُمكّنكم من الرّدِّ إذا اعتُدِيَ عليكم، كما أنّ في وجود القوّة والاستعداد ما يردع العدوّ ويرهبه، فلا يجرؤ على الاعتداء من البداية، وبالقوّة والاستعداد يُحفظ التّوازن في المجتمع، فالقويّ لا يفكّر أحدٌ في الاعتداء عليه، وهذا ما نراه الآن بين دول العالم في صراعها المحموم حول التّسلُّح بأسلحةٍ فتّاكةٍ.

﴿مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾: نلاحظ هنا أنّ الرّدَّ على الاعتداء يُسمَّى عقوبةً، لكنّ الاعتداء الأوّل لماذا نُسمّيه أيضاً عقوبة؟ قالوا: هذه تسمَّى (المشاكلة)؛ أي: جاءت الأفعال كلّها على شاكلةٍ واحدةٍ، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشّورى: من الآية 40]؛ لأنّ ردَّ السّيّئة لا يُسمَّى سيّئة، ولسائلٍ في هذه القضيّة أن يسأل: بما أنّ الإسلام يسعى في هذه المسألة إلى العفو، فلماذا لم يُقرِّره من البداية؟ وما فائدة الكلام عن العقوبة بالمثل؟ نقول: لأنّ المجتمع لا يكون سليم التّكوين إلّا إذا أَمِن كلّ إنسانٍ فيه على نفسه وعِرْضه وماله.. وهذا الأمن لا يتأتَّى إلّا بقوّةٍ تحفظه، كما أنّ للمجتمع توازناً، هذا التّوازن في المجتمع لا يُحفَظ إلّا بقوّةٍ تضمن أداء الحقوق والواجبات، هي قوّة القانون والدّولة، وتضمن أن تكون حركة الإنسان في المجتمع دون ظلمٍ له، كما أنّ للحقّ سبحانه وتعالى حكمةً ساميةً في تشريع العقوبة على الجرائم، فهدف الشّارع الحكيم أن يَحُدَّ من الجريمة، ويمنع حدوثها، فلو علم القاتل أنّه سيُقتل ما تجرّأ على جريمته، ففي تشريع العقوبة رحمةٌ بالمجتمع وحفظٌ لسلامته وأمْنه.

([1]) سنن الدّار قطني: كتاب السّير، الحديث رقم (4204).

الآية رقم (127) - وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ

﴿وَاصْبِرْ﴾: بعد أن ذكرتْ الآيات فضل الصّبر وما فيه من خيريّة، وكأنّ الآية السّابقة تمهّد للأمر هنا: ﴿وَاصْبِرْ﴾، ليأتمر الجميع بأمر الله سبحانه وتعالى، بعد أنْ قدَّم لهم الحيثيّات الّتي تجعل الصّبر شجاعةً لا ضعفاً، كمَا يقولون في الحكمة: من الشّجاعة أنْ تجبُنَ ساعةً، فإذا ما وسوس لك الشّيطان، وأغراك بالانتقام، وثارت نفسُك، فالشّجاعة أنْ تصبر ولا تطاوعهما.

﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: من حكمة الله سبحانه وتعالى ورحمته أنْ جعلك تصبر على الأذى؛ لأنّ في الصّبر خيراً لك، والله سبحانه وتعالى هو الّذي يُعينك على الصّبر، ويمنع عنك وسوسة الشّيطان وخواطر السّوء الّتي تهيّج الغضب، وتجرّ إلى الانتقام.

والله سبحانه وتعالى يريد من عبده أن يتّجه لإنفاذ أمره، فإذا علم ذلك من نيّته تولّى أمره وأعانه عليه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمّد]، وإيّاك أن تعتقد أنّ الصّبر من عندك أيّها الإنسان، فالله سبحانه وتعالى يريد منك أن تتّجه إلى الصّبر مجرّد اتّجاهٍ ونيّةٍ، وحين تتّجه إليه يُجنّد المولى سبحانه وتعالى لك الخواطر الطّيّبة الّتي تُعينك عليه وتُيسِّره لك وتُرضّيك به، فيأتي صبرك جميلاً، لا سخطَ فيه ولا اعتراضَ عليه.

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: لقد امتنّ الله سبحانه وتعالى على أمّة العرب الّتي استقبلتْ دعوة الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بأنْ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم ومن أوسطهم، يعرفون حَسبَه ونَسبَه وتاريخه وأخلاقه، وقد كان صلى الله عليه وسلم مُحبّاً لقومه حريصاً على هدايتهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التّوبة]؛ أي: تعزّ عليه مشقّتكم، ويؤلمه عَنَتكم وتعبكم، حريصٌ عليكم، يريد أن يستكمل لكم أنواع الخير كلّه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَاراً، فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ»([1])، لذلك حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه لـمّا رأى منهم الكفر والعناد والتّكبُّر عن قبول الحقّ، وهو يريد لهم الهداية والصّلاح، والله سبحانه وتعالى هنا يُسلِّي قلب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ويقول له: لا تحزن عليهم ولا تُحمّل نفسك فوق طاقتها، فما عليك إلّا البلاغ، ويخاطبه ربّه في آيةٍ أخرى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف]؛ أي: لا تكن مُهْلكاً نفسَك أسَفاً عليهم.

﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: الضّيق: تأتي بالفتح وبالكسر، ضِيْق، ضَيْق، والضّيق: أن يتضاءل الشّيء الواسع أمامك عمّا كنت تُقدِّره، والضّيق يقع للإنسان على درجاتٍ، فقد تضيق به بلده فينتقل إلى بلدٍ آخر، وربّما ضاقت عليه الدّنيا كلّها، وفي هذه الحالة يمكن أنْ تسعه نفسه، فإذا ضاقتْ عليه نفْسه فقد بلغ أقصى درجات الضّيق، كما قال سبحانه وتعالى عن الثّلاثة الّذين تخلّفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾  [التّوبة: من الآية 118]، فالحقّ سبحانه وتعالى ينهى رسوله صلى الله عليه وسلم أنْ يكون في ضيقٍ من مكر الكفّار؛ لأنّ الّذي يضيق بأمرٍ ما هو الّذي لا يجد في مجال فكره وبدائله ما يَخرج به من هذا الضّيق، إنّما الّذي يعرف أنّ له منفذاً ومَخْرجاً فلا يكون في ضَيْقٍ، فالمعنى: لا تَكُ في ضيقٍ يا محمّد، فالله سبحانه وتعالى معك، سيجعل لك من الضّيق مخرجاً، ويردّ على هؤلاء مكرهم: ﲋ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑﲒ [الأنفال: من الآية 30]، فلا كرب وأنت ربٌّ.

([1]) صحيح مسلم: كتاب الفضائل، باب شفقته , على أمّته، الحديث رقم (2284).

الآية رقم (128) - إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: هذه قضيّة معيّة الله سبحانه وتعالى لمن اتّقاه، فمَنِ اتّقى الله سبحانه وتعالى فهو في جواره ومعيّته، وإذا كنّا في معيّة ربّنا جل جلاله فمَنْ يجرؤ أن يكيدنا، أو يمكرُ بنا؟! وفي رحلة الهجرة تتجلّى معيّة الله سبحانه وتعالى وتتجسّد لنا في الغار، حينما أحاط بالرّسول صلى الله عليه وسلم الكفّار، والصِّدِّيق رضي الله عنه يقول له صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»([1])، المعنى: ما دام أنّ الله سبحانه وتعالى ثالثهما فهما في معيّته جل جلاله.

﴿ اتَّقَوْا ﴾: التّقوى في معناها العامّ: طاعة الله سبحانه وتعالى باتّباع أوامره واجتناب نواهيه.

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾: الإحسان أعلى مراتب الدّين، وهذا واضحٌ في حديث جبريل عليه السلام حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»([2])، فالمحسن: هو الّذي يُلزم نفسه في عبادة الله سبحانه وتعالى بأكثر ممّا ألزمه الله تبارك وتعالى، ومن جنس ما ألزمه الله جل جلاله به.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب أصحاب النّبيّ ,، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، الحديث رقم (3653).

([2]) صحيح البخاريّ: كتاب تفسير القرآن، باب قوله: ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ [لقمان: من الآية 34]، الحديث رقم (4777).

الآية رقم (119) - ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾: الله سبحانه وتعالى يعطي عبده فرصةً، ويفتح له باب التّوبة والرّجاء، فمن رحمته سبحانه وتعالى بعباده أنْ شرع لهم التّوبة من الذّنوب، ومن رحمته أيضاً أن يقبلها منهم فيتوب عليهم، ولو أغلق سبحانه وتعالى باب التّوبة لَتحوَّل المذنب ولو لمرّةٍ واحدةٍ إلى مجرمٍ يُعربد في المجتمع، وبفتح باب التّوبة يقي الله سبحانه وتعالى المجتمع من هذه العربدة، ويبيّن الرّسول الكريم صلى الله عليه وسلم مكانة التّوبة فيقول: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ»([1]).

وقوله سبحانه وتعالى في بداية الآية: ﴿ثُمَّ﴾: تدلُّ على كثرة ما تقدّم من ذنوبٍ، ومع ذلك غفرها الله سبحانه وتعالى لهم لِيُبيِّن للإنسان البَوْن الشّاسع بين رحمة الله سبحانه وتعالى وإصرار العُصَاة على الكفران بالله سبحانه وتعالى، وعلى المعصية.

﴿بِجَهَالَةٍ﴾: أي: بطيشٍ وحُمْقٍ وسَفَهٍ، وتدخل جميعها في الجهل، بمعنى أنْ تعتقد شيئاً وهو غير واقعٍ، فالجهل هنا ليس المراد منه عدم العلم، إنّما الجاهل مَنْ كانت لديه قضيّةٌ مخالفةٌ للواقع وهو متمسِّكٌ بها، والمراد أن ينظر إلى خيرٍ عاجلٍ في نظره، ويترك خيراً آجلاً في نظر الشّرع، وقد ورد هذا المعنى في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾  [النّساء: من الآية 17]، وكلمة: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: تعني في لحظة سَفَهٍ وطيْشٍ، فالعاصي يعلم الحكم تماماً، ولكنّه في غفلةٍ عنه، وعدم تبصُّرٍ بالعواقب، ولو فكَّر في عاقبة الأمر ما تجرَّأ على المعصية، لذلك نقول: إنّ صاحب المعصية لا يُقدِم عليها إلّا في غيبة العقل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»([2])، ولو استحضر قسوة الجزاء ما أقدم على معصيته، ولكنّ السّفه والطّيْش غلّف الجزاء وستره عنه.

﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾: والتّوبة هنا هي التّوبة النّصوح الصّادقة، الّتي ينوي صاحبها الإقلاع عنها وعدم العَوْدة إليها مرّةً أخرى، ويعزم على ذلك حال توبته، فإذا فعل ذلك قَبِل الله سبحانه وتعالى منه وتاب عليه، ولا يمنع ذلك أن يعود للذّنب مرّةً أخرى إذا ضعُفَتْ نفسه عن المقاومة، فإنْ عاد عاد إلى التّوبة من جديد؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى من أسمائه: (التّوّاب)؛ أي: كثير التّوبة، ولم يقل: تائبٌ، بل: توّاب، فلا تنقطع التّوبة في حقّ العبد مهما أذنب، وعليه أنْ يُحدِث لكلّ ذنبٍ توبةً، بل وأكثر من ذلك، إذا تاب العبد وأحسن التّوبة، وأتى بالأعمال الصّالحة بدلاً من السّيّئة، منَّ الله سبحانه وتعالى عليه بأن يُبدِّلَ سيّئاته حسنات، وهذه معاملة ربٍّ كريمٍ غفورٍ رحيمٍ.

﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فيه إشارةٌ إلى حرص النّبيّ صلى الله عليه وسلم علينا، وسروره بأن يغفر الله سبحانه وتعالى لنا، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾؛ أي: يا محمّد، إنّ ربّك غفورٌ رحيمٌ، فكأنّه سبحانه وتعالى يمتنُّ على نبيّه صلى الله عليه وسلم أنّه سيغفر للمذنبين من أمّته، وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَ حَبِيبُ بْنُ الْحَارِثِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ مِقْرَافٌ لِلذُّنُوبِ؟ قَالَ: «فَتُبْ إِلَى اللَّهِ يَا حَبِيبُ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَتُوبُ ثُمَّ أَعُودُ؟ قَالَ: «فَكُلَّمَا أَذْنَبْتَ فَتُبْ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذاً تَكْثُرُ ذُنُوبِي؟ فَقَالَ: «فَعَفْوُ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ ذُنُوبِكَ يَا حَبِيبَ بْنَ الْحَارِثِ»([3]).

(([1] صحيح مسلم: كتاب التّوبة، باب في الحضّ على التّوبة والفرح بها، الحديث رقم (2747).

(([2] صحيح البخاريّ: كتاب الحدود، باب لا يُشْرَبُ الخمر، الحديث رقم (6772).

(([3] المعجم الأوسط للطّبرانيّ: باب الميم، من اسمه: محمّد، الحديث رقم (5257).

الآية رقم (110) - ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ

﴿فُتِنُوا﴾: أي: ابتلوا وعُذِّبوا عذاباً أليماً؛ لأنّهم أسلموا.

﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: من رحمة الله سبحانه وتعالى أنّه يفتح باب التّوبة لعباده الّذين أسرفوا على أنفسهم، أن يقبل توبة مَنْ يتوب؛ لأنّه لو لم يفتح الله سبحانه وتعالى باب التّوبة للمذنب ليئسَ من رحمة الله عز وجل، ولتحوَّل إلى مجرم يشقَى به المجتمع وإن أذنب ولو ذنباً واحداً، لا يَرَى أمامه بارقة أملٍ تدعوه إلى الصّلاح، ولا دافعاً يدفعه إلى الإقلاع، أمّا إذا رأى باب ربّه جل جلاله مفتوحاً ليل نهار يقبل توبة التّائب، ويغفر ذنب المسيء، كما جاء في الحديث الشّريف: «إِنَّ اللهَ عز وجل يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»([1])، بل ويزيده ربّنا سبحانه وتعالى من فضله إنْ أحسن التّوبة، وندم على ما كان منه، بأن يُبدِّل سيئاته حسناتٍ، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان]، فتشريع التّوبة من الله سبحانه وتعالى دعوة إصلاحٍ للمجتمع، وهي رحمةٌ، وقبولها من المذنب رحمةٌ أخرى؛ لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التّوبة: من الآية 118]؛ أي: شرع لهم التّوبة ودَلَّهم عليها، ليتوبوا هم.

([1]) صحيح مسلم: كتاب التّوبة، باب قبول التّوبة من الذّنوب وإن تكرّرت الذّنوب والتّوبة، الحديث رقم (2759).

الآية رقم (111) - يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ

﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾: قد يكون المعنى في هذه الآية على اتّصالٍ بالآية السّابقة، ومتعلّق بها، فيكون المراد: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، يحدث هذا: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾؛ أي: يوم القيامة، أو يكون المعنى: اذكر يا محمّد: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾

وهل للإنسان أكثر من نفسٍ، فتجادل إحداهما عن الأخرى؟ الحقيقة أنّ للإنسان نفساً واحدةً في الدّنيا والآخرة، ولكنّها تختلف في الدّنيا عنها يوم القيامة؛ لأنّ الحقّ سبحانه وتعالى منحها في الدّنيا الاختيار، وجعلها حرّةً في أن تفعل أو لا تفعل، فكان من النّفوس: الطّائعة، والعاصية، والمنصاعة، والمكابرة، فإذا ما وقفت النّفس في موقف القيامة، وواجهتْ الحقّ الّذي كانت تخالفه علمت أنّ الموقف لا تفيد فيه مكابرةٌ، ولا حيلة لها إلّا أن تجادل وتدافع عن نفسها، فكأنّ النّفس في يوم القيامة تجادل عن نفس الدّنيا في موقفٍ يُنادي فيه الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: من الآية 16]، وقد حكى القرآن الكريم نماذج من جدال النّفس يوم القيامة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: من الآية 23]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: من الآية 3]، وقال جل جلاله: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فُصِّلَت: من الآية 29]، فهي نفسٌ واحدةٌ، تُجَادِل عن نفسها في يومٍ لا تجزي فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئاً، فكلٌّ مشغولٌ بكَرْبه، مُحاسَبٌ بذنبه، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس].

الآية رقم (112) - وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: بعد أنْ تكلَّم الحقّ سبحانه وتعالى عن الإيمان بالله عز وجل والإيمان بصدق رسوله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عنه، واستقبال منهج الله سبحانه وتعالى في الكتاب والسّنّة، وتكلّم عن المقابل لذلك من الكفر واللّجاج والعناد لله سبحانه وتعالى وللرّسول صلى الله عليه وسلم وللمنهج، أراد سبحانه وتعالى أنْ يعطينا واقعاً ملموساً في الحياة لذلك كلّه، فضرب لنا هذا المثل، ومعنى المثل: أن يتشابه أمران تشابهاً تامّاً في ناحيةٍ معيّنةٍ بحيث تستطيع أن تقول: هذا مثل هذا تماماً، والهدف من ضرب الأمثال أنْ يُوضِّح لك مجهولاً بمعلومٍ، فإذا كنتَ مثلاً لا تعرف شخصاً نتحدّث عنه فيمكن أن نقول لك: هو مثل فلانٍ المعلوم لك في الطّول، ومثل فلانٍ في اللّون.. إلى غير ذلك من الصّور المعلومة لك، لذلك فالشّيء الّذي لا مثيلَ له إيّاك أن تضرب له مثلاً، كما قال الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النّحل: من الآية 74]؛ لأنّه سبحانه وتعالى لا مثيل له، ولا نظير له، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو جل جلاله الّذي يضرب المثل لنفسه، أمّا نحن فلا نضرب المثل إلّا للكائنات المخلوقة له سبحانه، لذلك نجد في القرآن الكريم أمثالاً كثيرةً توضّح لنا المجهول بمعلومٍ لنا، وتوضّح الأمر المعنويّ بالأمر الحسّيِّ الملموس لنا، ومن ذلك ما ضربه الله سبحانه وتعالى لنا مثلاً في الإنفاق في سبيل الله عز وجل، وأنّ الله سبحانه وتعالى يُضاعف النّفقة، ويُخلِف على صاحبها أضعافاً مضاعفة، فانظر كيف صوَّر لنا القرآن الكريم هذه المسألة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة]، وهكذا أوضح لنا المثلُ الأمرَ الغيبيَّ المجهولَ بالأمرِ المحسِّ الـمُشَاهَدِ الّذي يعلمه الجميع، حتّى استقرَّ هذا المجهول في الذّهن، بل أصبح أمراً مُتيقّناً شاخصاً أمامنا.

﴿وَضَرَبَ﴾: كلمة: (ضَرَبَ) مأخوذةٌ من ضَرْب العملة، حيث كانت في الماضي من الذّهب أو الفضّة، ولخوف الغشّ فيها حيث كانوا يخلطون الذّهب مثلاً بالنّحاس، فكان الخبراء في تمييز العملة يضربونها؛ أي: يختمون عليها فتصير مُعتمدةً موثوقاً بها، ونافذةً وصالحةً للتّداول، كذلك إذا ضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً لشيءٍ مجهولٍ بشيءٍ معلومٍ استقرَّ في الذّهن واعتُمِد، فقال سبحانه وتعالى في هذا المثل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، الهدف من ضرب هذا المثل أنّ الحقّ سبحانه وتعالى يريد أن يوضّح لنا أنّ الإنسان إذا أنعم الله سبحانه وتعالى عليه بشتّى أنواع النّعم فجحدها، ولم يشكره عليها، ولم يُؤدِّ حقّ الله سبحانه وتعالى فيها، واستعمل نعمة الله عز وجل في معصيته فقد عرَّضها للزّوال، وعرَّض نفسه لعاقبة وخيمة ونهاية سيّئة، فقيَّد النّعمة بشكرها وأداء حقّ الله سبحانه وتعالى فيها، لذلك قال الشّاعر:

إذَا كُنْتَ في نعمةٍ فَارْعَها
وحَافِظْ عليها بشُكْرِ الإلهِ                     .
  فَإِنَّ الـمَعَاصِي تُزيلُ النِّعَم
فَإنَّ الإلَـــــــهَ شَـــــــــــــدِيدُ النِّــقَم
.

ولكن، هل القرية الّتي ضربها الله سبحانه وتعالى لنا مثلاً هنا هي قريةٌ معيّنةٌ أو المعنى على الإطلاق؟ قد يُراد بالقرية قرية معيّنة كما قال بعض المفسّرين: إنّها مكّة، أو غيرها من القرى، وعلى كلٍّ فتحديدها أمرٌ لا فائدة منه، ولا يُؤثِّر في الهدف من ضَرْب المثل بها.

والقرية: اسمٌ للبلد الّتي يكون بها سكّان؛ أي: بلد استقرارٍ، وهي اسمٌ للمكان، فإذا حُدِّث عنها يراد المكين فيها، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف: من الآية 82]، فالمراد: اسأل أهل القرية؛ لأنّ القرية كمكانٍ لا تُسأل، هكذا قال علماء التّفسير، على اعتبار أنّ في الآية مجازاً مرسلاً، ولكن مع تقدُّم العلم الحديث يعطينا الحقّ سبحانه وتعالى مدداً جديداً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصِّلَت: من الآية 53].

﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾: آمنةً: أي: في مَأْمَنٍ من الإغارة عليها من خارجها، والأمن من أعظم نِعَم الله سبحانه وتعالى على البلاد والعباد.

﴿مُطْمَئِنَّةً﴾: أي: لديها مُقوِّمات الحياة، فلا تحتاج إلى غيرها، فالحياة فيها مُستقرَّةٌ مريحةٌ، والإنسان لا يطمئنّ إلّا في المكان الخالي من المنغِّصات، الّذي يجد فيه مقومات الحياة كلّها، فالأمن والطّمأنينة هما سِرُّ سعادة الحياة واستقرارها، وحينما امتنَّ الله سبحانه وتعالى على قريشٍ قال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش]، فطالما شبعت البطون، وأمنتْ النّفوس استقرّت بالإنسان الحياة، والرّسول صلى الله عليه وسلم يُعطينا صورةً مُثْلى للحياة الدّنيا، فيقول: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافىً فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»([1]).

ويصف الحقّ سبحانه وتعالى هذه القرية بأنّها:

﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: معلومٌ أنّ النّاس هم الّذين يخرجون لطلب الرّزق، لكن في هذه القرية يأتي إليها الرّزق، وهذا يُرجِّح القول بأنّها مكّة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قال عنها: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[القصص: من الآية 57].

﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾: أي: جحدت بهذه النّعم، واستعملتها في مصادمة منهج الله عز وجل، فكانت النّتيجة:

﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾: وكأنّ في الآية تحذيراً من الحقّ سبحانه وتعالى لكلّ مجتمعٍ يكفر بنعمة الله عز وجل، ويستعمل النّعمة في مصادمة منهجه سبحانه وتعالى، فتكون عاقبته كعاقبة هؤلاء.

﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ﴾: من الذّوق، نقول: ذاق وتذوَّق الطّعام، إذا وضعه على لسانه، والذَّوْق لا يتجاوز حليمات اللّسان، فالذّوْق خاصٌّ بطعْم الأشياء، لكنّ الله سبحانه وتعالى لم يقُلْ: (أذاقها طعم الجوع)، بل قال: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾، فجعل الجوع والخوف وكأنّهما لباسٌ يلبسه الإنسان، والمتأمّل في الآية يطالع دقّة التّعبير القرآنيّ، فقد يتحوّل الجوع والخوف إلى لباسٍ يرتديه الجائع والخائف، كيف ذلك؟ الجوع يظهر أوّلاً كإحساسٍ في البطن، فإذا لم يجد طعاماً عوّض من المخزون في الجسم من شحوم، فإذا ما انتهتْ الشّحوم تغذَّى الجسم على اللّحم، ثمّ بدأ ينحت العظام، ومع شدّة الجوع نلاحظ على البشرة شحوباً، وعلى الجلد هُزَالاً وذبولاً، ثمّ ينكمش ويجفّ، وبذلك يتحوّل الجوع إلى شكلٍ خارجيٍّ على الجلد، وكأنّه لباسٌ يرتديه الجائع، ونستطيع أن نتعرّف على الجوع ليس من بطن الجائع، ولكن من هيئته وشُحوب لونه وتغيُّر بشرته، كما قال سبحانه وتعالى عن الفقراء الّذين لا يستطيعون ضرباً في الأرض: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: من الآية 273]، وكذلك الخوف وإنْ كان موضعه القلب، إلّا أنّه يظهر على الجسم، فإذا زاد ترتعد الفرائص ويرتعش الجسم كلّه، فيظهر الخوف عليه كثوبٍ يرتديه، وهكذا جَسَّد لنا التّعبير القرآنيّ هذه الأحاسيس الدّاخليّة لتراها العيون، ولكنّه أدخلها تحت حاسَّة التّذوّق؛ لأنّها أقوى الحواسّ، وفي تشبيه الجوع والخوف باللّباس ما يُوحي بشمولهما الجسم كلّه، كما يلفّه اللّباس، فليس الجوع في المعدة فقط، وليس الخوف في القلب فقط.

﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: أي: أنّ الحقّ سبحانه وتعالى ما ظلمهم وما تجنَّى عليهم، بل ما أصابهم هو نتيجة عملهم وصدودهم عن سبيل الله سبحانه وتعالى، وكفرهم بأنعمه، فحبسها الله سبحانه وتعالى عنهم، فهم الّذين قابلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصُّدود والجحود والنّكران، وتعرَّضوا له ولأصحابه بالإيذاء وبيَّتوا لقتله، حتّى دعا عليهم قائلاً: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»([2])، فاستجاب الحقّ سبحانه وتعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم، وألبسهم لباس الجوع والخوف، حتّى إنّهم كانوا يأكلون من القاذورات، ويخلطون الشّعر والوبر بالدّم فيأكلونه، وظلّوا على هذا الحال سبع سنين حتّى ضَجُّوا، وبلغ بهم الضَّنْك مُنْتهاه، فأرسلوا وفداً منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلبوا منه العفو والصّفح، فكان صلى الله عليه وسلم يرسل لهم ما يأكلونه من الحلال الطّيّب.

(([1] سنن التّرمذيّ: أبواب الزّهد، باب 34، الحديث رقم (2346).

(([2] صحيح البخاريّ: أبواب الاستسقاء، باب دعاء النّبيّ ,: «اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، الحديث رقم (1006).

الآية رقم (113) - وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ

﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾: رأينا كيف كانت النّعمة تامّةً على أهل مكّة، وقد تمثّلت هذه النّعمة في كَوْنها آمنةً مطمئنّةً، وهذه نعمةٌ مادّيّة يحفظ الله سبحانه وتعالى بها القالب الإنسانيّ، لكنّه ما يزال في حاجةٍ إلى ما يحفظ قِيَمه وأخلاقه، وهذه هي نعمة النّعم، وقد امتنَّ الله سبحانه وتعالى عليهم بها حينما أرسل فيهم رسولاً منهم، فما فائدة النّعم المادّيّة في بلدٍ مهزوزة القيم، مُنْحلّة الأخلاق، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُقوِّم ما اعوجّ من سلوكهم، ويُصلح ما فسد من قِيَمهِم ومبادئهم.

﴿مِنْهُمْ﴾: أي: من جنسهم، وليس غريباً عنهم، وليس من مُطْلق العرب، بل من قريشٍ أفضل العرب وأوسطها.

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: وكان المفترض فيهم أن يستقبلوه بما علموا عنه من صفات الخير والكمال، وبما اشتهر به صلى الله عليه وسلم بينهم من الصّدق والأمانة، ولكنّهم كما كفروا بالنّعم المادّيّة كفروا أيضاً بالنّعم القيميّة متمثّلةً في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: مَنِ الّذي أخذهم؟ لم تقُلْ الآية: (فأخذهم الله بالعذاب)، بل قالت: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾، كأنّ العذابَ نفسه يشتاق إليهم، وينقضُّ عليهم، ويسارع لأخذهم، ففي الآية تشخيصٌ يُوحي بشدّة عذابهم، كما قال سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق].

الآية رقم (114) - فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

قُلْنا: إنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم حينما اشتدّ الحال بأهل مكّة حتّى أكلوا القاذورات، كان يرسل إليهم ما يأكلونه من الحلال الطّيّب رحمةً منه صلى الله عليه وسلم بهم فيقول سبحانه وتعالى:

﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: أي: أنّ هذا الرّزق ليس من عندي، بل من عند الله سبحانه وتعالى.

﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾: ذلك لأنّهم كانوا قبل ذلك لا يتورَّعون عن أكل ما حرّم الله سبحانه وتعالى، ولا عن أكل الخبيث، فأراد أن يُنبِّههم أنّ رِزْق الله سبحانه وتعالى لهم من الحلال الطّيّب الهنيء، فيبدلهم الحلال بدل الحرام، والطّيّب بدل الخبيث.

﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: وهنا إشارة تحذيرٍ لهم أنْ يقعوا فيما وقعوا فيه من قَبْل من جُحود النّعمة ونكْرانها والكفر بها، فقد جَرَّبوا عاقبة ذلك، فنزع الله سبحانه وتعالى منهم الأمْنَ، وألبسهم لباسَ الخوف، ونزع منهم الشَّبَع ورَغَد العيش، وألبسهم لباس الجوع، فخذوا عبرةً ممّا سلف: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.

الآية رقم (115) - إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: بعد أنْ قال الحقّ سبحانه وتعالى في الآية السّابقة: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، أراد أن يُكرِّر معنىً من المعاني سبق ذكره في سورتَي البقرة والمائدة، فقال في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة]، وقال سبحانه وتعالى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: من الآية 3]، وهذه الأشياء كنتم تأكلونها وهي مُحرّمةٌ عليكم، والآن ما دُمْنَا ننقذكم، ونجعل لكم معونةً إيمانيّةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلوا هذه الأشياء حلالاً طيّباً، ولكن، لماذا كرَّر هذا المعنى هنا؟ التّكرار هنا لأمرين:

الأوّل: أنّه سبحانه وتعالى لا يريد أنْ يعطيهم صورةً عامّةً بالحكم، بل صورةً مُشخَّصةً بالحالة، فهم كانوا في حالة جوعٍ، ولكن بيّن لهم أنّ الإسلام يُحرِّم الميتة، فأوضح لهم أنّكم بعد ذلك ستأكلون الحلال الطّيّب.

ثانياً: أنّ النّصّ يختلف، ففي سورة البقرة قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: من الآية 173]، وهنا قال: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وليس هذا من قبيل التّفنُّن في الأسلوب، بل المعنى مختلفٌ تماماً؛ ذلك لأنّ الإهلال هو رَفْع الصّوت عند الذّبح، فكانوا يرفعون أصواتهم عند الذّبح، ولكن يقولون: باسم اللّات، أو باسم العُزّى، فيُهلّون بأسماء الشّركاء الباطلين، ولا يذكرون اسم الله سبحانه وتعالى الوهّاب، فمرَّةً يُهلُّون به لغير الله سبحانه وتعالى، ومرّةً يُهِلُّون لغير الله سبحانه وتعالى به، كيف ذلك؟ قالوا: لأنّ الذَّبْح كان على نوعين: مرّةً يذبحون للتّقرُّب إلى الأصنام، فيكون الأصل في الذّبح أنّه أُهِلَّ لغير الله سبحانه وتعالى به؛ أي: للأصنام، ومرَّة يذبحون ليأكلوا دون تقرُّبٍ لأحد، فالأصل فيه أنّه أُهِلَّ به لغير الله سبحانه وتعالى، فتكرار الآية لحكمةٍ، وسبحان مَنْ هذا كلامه.

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾: الاضطرار: أَلَّا تجد ما تأكله، والحقّ سبحانه وتعالى يعطينا هنا رخصةً عندما تكون هناك ضرورة أن نأكل من هذه الأشياء المحرَّمة بقدر ما يحفظ الحياة ويسُدُّ الجوع، فمَعنى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ أي: غير مُتجاوزٍ للحدِّ، فلو اضطررْتَ وعندك مَيْتةٌ وعندك طعامٌ حلالٌ، فلا يصحّ أن تأكل الميتة في وجود الحلال.

﴿وَلَا عَادٍ﴾: أي: ولا مُعْتَدٍ على القدر المرخَّص به، وهو ما يمسك الحياة ويسُدُّ الجوع فقط، دون شِبَع منها.

﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: وفي سورة البقرة قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[البقرة: من الآية 173]، فالمعنى واحد، ولكن هنا ذكر المغفرة والرّحمة، وهناك ذكر سببهما، وتجد الإشارة هنا إلى ما يتشدَّق به بعض الملاحدة الّذين يبحثون في القرآن الكريم عن مَغْمزٍ، فيقولون: بما أنّ الله سبحانه وتعالى حرَّم هذه الأشياء، فما فائدتها في الكون؟ نقول: أتظنّون أنّ كلّ موجودٍ في الكون وُجِد ليُؤكل، أليس له مهمّةٌ أخرى؟ ومن ورائه مصلحةٌ أخرى غير الأَكْل، فإنْ حرَّم الإسلام أكْله فقد أباح الانتفاع به من وجهٍ آخر، فالخنزير مثلاً حَرَّم الله سبحانه وتعالى أكْله، ولكن خَلقه لمهمّةٍ أخرى، وجعل له دَوْراً في نظافة البيئة، حيث يلتهم القاذورات، فهو بذلك يُؤدِّي مهمّةً في هذه الحياة، وكذلك يجب أنْ نعلمَ أنّ الحقّ سبحانه وتعالى ما حرَّم علينا هذه الأشياء إلّا لحكمةٍ، وعلى الإنسان أن يأخذ من واقع تكوينه المادّيّ وتجاربه ما يُقرِّب له المعاني القيميّة الدّينيّة، والشّيء المحرَّم قد يكون مُحرَّماً في ذاته كالميتة لما فيها من ضررٍ، وقد يكون حلالاً في ذاته، ولكنّه مُحرَّمٌ بالنّسبة إلى شخصٍ معيّنٍ، كأن يُمنَع المريض من تناول طعامٍ ما؛ لأنّه يضرُّ بصحّته أو يُؤخِّر شفاءه، وهو تحريمٌ طارئٌ لحين زوال السّبب، وصورةٌ أخرى للتّحريم، وهي أن يكون الشّيء حلالاً في ذاته ولا ضررَ في تناوله، ومع ذلك تحرّمه عقوبةً، كما تفعل في معاقبة الطّفل إذا أساء فتحرمه من قطعة الحلوى مثلاً، فللتّحريم أسبابٌ كثيرةٌ، سوف نرى أمثلةً منها قريباً.

الآية رقم (116) - وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾: تُظهِره على أوضح وجوهه، فليس كلامهم كذباً فقط، بل صفته، فمَنْ لا يعرف الكذب فليعرفه من كلام هؤلاء، والمراد بالكذب هنا قولهم:

﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾: فهذا كذبٌ وافتراءٌ على الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه وحده صاحب التّحليل والتّحريم، فإيّاك أنْ تُحلِّل شيئاً من عند نفسك، أو تُحرِّم شيئاً حَسْب هواك؛ لأنّ هذا افتراءٌ على الله سبحانه وتعالى: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ﴾

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: فإن انطلى الكذب على بعض النّاس، فأخذوا من ورائه منفعةً عاجلةً، فبعد قليلٍ سيُفتضح أمرهم، وينكشف كذبهم، وتنقطع مصالحهم بين الخلق.

ويصف الحقّ سبحانه وتعالى ما يأخذه هؤلاء من الدّنيا بأنّه:

الآية رقم (117) - مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: أي: ما أخذتموه بكذبكم وافترائكم على الله سبحانه وتعالى متاعٌ قليلٌ زائلٌ، سيحرمكم من المتاع الكثير الباقي الّذي قال الله سبحانه وتعالى عنه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النّحل: من الآية 96]، ليس هذا فقط بل: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

الآية رقم (118) - وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

بعد أن تكلّمت الآيات فيما أحلَّ الله سبحانه وتعالى وفيما حرَّم، وبيَّنتْ أنّ التّحليل أو التّحريم لله سبحانه وتعالى، جاءت لنا بصورةٍ من التّحريم، لا لأنّ الشّيء ذاته مُحرَّم، بل هو مُحرَّمٌ تحريم عقوبةٍ، كالّذي مثَّلْنَا له سابقاً بحرمان الطّفل من الحلوى عقاباً له على سُوء فِعْله.

﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾: الّذين هم اليهود عاقبهم الله سبحانه وتعالى بتحريم هذه الأشياء، مع أنّها حلالٌ في ذاتها، وهذا تحريمٌ خاصٌّ بهم كعقوبةٍ لهم.

﴿مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾: المراد ما ذُكِر في سورة الأنعام من قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام]، ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: هو الحيوان ليس منفرجَ الأصابع، و﴿الْحَوَايَا﴾: هي المصارين والأمعاء، ونرى أنّ هذه الأشياء كلّها المذكورة في الآية حلالٌ في ذاتها، ومُحلَّلةٌ لغير اليهود، ولكنّ الله سبحانه وتعالى حرَّمها عليهم عقوبةً لهم على ظلمهم وبغيهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النّساء]؛ أي: بسبب ظلمهم حَرَّمنا عليهم هذه الطّيّبات؛ ذلك لأنّ مَنْ أخذ حكماً افتراءً على الله سبحانه وتعالى فحرَّم ما أحلَّ الله عز وجل، أو حلَّل ما حرَّم الله سبحانه وتعالى لا بُدَّ أنْ يُعاقبَ بمثله، فيُحرِّم عليه ما أُحِلّ لغيره، وقد وقع الظّلم من اليهود؛ لأنّهم اجترؤوا على حدود الله سبحانه وتعالى وتعاليمه، وأوّل الظّلم وقمّته الشّرك بالله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: من الآية 13]، والظّلم نَقْل الحقّ من صاحبه إلى غيره، ومن ظلمهم: ما قالوه لموسى عليه السلام بعد أن عبر بهم البحر، ومرُّوا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم، فقالوا: يا موسى، اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: من الآية 138]، ومن ظلمهم: أنّهم عبدوا العجل من دون الله عز وجل، ومن ظلمهم لموسى عليه السلام: أنّهم لم يؤمنوا به، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: من الآية 83]، ومن ظلمهم: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النّساء: من الآية 161]، فبسبب ظلمهم وأخذهم غير حَقِّهم حرَّم الله سبحانه وتعالى عليهم أشياء كانت حلالاً لهم.

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: ظلموا أنفسهم بأن أعطوا لأنفسهم متاعاً قليلاً عاجلاً، وحرموها من المتعة الحقيقيّة الباقية.

الآية رقم (103) - وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: في هذه الآية اتّهامٌ آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وافتراءٌ جديدٌ عليه، لا يأنف القرآن الكريم من إذاعته، فمَنْ سمع الاتّهام والافتراء يجب أن يسمع الجواب، فالقرآن الكريم يريد أنْ يفضحَ أمر هؤلاء، وأنْ يُظهِر إفلاس حُجَجِهم وما هم فيه من تخبُّطٍ، وقد سبق أنْ قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مجنون)، وبرَّأه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم]، والخلُقُ العظيم لا يكون في مجنون؛ لأنّ الخلُق الفاضل لا يُوضع إلّا في مكانه، بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم]، وسبق أنْ قالوا: (ساحرٌ)، وهذا دليلٌ على أنّهم مغفّلون يتخبَّطون في ضلالهم، فلو كان سيّدنا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم ساحراً، فَلِمَ لم يسحرهم كما سحر المؤمنين به، وتنتهي المسألة؟ وسبق أنْ قالوا: (شاعر)، مع أنّهم أدْرى النّاس بفنون القول شِعْراً ونثراً وخطابةً، ولم يُجرِّبوا على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم شيئاً من ذلك، لكنّه الباطل حينما يَلجّ في عناده، ويتكبّر عن قبول الحقّ، وهنا جاؤوا بشيءٍ جديدٍ يُكذِّبون به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ أي: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتردّد على أحد أصحاب العلم ليعلّمه القرآن الكريم، فقالوا: إنّه غلامٌ لبني عامر بن لؤي اسمه (يعيش)، وكان يعرف القراءة والكتاب، وكان يجلب الكتب من الأسواق، ويقرأ قصص السّابقين، مثل: عنترة وذات الهمّة.. وغيرها من كتب التّاريخ، وقد تضاربتْ أقوالهم في تحديد هذا الشّخص الّذي يزعمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلّم على يديه، فقالوا: اسمه: (عدّاس)، وقال آخرون: (سلمان الفارسيّ)، وقال آخرون: (بَلْعام)، وكان حدّاداً روميّاً نصرانيّاً يعلم كثيراً عن أهل الكتاب.. إلخ، والحقّ تبارك وتعالى يردُّ على هؤلاء، ويُظهِر إفلاسهم الفكريّ، وإصرارهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:

﴿لِسَانُ﴾: اللّسان هنا: اللّغة الّتي يُتَحدَّث بها.

﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾: يميلون إليه، وينسبون إليه أنّه يُعلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿أَعْجَمِيٌّ﴾: أي: لغته خفيّة، لا يُفصح ولا يُبين الكلام، كما نرى الأجانب يتحدّثون العربيّة مثلاً.

ونلاحظ هنا أنّ القرآن الكريم لم يقُلْ: (عجميّ)؛ لأنّ العجم جنس يقابل العرب، وقد يكون من العجم مَنْ يُجيد العربيّة الفصيحة، كما رأينا سيبوَيْه صاحب (الكتاب) أعظم مراجع النّحو حتّى الآن وهو عَجميّ.

أمّا الأعجميّ فهو الّذي لا يُفصح ولا يُبين في الكلام، حتّى وإنْ كان عربيّاً، وقد كان في قبيلة لؤي رجل اسمه زياد يُقال له: (زياد الأعجمي)؛ لأنّه لا يُفصح ولا يُبين، مع أنّه من أصلٍ عربيٍّ، فكيف يتأتَّى لهؤلاء الأعاجم الّذين لا يُفصحون، ولا يكادون ينطقون اللّغة العربيّة أنْ يُعلِّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاء بمعجزةٍ في الفصاحة والبلاغة والبيان؟ كيف يتعلّم من هؤلاء، ولم يثبت أنّه صلى الله عليه وسلم التقى بأحدٍ منهم إلّا (عدّاس)، يُقال: إنّه قابله مرّةً واحدةً، ولم يثبت أنّه صلى الله عليه وسلم تردَّد إلى معلّمٍ، لا من هؤلاء، ولا من غيرهم؟ كما أنّ ما يحويه القرآن الكريم من آياتٍ وأحكامٍ ومعجزات ومعلومات يحتاج في تعلُّمه إلى وقتٍ طويل يتتلمذ فيه محمّد صلى الله عليه وسلم على يد هؤلاء، وما جرّبْتم على محمّد صلى الله عليه وسلم شيئاً من هذا كلّه، وهل يُعقل أنّ ما في القرآن الكريم يمكن أن يطويه صَدْرُ واحدٍ من هؤلاء؟! لو حَدَثَ لكان له من المكانة والمنزلة بين قومه ما كان للنّبيّ عليه الصّلاة والسّلام من منزلة، ولأشاروا إليه بالبنان ولذَاع صِيتُه، واشتُهر أمره، وشيءٌ من ذلك لم يحدث.

﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: أي: لغته صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم عربيّة واضحة مُبِينة، لا لَبْسَ فيها ولا غموض، وقد تحدّثنا سابقاً عن موضوع العروبة واللّغة العربيّة، وأنّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف]، وقال في آياتٍ أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرّعد: من الآية 37]، واللّغة هي أساس، فاللّغة العربيّة هي لغة قدّسها القرآن الكريم؛ لأنّها الوعاء لكلام الله سبحانه وتعالى، فالجامع الّذي لا يستطيع أحدٌ أن يُنكره هو جامع اللّغة، والمحافظة على اللّغة العربيّة هو جزءٌ لا يتجزّأ من المحافظة على ديننا وعلى عبادتنا وعلى كتاب ربّنا سبحانه وتعالى، لكنّ الحقيقة أنّ الّذي حفظ اللّغة العربيّة من الضّياع هو القرآن الكريم وليس العكس، فالقرآن الكريم هو الّذي حفظ هويّة هذه الأمّة، وسيبقى القرآن الكريم خالداً بخلود الدّنيا حتّى يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر]، فَمِنْ حفظ الله سبحانه وتعالى لكتابه حُفِظَت هذه اللّغة، ومن حِفظ هذه اللّغة العربيّة حُفِظَت هويّة الأمّة، لذلك ما علينا إلّا أن نعلّم أجيالنا وأبناءنا اللّغة العربيّة وأن نحافظ على الفصحى، وأن نحافظ على تعلّم وحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى حتّى يستقيم لساننا العربيّ، ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾كما قال سبحانه وتعالى.