الآية رقم (51) - قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾: المراودة؛ أي أخذٌ وردٌّ، وقد سمع الملك القصّة بشكلٍ كاملٍ من السّاقي الّذي كان مع يوسف عليه السّلام في السّجن.

﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ۚ﴾: أنكرن بشكلٍ كاملٍ أن يكون يوسف عليه السّلام قد ارتكب أيّ سوءٍ.

﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: أي أنّ الحقّ أخذ حصّته الحقيقيّة، فكانت حصّة الحقّ هي الغالبة على حصّة الباطل.

﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾: اعترفت امرأة العزيز بالحقيقة بعد مرور هذه السّنوات، وانكشفت الأمور بشكلٍ كاملٍ.

الآية رقم (52) - ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ

﴿ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾: أنا لم أخن العشرة وسأقول الحقيقة.

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾: ففي تلك الأيّام، كان هناك أُناسٌ كثيرون على دين التّوحيد، على دين إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السَّلام، فكان هناك مؤمنون، لكن لا يعرفون كلّ التّفاصيل.

الآية رقم (38) - وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ

﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: بدأ يبيّن لهم من هو، فأبوه يعقوب وجدّه إسحاق وجدّ أبيه إبراهيم عليهم السَّلام.

﴿مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾: بدأ بالدّعوة إلى الإسلام بهذه الطّريقة؛ لأنّ الإسلام هو دعوة كلّ الأنبياء عليهم السَّلام ، فالإنسان الّذي يشرك بالله سبحانه وتعالى فهو على غير درايةٍ وعلمٍ.

﴿ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾: ومن يعلم بأنّه لا إله إلّا الله فهذا فضلٌ من الله سبحانه وتعالى.

﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾: نِعَم الله سبحانه وتعالى لا تُعدّ ولا تحصى، ولكنّ أكثر النّاس لا يشكرون النّعم، ومن أهمّ هذه النّعم أن نعلم أنّه لا إله إلّا الله وأن نعبده وحده جلَّ جلاله.

الآية رقم (39) - يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ

بدأ سيّدنا يوسف عليه السّلام يخاطب العقل، فتعدّد الآلهة، وتعدّد الذّوات، وتعدّد الإرادات، وتعدّد القدرات، ستؤدّي إلى تصادمٍ، فهل أربابٌ متفرّقون خيرٌ أم الله الواحد القهّار الّذي قهر كلّ شيءٍ.

الآية رقم (40) - مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾: من دون الله عزَّ وجلّ.

﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم﴾: أنتم تعبدون أسماء فقط لا مسمّيات، لا حول لهم ولا قوّة، أطلقتم عليها هذه الأسماء وقلّدتم الآباء.

﴿مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾: السّلطان: الدّليل؛ أي دليل العقل والحُجّة والبرهان.

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾: الأمر والقدرة والقوّة لله جلَّ جلاله، وإن أعطيتكم الآن تفسيرًا للرّؤيا فهذا من الله عزَّ وجلّ ففي كلّ أمرٍ من أمور الدّنيا والآخرة، في معاشنا وفي حياتنا وفي عملنا وفي كلّ أمرٍ من أمورنا الحُكم لله سبحانه وتعالى.

﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾: العبادة ليست كما يعتقد بعضهم بأنّها فقط صلاةٌ وصيامٌ وحجٌّ وزكاةٌ، وإنّما العبادة هي طاعةٌ فيما أمر وانتهاءٌ عمّا نهى وزجر.

﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: هذا هو الدّين الّذي يحمل القِيم.

﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا يعلمون الحقيقة.

الآية رقم (41) - يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾: قال: ﴿أَحَدُكُمَا﴾، نلاحظ هنا ذكاء سيّدنا يوسف عليه السّلام لم يذكر مَن يسقي الملك خمرًا ومَن الّذي يُصلَب حتّى لا ينهار الثّاني.

﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾: أي أنّه سيقدّم له كأس خمر.

ربّه؛ أي معلّمه الّذي هو ربّ القصر، وهو الملك، فتأويل الرّؤيا الأولى بأنّ السّاقي سيخرج بريئًا، وأنّه بريءٌ ممّا اتُّهم فيه وسيخرج ويعود إلى عمله.

﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ۚ﴾: أمّا الثّاني فسيُصلَب؛ أي سيُقتل؛ لأنّها ستقع التّهمة عليه، وستأتي الطّيور كالصّقور والنّسور وتأكل من رأسه.

﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾: هذا أمرٌ منتهٍ سيحدث كما قلتُ لكم.

الآية رقم (42) - وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾: ظنّ هنا بمعنى تأكّد بأنه ناجٍ.

﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾: أي عندما تخرج من السّجن وتكلّم الملك تحدّث له عنّي، وأخبره أنّي سجينٌ مظلومٌ، وأنّي بريءٌ.

﴿رَبِّكَ﴾؛ أي الملك، ربّ: تُطلق على ربّ المنزل وتُطلق على الملك.

﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾: قال العلماء: المراد هنا قولان: الأوّل: أنّ الشّيطان أنسى هذا الرّجل ذِكر يوسف عليه السّلام عند ربّه، فبقي في السّجن بِضع سنين، والقول الآخر: هو أنّ الشّيطان أنسى يوسف عليه السّلام أنّه يجب ألّا يطلب من البشر أبدًا، فهو مع ملك الملوك، كأنّ المولى سبحانه وتعالى أراد أن يبيّن أنّ الشّيطان أنساه ذكر الله سبحانه وتعالى، فلذلك بقي في السّجن بضع سنين، قال رسول الله ﷺ: «رَحِمَ الله يوسف، لولا الكلمة الّتي قالها: اذكرني عند ربّك، ما لبث في السّجن ما لبث»([1]).

﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾: ذلك الجزاء تكريمٌ ليوسف عليه السّلام فنجاته عليه السّلام لا يمكن أن تكون عن طريق عبدٍ من العبيد، حتّى لو كان الملك، إنّما النّجاة لا تكون إلّا بيد ملك الملوك سبحانه وتعالى.

([1]) صحيح ابن حبّان: كتاب التّاريخ، باب بدء الخلق، الحديث رقم (6206).

الآية رقم (43) - وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ

انتقل المشهد القرآنيّ إلى قصر الملك.

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾: نتوقّف هنا عند كلمة (الملك)، ونحن نعلم بأنّ الأرض الّتي جرت فوقها تلك القصّة هي مصر، عرفنا ذلك من قول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ﴾ {يوسف: من الآية21}، فهناك ملكٌ وهناك عزيز الّذي هو الوزير الأوّل، ونعلم أنّ حكّام مصر كان يُقال عنهم فراعنة، لكنّ القرآن الكريم يقول هنا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾، ففي الفترة الزّمنيّة الّتي حكم فيها الهكسوس -وهم الرّعاة- مصرَ، لم يكن هناك فرعون وإنّما كان هناك ملكٌ، وهذه الفترة كما أكّدت الكتابة الهيروغليفيّة على الحجر الرّشيد بأنّها في أيّام يوسف عليه السّلام وهذا من الإعجاز العظيم لكتاب الله سبحانه وتعالى.

﴿الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾: فهو رأى سبع بقراتٍ سمانٍ؛ أي ممتلئة باللّحم، ورأى سبع بقراتٍ عِجاف؛ أي هزيلة.

﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾: بدأت الأحداث بهذه الرّؤيا، والحقيقة بأنّ رؤيا الملك كانت في زمنٍ تكثُر فيها الرّؤى والتّعبير عنها، فجمع الملك كبار القادة والكهنة وحاول أن يعرف.

﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾: تعبرون جاءت من عبور النّهر من ضفّةٍ إلى ضفّةٍ أخرى، تعبرون؛ أي تعبر الرّموز من الخيال إلى الحقيقة.

الآية رقم (44) - قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ

﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: الضّغث باللّغة: هو حزمة من الحشائش المختلفة الأجناس، أضغاث أحلامٍ؛ أي أخلاط أحلام، وأمورٌ مختلطةٌ ببعضها.

﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾: لا نعلم تأويل الأحلام.

الآية رقم (45) - وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ

﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي تذكّر بعد فترةٍ.

﴿أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾: عندما قالوا للملك: أضغاث أحلام، ولم يشاؤوا تفسير هذا الحلم للملك خوفًا، كان السّاقي موجودًا بينهم، يسكب لهم الخمر، فقال لهم: أنا أعرف من يفسّر الحلم، فأرسلوني إلى يوسف الموجود في السّجن، فهو يعلم تأويل الأحلام.

الآية رقم (46) - يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ

انتقلنا الآن من قصر الملك إلى السّجن، وقد نقل السّاقي الكلام إلى يوسف داخل السّجن.

الآية رقم (47) - قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ

﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾: تزرعون سبع سنين متوالياتٍ خصيباتٍ، يكون فيهنّ مطرٌ وزرعٌ وخيرٌ وخصبٌ.

﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾: يعطيهم سيّدنا يوسف النّصائح، ولننظر الآن في القرن الحالي الإصلاح الزّراعيّ وعمليّات الإرشاد الزّراعيّ، عندما تريد أن تخزّن محصول القمح عليك أن تترك المحصول في سنابله كي لا يُصاب بالتّسوّس، فانظر كيف قال يوسف عليه السّلام منذ ذلك العهد: اتركوه في سنبله.

الآية رقم (48) - ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ

﴿لِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾: سبع سنواتٍ شِدادٌ، ستأتي على الأرض والمخازن بما فيها، وذلك من شدّة الجوع والحرّ والقحط، ولعدم نزول المطر.

الآية رقم (49) - ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ

﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: فهو عام خيرٍ.

﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: أي يعصرون العنب.

وهذا الكلام غير موجود في رؤيا الملك، لكنّ يوسف عليه السّلام أضافه إلى الحلم، كي يبرهن للنّاس أنّه نبيٌّ، وهذا وحيٌ من الله سبحانه وتعالى، ثمّ خرج السّاقي مباشرةً وأخبر الملك.

الآية رقم (50) - وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾: عندما سمع الملك تفسير الرّؤيا طلب أن يخرجوا يوسف ويحضروه إليه.

وقد كان يوسف عليه السّلام قد تعرّض لثلاث مِحنٍ، وهو الآن في المرحلة الأخيرة من مِحنة السّجن، وبدأت المِحن تنتهي بنهاية هذه المحنة الثّالثة، وكانت المحنة الأولى عندما ألقاه إخوته في الجبّ، والمِحنة الثّانية هي ما قامت به امرأة العزيز من مراودته عليه السّلام وهذه المِحنة الأخيرة وهي السّجن.

﴿ائْتُونِي بِهِ﴾: قال الملك: ائتوني به.

﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾: جاء رسولٌ من عند الملك لإخراجه من السّجن.

﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾: قال رسول الله ﷺ: «ولو لبثت في السّجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»([1])، لكنّ يوسف عليه السّلام رفض أن يخرج.

﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ﴾: دعه يجمع النّسوة اللّواتي حاولن المراودة مع امرأة العزيز.

([1]) صحيح البخاريّ: كتاب التّفسير، باب سورة يوسف، الحديث رقم (4417).

الآية رقم (35) - ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ

بعد ما اتّضحت الآيات الدّالّة الواضحة على أنّ قميص يوسف قُدّ من دبرٍ، وأنّها هي الّتي راودته عن نفسه، وهو استعصم، وانتشر النّبأ، وأخبرت امرأة العزيز النّسوة عندما جمعتهنّ في بيتها، أراد العزيز أن يغطّي على هذا الأمر حفاظًا على سمعته، فلفّقوا له تهمةً ووضعوه في السّجن، وهنا تبدأ الـمِحنة الثّالثة.

وفي نفس الوقت اتّهم السّاقي والخبّاز الّذَين في القصر بأنّهما وضعا سمًّا للملك، وأدخلوا الثّلاثة، يوسف والخبّاز والسّاقي إلى السّجن.

الآية رقم (36) - وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ﴾: دخل السّجن مع يوسف فتيان، ومرّت فترةٌ، وشاهدوا من يوسف الصّلاح والمسلَك القويم.

﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ﴾: وبعد فترةٍ شاهد كلٌّ منهما رؤيا، فأخبراه بها.

﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾: أي أعصر عنبًا.

﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: علموا أنّه من المحسنين من سلوكه وأخلاقه داخل السّجن، فطلبوا منه عندما رأوه بهذا الصّلاح وهذا الإحسان أن يفسّر لهما ما أخبراه به من الرّؤى.

الآية رقم (37) - قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ

﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا﴾: أبدى لهم بعض المعجزات الّتي تحدث معه، فهو لم يجبهم على الرّؤيا، إنّما قال: قبل أن يأتيكم الطّعام أعرف ما هو الطّعام الّذي سيأتي.

﴿ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾: وجد سيّدنا يوسف عليه السّلام نفسه في السّجن مع مجموعةٍ كبيرةٍ، فبدأ يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، فلفتهم إلى ربّه جلَّ جلاله.

﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ﴾: وهؤلاء السّجناء من هؤلاء القوم، لكنّه أدباً لـمّح بهم ولم يُصرّح.

﴿مِلَّةَ قَوْمٍ﴾: دين قومٍ.

﴿لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: لا يؤمنون؛ أي أنتم لا تؤمنون بالله سبحانه وتعالى ولا باليوم الآخر.

الآية رقم (24) - وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: الهمّ هو حديث النّفس بالشّيء، إمّا أن يأتيه الإنسان أو لا يأتيه، فامرأة العزيز همّت به، وقالت: هيت لك.

﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: لولا: باللّغة حرف امتناعٍ لوجود، كقولك: لولا زيدٌ عندك لأتيتك، والقرآن الكريم يتحدّث عن النّفس البشريّة، فمن طبيعة البشر بمثل هذه الظّروف أن يهمّ بها، لكنّ الله سبحانه وتعالى ينفي هنا الحدث، فبرهان ربّه عزَّ وجلّ سابقٌ على الهمّ، فلولا أن رأى برهان ربّه لكان قد همّ بها، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أبلغ وأعظم، لتبيّن بأنّه من الطّبيعيّ أن يهمّ بها لجمالها ومكانتها، لكنّ برهان الله جلَّ جلاله عند يوسف عليه السّلام كان سابقًا على الهمّ.

﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾: الفحشاء؛ أي الزّنى، والسّوء هو مجرّد فكرة الهمّ.

﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: يقرّر القرآن الكريم أنّ يوسف عليه السّلام من عباد الله عزَّ وجلّ الـمُخلَصين، وفي هذا ردٌّ على الشّيطان -لعنه الله- الّذي قال عندما طُرد من رحمة الله عزَّ وجلّ بعصيانه واستكباره: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)﴾ {ص}.

الآية رقم (25) - وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾: أي حاول كلاهما الوصول إلى الباب قبل الآخر، وتسابقا، وهنا ذكر المولى سبحانه وتعالى بابًا واحدًا، مع أنّه في الآية السّابقة قال: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾؛ أي أنّ هناك أكثر من بابٍ، وهنا المراد أنّه وصل إلى الباب الأخير.

﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾: مزّقت قميصه.

﴿مِن دُبُرٍ﴾: أي سبقها؛ لأنّها شدّت قميصه من الخلف، فتمزّق القميص في يدها.

﴿وَأَلْفَيَا﴾: وجدا.

﴿سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾: أي العزيز، والمفاجأة كانت بظهور العزيز أمام الباب الأخير.

﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هنا وبشكلٍ سريعٍ ألقت هذه المرأة الاتّهام على يوسف عليه السّلام على شكل سؤالٍ لتبرّر موقفها، وحدّدت العقاب مباشرةً.