الآية رقم (60) - وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ﴾: لماذا سمّى المولى سبحانه وتعالى النّوم وفاة؟ وهل قانون النّوم هو ذاته قانون الوفاة؟ وما هي العلاقة بين النّوم والوفاة؟ الجواب: أوّلاً لنفهم ما هو النّوم، النّوم ليس عمليّةً اختياريّةً من الإنسان، بدليل أنّ الله سبحانه وتعالى إذا سلّط هموماً على بعض النّاس فإنّهم لا يستطيعون النّوم، إذاً النّوم عمليّةٌ قصريّةٌ خلقها الله سبحانه وتعالى في الإنسان لتردعه عن الحركة، أمّا الوفاة فهي خروج الرّوح من الجسد، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يقول لنا: إيّاكم أن تظنّوا أنّ وجود الرّوح في الجسد هو الّذي يعطي للإنسان الحياة والحركة والتّصرّف، إنّي سأحتفظ بالرّوح في الجسد، ولن يستطيعَ الجسدُ التّصرّف الاختياريّ، فعند النّوم لا تستطيع أن تتصرّف اختياريّاً، فلا تحرّك يدك ولا قدمك ولا تقوم بأيّ فعلٍ باختيارك، إذاً النّوم نعمةٌ من الله سبحانه وتعالى، ولذلك إن أردت أن تنام فذلك ليس بمقدورك، ولكنّه بمقدور الحقّ سبحانه وتعالى، يقول العلماء: النّوم ضيفٌ إذا طلبته أتعبك، وإن طلبك أراحك، النّوم آيةٌ كاملةٌ بمفردها، ولا يأتي النّوم فقط باللّيل، وإنّما قد يكون بالنّهار؛ لأنّ هناك أناساً يعملون في اللّيل، وفي النّوم نرى أحلاماً وألواناً، ولكن بماذا نرى الألوان والأحلام؟ العين مغلقةٌ فكيف نرى؟ هناك قانونٌ للنّوم يختلف عن قانون اليقظة، عندما نقوم بفعلٍ أو بحركةٍ نحتاج إلى زمنٍ، بينما أثناء النّوم نسافر إلى أقصى الأرض ونعود، ونقوم بعمليّاتٍ كثيرة ولا نستغرق أكثر من سبع ثوانٍ فقط، فنحن نخرج من قانون الزّمان أيضاً، وهذا يدلّنا أنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يبيّن لنا بأنّ للنّوم قانوناً، وهو يقرّب إلينا الأمر، فقد ترك الرّوح في الجسد، وعطّل الحركات الاختياريّة الّتي نفعلها حال اليقظة، كتحريك اليد، فهذه حركةٌ اختياريّةٌ وليست حركةٌ اضطراريّةٌ، بينما دقات القلب حركةٌ اضطراريّةٌ لا نستطيع أن نتحكّم بها، إذاً سمّى الحقّ سبحانه وتعالى النّومَ وفاةً، وسمّى الاستيقاظ بعثاً؛ لذلك قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنها الجنّة أبداً أو النّار أبداً»([1]).

وَهُوَ: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، والواو استئنافية

الَّذِي: اسم موصول في محل رفع خبر

يَتَوَفَّاكُمْ: مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والميم للجمع، والفاعل يعود إلى الاسم الموصول

بِاللَّيْل: متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة صلة الموصول لا محل لها.

وَيَعْلَمُ ما: فعل مضارع واسم الموصول مفعوله، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو والجملة معطوفة

جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ: فعل ماض تعلق به الجار والمجرور بعده والتاء فاعله، والجملة صلة الموصول لا محل لها.

ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ: الجملة معطوفة

لِيُقْضى أَجَلٌ: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن المضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف والمصدر المؤول من أن المضمرة والفعل في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل «يَبْعَثُكُمْ»

أَجَلٌ: نائب فاعل

مُسَمًّى: صفة أجل

ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ: إليه: متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ مرجعكم والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها

(ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ): بعدها معطوفة

بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: ما اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بالفعل قبلهما

(كُنْتُمْ): صلة الموصول لا محل لها

(تَعْمَلُونَ): في محل نصب خبر كنتم.

يَتَوَفَّاكُمْ: التّوفي: الأخذ التّام الكامل، أو استيفاء الشيء أو إحصاء عدده، ثم أطلق التّوفي على الموت لأن الأرواح تقبض وتؤخذ أخذًا تامًا، كما أطلق على النوم، وليس ذلك موتا حقيقة، بل هو قبض الأرواح عن التّصرّف بالنّوم كما يقبضها بالموت.

جَرَحْتُمْ: عملتم وكسبتم بالجوارح، والجرح كالكسب يطلق على الخير والشّرّ، والاجتراح: فعل الشّرّ خاصة، كما في قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ)[الجاثية 45/ 21] .