الآية رقم (111) - لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ

يتآمر اليهود دائماً على المسلمين ويمكرون بهم، ولقد حاولوا -كما تبيّن لنا- أن يوقعوا بين الأوس والخزرج، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يطمئن الأمّة، ويُطمئن صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ذلك الوقت أنّ اليهود: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى، فما الفرق بين الضّرر وبين الأذى؟

الضّرر: يأتي بعده تبعات، ويبقى له أثر.

الأذى: يذهب بوقته، ليس له تبعات.

مثال توضيحيّ: لو ضرب أحدهم شخصاً ما بيده، فإنّه سيتألّم بوقتها ثمّ يزول الأثر فهذا أذى، أمّا إن ضربه بحجر فجرحه وأسال له الدّم وبقي الأثر فهذا ضرر. فمهما عمل اليهود فإنّهم لن يضرّوكم إلّا أذى، فالنّاتج عن كيدهم أذى مؤقّت ليس له أثر كبير.

﴿وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ: فإن قاتلوكم انهزموا وخُذِلوا، وجبن اليهود معروف، فهم لا يقاتلون إلّا من وراء جُدُر.

وهنا إعجاز لغويّ، وهو أنّ جواب الشّرط ﴿يُوَلُّوكُمُمجزوم، و ﴿ثُمَّ حرف عطف، فكان المفروض أن يأتي فعل ﴿يُنصَرُونَمجزوماً؛ لأنّه معطوف على فعلٍ مجزوم، لكنّه جاء هنا غير مجزوم، فلو قال: (ثمّ لا يُنصروا)، لكان يؤرّخ لمعركة واحدة فقط جرت بين المسلمين وبين اليهود، وسبق أن قلنا: إنّ هناك خصوصيّة في السّبب، لكنّ المهمّ هو عموميّة المعنى، والله سبحانه وتعالى لا يؤرّخ لحدث معيّن وإنّما يعطي عموميّة، فحتّى تكون صالحة لكلّ زمان جاءت هنا: ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ، فجعلها قانوناً عامّاً في كلّ وقت من الأوقات، أي إنّهم لن يُنصروا أبداً، ولن يضرّوكم إلّا أذى، ولن يكون لهم النّصر الحاسم على أمّة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ، وكذلك استخدام كلمة ﴿ثُمَّ لتدلّ على التّراخي الزّمنيّ، أي في كلّ لقاء في الأزمنة القادمة لن يكون لهم النّصر الحاسم.

لَنْ: حرف نصب

يَضُرُّوكُمْ: مضارع منصوب بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل والكاف مفعول به والجملة مستأنفة

إِلَّا أَذىً: إلا أداة استثناء أذى مستثنى منصوب والتقدير: لن يضروكم ضررا شديدا إلا ضرر أذى

وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ: الواو عاطفة إن شرطية يقاتلوكم مضارع مجزوم بحذف النون ومثله «يُوَلُّوكُمُ»

الْأَدْبارَ: مفعول به ثان

ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ: ثم حرف عطف وقد أفادت هنا الاستئناف لأن الفعل الذي وليها لم يجزم لا نافية ينصرون فعل مضارع مبني للمجهول ونائب فاعل والجملة مستأنفة.

أَذىً: أي ضرراً يسيراً كالسب باللسان والوعيد.

يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ: كناية عن الانهزام أي يكونوا منهزمين

ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ: وعد مطلق من الله للمسلمين في الماضي، كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم أنهم بعد التولي مخذولون غير منصورين

لا تنهض لهم قوة بعدها، ولا يستقيم لهم أمر، وكان ذلك كما أخبر في هزيمة طوائف اليهود في المدينة وهم «بنو قريظة وبنو ا

لنضير وبنو قينقاع» ويهود خيبر.

والتراخي في ثُمَّ هو في المرتبة.