الآية رقم (72) - لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ - لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ - أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

وقد جَمَعتُ الآيات؛ لأنّنا أمام عقيدة النّصارى، وهذه الآيات تبرز عقيدة المسلمين فيما يتعلق بالسّيّد المسيح عليه السَّلام، وحتّى يكون الأمر واضحاً وجليّاً للنّاس جميعاً يجب ألّا نبتر آيات القرآن الكريم، فسنجد كيف أعطانا الله سبحانه وتعالى الحكم الّذي يجب أن يكون سلوكيّاً فيما يتعلّق بالإخوة المسيحيّين، فهناك اختلافٌ في العقيدة بين المسلمين وبين المسيحيّين، وهذا الاختلاف هو في هذه الآيات الثّلاث، فعلينا أوّلاً أن نناقش الأمر العقائديّ بالفكر والعقل وليس بالخصام ولا بالعداوات ولا بالأثر السّلبيّ في الاختلاف بين الدّين الإسلاميّ والدّين المسيحيّ.

نبدأ بموضوع التّكفير: وهو أخطر المواضيع الّتي ابتلي بها المسلمون منذ عصر الخوارج عندما وقفوا في وجه الصّحابة وكفّروا أكبرهم وهو الإمام عليّ كرّم الله وجهه إلى عصرنا الحالي. فكلّ الحركات التّكفيريّة اعتمدت على مبدأ أنّ كلمة كفر يقابلها القتل، وهؤلاء نسمّيهم تكفيريّين: أي أنّهم حوّلوا القضيّة الفكريّة العقائديّة إلى قضيّةٍ سلوكيّةٍ وهي ارتكاب الجرائم، فهم يقولون: إنّ ديننا دين تكفيرٍ، وينسبون للدّين ما أراده أعداء الدّين، ويعاقبون النّاس على القضيّة العقائديّة وكأنّهم وكلاء عن الله عزَّ وجل، وينسَون قول الله عزَّ وجل: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: من الآية 256]، وقوله جلَّ جلاله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية]، فلا يجوز لك أن تحاسب الإنسان غير المسلم، فإنّ الحساب لله عزَّ وجل، وهم يغيّرون الحكم الشّرعيّ. والله سبحانه وتعالى ما أذن للمسلمين أن يقاتلوا الكافرين إلّا إذا كانوا معتدين، فقال تبارك وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحجّ]، كلّ الآيات الكريمة توضّح بأنّ الله سبحانه وتعالى لا يحبّ المعتدين، وتوضّح حرمة النّفس البشريّة، وقد قسّم أهل الكتاب إلى قسمين: اليهود والنّصارى، ووضع الأساس في التّعامل مع اليهود ومع النّصارى بقوله عزَّ وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة]، وقدّم اليهود على الّذين أشركوا، وهم أشدّ النّاس عداوةً للمسلمين.