الآية رقم (55) - فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

(فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ ): يبيّن المولى سبحانه وتعالى بأنّهم لا يستحقّون الإعجاب بما عندهم من مالٍ أو أولاد، فالإنسان يُعجب بالمال والأولاد، وهذا الاستحسان زمانه الدّنيا فقط، وأيّ شيءٍ سيتركك وتتركه فلا يستحقّ الإعجاب، فلن يبقى مع الإنسان سوى الحيّ القيّوم، والنّاس دائماً يعملون في هذه الحياة الدّنيا من أجل تحصيل الأموال لتأمين الأولاد، التّأمين لا يكون إلّا من الله سبحانه وتعالى، فأن تجمع المال من حرامٍ من أجل أن تؤمّن أولادك فسيكون هذا المال وبالاً عليك وعلى ورثتك وأولادك، إذاً استحسان المال والولد لا يستحقّ هذا الإعجاب؛ لأنّه دنيا زائلةٌ وهي عرضٌ زائلٌ، ومهما طال العمر بالإنسان فإنّه سيلاقي الموت.

(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): كيف يعذّبهم الله عزّ وجلّ بالمال وبالأولاد؟ أوّلاً: النّعم تلهي عن المنعم هذا نوعٌ من العذاب، ثانياً: عابد المال يجمعه من حرام فيُربّي أولاده بالحرام فيُصبح الأولاد عذاباً لآبائهم وأُسرهم نتيجة هذا الحرام، وكذلك فإنّ الإنسان مهما تعدّدت وظائفه فالشّيء الوحيد الّذي يجتمع عليه النّاس جميعاً ويتساوى فيه النّاس جميعاً هو الموت، لذلك عليك أن تستقبل الموت منذ وجودك في هذه الحياة؛ لأنّ الموت هو اللّحظة الفارقة الّتي ينتقل فيها الإنسان من حياة الأعمال إلى دار الخلود والجزاء على الأعمال، فهذه الحياة إنّما هي مزرعةٌ للآخرة، وكلّ من ينظر إليها بغير ذلك فالوقائع تكذّبه، يقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل»([1])، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «ما لي وما للدّنيا، ما أنا في الدّنيا إلّا كراكبٍ استظلّ تحت شجرةٍ ثمّ راح وتركها»([2])، هذا المثل الّذي ضربه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يمكن لوقائع الحياة أن تكذّبه أبداً:

نسير إلى الآجال في كلّ لحظةٍ
ولم أر مثل الموت حقّاً كأنّما
وما أصعب التّفريط في زمن الصّبا
ترحّل من الدّنيا بزادٍ من التّقى                     .
  وأعمارنا تُطوى وهنّ مراحلُ
إذا ما تخطّته الأمانيُّ باطلُ
فكيف به والشّيب للرّأس شاملُ
فعمرك أيّامٌ وهنّ قلائلُ
.

هذه هي حقيقة الحياة الدّنيا، كان سيّدنا الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يقول: “مسكينٌ ابنُ آدَمَ، مَكتومُ الأجل، مَكنونُ العِلَل، محفوظ العمل، تؤلِمه البقَّة، وتقتله الشَّرْقَةُ، وَتُنتِنهُ العَرْقَة، عجبت كيف يفرح بالدّنيا مَن يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح بالدّنيا مَن تقوده حياته إلى موته ويقوده عمره إلى أجله”، هذه هي الحقيقة، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، يعذّبهم عندما يتركونها تكون هي العذاب، هذا الإنسان عندما سيموت أشدّ ما يعذّبه هو تعلّقه بالمال وبالأولاد، واللّام هي لام الصّيرورة، لام العاقبة، وليست لام التّعليل.

(وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ): تزهق؛ أي تخرج أنفسهم بصعوبةٍ؛ لأنّ الإنسان الّذي يعمل الموبقات ويجمع الأموال من حرامٍ عندما تخرج روحه تخرج بصعوبة. وهم قد كفروا بما جاء به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الرّقاق، باب قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل»، الحديث رقم (6053).
([2]) سنن التّرمذيّ: كتاب الزّهد، باب 44، الحديث رقم (2377).

فَلا تُعْجِبْكَ: الفاء استئنافية. لا ناهية جازمة.

تُعْجِبْكَ: مضارع مجزوم والكاف مفعوله

أَمْوالُهُمْ: فاعله.

وَلا: الواو عاطفة.

لا: معطوفة على لا الأولى.

أَوْلادُهُمْ: اسم معطوف على أموالهم.

إِنَّما: كافة ومكفوفة.

يُرِيدُ اللَّهُ: فعل مضارع ولفظ الجلالة فاعله والمصدر المؤول من «أن»

يعذبهم: في محل نصب مفعول به

بِها: متعلقان بيعذب وكذلك الجار والمجرور «فِي الْحَياةِ» والجملة تعليلية لا محل لها.

الدُّنْيا: صفة

(وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ): معطوفة.

وَهُمْ كافِرُونَ: مبتدأ وخبر والجملة في محل نصب حال بعد واو الحال.

فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ: أي لا تستحسن نعمنا عليهم، فهي استدراج

لِيُعَذِّبَهُمْ: أي أن يعذبهم

فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: بما يلقون في جمعها من المشقة وما فيها من المصائب

وَتَزْهَقَ: تخرج

وَهُمْ كافِرُونَ: فيعذبهم في الآخرة أشد العذاب