الآية رقم (243) - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ

هنا انتقال بعد شقاق اختياريّ بالطّلاق، أو افتراق قدريّ بالوفاة، أتى القرآن الكريم على أهمّ وأخطر قضيّة قدريّة تتعلّق بالإنسان وهي الموت، ليعطي الطّبيعة الإيمانيّة لمن يتمسّك بهذا الدّين.

(أَلَمْ تَرَ): الحديث لسيّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن يجري الأقدار لا يتركها بلا أحكام، والله سبحانه وتعالى هو الّذي يجري الأقدار فيضع الأحكام، ولا بدّ منّ أن يبيّن عندما وضع الأحكام طبيعة هذه الأقدار، فأوّل شيء على الإطلاق هو موضوع الموت، (أَلَمْ تَرَ): هو لم ير قطعاً، فلماذا لم يقل: ألم تسمع؟ لأنّ وسيلة العلم هي السّماع عندما تعلم بشيء خبريّ تاريخيّ.

هذه القضيّة هي قضيّة لشعب من بني إسرائيل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ): قضيّة لم يرها النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كما لم ير أصحاب الفيل، عندما كان في بطن أمّه آمنة فقال له الله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [الفيل]، هو لم ير بل سمع بما حدث، لكن أنت تعرف الأحداث بماذا؟ أنت تتعامل بالحواسّ، فعندما تسمع فأنت تسمع بالحاسّة لكن عندما ترى فالرّؤية أصدق من السّمع، أصدق شيء هو الرّؤية، عندما يكون الله الّذي يتحدّث فهو أصدق القائلين، فالخبر الّذي يأتيك بالرؤية أقوى، الأمر الّذي ترى ليس كالّذي تسمع، قال عليه الصّلاة والسّلام: «ليس الخبر كالمعاينة»([1])، حاسّة الرّؤية تُصدّق أكثر؛ لأنّك ترى، وإذا كان الّذي أخبر هو الله، وهو الّذي خلق الحواسّ، وهو أصدق من الحواسّ، فإذا قال لك شيئاً كان أصدق من أن ترى بعينك، لذلك يقول: (أَلَمْ تَرَ) فكأنّك رأيت، أنت سمعت، لكنّك كأنّك رأيت؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي أخبر، وهو الّذي خلق الحواسّ، فهو أصدق من الحواسّ.

أَلَمْ: الهمزة للاستفهام لم حرف جازم

تَرَ: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة والفاعل أنت

إِلَى الَّذِينَ: متعلقان بالفعل تر

خَرَجُوا: فعل ماض وفاعل

مِنْ دِيارِهِمْ: متعلقان بخرجوا والجملة صلة الموصول

وَهُمْ: الواو حالية هم ضمير منفصل مبتدأ

أُلُوفٌ: خبر

حَذَرَ: مفعول لأجله

الْمَوْتِ: مضاف إليه

فَقالَ: الفاء عاطفة قال فعل ماض

لَهُمُ: متعلقان بقال

اللَّه: لفظ الجلالة فاعل

مُوتُوا: فعل أمر وفاعل والجملة مقول القول

ثُمَّ: حرف عطف

أَحْياهُمْ: فعل ماض ومفعول به والفاعل هو يعود إلى الله

إِنَّ اللَّهَ: إن ولفظ الجلالة اسمها

لَذُو: اللام المزحلقة

ذو: خبر مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة

فَضْلٍ: مضاف إليه

عَلَى النَّاسِ: متعلقان بفضل

وَلكِنَّ: الواو عاطفة لكن حرف مشبه بالفعل يفيد الاستدراك

أَكْثَرَ: اسمها منصوب بالفتح

النَّاسِ: مضاف إليه

لا يَشْكُرُونَ: لا نافية يشكرون فعل مضارع وفاعل والجملة في محل رفع خبر لكن.

أَلَمْ تَرَ: استفهام تعجيب واعتبار وتشويق إلى استماع ما بعده، أي ألم ينته علمك، والرؤية بمعنى العلم، إذ الاستفهام الحقيقي محال على الله.

وَهُمْ أُلُوفٌ: أربعة أو ثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفاً، وهو جمع كثرة، والقلّة: آلاف

ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة.

حَذَرَ الْمَوْتِ: مفعول لأجله، وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففرّوا

والحذر: الخوف والخشية.

مُوتُوا: أي فماتوا.

ثُمَّ أَحْياهُمْ: بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيّهم حزقيل، فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت، لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن، واستمرت

في أسباطهم.

لَذُو فَضْلٍ: ومنه إحياء هؤلاء.

وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ: وهم الكفار.

لا يَشْكُرُونَ: القصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال