الآية رقم (84) - قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ): قل: تقتضي أن يأتي بعدها بصيغة المفرد، تقتضي أن يأتي بعدها: (آمنت)، لكن في القرآن الكريم كلّ كلمة جاذبة لمعناها، فالقرآن الكريم خطابٌ للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلّم، وكلّ خطابٍ للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلّم مأمورةٌ به أمّة النّبيّ؛ لذلك: (قُلْ آمَنَّا)، وليس (قل: آمنت).

(وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ): أرأيتم وحدة الرّسالات السّماويّة؟

والأسباط: هم بطون بني إسرائيل المتشعّبة من أولاد إسرائيل -وهو يعقوب- الاثني عشر.

(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ): كلّنا له خاضعون.

الآية رقم (68) - إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ

(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) فأولى النّاس بإبراهيم عليه السلام ليس الّذين جاؤوا من ذريّته، بل الّذين اتّبعوه، ونبيّنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم قد اتّبع إبراهيم؛ لذلك لا علاقة لإبراهيم بمن جاء من نسله ممّن حرّفوا المنهج ولم يواصلوا الإيمان، فقد حسم الله سبحانه وتعالى هذه القضية مع إبراهيم عليه السلام عندما قال سبحانه وتعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة].

الآية رقم (83) - أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

ينكر سبحانه وتعالى على من أراد ديناً سوى دين الله الّذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله، وهو عبادته وحده لا شريك له، الّذي أسلم له من في السّماوات والأرض، أي: استسلم له من فيهما طوعاً وكرهاً، كما قال سبحانه وتعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) [الرّعد]، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) [النّحل].

فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله سبحانه وتعالى، والكافر مستسلم لله سبحانه وتعالى كرهاً، فإنّه تحت التّسخير والقهر والسّلطان العظيم الّذي لا يُخالف ولا يُمانَع.

الآية رقم (67) - مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

(ما كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا): وهذا تأكيد أنّ إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديّاً؛ لأنّ اليهوديّة جاءت من بعده، ولم يكن نصرانيّاً؛ لأنّ النّصرانيّة جاءت من بعده.

(وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا): معنى حنيفاً أي مائلاً عن الشّرك إلى التّوحيد.

الآية رقم (82) - فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

(فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ): عن هذا العهد والميثاق، (فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

الآية رقم (66) - هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ

والخطاب ما زال مستمرّاً لبني إسرائيل، يقول الله سبحانه وتعالى لهم: لقد جادلتم فيما بقي عندكم من التّوراة، وتريدون أن تأخذوا الجدل على أنّه باب مفتوح، فتجادلوا في كلّ شيء، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه عالم الغيب والشّهادة جلّ وعلا.

الآية رقم (81) - وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ

يخبر سبحانه وتعالى أنّه أخذ ميثاق كلّ نبيّ بعثه من لدن آدم إلى عيسى عليه السلام، فمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلغ، ثمّ جاءه رسول من بعده ليؤمننّ به ولينصرنّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنّبوّة من اتّباع من بعث بعده ونصرته. أرأيتم وحدة المواكب الإيمانيّة، هنا يمنع التّعصّب، فكلّ نبيّ يؤمن بالنّبيّ الّذي قبله، فموكب الرّسالات من يوم أن خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان هو منهج متساند لا متعاند.

(قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي): إصري: عهدي.

الآية رقم (65) - يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

إنّ إبراهيم عليه السلام لا يمكن أن يكون يهوديّاً كما يدّعي اليهود، فاليهوديّة جاءت من بعده، وكذلك النّصرانيّة، فلمَ المحاجّة إذاً؟ لقد أُنزلت التّوراة والإنجيل من بعد إبراهيم عليه السلام، فكيف يكون تابعاً لهما؟!

الآية رقم (80) - وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ

ليس لبشر آتاه الله سبحانه وتعالى الكتاب والحكم والنّبوّة أن يأمر النّاس باتّخاذ الملائكة والنّبيّين أرباباً؛ لأنّه من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.

الآية رقم (64) - قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

وهذه آية عظيمة فالإسلام والقرآن الكريم يكرّم السّيّدة مريم العذراء والسّيّد المسيح، ويريد أيضاً أن يكون هناك توحيد للكلمة بين المسلمين والمسيحيّين، واجتماع الكلمة يكون على أن نعبد الله وحده، ولا نُشرك به أحداً.

(وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ): أي لا نجعل من بعضنا مشرِّعين يضعون الحلال والحرام، فذلك إنّما يكون من عند الله سبحانه وتعالى فقط.

الآية رقم (79) - مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ

(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ):

(وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ): يوجد قضيّتان تتعلّقان بالكتاب هنا:

1- العلم بالكتاب.

2- ودراسة الكتاب.

فإذاً العلم شيء والدّراسة شيء آخر، فالدّراسة هي بحث فكريّ.

الآية رقم (63) - فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ

(فَإِن تَوَلَّوْا): التّولّي عكس الإقبال، إمّا أن تُقبل على الشّيء وتَقبل به، وإمّا تتولّى وتُعرض.

(فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ): يريدون الإفساد ولا يريدون الحجّة والنّقاش والعقل والعلم والدّليل أنّ عيسى عليه السلام خلقه الله سبحانه وتعالى من غير أب.

الآية رقم (78) - وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

أي إنّهم يلوون ألسنتهم بالكلام الصّادر عن الله سبحانه وتعالى ليحرّفوه عن معانيه، واللّي: هو الفتل، فكانوا يلوون ألسنتهم بكلام يدّعون أنّه من المنهج المنزل من عند الله سبحانه وتعالى ، وما هو بذلك، ولكنّهم يفعلون ذلك للتّنقيص من مكانة الإسلام والطّعن على الرّسول صلَّى الله عليه وسلّم، كما قالوا من قبل: (رَاعِنَا) [البقرة: من الآية 104]؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى مُخاطباً المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة]، وكذلك حرّفوا فقالوا: (وقولوا: حنطة)، وهم قد فعلوا ذلك حتّى نحسب هذا التّحريف من الكتاب، وما هو من الكتاب.

الآية رقم (77) - إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

عهد الله: المقصود به العهد الموجود في التّوراة. فإذاً كلّ ما آمنوا به بالنّسبة للتّوراة وما جاء فيها من أوصاف النّبيّ صلَّى الله عليه وسلّم ووجوب اتّباعه حين بعثته نقضوه واشتروا به ثمناً قليلاً، فما هو الثّمن القليل؟

سبب النّزول:

قيل: إنّ جماعة في عهد جدب ومجاعة دخلت على كعب بن الأشرف اليهوديّ يطلبون منه الميرة -أي الطّعام- فقال لهم: هل تعلمون أنّ هذا الرّجل رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: إنّي هممت أن أطعمكم وأن أكسوكم، ولكنّ الله حرمكم خيراً كثيراً، فتساءلوا: لماذا؟ فكانت الإجابة: لقد أعلنتم الإيمان بمحمّد، فلمّا وجدوا أنفسهم في هذا الموقف، قالوا لكعب ابن الأشرف: دعنا فترة؛ لأنّه ربّما غلبتنا شبهة، فلنراجع فيها أنفسنا، وعندما مرّت الفترة فضّلوا الطّعام والكسوة على الإيمان، وقالوا لكعب بن الأشرف: لقد قرأنا في كتبنا الموجودة لدينا خطأ، ومحمّد ليس رسولاً، فأعطاهم القوت والكسوة. وهؤلاء هم الّذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، وهو الطّعام والكسوة.

الآية رقم (92) - لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ

البِرّ: هو السّعة، ومنها: البَرّ أي الأرض المتّسعة، مأخوذة من السّعة، مع أنّ البحار أكبر من اليابسة، لكنّ حركة الإنسان في البحار مقيّدة، لا يستطيع أن يتحرّك إلّا ضمن حدود السّفينة، بينما في البرّ فحركته مطلقة.

(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ): هنا المقصود الجنّة، فالإنسان يطلب الجنّة، لكنّه لن يحصل عليها حتّى يُنفق ممّا يحبّه، فالإنفاق برهان على الإيمان كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «والصّلاة نور والصّدقة برهان»([1])، فالإنسان عندما يُنفق من كدّه وسعيه في هذه الحياة في سبيل الله سبحانه وتعالى ويُعطي الفقراء والمحتاجين فهو يُبرهن على امتثاله لأمر الله سبحانه وتعالى، والرّضا بما أمر الله، واليقين أنّ ما عند الله سبحانه وتعالى هو خيرٌ وأبقى ممّا عند البشر.

وعمليّة الإنفاق هي معاملةٌ مع الله سبحانه وتعالى ، كما قال سبحانه وتعالى: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [البقرة: من الآية 245]،  ولم يقل: (من ذا الّذي يُقرض الفقراء)، فالتّعامل هنا مع الله، فإذا أردت أن تتعامل مع عظيم أو غنيّ أو صاحب جاه في الدّنيا فإنّك تُقدِّم أحسن وأحبّ ما عندك لتُرضيه، فكيف إذا كنت تتعامل مع الله؟! قال صلّى الله عليه وسلّم: «الخلق عيال الله، وأحبّ عباد الله إلى الله أنفعهم لعياله»([2])، والنّفعيّة تكون إمّا بإنفاق المال، أو بإنفاق الجاه، أو السّعي في حاجة النّاس.. فعندما تُنفق في سبيل الله، فأنت تُنفق في مصارف الزّكاة والصّدقات الّتي بيّنها كتاب الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (76) - بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

جاء قوله تعالى: (بَلَى) لينقض ادّعاء اليهود أنّه ليس عليهم في الأمّيّين سبيل.

 

الآية رقم (91) - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ

أي: من مات على الكفر فلن يقبل منه عمل خير أبداً، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهباً فيما يراه قربة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهليّة يصل الرّحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا ينفعه، إنّه لم يقل يوماً: ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين»([1]). وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضاً ذهباً ما قُبل منه، كما قال تعالى: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: من الآية 123]، وقال سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة]،  ويقتضي ذلك ألّا ينقذ الكافر من عذاب الله شيء، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهباً، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرّها وبحرها. عن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلّم قال: «يُقال للرّجل من أهل النّار يوم القيامة: أرأيت لو كان ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلّا أن تشرك بي»([2]).

 


([1]) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدّليل على أنّ من مات على الكفر لا ينفعه عمل، الحديث رقم (214).
([2]) مسند أحمد بن حنبل: مسند المكثرين من الصّحابة، مسند أنس بن مالك رضي الله عنه الحديث رقم (12311).

الآية رقم (75) - وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

(بِقِنطَارٍ):  القنطار هو: القدر الكبير من المال.

(يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ): قيل: المقصود هنا النّصارى.

(وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ): قيل: المقصود هنا  اليهود.

(إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا): أي لا يؤدّي الأمانة إلّا بعد الملاحقة.

(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ): المقصود بالأمّيّين أهل مكّة والموجودون في المدينة، والكلام هنا عن اليهود والمسلمين. فاليهود يقولون: لا نرجع الأمانات للأمّيّين، فهم شرّعوا لأنفسهم التّفرقة في أداء الأمانة بين الأمّيّين وبين مَن كان على دينهم.

(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ): يعلمون أنّه كذب وينسبون ذلك لله، سبحانه وتعالى عمّا يقولون علّواً كبيراً، يقولون: إنّهم شعب الله المختار وهم كاذبون.

الآية رقم (90) - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ

يقول سبحانه وتعالى متوعّداً ومهدّداً لمن كفر بعد إيمانه ثمّ ازداد كفراً، أي: استمرّ عليه إلى الممات، ومخبراً أنّه لا يقبل لهم توبة عند مماتهم، كما في قوله تبارك وتعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) [النّساء].

(الضَّالُّونَ): أي: الخارجون عن المنهج الحقّ إلى طريق الغيّ.

الآية رقم (74) - يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

ليس لأحد حقّ على الله، فهو سبحانه وتعالى يُعطي رحمته بالإيمان بمنهجه لمن يشاء، وهو صاحب الفضل المطلق.