الآية رقم (248) - وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ): إنّ الله يريد أن يؤيّد هذا الملك الـمُختار من عنده بمعجزة تثبت أنّه الملك المرسل، ليس رسولاً بل هو واحد منهم، لكن اختاره المولى سبحانه وتعالى، والمعجزة الّتي معه: (أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ)، معجزة ملكه: (أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) ما هذا التّابوت؟ أين سمعنا عنه؟ عندما خافت أمّ موسى عليه أوحى الله تعالى إليها: (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ) [طه: من الآية 39]، إذاً التّابوت الّذي ذُكر في القرآن هو التّابوت الّذي وضعت أمّ موسى به موسى وألقته في اليمّ، هو أثر من آثار موسى عليه السَّلام سيأتي به هذا الملك، إذاً آثار الأنبياء وآثار الصّالحين الّتي حطّمها التّكفيريّون والّتي يحطّمون فيها الأضرحة ويحطّمون فيها كلّ ما نراه من آثار إسلاميّة، من الّذي جاء بها؟ من الّذي قال: إنّ (فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ)، عندما يُرى التّابوت الّذي أُلقي فيه موسى وأُلقي بالبحر فإنّ السّكينة والإيمان يملآن كيان الإنسان، كما إنّك عندما ترى القرآن، وعندما ترى شعرة من شعرات النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فتدخل السّكينة إلى قلبك، عندما ترى خاتم النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تدخل السّكينة إلى قلبك، عندما ترى المصحف الّذي نزل عليه دم سيّدنا عثمان رضي الله عنه، رغم وجود كلّ المصاحف لكن تصوّر بأنّك فتحت هذا المصحف، وقيل لك: هذا مصحف عثمان الّذي كان بين يديه يقرأ به عندما قُتل، فكيف تكون السّكينة والإيمان؟ إذاً هذه آثار الأنبياء والأولياء والصّالحين تُنزل السّكينة على القلوب، والله يقول ذلك ولسنا نحن الّذين نقول، والوهّابيّة حاربت كلّ هذا، وهذا أكبر ردّ عليهم.

الآية رقم (232) - وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ

(فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ): العضل: المنع، أي لا تمنعوهنّ، وهذا ما يحصل أحياناً ما بين أسرة الزّوج وأسرة الزّوجة بعد الطّلاق، وحديثنا الآن عن الطّلاق مرّتان، ليس عن الطلاق ثلاثة، لنفترض أنّهما يريدان أن يتراجعا إلى بعضهما، بالطّريقة الرّجعيّة ضمن العدّة، أو بعد أن تنقضي العدّة بمهر وعقد جديد، أو نتيجة طلقتين فإذاً هنا يقول الله سبحانه وتعالى لهم: لا تمنعوهما من أن يعودا إلى بعضهما؛ لأنّهما قد يرغبان بذلك، وقد يقف أهله أو أهلها دون عودتهما لبعضهما بزيادة البعد والخلاف والشّجار.

(إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ): الله سبحانه وتعالى يقول: (ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)

يأتي بعنصرين من عناصر الإيمان، ومعظم الآيات يقترن فيها الإيمان بالله بالإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالله هو القمّة، الإيمان باليوم الآخر هو أن تستشعر الحساب؛ لأنّ الإنسان من دون أن يشعر أنّ هناك حساباً وعقاباً لا يرتدع عن ظلمه، بعض النّاس يصوّر الدّين على أنّه رحمة مطلقة للمؤمن والكافر والطّائع والعاصي، وأنّه لا يوجد جنّة أو نار، أو كلّ النّاس ستدخل الجنّة ولا يوجد عذاب!! هذا كلام لا يستند إلى دليل، ومخالف لصريح القرآن الكريم، لماذا؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى دائماً عندما يرّغب يرهّب: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر]، إذاً دائماً يقول: الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، كما في هذه الآية الكريمة: (ذَٰلِكَم يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [الطّلاق: من الآية 2]؛ لأنّه في اليوم الآخر تكشف الصّحائف ويحاسب الإنسان، ومصير المحسن إلى الجنّة ومصير المسيء إلى النّار، فإذاً يجب دائماً أن تضع هذا المعيار نصب عينيك.

الآية رقم (247) - وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

هذه طبيعة شعب بني إسرائيل، والله سبحانه وتعالى حدّد للنّبيّ من سيكون ملكاً عليهم، ورغم ذلك اعترضوا، أخبرهم أنّ شخصاً من بينهم اسمه طالوت سيكون هو الملك، فكان جوابهم: (قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ)، لم يكن كما قيل حول هذا الموضوع، لم يكن من نسل بنيامين، ولا من نسل لاوي، لذلك رأوه ليس من نسب معيّن فرفضوا وقالوا: (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ) انظروا للمقاييس البشريّة، والمقاييس الإلهيّة، يريدون أن يكون له نسب معيّن، ويريدون أن يكون عنده مال، ما زالت طبيعة البشر هي ذاتها حتّى هذا اليوم، يركضون وراء الشّخص الّذي يملك المال، وليس وراء الشّخص الّذي لديه أخلاق أو قيم، إذاً المقياس بالنّسبة لهم مادّيّ، هذا شعب بني إسرائيل، وهذا درس حتّى لا يكون الإنسان الّذي يمتلك المال هو الّذي يمتلك الإنسان، إنّما الإنسان الّذي يمتلك القيم هو الّذي يمتلك الإنسان، وليس الإنسان الّذي يمتلك المال.

قال نبيّهم: (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) قوّة علميّة وقوّة ماديّة جسديّة، إذاً بماذا احتجّ النّبيّ عليهم؟ احتجّ بأنّ الله اختار، والاختيار كان بالعلم وبالقوّة النّافعة الّتي يتحكّم بها العلم، هذه حقيقة ديننا.

(وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ): واسع يعني كلّ ما في هذه الدّنيا تحت قبضة الله وسعة الله، وهو عليم بما ينفع الإنسان.

الآية رقم (231) - وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ): إذا طلقتم النّساء فبلغن أجلهنّ: أي انقضت عدّتهنّ، أو اقتربت العدّة فبقي يومان أو ثلاثة لتنتهي، فإمّا أن تقرّر أن تعيد الزّوجة، وإذا انقضت العدّة فتعمل عقداً ومهراً جديدين، وإمّا أن يكون الأمر انتهى، لكن كيف؟ بالمعروف، وبآيات أخرى بإحسان، مرّة بإحسان ومرّة بالمعروف، دائماً كلّ عناصر الخير في الإسلام.

(وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا): هناك مَن يستخدم حقّ عدم تطليق الزّوجة أو مُراجعتها من أجل الاعتداء على حقوقها، أو من أجل إعنات الزّوجة، ومن أجل مكارهتها، فنبّه الإسلام أنّ العدّة تكون في بيت الزّوجيّة: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا) لا أحد يظلم ربّه، وإنّما يظلم نفسه؛ لأنّه عندما يظلم زوجته فهو يظلم نفسه؛ لأنّ هذه الزّوجة أصبحت مظلومة ودعوتها عند ذلك ليس بينها وبين الله حجاب، فإذاً هو ظَلَم نفسه.

(وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا): آيات الله: أوامره، لماذا سمّيت آيات؟ ولماذا سمّي القرآن الكريم آيات؟ الآية هي المعجزة، وآيات القرآن الكريم سمّيت آيات؛ لأنّ كلام الله سبحانه وتعالى معجز، فإذاً عندما يقول: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) أي أوامر الله أي ما جاء من كلام الله سبحانه وتعالى لا تتّخذوه هزواً، وكيف يتّخذها الإنسان هزواً؟ عندما لا يأخذ الأوامر الّتي أمر الله سبحانه وتعالى عن قناعة وعن إرادة بأنّها جاءت من إله حكيم، عندما يهزأ كما يفعل بعضهم الآن ويحاول أن يختبئ وراء إصبعه ويهزأ من تشريعات الإسلام الّتي تُشرّف بني الإنسان.

الآية رقم (245) - مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

القرض: هو القطع بالنّاب لشيء شديد، (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ) فهل تتوقّع وأنت تتعامل بأنّك عندما تعطي الفقير، أو تعطي المحتاج، أو تقرض إنساناً محتاجاً بدون ربا، بأنّك أقرضت الله؛ لأنّ الله هو الّذي استدعاه إلى الحياة؛ ولأنّ الله هو الّذي أعطاك في هذه الحياة، وعلى من أعطاه الله ووسّع عليه في هذه الحياة أن يُعطي من استدعاه الله لهذه الحياة، فهو يكون قد أقرض الله ولم يقرض الإنسان، فأيّ عطاء للمحسن والمنفق على الفقراء والمحتاجين والمساكين والأيتام أكبر من أنّه يتعامل مع الله؟!

(قَرْضًا حَسَنًا): لماذا قال: حسناً؟ وقد كان ممكن أن تكون الآية حسب عقلنا (من ذا الّذي يقرض الله قرضاً فيضاعفه..)، لكنّه قال: (حَسَنًا)؛ لأنّك عندما تتعامل مع الله فلا تأتي بمال حرّمه الله، وبعد أن تلعب القمار أو تسرق أو ترتشي تقول: أنا أقرض الله، أنت لا تقرض الله فهذا القرض ليس قرضاً حسناً، القرض الحسن يجب أن يكون من مال حلال، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّباً، وإنّ الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال عزَّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [المؤمنون]»([1]).

(فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً): لم يحدّد كم سيضاعفه، (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة]، إذاً أنت تتعامل مع الغنيّ، تتعامل مع مَن خزائنه لا تنفد.

(وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ): فإذاً أقرضْ؛ لأنّك ستجد النّتيجة أضعافاً مضاعفة؛ لأنّه هو الّذي يقبض ويبسط عنك الرّزق والمال وكلّ شيء.

(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ): ذكّرك بموضوع الموت أنّك ستُرجع إليه، وأنّ هذا القرض سيكون أمامك، إن لم تره في الدّنيا فستراه في الآخرة.

 


([1]) صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصّدقة من الكسب الطيّب، الحديث رقم (1015).

الآية رقم (229) - الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

بعد الحديث عن أحكام العدّة بيّن الله سبحانه وتعالى ما شرع من الطّلاق فقال:(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ): أحكام الشّريعة الإسلاميّة هي للخير والصّلاح، فلا يكون إفساد في المجتمع والبيت والأسرة إلّا من مخالفة الإنسان لمنهج الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يدعو إلى السّلام وإلى القيم وإلى الأخلاق وإلى ما يُصلح المجتمعات.

هنا الحديث يتعلّق بالمرأة وبحقوقها، وما يتعلّق ببناء الأسرة وفق هذا الميثاق الغليظ، الّذي هو عقد الزّواج الّذي لا تنحلّ عراه والّذي يتمّ بالإيجاب والقبول وشهادة الشّهود والمهر، هذه أحكام العقد فيبيّن الآن أحكام الطّلاق في حال النّفور الكامل وعدم الطّريق للإصلاح فقال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنّي أسمع الله يقول: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) فأين الثّالثة؟ قال: «فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان هي الثّالثة»([1])، كذا الثّالثة الّتي لا يجوز للرّجل أن يعود بعدها إلّا إذا تزوّجت من غيره، الطّلاق ثلاث مرّات اثنتان لك، والثّالثة ليست لك، هكذا المعنى تماماً لذلك نقول: طَلَّقها بالثّلاثة، الطّلاق بالثّلاثة لماذا ليس باثنين؟ الله سبحانه وتعالى يقول: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ)؛ لأنّ الثّالثة لا تحلّ له بعدها، تلك الثّلاثة، أمّا الاثنان فيجوز إمّا إمساك بمعروف أي العودة أو تسريح بإحسان، أمّا الثّالثة فهي الطّلقة الّتي لا يجوز بعدها عودة، لذلك نحن نقول: إنّ الحكم بالنّسبة للطّلاق لا يجوز للرّجل أن يتلفّظ بألفاظ الطّلاق في جلسة واحدة كأن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، دون مرور زمن لكلّ فترة من هذه الفترات، والّتي هي في الفترة الأولى إمساك بمعروف، وفي الفترة الثّانية تسريح بإحسان، وفي الفترة الثّالثة طلاق بائن، لكن بأزمنة مختلفة حتّى يقع الطّلاق الثّلاث، فلا يعتقد بعضهم الأمر بهذه السّهولة أن يقول: أنتِ طالق طالق طالق، أو: عليّ الطّلاق بالثّلاثة، هذا يمين واحد، وهذه طلقة واحدة، وليست ثلاث طلقات، الثّلاث طلقات يجب أن تكون بأزمنة مختلفة وبأمكنة مختلفة.

الآية رقم (246) - أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ

(أَلَمْ تَرَ): ربُّ الحواسّ أصدق من الحواسّ إن هو أَخْبَر، (أَلَمْ تَرَ) كأنّك رأيت بل إخباره جلَّ جلاله أصدق من رؤية العين.

(إِلَى الْمَلَإِ): الملأ هم الوجهاء والأشراف الّذين يتصدّرون ويملؤون المجالس، مليء ويتصدّر تعني الملأ.

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ): في أيّة أيّام؟ لم يحدّد الله تبارك وتعالى، إذاً بعد موسى عليه السَّلام، وكان هناك أنبياء عدّة بعد موسى عليه السَّلام.

(إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): ماذا أفهم من هذا؟ أي كان هناك بعد سيّدنا موسى أنبياء لشعب بني إسرائيل، النّبيّ لم يكن مَلِك، كان هناك ملوك يمسكون مقادير الأمور، والنّبيّ فقط لأمور الدّين، فإذاً قالوا للنّبيّ: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إذاً نريد ملكاً حتّى نقاتل في سبيل الله سبحانه وتعالى.

(قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا): هذا ظنّه فيهم؛ لأنّه يعرف شعب بني إسرائيل، كلّما كُتب عليهم شيء يتحجّجون، هذا من معرفته السّابقة بتاريخ شعب بني إسرائيل، الّذي هو وراء كلّ الظّلمات الّتي تحيط بالعالم.

الآية رقم (230) - فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

بعد أن تحدّث المولى سبحانه وتعالى عن الطّلاق بأنّه مرّتان يقول سبحانه وتعالى: (فَإِن طَلَّقَهَا) هذه الطّلقة الثّالثة.

(فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) هذا حرص من الإسلام على حقوق المرأة وكرامتها، حتّى يمنع الرّجل من أن يتلاعب بموضوع الطّلاق، وحتّى لا يهدّد الطّلاق الحياة الأسريّة عند أيّ هزّة بسيطة أو لأيّ كلمة، فأراد الله سبحانه وتعالى ألّا تكون هذه الكلمة أبداً إلّا بألف حساب، وكما قلنا: الطّلاق مرّتان، وأعطى الفرصة الأولى، ويوجد طلاق رجعيّ وطلاق بينونة صغرى، والبينونة الصّغرى هي الّتي بعد العدّة، وبعد العدّة مهر وعقد جديدان، أمّا إذا كانت الطّلقة الثّالثة فلا الإمساك بمعروف ولا التّسريح بإحسان وكانت الطّلقة الثّالثة، فإذاً هنا الرّجل والمرأة يجب أن يبتعدا ويجب أن تتزوّج المرأة من رجل آخر حتّى تصبح حلالاً له مرّة أخرى، وإلّا لا تحلّ له بعد ذلك، وهذا التّشديد لمنع التّعسّف في الطّلاق، أو ترداد كلمة الطّلاق باستمرار على اللّسان؛ لأنّ الطّلاق يمين السّفهاء.

الآية رقم (244) - وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

إذاً تكاليف إيمانيّة متتاليّة كلّها أوامر وتكاليف إيمانيّة.

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) القتال في سبيل الله لا يعني القتال من أجل نشر الدّعوة إلى الله، القتال في سبيل الله عندما كانت الفتوحات الإسلاميّة في زمن الصّحابة كانت من أجل حماية حريّة اختيار النّاس، والآن هو لردّ العدوان كما قال سبحانه وتعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحجّ]، حتّى لا يقول التّكفيريون والإرهابيّون والقتلة: إنّهم يقاتلون في سبيل الله، وأنّهم يرفعون راية الدّعوة، إن الحكم إلّا لله، من الّذي قال لك: إنّ سبيل ذلك هو القتال؟ من أين شُرع هذا؟ وهذه هي الأحكام، ما يتعلّق بالطّلاق الآيات تُختم بـ: (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، هل نمسك السّيف على المرأة ونقول لها: ادخلي في العدّة وإلّا تُقتلي؟ هذا ليس دين إسلام، هذا تشويه لحقيقة الدّين، دين الإسلام رحمة، دين الإسلام محبّة، دين الإسلام عطاء، دين الإسلام لا يمكن إلّا أن يكون الخير للغير.

لماذا جاءت هنا (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)؟ حتّى الإنسان يحمي وطنه ويحمي عرضه ويحمي ماله، كما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد»([1])، حتّى تحمي ذلك ولا تخاف من الموت؛ لأنّ الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، لذلك جاءت هذه الآية ومن هذه الآية أيضاً يتفرّع الإنفاق، طالما أنّك لا تخاف من الموت، وتحسب حساب للآخرة، وتعلم أنّ الموت بيد الله، إذاً أنفق؛ لأنّ الإنفاق هو من التّكاليف الإيمانيّة، وهو ركن من أركان الإسلام، والقتال في سبيل الله فيه بذل للنّفس، والإنفاق في سبيل الله سبحانه وتعالى فيه بذل للمال، والمال غالٍ كما النّفس.

 


([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب الديّات، باب فيمن قُتل دون ماله فهو شهيد، الحديث رقم (1421).

الآية رقم (228) - وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ

التّشريع الإسلاميّ جاء من أجل الإنسان وكرامته وحقوقه، منهج الله تبارك وتعالى هو المنهج القويم الّذي يحقّق الغاية في سعادتَي الدّنيا والآخرة، للمرأة وللرّجل على السّواء، والطّلاق شرّعه الله حفاظاً وصيانة للمجتمع؛ لأنّ امتزاج شخصين امتزاجاً كاملاً يعتريه في بعض الأحيان ما يفسده، فإن لم يكن هناك مجال للإصلاح والتّمهّل والعودة والتّفاهم، فإنّ الحلّ يكون بالطّلاق وبانفصال الشّريكين عن بعضهما في حياتهما المشتركة منذ بدايتها كشراكة إنسانيّة، في بناء الأسرة والعيش المشترك، فشرع الله الطّلاق لهذه الضّرورة، وإذا نجحت الحياة الزّوجيّة في بعض الأسر، وساد التّفاهم والحبّ بين الزّوجين، قد لا تنجح في أُسر أخرى، ولا بين كلّ زوجين، وليست كلّ علاقة زوجيّة المثال الكامل للسّعادة بين الرّجل والمرأة، ولا بدّ من أن يحدث الخلاف وتضارب الأهواء والميول في بعض الأحيان، فإمّا أن يصطلحا وهو الأفضل و«أبغض الحلال إلى الله عزَّ وجلّ الطّلاق»([1])، كما قال نبيّنا صلَّى الله عليه وسلَّم صحيح أنّه هو أبغض الحلال، لكنّه أُحلّ للنّاس في حالات لا يكون العلاج إلّا من خلال الطّلاق، وهنا جاءت هذه الآيات:

الآية رقم (243) - أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ

هنا انتقال بعد شقاق اختياريّ بالطّلاق، أو افتراق قدريّ بالوفاة، أتى القرآن الكريم على أهمّ وأخطر قضيّة قدريّة تتعلّق بالإنسان وهي الموت، ليعطي الطّبيعة الإيمانيّة لمن يتمسّك بهذا الدّين.

(أَلَمْ تَرَ): الحديث لسيّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن يجري الأقدار لا يتركها بلا أحكام، والله سبحانه وتعالى هو الّذي يجري الأقدار فيضع الأحكام، ولا بدّ منّ أن يبيّن عندما وضع الأحكام طبيعة هذه الأقدار، فأوّل شيء على الإطلاق هو موضوع الموت، (أَلَمْ تَرَ): هو لم ير قطعاً، فلماذا لم يقل: ألم تسمع؟ لأنّ وسيلة العلم هي السّماع عندما تعلم بشيء خبريّ تاريخيّ.

هذه القضيّة هي قضيّة لشعب من بني إسرائيل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ): قضيّة لم يرها النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كما لم ير أصحاب الفيل، عندما كان في بطن أمّه آمنة فقال له الله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) [الفيل]، هو لم ير بل سمع بما حدث، لكن أنت تعرف الأحداث بماذا؟ أنت تتعامل بالحواسّ، فعندما تسمع فأنت تسمع بالحاسّة لكن عندما ترى فالرّؤية أصدق من السّمع، أصدق شيء هو الرّؤية، عندما يكون الله الّذي يتحدّث فهو أصدق القائلين، فالخبر الّذي يأتيك بالرؤية أقوى، الأمر الّذي ترى ليس كالّذي تسمع، قال عليه الصّلاة والسّلام: «ليس الخبر كالمعاينة»([1])، حاسّة الرّؤية تُصدّق أكثر؛ لأنّك ترى، وإذا كان الّذي أخبر هو الله، وهو الّذي خلق الحواسّ، وهو أصدق من الحواسّ، فإذا قال لك شيئاً كان أصدق من أن ترى بعينك، لذلك يقول: (أَلَمْ تَرَ) فكأنّك رأيت، أنت سمعت، لكنّك كأنّك رأيت؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي أخبر، وهو الّذي خلق الحواسّ، فهو أصدق من الحواسّ.

الآية رقم (227) - وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

إن زاد الإيلاء عن أربعة أشهر يحقّ للمرأة أن تطلب الطّلاق.

عندما وضع الإسلام أحكام الطّلاق وأحكام العدّة وما يتعلّق بهذه الأمور ضمن للإنسان كرامته وحقوقه، سواء كان رجلاً أم امرأة؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي خلق الزّوجين الذّكر والأنثى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: من الآية 13]، ونحن عندما نتحدّث عن النّساء وما يتعلّق بهنّ، يجب أن نعلم أنّ القرآن الكريم أفرد سورة من السّور الطّوال باسم (النّساء)، ولم يفرد سورة كاملة باسم الرّجال، وضرب الله مثلاً بامرأة فرعون فقال: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [التّحريم]، كذلك سمّى سورة بأكملها باسم البتول العذراء السّيّدة مريم، وتحدّث الله سبحانه وتعالى بإسهاب عن امرأة عمران جدّة المسيح عليه السَّلام، وليس عن عمران جدّ المسيح، هذه كلّها علامات تكريم للمرأة: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *  هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) [آل عمران]،  علّمت السّيّدة مريم، وهي امرأة، نبيَّ الله زكريّا عليه السَّلام أنّ الله تبارك وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب، كان الحديث عن جدّة المسيح عليه السَّلام ثمّ عن أمّ المسيح عليه السَّلام السّيّدة مريم عليها السّلام.

الآية رقم (241) - وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ

الآية السّابقة (حَقًّا عَلَى الْمُحْسنِين) [البقرة: من الآية 236]، الآن: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) إذاً كلّ المطلّقات بكلّ أنواع الطّلاق لهنّ متاع بالمعروف، أي نفقة للمطلّقة بكلّ أنواع الطّلاق إن كان هناك دخول أو كان لا يوجد دخول، إن كانت المطلّقة حاملاً أو لم تكن حاملاً.. فختم المولى سبحانه وتعالى آيات الطّلاق بآية واحدة: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) إذاً فرض النّفقة لكلّ أنواع الطّلاق، من يتكلّمون عن حقوق المرأة نحن نستغرب من أنّهم لا يقرؤون كتاب الله سبحانه وتعالى أو أنّهم يأخذون تفسير القرآن الكريم من غير مصادره الحقيقة، وعلى غير ما أراده الله سبحانه وتعالى، هناك تراكم موروث ممّا لصق بالمرأة من هضم للحقوق، لا يتعلّق بالشّريعة الإسلاميّة، وإنّما بأعراف وعادات لمجتمعات مرّت بعد المرحلة الذّهبيّة الّتي فهم فيها صحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن القرآن وعن سيّدنا رسول الله حقوق المرأة، فهُضمت هذه الحقوق ولم تُهضم من قبل ربّ النّاس، وإنّما من قبل النّاس، ولا بدّ من تصحيح هذه الأفكار في المجتمع.

الآية رقم (225) - لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ

(لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ): ليست القضيّة هي إطلاق يمين لغو، هناك لغو في اليمين: والله لا أفعل كذا، والله لأفعلنّ كذا، فهذا لغو في اليمين، فالله سبحانه وتعالى لا ينتظر الإنسان على السّقطة في الكلام، هذا لغو في الأيمان ولا يُعتبر أيماناً واقعة.

(وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ): وإنّما اليمين الواقع هو بما كسبت قلوبكم، أي عقدتم الأيمان عليه، أنت تحلف اليمين وأنت تقصد بهذا اليمين أن تفعل كذا، وليس أن تقول: والله إن لم آت غداً، وهو كلام لغو، لكن أن تقسم اليمين وهذا القلب الّذي أقسمت من خلاله اليمين هو مصرّ على هذا الفعل، فليست القضيّة قضيّة سقطة لسان بل إصرار قلب خصوصاً باليمين.

(وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ): بالعادة تذييل الآية تأتي: والله غفور رحيم، هنا جاءت (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) لتناسب الموضع؛ لأنّ كلمة حليم إذا وصفت إنساناً بها أيّ أنّه واسع الصّدر يتحمّل كثيراً يُقال عنه: حليم، طبعاً صفات الله لا تُقارن بصفات البشر، وصفات الله هي صفات الكمال والتّمام، فهو حليم بعباده رؤوف بهم، هنا جاءت مناسبة لغفور حليم أنّه وسع هذه الأخطاء الّتي يلوكها اللّسان ولا يقصدها القلب، لذلك يجب أن ننتبه عندما تحدّثنا عن الآيات المتعلّقة بحلف اليمين، أي  كفّارة اليمين، أمّا عن الطّلاق فتأتي الآيات التّالية لتتحدّث عن أحكام الطّلاق وما يتعلّق بها وكيف نجد أنّ النّاس قد حرّفوا معناها الحقيقيّ.

الآية رقم (242) - كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

ونبيّن للنّاس الذين يعتقدون بأنّ الإسلام هو وراء كلّ هضم لحقوق المرأة في المجتمعات الإنسانيّة.

إذاً كذلك كلّ ما مرّ سابقاً من آيات تتعلّق بأحكام الأسرة والزّواج والطّلاق (كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) إشارة لما ورد سابقاً من أحكام (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)؛ لأنّ ديننا دين العقل، وليس دين القتل، هذا ما يجب أن يفهمه النّاس جميعاً، (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): إذا حاكمنا الأمر عقليّاً نجد بأنّ مصلحة الإنسان تكون بشرع الله سبحانه وتعالى، إذا فكّرت بعقلك وهو مناط التّكليف، بالعقل وليس بالسّيف وليس بالقتل، إذاً مناط التّطبيق هو محاكاة العقل والحوار والحكمة.

الآية رقم (226) - لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

كان الرّجل قبل الإسلام يُقسِم بأن لا يقترب من زوجته، ويبقى فترة طويلة على هذا القسَم، وهذا ما يُسمّى الإيلاء، فجاء الإسلام ليحافظ على كرامة المرأة وعلى طبيعة العلاقة بين الرّجل والمرأة، قال سبحانه وتعالى: (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أي إن رجعوا عن هذا اليمين وهو الإيلاء، فإنّ الله غفور رحيم، أمّا إن أصرّوا على ذلك، فإنّ الطّلاق هو الحلّ، ويُرفَع الأمر إلى القاضي ليقضي بطلاقها، ومن حقّ المرأة أن تطلب الطّلاق إن استمرّ هذا الأمر. فالإسلام وضع كرامة المرأة وحقوقها أوّلاً، الآية الأولى: (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أربعة أشهر بعد ذلك إمّا أن يفيئوا ويعودوا عن هذا اليمين يمين الإيلاء، أو يُطلِّقوا.

الآية رقم (240) - وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

كانت عدَّةُ الوفاة فِي ابتداء الإسلام حَوْلاً كاملاً وكان يَحْرُم على الوارث إخراجُهَا من البيت قبل تمام الحول، وكانت نفقتها وسكنها واجبةٌ فِي مال زوجها تلك السَّنةَ ما لَم تَخرُج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها، وكان على الرّجل أن يُوصِيَ بها، فكان كذلك حتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الميراث، فنسخ اللَّه سبحانه وتعالى نفقةَ الحَول بالرُّبع والثُّمن، ونسخ عدّة الحول بأربعة أشهر وعشراً.

(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ): طبعاً عندما نسمع المتعة والمتاع هنا دائماً تتعلّق بالنّفقة، النّفقة على الزّوجة.

(غَيْرَ إِخْرَاجٍ): أي: لا يجوز لأحد أن يُخرج المرأة من بيت الزّوجيّة بالإكراه.

(فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ): فإذا خرجت فلا يوجد مشكلة لماذا؟ لأنّ هذه وصيّة، وصيّة الحول الكامل أي السّنة الكاملة وصيّة وصّى فيها بأن يسمح لها بأن تبقى ويوصي الزّوج أن تبقى حولاً كاملاً هنا، (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ): فإذا خرجت المرأة بعد العدّة خرجت قبل إتمام العام الكامل فلا يوجد مشكلة في ذلك.

(مِن مَّعْرُوفٍ): الأمر الّذي يريد أن يشيعه الإسلام والقرآن هو المعروف وهو الخير في المجتمع، وليس القسر والإجبار على المرأة، من أجل الحفاظ على حقوق المرأة.

(وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ): لماذا ذيّل الآية هنا بـ (عَزِيزٌ حَكِيمٌ)؟ كلّ تذييل لآية من الآيات يكون هناك حكمة إلهيّة، هنا تشريع يأمر به المولى سبحانه وتعالى أنّه لا يجوز عندما يوصي الرّجل بأن تبقى حولاً كاملاً أن تُخرج المرأة، فإذاً هنا دين، الأحكام الّتي ترد فيما يتعلّق بالطّلاق والعدّة و.. هي دين، وطالما أنّها دين فإذاً الله سبحانه وتعالى يذيّل الآية: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ): أي أنّ الله سبحانه وتعالى غنيّ عن عبادة خلقه، العزيز هو المستغني عن عبادة خلقه، والعزيز الّذي لا يُغلب، والعزيز هو من تحتاجه ولا يحتاجك، فإذاً هو مستغن عن عبادة خلقه، فإذاً عزيز وحكيم فيما شرع من أحكام لضبط حركة الطّلاق في المجتمع.

الآية رقم (224) - وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

الآيات السّابقة كانت تتحدّث عن العلاقات الأسريّة وبناء الأسرة والمجتمع من خلال الزّواج والعلاقة مع المرأة، وقيمة وأهمّيّة وكرامة المرأة في الإسلام، والّتي بيّنتها الآيات السّابقة والآيات الّتي ستأتي لاحقاً، وهنا الله تعالى يعطي أموراً هامّة جدّاً: ألّا يجعل الإنسان من كلمة الله سبحانه وتعالى عُرضة لأنّ تكون حاجزاً بينه وبين ثلاثة أمور، لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أي أنّها تعترض الأمور الثّلاثة:

  • (أَن تَبَرُّوا)
  • (وَتَتَّقُوا)
  • (وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ)

هذه الأمور الثّلاثة يجب أن تكون واضحة للنّاس جميعاً، إذا أقسم الإنسان وحلف يميناً بأن لا يعطي إنساناً مثلاً كما جرى مع سيّدنا أبي بكر الصّدّيق يوم حادثة الإفك، فهناك قريبٌ له اسمه مسطح فهو من الّذين خاضوا في موضوع الإفك، فأقسم الصّدّيق ألّا يعطيه بعد ذلك اليوم، فكانت هذه أحد أسباب النّزول، وقلنا: إنّ الآيات القرآنيّة لها خصوصيّة سبب وعموميّة لفظ، والمعنى يجب ألّا تجعلوا الله عُرضة لأَيْمانكم أن تبرّوا وتتّقوا وتُصلحوا، ولا تحلفوا بالله سبحانه وتعالى أيْماناً، ولو أنّكم حلفتم فعليكم أن تعيدوا هذا الأمر كفّارة يمين وأن تعودوا إلى الأمر الصّحيح والسّليم:

الآية رقم (239) - فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ

(فَرِجَالًا) أي راجلين.

(فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا): صلاة الخوف وأحكام صلاة الخوف معلومة بالنّسبة للحرب.

(فَإِذَا أَمِنتُمْ): وتحقّق الأمان. وسنأتي على تفصيل أحكام صلاة الخوف عندما ترد معنا صلاة الخوف في الآيات اللّاحقة من سورة (النّساء).

(فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ): فذكر الله عمدة كلّ العبادات، يعني أنت تصلّي حتّى لا تنسى الله، والذّكر هو ضدّ النّسيان، وحتّى تكون مع الله تعالى، إذاً فذكر الله سبحانه وتعالى هو الغاية وهو الهدف وهو المنطلق وهو الأساس في إقامة كلّ العبادات الّتي شرعها الله سبحانه وتعالى، حتّى تعيش مع الله جلّ وعلا وطبعاً هو ممّا امتنّ به علينا، وممّا علّمنا وشرع لنا.

(كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ): بهذه الآيات وبهذه الأحكام المتعلّقة بشرائع وأحكام الطّلاق والزّواج والنّفقة والمتعة والعدّة وكلّ ما ورد سابقاً من الآيات، يعود المولى سبحانه وتعالى هنا يتابع الحديث عن المطلّقات أو المتوفّى عنها زوجها، إذاً فهو قسم الأمر ليبيّن لنا أمرين، الأوّل: وحدة التّكاليف الإيمانيّة، والثّاني: أنّه بذكر الله يعيش الإنسان حياة هانئة: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرّعد]، إنّ استدامة الولاء لله هو عنوان الصّلاة، يذكِّر المولى سبحانه وتعالى أثناء هذه الأحكام الّتي تتعلّق بالشّقاق وبالخلاف الّذي يحدث بين الرّجل والمرأة بأنّ الطّمأنينة والسّكينة تعود إلى النّفس في حالة الصّلاة، إذاً هذا هو السّبب.

الآية رقم (223) - نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ): الحرث مكان الإنبات، والمرأة ليست للمتعة، وليست للزّينة، المرأة لأعظم من ذلك، هي لإنتاج الإنسان، فهي مصنع الأبطال، مصنع الرّجال، مصنع المجتمع الحقيقيّ.

إذاً فالعلاقة الخاصّة بين الزّوجين: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ) والحرث: مكان الإنبات، والمكان الّذي يخرج منه الولد، وهذه الأحكام واضحة لا تحتاج إلى كثرة إيضاح، دين طهارة ونظافة، دين تكريم، دين يرفع مستوى المرأة والرّجل، ويُبعد الإنسان عن الشّهوانيّة الحيوانيّة ويضبط شهواته، لم تأت الأديان لإطلاق شهوات النّاس، وإنّما جاءت لضبط الشّهوات، فعند الإنسان شهوة جنسيّة فلا يمكن أن يكون مصرف هذه الشّهوة إلّا بالحلال، وبالحلال المقنّن وفق شرع الله سبحانه وتعالى الّذي يحبّ المتطهّرين، ويحبّ الطّهارة، ويحبّ النّظافة، ويحبّ أن يكون الرّجل مع زوجته في غاية التّكريم لهذه المرأة، لذلك قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ): ثلاثة أمور: اتّقوا الله أي اجعلوا بينكم وبين غضبه حاجزاً، واعلموا أنّكم ملاقوه: أيقنوا بأنّكم ستلاقون ربّكم وأنّكم أمام الموت، والموت ملاقيكم أينما كنتم: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النّساء: من الآية 78]، ومهما بلغ الإنسان من العمر فالعمر قصير، يا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح بالدّنيا من تقوده حياته إلى موته، ويقوده عمره إلى أجله:

ولدتكَ أمّكَ يا ابنَ آدمَ باكياً
فاعملْ لنفسِكَ أن تكونَ إذا بَكَوا                     .

 

والنّاسُ حولك يضحكونَ سروراً
في يومِ موتكَ ضاحكاً مسروراً
.

ولا تكون ضاحكاً مسروراً إلّا إذا كنت تعلم بأنّك ملاقيه.

 (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ): في نهاية هذه الآيات البشارة للمؤمنين المتّقين الّذين يلتزمون بالأوامر لإلهيّة.