الآية رقم (86) - وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ

وهكذا شاء الحقّ سبحانه وتعالى أن يفضح المنافقين هؤلاء الّذين استمرقوا الاستمتاع والبقاء في المدينة، وأبطنت قلوبهم الكفر والكيد للمسلمين:

(وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ): هو خطابٌ واضحٌ للمنافقين يكشف بطلان إيمانهم.

(أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ): أي اجعلوا قلوبكم صادقةً مع ألسنتكم.

(وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ): أي انفروا للجهاد مع رسوله، وهو التّعبير العمليّ عن الإيمان.

(اسْتَأْذَنَكَ): استأذن على وزن استفعل، وتأتي للطّلب، كأن تقول: استفهم؛ أي طلب أن يفهم، استعلم؛ أي طلب أن يعلم، فقول الحق سبحانه وتعالى: (اسْتَأْذَنَكَ)؛ أي طلبوا الإذن؛ ولأنّهم يتظاهرون بالإيمان ويبطنون الكفر تجدهم ساعة النّداء للجهاد لا يقفون مع المؤمنين كما جرى في غزوة تبوك.

(أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ): أي أصحاب القوّة والقدرة، أن تطول الشّيء؛ أي أنّك تحاول أن تصل إليه، فهم الّذين يملكون مقوّمات الجهاد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من سلامة البدن من الأمراض ووجود القوّة، ولا يعانون من ضعف الشّيخوخة.

(وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ): والقاعد مقابله القائم، والقيام هو مقدّمةٌ للحركة.

الآية رقم (87) - رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ

(رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ): أرادوا أن يكونوا مع الخوالف، والخوالف جمع خالفة، فقد ارتضوا لأنفسهم أن يطبّق عليهم الحكم الّذي يطبّق على النّساء، أن يبقوا مع الخوالف في المدينة، لذلك كانوا لا يفقهون؛ لأنّهم ارتضوا لأنفسهم وصفاً لا يليق بالرّجال، وفرحوا بهذا الوصف من غير أن ينتبهوا لما فيه من إهانةٍ لهم.

(وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ): المنافق له مَلَكةٌ قوليّةٌ ومَلَكةٌ قلبيّةٌ، فقوله إعلانٌ بالإيمان، أمّا قلبه فممتلئٌ بالكفر، وفي هذه الحالة تتضارب ملكاته فيختم الله سبحانه وتعالى على قلبه.

(فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ): الفقه هو الفهم؛ أي لا يفهمون ما حُرموا منه من ثوابٍ ونعيمٍ بعدم خروجهم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

الآية رقم (88) - لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

تخلّف بعض أصحاب القوّة والجاه والمال عن الجهاد مع رسول الله يجب أن لا يُشيعَ الفزع أو الحزن في نفوس المؤمنين؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى معهم؛ ولأنّ لهم الخيرات؛ أي لهم كلّ ما يُطلق عليه خير.

(وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ): المفلح هو الفائز النّاجي المستفيد من ثمرة عمله، وأصل الكلمة من فَلَح الأرض؛ أي شقّ؛ لأنّ الزّراعة تقتضي أن تحرث الأرض أوّلاً، وهذه مهمّة الإنسان ليخرج الزّرع، وهذا جزاء المؤمنين في الدّنيا، وهناك جزاءٌ آخر في الآخرة.

الآية رقم (89) - أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

هناك فارقٌ كبيرٌ بين الخير والفلاح في الدّنيا والفوز في الآخرة، فالدّنيا موقوتةٌ بعمرك وتتمتّع فيها بقدر أسبابك، أمّا الآخرة والجنّة فهي أبديّةٌ وتتمتّع فيها بقدر قدرة الله سبحانه وتعالى، بقدر المسبّب وليس بقدر الأسباب، وهذا هو الفرق ما بين الفوز في الدّنيا والفوز في الآخرة.

الآية رقم (90) - وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

الحديث في هذه الآية عن المنافقين الّذين كانوا يعيشون في البوادي حول المدينة وهم الأعراب.

(وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ): المعذِّرون هم المعتذرون، هناك افتعالٌ؛ أي هم الّذين يعتذرون ويريدون أن يتخلّفوا عن القتال بأعذارٍ مفتعلة.

(وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ): قعدوا نتيجة الاعتذار وطلبهم بأن يكونوا مع الخوالف، طلبوا الإذن فأذن لهم الرّسول الكريم.

الآية رقم (91) - لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

(لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ): الضّعيف: هو من لا يقدر على العمل ليس بسبب المرض، بل لكبر سنّه.

(وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ): كذلك الإعفاء من القتال جاء للمرضى.

(وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ): الّذين لا يجدون ما ينفقون فهم من شدّة فقرهم لا يستطيعون شراء السّلاح والرّاحلة للخروج، والنّفقة: أن تقدر أن تعول نفسك في الذّهاب والإقامة مدّة الخروج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

(إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ): أي ينصحون ويشجّعون أولئك القادرين على الخروج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيحمّسونهم على قتال الرّوم، ثمّ يكونون في عون الأهالي الّذين بقوا في المدينة، ويواجهون الإشاعات والأكاذيب الّتي يطلقها المنافقون واليهود للنّيل من الرّوح المعنويّة للمسلمين، فيردّون عليهم وعلى ألسنة السّوء.

(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ): السّبيل هو الطّريق، ومعناها ما عليهم من إثمٍ أو لومٍ أو توبيخٍ أو تعنيفٍ، كلّ هذا لا يجد سبيلاً على المحسنين أبداً.

الآية رقم (92) - وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ

المعفوون من الجهاد هم الضّعيف والمريض ومن لا يجد قوتاً ولا راحلةً، وأولئك طلبوها من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال لهم صلّى الله عليه وسلّم: (لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) وهؤلاء قد حزنوا مرّتين؛ لأنّهم لم يستطيعوا الخروج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولأنّهم سيبقون في المدينة متخلّفين.

(وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا): والفيض: دموعٌ تخرج من العين، وهو تعبيرٌ عن شدّة الحزن؛ لأنّهم لا يجدون ما ينفقونه ليشتروا الدّابّة ويخرجوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

الآية رقم (80) - اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

عن عروة قال: لـمّا نزلت: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ)، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لأزيدنّ على السّبعين»، فأنزل الله سبحانه وتعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [المنافقون]، الآية.

عندما توفّي عبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس النّفاق -وهو مَن حرّض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومَن قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا، ومَن عمل على قضيّة الإفك بحقّ أمّ المؤمنين السّيّدة عائشة رضي الله عنها جاء ابنه فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: استغفر لأبي؛ أي اطلب من الله سبحانه وتعالى المغفرة له، فاستغفر له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إكراماً لعبد الله بن عبد الله بن أبيّ الّذي أسلم وحسُن إسلامه، فقال له الله سبحانه وتعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ) (إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ): عدد السّبعين يُقصد به الكثرة؛ أي مهما استغفرت بأيّ عددٍ من الأعداد فلن يغفر الله سبحانه وتعالى لهم من نفاقهم وكفرهم، وممّا فعلوه مع رسول الله سبحانه وتعالى كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «اللّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون»([1])، هو استغفر لكنّ الله سبحانه وتعالى قال: (فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ) ، لن؛ أي انتهى الأمر.

(ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ): السّبب الأساسيّ بأنّهم كفروا بالله سبحانه وتعالى وبرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ): المنافق هو فاسقٌ؛ لأنّه خارجٌ عن أوامر الله سبحانه وتعالى.


(([1] صحيح البخاريّ: كتاب الأنبياء، باب 52، الحديث رقم (3290).

الآية رقم (81) - فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ

(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ): الفرح هو السّرور من فعلٍ تبتهج به النّفس، والمخلّفون هم الّذين أخلفهم وتركهم نفاقهم ليبقوا في المدينة، وتركوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم عندما خرج إلى غزوة تبوك الّتي كانت في أشدّ الفصول حرّاً، وقدّموا معاذير كاذبة فتركهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى قال: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ).

(بِمَقْعَدِهِمْ): المقعد: هو مكان القعود، والقعود هو رمز البقاء في أيّ مكانٍ، والقيام رمزٌ لبداية ترك المكان إلى مكانٍ آخر.

(خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ): خلاف: مصدر خالف، فتكون مخالفةً بالرّأي ومخالفةً بالقعود، وبيّن الحقّ سبحانه وتعالى سبب تخلّف المنافقين فقال:

(وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ): بل أرادوا أيضاً تثبيط همم المؤمنين وإكراههم على البقاء في المدينة فقالوا لهم:

(وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ): هم لم يكتفوا بموقفهم المخزي، بل أخذوا يحرّضون المؤمنين على عدم القتال، وأعطوا لأنفسهم عذراً بأنّ الجوّ حارٌّ وفيه مشقّةٌ.

(قُلْ): يا محمّد.

(نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ): إن كانوا قد هربوا من الحرّ والمشقّة، فإنّ مشقّة نار جهنّم أكبر بكثير، والإنسان لم يخطر بباله ما هي نار جهنّم؟ لذلك أعلمهم الله سبحانه وتعالى بأنّ هذا الأمر سيكون مآلهم.

(لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ): الفقه: هو الفهم الدّقيق، إنّك إن أدركت شيئاً بسطحيّة تكون قد عرفته، ولكنّك إن أدركته بمعطياته وخلفياته كلّها، وأدركت حقيقته تكون قد فقهته، صحيحٌ أنّهم كانوا سيتعبون بذهابهم إلى غزوة تبوك في الحرّ، ولكن بقعودهم ستكون العقوبة أكبر وأشدّ.

الآية رقم (82) - فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ

(فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا): الضَّحك هو فِعلٌ غزيزيٌّ فطريٌّ، يحدث للإنسان عندما يقابل شيئاً يسرّه، أمّا البكاء فهو فِعلٌ غريزيٌّ أيضاً إزاء أحداثٍ تُدخل الحزن أو الشّجن والهمّ على الإنسان، ولا دخل للجنس أو اللّون أو البيئة بهذه القضيّة؛ لأنّ الضَّحك والبكاء انفعالان طبيعيّان موحّدان لا تؤثّر فيهما البيئة ولا الثّقافة ولا الجنس، وقد أسندهما الله سبحانه وتعالى لنفسه فقال جلّ جلاله: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ)   ]النّجم[، فرح المنافقون عندما بقوا في المدينة؛ لأنّهم في راحةٍ وسرورٍ، وخرج المؤمنون للجهاد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لردّ العدوان عن المدينة من قِبل الرّوم، وجاء هنا بصيغة تأكيدٍ: (فَلْيَضْحَكُوا)؛ أي أنّ الضّحك لا بدّ أن يحدث؛ لأنّ هذا الكلام من الله سبحانه وتعالى.

الآية رقم (83) - فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ

(فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ): غير مسموحٍ لهم الخروج مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أو قتال الأعداء إذا هجموا على المدينة؛ لأنّهم منافقون، ووجودهم بلاءٌ، فلم يقتصر جزاؤهم على أن تشطب أسماؤهم من سجلّات الخارجين مع الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، بل هناك جزاءٌ آخر وهو أنّهم مُنعوا من أن يكونوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الدّفاع عن المدينة المنوّرة.

(إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ): وهذا هو سبب طردهم.

(فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ): الخالفين: إمّا أن يكونوا قد تخلّفوا عن الخروج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أو خالفوا أمر الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بالخروج أو لفسادهم، فخلوف فم الصّائم هو تغيّر الرّائحة، وتغيّر الرّائحة يدلّ على فساد الشّيء، فكأنّهم أصبحوا فاسدين ومخالفين لأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

الآية رقم (84) - وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ

هنا الخطاب للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهي تتعلّق بعبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس النّفاق في المدينة، وقد لعب دوراً خطيراً في تثبيط النّاس عن الذّهاب مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتآمر على الرّسول الكريم مع اليهود، وكانت حادثة الإفك من الأمور الّتي شاع بها هذا المنافق الكبير.

سبب النّزول: عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: لـمّا مات عبد الله بن أبيّ ابن سلول دُعي له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليصلّي عليه، فلمّا قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وثبتُ إليه فقلت: يا رسول الله، أتصلّي على ابن أبيّ وقال: يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ أعدّد عليه قوله، فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «أخّر عنّي يا عمر»، فلمّا أكثرت عليه قال: «إنّي خيّرت فاخترت، لو أعلم أنّي إن زدت على السّبعين يغفر له لزدت عليها»، قال: فصلّى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ انصرف، فلم يمكث إلّا يسيراً حتّى نزلت الآية من براءة: (وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)([1])، فما صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعده على منافقٍ ولا قام على قبره حتّى قبضه الله عزّ وجلّ.

الآية رقم (85) - وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

(وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا): قد يقول قائلٌ: إنّ هذه الآية قد وردت تقريباً حرفيّاً في آيةٍ سابقة من هذه السّورة فلماذا هذا التّكرار؟ نقول: نعم قد وردت، ولكن هذه لها معنىً، والآية الأخرى لها معنىً آخر، الآية الأولى: (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) ، أمّا الآية هنا: (وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)، أوّل اختلافٍ نجده في بداية الآيتين، ففي الآية الأولى: (فَلا تُعْجِبْكَ)، والثّانية: (وَلَا تُعْجِبْكَ)، الفارق أنّه في الآية الأولى جاء الحقّ تعالى بالفاء، والفاء تقتضي التّرتيب، إذاً الآية مترتّبةٌ على ما قبلها من آياتٍ، وهي قول الحق سبحانه وتعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)، كأنّ هذه حيثيّات كفرهم، فهم لا يصلّون إلّا نفاقاً، ولا ينفقون مالاً في سبيل الله سبحانه وتعالى إلّا وهم مكرهون على ذلك، المتعة في المال أن تنفقه فيما تحبّ، فإذا أحببت طعاماً اشتريت، وإذا أحببت ثوباً ابتعت، وهذا يمنحك شعوراً بالسّعادة، والمؤمن عندما ينفق ماله بصدقةٍ أو زكاةٍ فهو يفعل ذلك إيماناً منه بأنّ الله سبحانه وتعالى سيعطيه أضعافاً مضاعفةً من الأجر في الدّنيا والآخرة، ويكون فرحاً بذلك؛ لأنّه عمل في دنياه لآخرته، أمّا المنافق الّذي يضمر الكفر في قلبه فهو لا يؤمن بالآخرة ولا يعرف البركة في الرّزق، فكأنّه أنفق ماله من غير أن يحصل على شيءٍ، لذلك يكون مُكرهاً، فالمسألة في نظره خسارةٌ في المال، وإن أنفق الإنسان وهو كارهٌ فسيشعر بغصّةٍ وتعبٍ، لماذا ينفقه وهو لا يؤمن أصلاً بالآخرة ولا بجزاءٍ؟! فيريد المولى سبحانه وتعالى أن ينبّهنا إلى أنّ رزقه لهؤلاء النّاس هو سببٌ في شقائهم وإذلالهم في الدّنيا، فيجعلهم يجمعون المال بعملٍ وتعبٍ ثمّ ينفقونه بلا ثوابٍ، وأحدهم يذهب إلى الحرب مع رسول الله نفاقاً فينفق على الرّاحلة والسّلاح ولا يأخذ ثواباً، ويربّي أولاده ويكون ذلك وبالاً عليه، فإيّاك أيّها المؤمن أن تعجبك هذه الأموال.

(وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ): لأنّهم في الأصل أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان بالله I.

الآية رقم (72) - وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

المقابل الآن هو وصف النّعيم الّذي وعد الله سبحانه وتعالى به المؤمنين والمؤمنات، ولا شكّ أنّ الوعد هو بشارةٌ للخير في المستقبل، ولا يستقيم ميزان الحياة إلّا بين الوعد والوعيد، بين بيان الجزاء وبيان الثّواب، فإن اختلّ هذا الميزان وجاء الوعد مكان الوعيد؛ أي كوفئ الّذي لا يعمل، وعوقب الّذي يعمل فسد الكون؛ لأنّ كلّ إنسانٍ يحبّ النّفع لنفسه، فلا بدّ من الوعد كي يتمّ الاجتهاد والعمل، ولا بدّ من الوعيد قبل أن يفسد الإنسان لعلّه يرتدع.

(وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ): الجنّة تطلق على البستان والأماكن الجميلة الّتي تملؤها الأشجار والزّهور، وهي عامّةٌ للمؤمنين يتمتعون بها جميعاً.

(خَالِدِينَ فِيهَا): الخلود ليس موجوداً في الدّنيا، فقد تزول عنك النّعمة وتذهب المتعة، كأن تُصاب بكارثةٍ ماليّةٍ أو تخسر خسارةً كبيرةً في تجارتك، أو تكون صحيحاً فتمرض، أمّا في الجنّة فلا تفارق النّعمة ولا تفارقك النّعمة؛ لأنّه ليس هناك أغيارٌ ولا موت.

الآية رقم (73) - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ): الجهاد: هو بذل الجهد، يطلب المولى سبحانه وتعالى من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يجاهد الكفّار والمنافقين ومن اتّبعوهم من أئمّة الكفر والفساد في مجتمع المدينة في ذلك الوقت؛ أي اصمد أمامهم في معاركهم الّتي يشنّونها عليك.

(الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ): المنافق عدوٌّ صعبٌ؛ لأنّه يغشّنا فلا نأمنه، ومع أنّ النّفاق بحدّ ذاته بالنّسبة لمنهج الله سبحانه وتعالى هو دليل قوّة هذا المنهج؛ لأنّ هذا المنافق ينافق؛ لأنّه يظهر بأنّه أضعف من القويّ، فالمؤمنون بعد الهجرة إلى المدينة أصبحوا بحالةٍ من القوّة، بينما المنافقون إيمانهم زائفٌ ومغشوشٌ. وعندما يؤمر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأن يجاهد الكفّار والمنافقين؛ أي بالبرهان والإقناع والحُجّة، حيث يقتنع العقلاء بالمنطق، وإن حاول أحدهم أن يعتدي فيُردّ العدوان، وإن فشل جهاد الحُجّة فالله سبحانه وتعالى يقول:

(وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ): يغلظ عليهم لإيضاح المصير الّذي ينتظرهم، فكلّ كافرٍ هو عابدٌ للدّنيا يخاف أن تضيع منه، فاغلظ عليهم؛ أي أنذرهم بالعذاب الّذي ينتظرهم، فالعقوبة تحمي المجتمعات من انتشار الجرائم فيها، فكلّ مجتمعٍ لا بدّ أن تكون فيه عقوباتٌ وأن تسنّ قوانين تردع المجرمين، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ.

الآية رقم (74) - يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ

سبب النّزول: نزلت في الجُلَاس بن سُويدٍ، وذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطب ذات يومٍ بتبوك فذكر المنافقين وسمّاهم رجساً وعابهم، فقال جُلَاسٌ: لئن كان محمّدٌ صادقاً لنحن شرٌّ من الحمير، فسمعه عامر بن قيسٍ، فقال: أجل، إنّ محمّداً لصادقٌ وأنتم شرٌّ من الحمير، فلمّا انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة أتاه عامر بن قيسٍ فأخبره بما قال الجُلَاسُ، فقال الجُلَاس: كذب عليّ يا رسول الله، وأمرهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يحلفا عند المنبر بعد العصر، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الّذي لا إله إلّا هو ما قاله، ولقد كذب عليّ عامرٌ، ثمّ قام عامرٌ فحلف بالله الّذي لا إله إلّا هو لقد قاله وما كذبتُ عليه، ثمّ رفع يديه إلى السّماء وقال: اللّهمّ أنزل على نبيّك تصديق الصّادق منّا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنون: «آمِينَ»، فنزل جبريل عليه السّلام على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قبل أن يتفرّقوا بهذه الآية، حتّى بلغ: (فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ )، فقام الجلاس فقال: يا رسول الله، أسمع الله عزّ وجلّ قد عرض عليّ التّوبة، صدق عامر بن قيسٍ فيما قاله، لقد قلتُه وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذلك منه ثمّ تاب وحسنت توبته.

وهكذا حسمت هذه الآية الكريمة الموقف، وأظهرت من الصّادق ومن هو الكاذب.

الآية رقم (75) - وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ

سبب النّزول: عن أبي أمامة أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ: أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: «ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تؤدّي شكره خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقه»، ثمّ رجع إليه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: «ويحك يا ثعلبة، أما تريد أن تكون مثل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ والله لو سألت أن يسيل لي الجبال ذهباً وفضةً لسالت»، ثمّ رجع إليه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، والله لئن أتاني الله مالاً لأوتينّ كلّ ذي حقّ حقّه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اللّهمّ ارزق ثعلبة مالاً»، فاتّخذ غنماً فنمت كما ينمو الدّود حتّى ضاقت عنها أزقّة المدينة، فتنحّى بها وكان يشهد الصّلاة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ يخرج إليها، ثمّ نمت حتّى تعذّرت عليه مراعي المدينة فتنحّى بها، فكان يشهد الجمعة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ يخرج إليها، ثمّ نمت فتنحّى بها فترك الجمعة والجماعات فيتلقّى الركبان ويقول: ماذا عندكم من الخبر؟ وما كان من أمر النّاس؟ فأنزل الله عزّ وجلّ على رسوله صلّى الله عليه وسلّم: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) [التّوبة: من الآية 103]، قال: فاستعمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الصّدقات رجلين؛ رجلاً من الأنصار ورجلاً من بني سليم، وكتب لهما سنة الصّدقة وأسنانها وأمرهما أن يصدقا النّاس، وأن يمرّا بثعلبة فيأخذا من صدقة ماله ففعلا، حتّى ذهبا إلى ثعلبة فأقرآه كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: اصدقا النّاس فإذا فرغتما فمرّا بي، ففعلا فقال: والله ما هذه إلّا أخية الجزية، فانطلقا حتّى لحقا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنزل الله عزّ وجلّ على رسوله صلّى الله عليه وسلّم: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) إلى قوله: ( وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) قال: فركب رجلٌ من الأنصار قريب لثعلبة راحلةً حتّى أتى ثعلبة فقال: ويحك يا ثعلبة، هلكت، أنزل الله عزّ وجلّ فيك القرآن كذا، فأقبل ثعلبة ووضع التّراب على رأسه وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، يا رسول الله، فلم يقبل منه رسول الله صدقته حتّى قبض اللهُ رسولَه :([1]).

(وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ): وكأنّه قال: أُقسم بالله إن آتاني الله جلّ جلاله مالاً لأفعلنّ كذا وكذا.

(لَنَصَّدَّقَنَّ): جواب القسم، والصّدقة هنا هي الصّدقة الواجبة؛ أي الزّكاة.

(وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ): أي نزيد في التّطوّع والمروءة وكلّ ما يدلّ على الصّلاح.


([1]) المعجم الكبير: ج8، صدى بن العجلان، الحديث رقم (7889).

الآية رقم (76) - فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ

لله سبحانه وتعالى عطاءان؛ عطاء الأسباب وعطاء الفضل، عطاء الأسباب يتمثّل بأن يجدّ الإنسان في أيّ عملٍ من الأعمال، ويعمل ويكدح فيعطيه الله سبحانه وتعالى ثمرة عمله مؤمناً كان أو كافراً، طائعاً أو عاصياً، وأمّا عطاء الفضل فإنّ الله سبحانه وتعالى يستره في عطاء الأسباب، فيُبارك جلّ جلاله مثلاً ببيع محصولٍ، ولا يُصرف ما يُجنى من مالٍ على مرضٍ أو على شيءٍ طارئٍ فيذهب هذا المال؛ أي يجعل فيه بركةً، فالتّكاثر الّذي حصل في أغنام ثعلبة لم يكن تكاثراً بالأسباب فقط، بل ببركة دعاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

(بَخِلُوا بِهِ): هناك أسماءٌ في اللّغة للامتناع عن العطاء، كالبخل والشّحّ.

الآية رقم (77) - فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ

(فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ): أعقبهم؛ أي جعل العاقبة لهذا التّصرّف من النّفاق في قلوبهم إلى يوم يلقونه؛ أي يوم القيامة، حيث تُفضح هذه السّرائر الّتي كانت في داخلهم؛ لأنّ المنافق كذّابٌ، فأحد أهمّ صفات النّفاق هو الكذب، فالّذي يكذب على نفسه من الأولى أن يكذب على الآخرين، والكذب خُلُقٌ مذمومٌ، قال جلّ جلاله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التّوبة]؛ لأنّ الصّدق إيمانٌ، ومن ثمّ بعد التّصديق بالله سبحانه وتعالى وبآياته لا بدّ أن تكون صادقاً، والأحاديث الّتي وردت عن الصّدق كثيرةٌ، قال صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرّجل ليصدق حتّى يكون صدّيقاً، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وإنّ الرّجل ليكذب حتّى يكتب عند الله كذّاباً»([1])، إذاً الصّدق بالنّسبة للمؤمن علامةٌ من علامات الإيمان، قال أبو الدّرداء رضي الله عنه: يا رسول الله، هل يسرق المؤمن؟ قال: «قد يكون ذلك»، قال: فهل يزني المؤمن؟ قال: «بلى، وإن كره أبو الدّرداء»، قال: هل يكذب المؤمن؟ قال: «إنّما يفتري الكذب من لا يؤمن، إنّ العبد يزلّ الزلّة ثمّ يرجع إلى ربّه فيتوب، فيتوب الله عليه»([2])، إلى آخر هذه الأحاديث الّتي تؤكّد على أنّ المؤمن صادقٌ، في حين المنافق كذّاب ويختلق ما يقوله، ويحاول أن يبرهن على وجوده في المجتمع من خلال نفاقه وكذبه، وقد يسأل سائلٌ: لماذا يستخدم الإنسان النّفاق؟ الجواب: لتحقيق مكاسب ومآرب، وهو يُظهر غير ما يبطن ممّا يؤدّي إلى خللٍ كبيرٍ في المجتمعات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ محاربة النّفاق لا يمكن أن تكون من خلال القوانين، فلا يمكن أن ألقي القبض على أحدٍ لأنّه منافقٌ، فهذا أمرٌ لا يتعلّق إلّا بالوازع الدّينيّ وبالضّمير الدّينيّ.


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الأدب، باب قول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)  ]التّوبة[، الحديث رقم (5743).
([2]) كنز العمّال: ج3، ص 874، الحديث رقم (8994).

الآية رقم (78) - أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ

(أَلَمْ يَعْلَمُوا): الهمزة للاستفهام، ولم نافية، والخبر إمّا أن يكون مجرّداً عن النّفي، أو خبراً معه النّفي، أو خبراً معه الاستفهام، وأقوى أنواع الإخبار الخبر الموجود معه النّفي، والموجود مع النّفي الاستفهام؛ لأنّ الخبر على الصّورة الأولى يكون من المتكلّم، وعندما يقول المولى سبحانه وتعالى:(أَلَمْ يَعْلَمُوا): هذا إخبارٌ باستفهامٍ ونفي، وهو من أقوى أنواع الإخبار.

(أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ): السّرّ: هو ما يكتمه الإنسان في نفسه ولا يُطلع عليه أحداً، وليس هو ما يسرّ به للغير؛ لأنّ هذا يسمّى نجوى، وأصل النّجوى البعد، فالسّرّ: هو ما احتفظ به الإنسان لنفسه، والنّجوى: هو ما أسرّ به للغير، وهذه صورةٌ أخرى من صور المنافقين وما يفعلونه بالمؤمنين، هنا المولى سبحانه وتعالى يبيّن أنّه يعلّم السّر ويعلم النّجوى.

(وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ): ذكرنا أنّ هناك غيباً محجوباً بالزّمان، وغيباً محجوباً بالمستقبل، وغيباً محجوباً بالمكان، فالله سبحانه وتعالى علّام الغيوب، فهو سبحانه وتعالى يعلم السّرّ والنّجوى وما تخفي الصّدور، قال سبحانه وتعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)  [غافر].