الآية رقم (128) - رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

المناسك هي طرق العبادة، والعبادة عطاء وليست للمشقّة والعنت.

الآية رقم (127) - وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

ورد ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ بالمضارع وكأنّ رفع القواعد من البيت مستمرّ حتّى الآن، مع أنّ رفع القواعد تمّ من عدّة آلاف من السّنين، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يضع المسلمين أمام المشهد ويكشف لهم حجب الزّمان، وكأنّ رفع القواعد من البيت يحدث الآن.

الآية رقم (126) - وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

حيث لم يكن في موضع البيت أحد فسأل إبراهيم ربّه أن يجعل هذا المكان بلداً آمناً، فجعلها الله بلداً آمناً، وطلب من ربّه أن يرزق أهله من الثّمرات من آمن منهم، والتزم إبراهيم بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُم [البقرة: من الآية 126]، بناءً على ما قاله له ربّه في الآيات السّابقة: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: من الآية 124].

الآية رقم (141) - تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

ليس في القرآن الكريم تكرار ولكن لذلك أسرار، وعلينا أن نبحث عن السرّ في كلّ كلمة ترد في كتاب الله، وعن مناط الكلمة الّتي وردت وأسبابها، وهذه الآية سبق مثلها تماماً، ولكنّ المعنى يختلف بحسب السّياق، وعلينا أن نبحث فيما سبقها وما جاء بعدها، والآية الّتي سبقت جاءت في سياق الحديث عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال لهم الله سبحانه وتعالى: إنّ نسبكم لن يشفع لكم عند الله سبحانه وتعالى، ولا يستطيع آباؤكم أن يدخلوكم الجنّة ما لم تعملوا بأنفسكم.

أمّا الآية هنا فقد سبقت الحديث عن مزاعم اليهود بأنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق كانوا هوداً أو نصارى فقال لهم الله سبحانه وتعالى: لا حجّة لكم يوم القيامة حتّى لو كان إبراهيم يهودياً فلا حجّة لكم في عدم إيمانكم؛ لأنّ لهم ما كسبوا ولكم ما كسبتم.

والفارق كبير بين الآيتين ويُعرف ذلك من خلال محور الحديث الّذي صاحب الآية السّابقة والآية اللّاحقة، فالآية الأولى تعني أنّه لا شفاعة لكم، والآية الثّانية تعني أنّه لا حجّة لكم.

ولا تسألون عن أعمالهم إنّما تسألون عن أعمالكم أنتم.

الآية رقم (125) - وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ

﴿الْبَيْتَ: البيتوتة: الرّاحة والسّكن والاطمئنان.

﴿مَثَابَةً: المثابة: المرجع، وكلّ من يزور البيت يتمنّى أن يرجع إليه، والمعنى الآخر هو أنّ من يدخل البيت تتوق نفسه للعودة إليه.

﴿وَأَمْناً: هذا أمر تكليفيّ وليس أمراً إخباريّاً، فالله تعالى يأمرنا أن نؤمّن من دخل البيت، ولا يجوز أن يُعتدى عليه.

﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى: عندما أُمر سيّدنا إبراهيم عليه السَّلام برفع القواعد، وضع حَجَراً ليقف عليه، وضعه له ابنه إسماعيل عليه السَّلام ليرتفع عليه كلّما ارتفع البناء وجعل إسماعيل يناوله الحجر، مقام إبراهيم مكاناً لا يصلّى فيه فيبقى في المكان فرجة وفسحة عند الطّواف، فطلب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه من النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يتّخذ من مقام إبراهيم عليه السَّلام مصلّى فنزلت الآية.

وهذا يدلّ على أنّ الّذي بنى البيت لأوّل مرّة ليس إبراهيم عليه السَّلام لأنّ مكان البيت كان موجوداً، كما قال الله سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم عليه السَّلام ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم] فالبيت الحرام كان موجوداً، وليس إبراهيم عليه السَّلام هو أوّل من بناه.

والطّائفون: هم الّذين يدورون حول البيت، ﴿وَالْعَاكِفِينَ: الّذين يمكثون في البيت للعبادة، والرّكوع والسّجود.

الآية رقم (140) - أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

زعمت اليهود أنّ أنبياء الله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السَّلام كانوا من اليهود أو من النّصارى، فقل لهم يا محمّد: أأنتم أعلم أم الله؟! ولا شكّ في أنّ الله أعلم.

وهذا الكلام عن اليهود؛ لأنّ التّوراة كان فيها تفاصيل وصف النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم والبشارةَ برسالته فكتموا ذلك وأخفوا شهادة الحقّ وزوّروه حين جاء النّبيّ الخاتم من غير جنسهم وقومهم، أي ليس من اليهود وليس من سلالة يعقوب وإسحاق، وكتموا ما جاء في كتابهم عن وصف رسول الله محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم فليس هناك من هو أظلم ممّن كتم ما أنزل الله في كتبه وليس الله غافلاً عن حقيقة ما يعملون.

الآية رقم (124) - وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ

لـمّا كان اليهود يشكّكون في موضوع القبلة عاد القرآن الكريم للحديث عن سيّدنا إبراهيم عليه السَّلام وكيف أنّ الله ابتلاه وامتحنه.

والامتحان كما يكون بالشرّ يكون بالنّعمة والخير، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء].

والاصطفاء يكون بعد الابتلاء، فقد يبتليك ليصطفيك ويرفع مقامك عنده.

﴿وَإِذِ ابْتَلَى: وإذ امتحن. امتحنه ليصطفيه، فالاصطفاء يكون من خلال امتحان وبعد ابتلاء، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ [النّجم].

﴿بِكَلِمَاتٍ: والكلمات تتضمّن أوامر، ووفّى إبراهيم فجعله الله تعالى إماماً وقائداً للبشريّة من بعده، فالإمامة لا تأتي إلّا بعد ابتلاء.

وأهمّ الابتلاءات الّتي واجهت إبراهيم هو ابتلاؤه بالحرق بالنّار، والابتلاء الآخر هو أمر الله له بذبح ابنه إسماعيل. وعندما انقاد إبراهيم واستسلم لأمر الله جعله الله للنّاس إماماً في الدّين والقيم، وهو يريد الخير لأبنائه وذريّته، شأنه في ذلك شأن كلّ أب.

﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ: فاستثنى الله تعالى الظّالمين من أولاد إسحاق عليه السَّلام.

الآية رقم (139) - قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ

المحاجّة هي الحوار بالحجّة، واليهود أهل جدل وكانوا يحاجّون رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقل لهم يا محمّد: إنّ الله سبحانه وتعالى ربّ الجميع، وهو ربّ العالمين وليس ربّ المسلمين وحدهم ولا ربّ اليهود وحدهم، وليس ربّ دين من الأديان دون غيره، بدليل أنّنا نبدأ صلاتنا بقولنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة].

فالمسلمون ليسوا عنصريّين، ونحن نقبل بما جاء به القرآن الكريم، ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ [البقرة: من الآية 139]، فالفارق بين النّاس هو العمل الصّالح الخالص لوجه الله، العمل بإخلاص، وهناك من يعمل الخير ولكن يحبّ أن يطّلع النّاس عليه وهو يقوم بهذا العمل، وهذا هو الرّياء.

وقد قال شدّاد بن أوس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «أخوف ما أخاف على أمّتي الشّرك والشّهوة الخفيّة» قلت: يا رسول الله، أتشرك أمّتك من بعدك؟، قال: «نعم، أما إنّهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم…»([1])، أي مراءاة النّاس بالعمل، ونصف الدّين يتلخّص في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم «إنّما الأعمال بالنّيات، وإنّما لكلّ امرىء ما نوى»([2])، أي يجب أن يقترن العمل بنيّة الإخلاص لوجه الله سبحانه وتعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) مجمع الزّوائد ومنبع الفوائد: ج3، الحديث رقم (5226).
([2]) صحيح البخاريّ: كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، الحديث رقم (1).

الآية رقم (123) - وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ

﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا: اجعلوا بينكم وبين ذلك اليوم حاجزاً.

ولن يُنصروا في ذلك اليوم؛ لأنّهم كذّبوا بمحمّد صلَّى الله عليه وسلَّم.

الآية رقم (138) - صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ

الصّبغة هي إدخال لون على لون

والصّبغة تختلف عن الدّهن، فالدّهن خارجيّ أمّا الصبغة فتدخل إلى المسام

وصبغة الله هنا هي الفطرة الّتي فطر النّاس عليها وصبغ النّاس بها، وكلّ مولود يولد على الفطرة كما أخبر الصّادق المصدوق عليه الصّلاة والسّلام، ولكنَّ ما يحدث حوله يوجّهه إلى هنا أو هناك.

أمّا صبغة الله فهي الاتجاه الحقيقيّ.

﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ: أي مداومون على عبادة الله سبحانه وتعالى، مطيعون لأوامره.

الآية رقم (122) - يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

الخطاب للّذين ينتسبون إلى نبيّ الله يعقوب عليه السَّلام وقد فضّلهم الله بذكر أوصاف محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم في التّوراة، والدّليل على ذلك الآية الّتي قبلها، حيث لم تُذْكَر صفات النّبيّ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم في أيّ من الكتب السّماويّة كما ذُكرت في التّوراة.

الآية رقم (137) - فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا إلى الحقّ، وإن أعرضوا وتولّوا فهم في خلاف معكم وجدل كبير، فلا تهتمّ يا محمّد بما يمكن أن يصدر عنهم فسوف يتآمرون عليك وسيدسّون لك السمّ وسيحرّضون عليك المشركين وسينقضون العهود وسيحاولون قتلك، لكن الله يعصمك منهم، فسيكفيكهم الله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ[الزّمر: من الآية 36]، وهو سميع بما يقولون عليم بما يفعلون.

الآية رقم (121) - الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

﴿الْكِتَابَ : هو التّوراة.

﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ: يتّبعونه حقّ الاتّباع ويمتثلون أوامره، إضافة لقراءته حقّ القراءة.

﴿أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ: يؤمنون بما ورد في التّوراة عن الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم.

﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: هم الّذين يجحدون ويخفون ما ورد في التّوراة، فأولئك هم الخاسرون.

الآية رقم (136) - قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

أي قولوا لمن يحاججكم من اليهود وغيرهم: نحن نؤمن بالله سبحانه وتعالى

وما أنزل إلينا: يعني القرآن الكريم

وما أوتي موسى وعيسى، أي التّوراة والإنجيل

ونؤمن بكلّ الأنبياء عليهم السَّلام، ولا نفرّق بإيماننا بين الأنبياء، بل نحن خاضعون لله مؤتمرون بأمره.

الآية رقم (120) - وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ

حين نزل القرآن كان بعض النّاس على اليهوديّة وبعضهم على النّصرانيّة، وقد وضع الشّرع القواعد في التّعامل مع النّصارى واليهود, فلا يزاودنّ أحد على الإسلام وعلى هذا الدّين، واليهود أهل كتاب وهي التّوراة الّتي جاء بها سيّدنا موسى عليه السَّلام والنّصارى أهل كتاب وهو الإنجيل الّذي جاء به سيّدنا عيسى عليه السَّلام، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة: من الآية 82]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة: من الآية 82]، فالعلاقة مع المسيحيّين علاقة طيّبة، طبيعتها المودّة والرّحمة، والعداوة تكون مع اليهود، وهذا أمر مقطوع به.

وكلّ إنسان يختار الدّين الّذي يقتنع به، وكانت علاقة النّصارى مع النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم علاقة ممتازة من خلال النّجاشيّ ووفد نصارى نجران.

أمّا اليهود فقد مكروا ودمّروا وقتلوا ونقضوا العهود ودبّروا المكائد للإسلام وللمسلمين. وقال الله سبحانه وتعالى لرسوله محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ﴿قُلْ  ولم يقل له: اقتل، قل يا محمّد: إنّ هدى الله هو الهدى.

الآية رقم (135) - وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

الّذين قالوا هم اليهود في ذلك الوقت، أي في زمن محمّد عليه الصّلاة والسّلام وتنزُّلِ القرآن عليه. ويجب أن نفرّق في طريقة التّعامل بين اليهود والنّصارى، ولا يجوز لأحد أن يحتجّ بالقرآن الكريم في عدائه لأهل الكتاب؛ لأنّ القرآن حدّد العلاقة والمعاملة معهم، فاليهود أشدّ النّاس عداوة للذين آمنوا، والنّصارى أقربهم مودّة للذين آمنوا، بحسب نصوص القرآن الكريم، وقد حرّف أصحاب الحركات التّكفيريّة (داعش والنّصرة وغيرهم) تفسير كلام الله سبحانه وتعالى وفسّروه وفق أهوائهم للإساءة إلى أهل الكتاب، ولا يجوز أن تُفسّر آيات كتاب الله مالم يُعرف السّياق الّذي جاءت فيه هذه الآيات، وهذا لا يعرفه إلّا العالمون بكتاب الله. وقد دعت الآية إلى ملّة إبراهيم الّذي هو جامع للجميع وهو يجمع الأديان كلّها.

﴿حَنِيفًا: مائلاً عن الشّرك إلى عبادة الله وحده.

الآية رقم (119) - إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ

حين يتحدّث الله سبحانه وتعالى عن أمر فيه أفعال يقول: ﴿إِنَّا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر]، وهذه نون العظمة الّتي تجمع كلّ الصّفات الّتي يسخّرها الله سبحانه وتعالى للفعل بقدرته وبعلمه وبحكمته وبعظمته.. ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [المؤمنون], أمّا حين يتحدّث عن العبادة يكون إفراد العبوديّة بالمفرد ﴿إِنَّنِي﴾، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه]، وحين يتحدّث عن الأفعال يكون بنون جمع الصّفات وهي نون العظمة: ﴿إِنَّا نَحْنُ  ]الحجر: من الآية 9[.

وهنا يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَيا محمّد، ما هي مهمّتك؟ لم يقل: مجبراً ومكفّراً وقاتلاً، ونحن نأخذ الإسلام من القرآن وأفعال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصحبه وآل بيته الكرام رضي الله عنهم.

﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ: والحقّ هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغيّر بمرور الزّمن، فإذا قلت إنّ كأس الماء هذا مصنوع من الزّجاج، ولو سألتني عنه بعد عام أقول لك الكلام نفسه. أرسلناك بالحقّ؛ لأنّك مبعوث من الحقّ إلى الخلق، ومهمّتك أن تبشّر النّاس وتنذرهم. والتّبشير يكون بشيءٍ سارٍّ قادم، والإنذار يكون بشيء غير سارٍّ قادم. فمهمّته صلَّى الله عليه وسلَّم ليست هي الإجبار والإكراه، بل أن يبشّر المؤمنين بالجنّة وينذر الكافرين بالنّار جزاءً لأعمالهم، ومهمّتك أن تبلّغهم وتبشّرهم وتنذرهم، ولا تسأل عن أصحاب الجحيم فهم يختارون ما يريدون. والصّاحب هو الّذي يختار صاحبه، وليست مهمّتك أن تجبرهم على الدّين والإيمان كما يفعل التّكفيريّون، بل أن تذكّرهم وتبشّرهم وتنذرهم: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية]، وهم يختارون ما يريدون، وهذا القول لسيّد الخلق وأتباع سيّد الخلق.

الآية رقم (134) - تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ

فلا داعي للشّجار والتّخاصم على قضايا مضت وانتهت، ﴿خَلَتْ: مضى زمانها، وأمرها إلى الله ولسنا مسؤولين عن القضايا الماضية ولا يجوز أن نختلف على قضية حدثت قبل ألف أو ألفي عام أو أكثر، وهذه الآيات المتتابعة هي ردود على يهود المدينة الّذين كانوا في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

تلك أمّة مضى زمانها ولست مسؤولاً عمّا كانوا يعملون، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ [الأنعام: من الآية 164]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌٰ [المدّثر]، ولا يجوز أن نقضي حياتنا ونحن نتحدّث عن الماضي.. ونحن جالسون على تلال الماضي، ولا يُبنى المستقبل على أمراض الماضي، وإنّما نأخذ من قرآننا وسنّة نبيّنا ما أمرنا الله ورسوله به ونترك ما نهانا الله ورسوله عنه.

الآية رقم (133) - أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

الخطاب هنا موجّه ليهود المدينة، هل كنتم موجودين في ذلك الوقت، ويذكّرهم بمشهد يعقوب عليه السَّلام وهو على فراش الموت وحوله أبناؤه الأسباط. وقد حضر يعقوب الموت، والموت هنا فاعل مؤخّر، ويعقوب مفعول به، وكأنّ الموت يكون شيئاً منفصلاً عنّا ثمّ يأتينا، وكأنّه لا علاقة لنا به. يفاجئنا من غير اختيار منّا في أيّ مكان وزمان، ولا يستطيع أحدٌ أن يفرّ من الموت أو أن يطلب مهلة لأيّ سبب كان، قال سبحانه وتعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ [النّساء] وقد سكن أبناء يعقوب مصر مع أبيهم بعد أن حضروا جميعاً إلى يوسف وخرّوا له سجّداً، وهاهم الآن مجتمعون حول أبيهم يعقوب ومعهم يوسف، فيقول لهم يعقوب: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون، وإبراهيم جدّ يعقوب وإسحاق والده، فلماذا أدخل اسم إسماعيل هنا؟ أي أنّه أطلق صفة الأب على العمّ، فالجدّ يقال عنه: أب، والأبُ أبٌ بطبيعة الحال، وكذلك العمّ يقال عنه أب، وإسماعيل هو عمّ يعقوب عليه السَّلام.

وقد كان سيّدنا إسماعيل وإبراهيم عليهما السَّلام من أجداد النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وكان آزر عمّ إبراهيم عليه السَّلام ومع ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام: من الآية 74]، وعلم ذلك من أنّ آباء النّبيّ محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم وأجداده لم يكن منهم من عَبَد صنماً أو كان مشركاً، ولـمّا كان إسماعيل وإبراهيم عليهما السَّلام من أجداد النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم فكيف يكون آزر من أجداد النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو من عبد الصّنم؟! والعمّ بمثابة الأب، وقد ألزم الشّرع العمّ بأن يكون أباً، وهو يرث أولاد أخيه في بعض الحالات؛ لأنّه ملزم بالنّفقة حين لا يكون لهم معيل، والغرم بالغنم والعكس، فلا نأخذ الإباحة ونترك الإلزام، ولا نطالب بالحقّ ونترك الواجب فمن طالب بالميراث عليه أن ينفق على من تلزمه نفقتهم.

فكما أبيح للرّجل أن يتزوّج بأكثر من واحدة فإنَّ الشّرع ألزمه بالعدل، فإن لم يعدل فواحدة.

الآية رقم (132) - وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

﴿وَوَصَّى بِهَا﴾: أي بكلمة الإسلام والخضوع لأوامر الله والالتزام بها، وبعبادة الله تعالى، والوصية هي آخر كلام للإنسان في الدّنيا قبل موته، فيخلص فيها لمن يحبّ، مثل أن يوصي الأب أولاده عند الوفاة وصيّة يقدّم فيها خلاصة تجربته في الحياة، وعند الوفاة لا يكون هناك غشّ بل يوصي الإنسان بما فيه النّصح والمنفعة لأولاده أو لمن يخلفه.

﴿بَنِيهِ: وبنو إبراهيم هم ابناه إسماعيل وإسحاق، وإسماعيل يكبر إسحاق بأربعة عشر عاماً، ومن إسحاق أتت ذريّة بني إسرائيل: و(يعقوب) هو ابن إسحاق، وأولاده هم الأسباط ومنهم يوسف، ومن ذريّتهم أنبياء بني إسرائيل موسى وهارون وزكريّا ويحيى وداود وسليمان وعيسى عليهم السَّلام. أمّا إسماعيل فقد جاء من ذريّته سيّدنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يكن من ذريّة إسماعيل من الأنبياء والرّسل غير محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم.

وقد أوصاهم سيّدنا إبراهيم عليه السَّلام بالإسلام، أي وصّى إسماعيل وإسحاق عليهما السّلام بعبادة الله جلّ وعلا والامتثال له أي بالاستسلام وبالانقياد لأوامر الله والخضوع له، أمّا حين يُطلَق الإسلام كشريعة فيقصد به دين الإسلام وشريعته كما جاء في القرآن الكريم وفي سنّة نبيّه محمّد عليه الصّلاة والسّلام، أمّا حين نتحدّث عن الإسلام بالإطلاق فهو الامتثال والخضوع لله تبارك وتعالى.

وسار يعقوب عليه السَّلام على نهج جدّه إبراهيم عليه السَّلام فوصّى بنيه، وهنا أطلق القرآن القول على لسان يعقوب عليه السَّلام وهو إسرائيل، وإسرائيل مؤلّف من (إسرا- ئيل) أي عبد الله المصطفى.

وقد أورد القرآن وصيّة يعقوب بالذّات؛ لأنّ المسلمين وغيرهم سيعانون أشدّ المعاناة فيما بعد من أحفاد يعقوب أي من شعب بني إسرائيل. والوصيّة هنا لأبناء يعقوب الأسباط وفيهم سيّدنا يوسف عليه السَّلام ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ﴾: أي اختار لكم الدّين والقيم الإلهيّة والمنهج السّماويّ وكلّ الأديان السّماويّة بشكل عامّ.

﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ: ليس بيد الإنسان أن يختار متى يموت كي يموت مسلماً، فالموت والحياة ليسا بيد أحد من العباد، وما كان لأحد أن يعلم وقت موته، لكنّها إشارة إلى أنّ على الإنسان أن يبقى في كلّ أيّام عمره خاضعاً لأمر الله، ملتزماً بأوامره حتّى إذا فجأه الموت في أيّ وقت يموت على ملّة الإسلام

وعلى دين الإسلام وعلى عبادة الله سبحانه وتعالى.