الآية رقم (87) - وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

﴿وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾: يوجد طائفةٌ من أهل مدين آمنت مع شعيبٍ عليه السَّلام.

﴿وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا﴾: لماذا يصبروا؟

﴿حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: أي حتّى يفصل الله سبحانه وتعالى بيننا وبينكم.

﴿بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: بحكمه، وكأنّه يتوعّدهم بعذابٍ قريبٍ.

الآية رقم (86) - وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ

﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: عندما يقول لهم سيّدنا شعيب هنا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا﴾، نتذكّر أنّ إبليس قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ  [الأعراف: من الآية 16]، أي لا تكونوا شياطيناً، فالإنسان يصبح شيطاناً إذا صدّ ومنع عن سبيل الله سبحانه وتعالى وأراد منهجه جلّ وعلا معوجّاً، كمن يقول: إنّ الرّبا والخمر حلالٌ.

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾: لأنّ قوم مدين كانوا قلّةً، ثمّ كثّرهم الله سبحانه وتعالى.

﴿وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي اعتبروا كيف كان عاقبة المفسدين، كانت قرى لوطٍ قريبةً منكم، ماذا جرى لهم، وماذا جرى لقوم صالحٍ وقوم هودٍ وقوم نوحٍ؟!.

الآية رقم (85) - وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ﴾: مدين هو اسمٌ لأحد أبناء سيّدنا إبراهيم عليه السَّلام، خرج من طور سيناء حتّى شاطئ الفرات، وهناك تزوّج وبنى قبيلةً وأصبحت هذه القبيلة يطلق عليها اسم مدين، وأصبحت البلدة بعد فترةٍ من الزّمن اسمها مدين.

﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾: النّبيّ شعيب عليه السَّلام

﴿أَخَاهُمْ﴾: أي أنّه منهم، يعيش معهم ويرونه ويرون حياته وكلّ شيءٍ أمامهم واضحٌ.

ما هو مرض قوم شعيب؟ في كلّ لقطةٍ أو مقطعٍ نجد مرضاً من أمراض الأقوام الّذين أرسل إليهم الأنبياء عليهم السَّلام؛ فقوم لوطٍ عليه السَّلام كانوا يفعلون الفاحشة، وقوم صالحٍ عليه السَّلام كانوا يعبدون الأصنام.. فبحسب المرض يأتي العلاج للدّاء الّذي يكون عند الأقوام.

﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: عدنا إلى السّياق ذاته، الأنبياء كلّهم جاؤوا برسالةٍ واحدةٍ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي أطيعوا الله سبحانه وتعالى فيما أمر وانتهوا عمّا نهى عنه وزجر.

﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾: هي الدّعوة إلى التّوحيد، لا إله إلّا الله.

﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: لم يبيّن شعيبٌ ما هذه البيّنة؟ هل هي معجزةٌ، أو أنّها الرّسالة الّتي جاء بها؟

﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: جاء بعدها بأربعة أمور:

– الأمر الأوّل: قال: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾  فقد كانوا ييخسون الكيل والميزان، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1)  الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ  عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطفّفين]، جعل المولى سبحانه وتعالى من أهمّ أهداف الرّسالات السّماويّة حفظ الحقوق المادّيّة، ومنها الإيفاء بالكيل والميزان، فعندما يأمرك الله سبحانه وتعالى أن توفي الكيل والميزان فقد أمر النّاس كلّهم أن يوفوا معك الكيل والميزان.

الآية رقم (84) - وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ

﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾: بالتّأكيد ليس مطراً طبيعيّاً وإنّما مطرٌ من حجارةٍ من سجيلٍ، هذا المطر بيّنه الله سبحانه وتعالى في سورٍ أخرى، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ [هود]، قلب الله سبحانه وتعالى القرية كلّها وأمطر عليهم حجارةً من سجيلٍ.

﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾: أي تأمّلوا واعتبروا ممّا جرى لهؤلاء القوم الّذين يفعلون هذه الفاحشة.

الآية رقم (83) - فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ

﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: إذاً حدثت معجزةٌ لم يتحدّث عنها المولى سبحانه وتعالى هنا بالتّفصيل، وكلمة: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾، إذاً يوجد عذابٌ وقع حتّى أنجاه الله تبارك وتعالى.

﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: غبر: بقي؛ أي بقيت في مكانها الّذي كانت موجودةً فيه مع من بقوا في ديارهم فأطاح بها العذاب العظيم الّذي حلّ بقومها.

وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التّحريم]، هذا بيانٌ بأنّ العقيدة محميّةٌ بالاختيار، فلا يوجد إنسانٌ على وجه الأرض يمكن أن يُجبر على الإيمان أو على الكفر، والدّليل امرأة لوطٍ وامرأة نوحٍ، كانتا زوجتي نبيَّين؛ نوحٍ ولوطٍ عليهما السّلام، ومع ذلك لم تؤمنا، فزوجة نوحٍ أُغرقت، وزوجة لوطٍ قضي عليها بالحجارة وبانقلاب القرية بكاملها، أمّا زوجة مدّعي الرّبوبيّة فرعون فكانت مؤمنةً: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التّحريم].

الآية رقم (82) - وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ

التّطهّر هو الترّفّع عن الرّجس والسّوء، فمثلاً: عندما يكون مجموعةٌ من الشّبان يلعبون القمار ويأتون الفواحش، فيأتيهم شخصٌ آخر ويقول لهم: هذه أمورٌ حرامٌ لا تجوز ولا تتوافق مع الأخلاق، فيبعدونه عنهم قائلين فيه: بأنّه ليس منهم، وأنّه يتطّهر، فكان جواب القوم لسيّدنا لوط عليه السَّلام: أخرجوه من هذه القرية هو والّذين معه، أي الّذين آمنوا وأنكروا هذه الفاحشة، ونجد هنا أنّ الله سبحانه وتعالى لم يتحدّث عن عبادته وعن التّقوى كما جرى مع الأنبياء السّابقين عليهم السَّلام، أراد سبحانه وتعالى في هذه السّورة أن يلقي الضّوء على الفاحشة الفظيعة الّتي كان يفعلها قوم لوط، فنجد أنّ الحوار الّذي تمّ ما بين لوط عليه السَّلام وقومه هو حوارٌ واحدٌ حول هذه الفاحشة.

الآية رقم (81) - إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ

بيّن لوط عليه السَّلام هذه الفاحشة: ﴿إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ﴾ هي العمليّة الشّاذّة، فالشّهوة وضعها الله سبحانه وتعالى موضع الحلال للإنجاب وللشّهوة بين الرّجل والمرأة، وما سوى ذلك فإنّه شذوذٌ عن الفطرة وعن الأخلاق وعن القيم وعن الدّين وعن كلّ شيءٍ كما ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى في هذه القصّة الّتي يرويها لنا المولى سبحانه وتعالى.

﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾: الإسراف هو تجاوز الحدّ، أي تجاوزتم حدود القيم والأخلاق والنّفس السّويّة.

الآية رقم (80) - وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ

﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾: لم يقل: أخاهم لوطاً، والقرآن الكريم كل حرفٍ فيه وكلّ كلمةٍ وكلّ إشارةٍ إعرابيّةٍ باختلافها يختلف المعنى، وهذا لا يوجد إلّا في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه من لدن ربٍّ حكيمٍ جلَّ جلاله. فهنا يتبيّن أنّ لوطاً عليه السَّلام لم يكن من هؤلاء القوم، وإنّما جاء مع إبراهيم -عليهما السّلام- من طور سيناء إلى منطقة شاطئ الفرات، وبقي معهم فترةً في هذه المنطقة فأصبحوا يعرفونه، وأصبح يعرف كلّ شيءٍ عنهم من عاداتٍ وتقاليد، وكلّ ما يجري في هذه القرية.

ولقد جاءت كلمة: (لوطاً) منصوبةً؛ لأنّها معطوفةٌ على قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ فلقد أرسلنا نوحاً وصالحاً وهوداً، لذلك جاءت (لوط) هنا منصوبة على ما سبق.

الآية رقم (79) - فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ

﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ﴾: تركهم.

﴿وَقَالَ يَا قَوْمِ﴾: كيف يخاطبهم وقد هلكوا؟! جاء في البخاريّ: اطّلع النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أهل القليب فقال: «وجدتم ما وعد ربّكم حقاً؟»، فقيل له: تدعو أمواتاً؟ فقال: «ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون»([1])، فبعد أن تولّى عنهم صالحٌ عليه السَّلام التفت عليهم وكانوا جاثمين كلّهم من الرّجفة فقال: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾: لماذا جاءت هنا: ﴿رِسَالَةَ﴾ بالإفراد، بينما باقي الرّسل قالوا: ﴿رِسَالاتِ﴾ ؟ الجواب؛ لأنّ الرّسالة الواحدة تشمل الرّسالات كلّها، لقد أبلغتكم رسالة ربّي. وهنا انتهى المقطع وستأتي مقاطع أخرى في سورٍ أخرى تتعلّق بصالح عليه السَّلام والنّاقة والرّجفة، وبأصحاب الحِجر أي قبيلة ثمود، الّذين قال عنهم سبحانه وتعالى: ﴿كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾  [الحجر]، فهذه الأمور بقيت شاهدةً عليهم وعلى التّطوّر الحضاريّ والعمرانيّ الّذي كان في ذلك الوقت.


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، الحديث رقم (1304).

الآية رقم (63) - أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: هل تنكرون وتتعجبون أنّه جاء ذكرٌ من ربّكم، والذّكر هو أن تتذكّر قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: من الآية 24]، ويُطلق الذّكر أيضاً على القرآن الكريم، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء].

﴿عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾: دائماً يكون الرّسول من قومه حتّى يكون بيّناً واضحاً، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ﴾  [الكهف: من الآية 110]، هكذا قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم لقومه.

﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾: أوّلاً إنذار.

﴿وَلِتَتَّقُوا﴾: ويأمرهم بالتّقوى، والتّقوى هي جماع الخير، وهي العمل بالتّنزيل والرّضا بالقليل والاستعداد ليوم الرّحيل.

﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: فبسبب التّقوى تتنزّل رحمات الله تبارك وتعالى عليكم.

الآية رقم (78) - فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الرّجفة: الزّلزلة الشّديدة، وتسمّى الطّاغية، قال تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾  [الحاقّة].

﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: الجاثم: هو من لزم مكانه وثبت فيه، جاءتهم الرّجفة فثبتوا في أماكنهم، مَن كان قائماً بقي قائماً، ومَن كان مستلقياً بقي مستلقياً.

الآية رقم (77) - فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾: عقر النّوق هو ذبحها.

﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: استكبروا وعتوا عن أمر الله سبحانه وتعالى وعقروا النّاقة الّتي أخرجها لهم صالحٌ عليه السَّلام كآيةٍ وبيّنةٍ، وكان قد هدّدهم قائلاً: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: ذبحوا النّاقة وقالوا: افعل ما تريد فعله، استهزاءً منهم بما وعدهم به من العذاب.

﴿إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي من الصّادقين.

الآية رقم (76) - قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

أمّا الّذين استكبروا فكان جوابهم: ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾، كافرون بما تؤمنون به، وبإله صالحٍ عليه السَّلام، وبكلّ ما جاء به.

الآية رقم (75) - قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ

يملؤون المجالس، أشراف القوم الّذين استكبروا.

﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾: للّذين استضعفوا وآمنوا.

﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ﴾: هل تعلمون أنّه مرسلٌ من ربّه؟

قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: أجابهم الضّعفاء: بأنّنا مؤمنون.

الآية رقم (74) - وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ﴾: ثمود جاؤوا بعد قوم عاد.

﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أنزلكم وأسكنكم.

﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾: تقدّمٌ عمرانيٌّ هائلٌ، ينحتون الصّخر ويبنون فيه البيوت، فيصعدون في الشّتاء إلى هذه البيوت، وفي السّهول تكون لهم القصور.

﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾: فاذكروا نعم الله سبحانه وتعالى عليكم.

﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: عاث: أتى بأشدّ الفساد، أي لا تكثروا الفساد في الأرض.

الآية رقم (73) - وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

الرّسالات كلّها جاءت بالأوامر ذاتها: عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته وأنّه لا إله غيره جلَّ جلاله.

﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: هنا يوجد قضيّةٌ جديدةٌ، وهي البيّنة أي المعجزة، وهي الدّليل على صدق بلاغ صالحٍ عليه السَّلام عن الله سبحانه وتعالى.

﴿هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾: كما ورد في التّفاسير بأنّ القوم حاجّوا صالحاً عليه السَّلام وناقشوه كثيراً، أصبحوا يدعون آلهتهم، ويقولون: ادع أنت إلهك حتّى يخرج لنا كذا، وعندما دعا خرجت ناقةٌ من صخرةٍ كبيرةٍ.

﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾: دعوها تأكل في أرض الله عزَّ وجلّ.

﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: إيّاكم أن تمسّوها بأيّ سوءٍ، وكانت هذه النّاقة كما أخبر سبحانه وتعالى في آيةٍ أخرى: ﴿قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشّعراء]، أي البئر أو المكان الّذي يشربون منه، كانت النّاقة لها يومٌ واحدٌ تشرب منه وهم لا يشربون، وهم يشربون في اليوم الآخر.

الآية رقم (72) - فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ

عندما رفضوا الإيمان أصابهم قحطٌ شديدٌ، فجاءت غيمةٌ سوداء عظيمةٌ

فوق أرضهم، قال سبحانه وتعالى:﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌتُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف]، فإذ بهذه الغيمة السّوداء فيها ريحٌ عظيمةٌ وريحٌ صرصرٌ عاتيةٌ، ووقع عليهم العذاب من ربّهم فلا يرى إلّا مساكنهم، ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾، نجّى الله سبحانه وتعالى هوداً والّذين آمنوا معه برحمةٍ منه سبحانه وتعالى.

﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: قُطع دابرهم: أي قطع وجودهم ونسلهم، وانقطعوا عن هذه الحياة الدّنيا.

الآية رقم (71) - قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ

﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾: وقع: فعلٌ ماضٍ، الله سبحانه وتعالى وعد بأنّه سيقع عليهم، وهو لم يقع بعد، بل كأنّه وقع، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النّحل: من الآية 1]، كيف يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَتَىٰ ﴾، ويقول بعدها: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؟ الجواب: لأنّ الله سبحانه وتعالى بمجرّد أنّه وعد فقد تحققّ ما وعد به، لذلك عندما قال سيّدنا هود عليه السَّلام هنا: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾، هو لم يقع بعد، لكنّ وعد الله تبارك وتعالى واقعٌ لا محالة إذا لم تؤمنوا وتعبدوا الله سبحانه وتعالى.

﴿رِجْسٌ﴾: من القذارة.

﴿وَغَضَبٌ﴾: غضبٌ من الله سبحانه وتعالى عليكم.

﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ﴾: تمارون وتماحكون وتجادلون في أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم للآلهة.

﴿مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾: سلطانٌ: أي دليلٌ، فليس هناك أيّ دليلٍ على ما تقولون.

﴿فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾: ستجدون ما وعدتكم به من عذابٍ.

الآية رقم (70) - قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ

﴿قالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: هم يريدون أن يعبدوا ما وجدوا عليه آباءهم، وهذا هو التّقليد الأعمى الّذي يتوارثه الأبناء عن الآباء من غير علمٍ ولا درايةٍ، وقد حارب القرآن الكريم التّقليد الأعمى.

﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: فقد كان يعدهم نبيّهم بالعذاب إن أعرضوا عن دعوة الحقّ.

الآية رقم (69) - أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: يُقصد بالذّكر الرّسالة الّتي جاء بها هود عليه السَّلام.

﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾: فوظيفة كلّ رسولٍ البشارة والإنذار، ينذر من النّار ويبّشر بالجنّة.

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾: إذاً أقرب قومٍ لنوحٍ عليه السَّلام هم قوم عاد.

﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾: هنا دخل أمرٌ جديدٌ فيما يتعلّق بجمال قوم هود، فقد أخبر سبحانه وتعالى أنّه زادهم في الخلق بسطةً، قيل: الطّويل منهم كان مئة ذراعٍ، والقصير كان ستّين ذراعاً، فقد كانوا خلقاً عظاماً طوالاً.

﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾: فاذكروا نعم الله سبحانه وتعالى عليكم.

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: الفلاح هو النّجاح.