الآية رقم (30) - وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

﴿وَلَوْ تَرَى﴾: يا محمّد.

﴿إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: وقفوا في هذا الموقف.

﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾: هذا ما كنتم تنكرونه في الدّنيا بأنّنا لسنا بمبعوثين ولن نقف هذا الموقف، ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾.

عندما تحوّلوا إلى علم اليقين، ورأوا الجنّة جنّةً، والنّار ناراً، كان سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: “والله لو كُشف عنّي الحجاب ورأيت النّار ناراً ورأيت الجنّة جنّةً ما زاد ذلك في إيماني شيئاً”؛ لأنّه آمن بالله سبحانه وتعالى وآمن برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. أمّا مشكلة بأنّنا نتمنّى أو نقول أو ندّعي بأنّ هذه الحياة الدّنيا هي منتهى الأمور فهذا لا يصحّ حتّى عقليّاً، فمن الأجدر أن نؤمن بأنّ هناك يوم حسابٍ لتنضبط حركة الإنسان في الحياة، وحتّى لا يتفلّت من الضّوابط القيميّة والأخلاقيّة، وليعلمَ بأنّه في هذا اليوم ستُنشر أعماله وسيُحاسب على الكبير والصّغير والقليل والقطمير ويتعرّض لرحمات الله سبحانه وتعالى ويتعرّض أيضاً لعذابه عزَّ وجلّ نتيجة لما ارتكب من آثام.

الآية رقم (27) - وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

انتقل الله تبارك وتعالى إلى الصّورة المقابلة؛ لأنّها مهما طالت فهي قصيرةٌ، مهما طال عمر الإنسان فسيقف هذا الموقف، فبعد أن كانوا ينهون عن الاستماع للقرآن الكريم وينأون عنه ويشوّشون عليه ويمنعون كلّ ما يتعلّق به.

﴿فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: يا ليت هي كلمةٌ يقولونها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ (101) فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون].

الآية رقم (29) - وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

هذا القول هو مشكلة كلّ الدّنيا وما زلنا حتّى الآن وفي كلّ لحظةٍ إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها سنناقش هذه القضيّة وهي قضيّة: ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، لماذا تقولون: حياتنا الدّنيا؟ طالما هي حياةٌ دنيا فهذا يعني أنّ هناك حياةً عُليا مقابلها.

﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾: ما هو الدّليل على أنّكم غير مبعوثين إلى يوم القيامة وإلى الحساب والعقاب؟ الدّليل بالنّسبة لنا الّذي نقوله هو الدّليل على وجود الله سبحانه وتعالى، فنحن نناقش بالقمّة، نناقش موضوع وجود الله سبحانه وتعالى، فإذا ثبت علميّاً وعقليّاً وإيمانيّاً وجوده سبحانه وتعالى، وصدق البلاغ عنه عزَّ وجلّ من قِبل الرّسل عليهم السَّلام، فإذاً علينا أن نؤمن إيماناً مطلقاً بعد أن حاكمنا العقل والحجّة والبرهان وعرفنا بأنّ هذا الوجود له موجدٌ، وأنّه موجد الوجود، وأنّ الأثر يدلّ على المؤثّر، وأنّه لا يمكن أن يوجد هذا الكون بهذا الاتّساع وهذا النّظام من دون فاعلٍ ومن دون موجدٍ، ونؤمن بأنّ هذا الرّسول جاء وهو صادقٌ وأمينٌ وبلّغ القرآن الكريم وتحدّى البشريّة بصدق القرآن الكريم وببلاغته وعلومه وبما ورد فيه، وإلى هذه السّاعة ما استطاع أحدٌ أن يُنكر أيّ آيةٍ في القرآن الكريم، أو أن يقول: هذه الآية قد تصادمت مع العلم الحقيقيّ والعلم الثّابت التّجريبيّ، ولكن الّذي حدث أنّهم كما أخبر جلّ وعلا: ﴿وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾: فهم يتمنّون ألّا يبعثوا ليرتكبوا كلّ الموبقات والشّهوات ويتفلّتوا من كلّ الضّوابط، وألّا يوجد يوم حسابٍ، والّذي هو الأساس بالنّسبة للإيمان، فإذا آمنت بالله سبحانه وتعالى فيجب أن تؤمن بأنّ هناك يوماً آخر، وأنّ الله تبارك وتعالى ما خلقنا عبثاً، فهناك ظالمٌ وهناك مظلومٌ، هناك قاتلٌ وهناك مقتولٌ، هناك سارقٌ وهناك مسروقٌ، هناك فقيرٌ تحمّل وهناك غنيٌّ أسرف.. كلّ هذا كما أخبر سبحانه وتعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء]، هذا هو اليوم الّذي يهربون منه.

الآية رقم (28) - بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾: من كفرهم وإشراكهم ومن صدّهم عن سبيل الله سبحانه وتعالى بدا لهم: أي أصبح واضحاً؛ لأنّه تُنشر الأعمال في ذلك اليوم، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ﴾ أي إلى الدّنيا مرّةً أخرى، ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: الكذب هو صفةٌ ملازمةٌ لهم.

الآية رقم (26) - وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

﴿عَنْهُ﴾: عن القرآن الكريم.

ارتكبوا جريمتين اثنتين: ينهون عن القرآن الكريم، وينأون عنه ليمنعوا من أن يستمع إليه أحدٌ خوفاً من أن تتسلّل أنوار القرآن الكريم إلى قلوب المستمعين له.

﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: كلّ هذا الكلام والتّشويش واللّغو لا يفيد، وهم لا ﴿يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعتقدون بأنّهم ينالون من القرآن الكريم ويشكّكون فيه، ولكنّ القرآن الكريم باقٍ إلى قيام السّاعة.

الآية رقم (33) - قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ

هذه الآية تسليةٌ لقلب النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

﴿قَدْ﴾: هنا للتّحقيق، أي تحقيقٌ بعلم ما يحدث.

﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾: والنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يحزن عندما يرى أنّه يدعو النّاس إلى الخير وهم يقابلونه بالشّرّ، فقالوا عنه: ساحرٌ، وقالوا: مجنونٌ، وقالوا: كذّابٌ، وقالوا: مفترٍ، وقالوا: أضغاث أحلامٍ، لم يتركوا صفةً من الصّفات المذمومة إلّا وقالوها، وهو صلَّى الله عليه وسلَّم الصّادق الأمين، لذلك أراد الله تبارك وتعالى أن يرفع الحزن عن هذه النّفس العظيمة، نفس محمّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال له: يا محمّد، ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾، وهذه تسليةٌ لقلب النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فعندما ذهب صلَّى الله عليه وسلَّم إلى الطّائف، أغروا به غلمانهم ليلقوا عليه الحجارة ويشتموه فما كان منه إلّا أن قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «اللّهمّ إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي وهواني على النّاس، أنت أرحم الرّاحمين، إلى من تكلني؟! إلى عدوٍّ يتجهّمني؟ أم إلى قريبٍ ملّكته أمري؟ إن لم تكن غضبان عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك أوسع لي»([1]).

الآية رقم (25) - وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ

﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: الفرق بين يسمع ويستمع: قد تسمع وأنت لا تهتمّ ولا تقصد السّمع؛ لأنّ حاسّة السّمع بالنّسبة للإنسان هي أوّل أدوات الإدراك، هي آلةٌ موجودةٌ في جسم الإنسان لا تغيب، حتّى في حالة النّوم الإنسان يسمع لكنّه لا يرى، قال سبحانه وتعالى عن أصحاب الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف]، حتّى ناموا تلك النّومة الطّويلة، فمنع الله تبارك وتعالى آليّة السّمع من العمل، صوت الهواء والرّياح ونباح الكلاب عند الكهف، كلّ هذا مُنع عنهم حتّى ناموا تلك الرّقدة الطّويلة.

إذاً السّمع آلة إدراكٍ لا تتعطّل في الإنسان عند النّوم، وعندما يستمع الإنسان أي هو يقصد أن يسمع وأن يفهم هذا الكلام، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ﴾ [محمّد]، إذاً يقصد الاستماع إليك ليسمع ما تقوله من آيات القرآن الكريم.

الآية رقم (24) - انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ

﴿انظُرْ كَيْفَ﴾: على أمرٍ لم يأت بعد، لكن الله سبحانه وتعالى ليس لديه زمنٌ، فعندما يتحدّث عن أمرٍ أنّه سيحدث فإنّه حدث، يخرج من الزّمن، مثل قوله جلَّ جلاله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النّحل: من الآية 1]، كيف أتى وأنت تستعجله؟ الجواب: لأنّ الله سبحانه وتعالى عندما يقول: ﴿كُن﴾، فيكون خارج الزّمن، والزّمن مخلوقٌ من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، فعندما يقول: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: أي اعلم يا محمّد كيف كذبوا يوم القيامة، وكأنّه ينظر إلى ذلك. عندما قال للنّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾  ]الفجر[، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل]، هو لم يكن أيّام عادٍ ولا أيّام أصحاب الفيل؛ لأنّه كان في بطن أمّه في عام الفيل، (ألم تر)؛ لأنّ الرّؤية من الحواسّ، وهي أشدّ الحواسّ إثباتاً، أكثر من السّمع، رأيت أم سمعت؟ فعندما يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾؛ لأنّ ربّ الحواسّ الّذي خلقها هو أصدق منها، فإخبار الله سبحانه وتعالى لك أصدق من عينيك، لذلك يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، ولو كان القائل غير الله سبحانه وتعالى لقال: (ألم تسمع كيف فعل ربّك بعاد)، (ألم تسمع كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل).

إذاً إخبار الله سبحانه وتعالى أصدق من رؤية عينيك، ومن هنا جاءت هذه الآية: ﴿انظُرْ﴾ أي وكأنّه ينظر.

﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾: أي أنّ شركاءهم والّذين أشركوا فيهم حتّى الحجارة تقول: عبدونا، ونحن عبادٌ لله، فحتّى الحجارة تسبّحه وتعبده سبحانه وتعالى، قال سبحانه وتعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾  [الإسراء].

الآية رقم (23) - ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

الفتنة هي الاختبار، والفتنة بحدّ ذاتها لا تكون شرّاً، لكن نتيجة الفتنة تكون إمّا شرّاً وإمّا خيراً، وقد يأتي معنى الفتنة بالسّير على رأي ضالّ.

فالفتنة هي اختبارٌ لها وسائلٌ متعدّدةٌ، وتطلق على الشّيء الّذي يستولي على الإنسان بالباطل، يقال: هذا يفتن أو يفتن بين النّاس.

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: كانت نتيجة الاختبار بأنّهم قالوا يوم القيامة: بأننّا ما كنّا مشركين، هم كذّبوا، ويحاولون حتّى في هذه اللّحظات أن يقسموا: ﴿وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، إذاً تبرّؤوا، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة].

الآية رقم (35) - وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ

الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم معصومٌ، وليس المقصود بهذه الآية مظنّة أنّه سيفعل ذلك، وأنه سيكون من الجاهلين، لا، فهي تنزيهٌ للرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم من أن يكون في صفّ الجاهلين، حتّى لا يحمل الإنسان الآية على غير محملها، وكثيرٌ هم الّذين يتصدّون لآيات القرآن الكريم ويفسّرونها بأقوالهم كيفما شاؤوا، ويخرجون عن كلّ قواعد اللّغة العربيّة وقواعد التّفسير والدّين.

الآية رقم (34) - وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ

هذه هي سنّة الخلق ما بين الحقّ والباطل، عبر الزّمن كُذّب الرّسل الّذين أُرسلوا لأقوامهم نوح وهود وصالح وإبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان عليهم السَّلام ولكنّهم صبروا، والصّبر هو سلاح المؤمن، بيّنه الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم بقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾  [البقرة]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة]، لم يقل: مع المصلّين؛ لأنّ الصّلاة قد تكون مجرّد ركعاتٍ وسجودٍ وحركاتٍ، أمّا التّعبير الحقيقيّ عن الصّلاة فهو أن تصبر على قضاء الله سبحانه وتعالى، وتعتقد أنّ قضاءه جلّ وعلا فيه خيرٌ لك، وأنّ هذه المحنة ستنقلب إلى نعمةٍ، وأنّ كلّ محنةٍ في باطنها نِعَمٌ من الله سبحانه وتعالى فتصبر على هذا الإيذاء.

الآية رقم (32) - وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: الفرق ما بين اللّعب واللّهو: اللّهو يشغلك عن الواجب، أمّا اللّعب فلا يشغل عن الواجب، فمثلاً: لعبة كرة القدم هي لعبةٌ لكنّ النّاس وضعوا لها قوانين جادّة، أوّلاً يأتي النّاس قبل ساعتين ينضبطون في المدرّجات، وهناك حكمٌ يحكم بين الفريقين، وهناك ضربة جزاءٍ، إذاً وضعوا قانوناً جادّاً للعبة، واللّعب بشكلٍ عامٍّ يختلف عن اللّهو، فاللّعب لا يلهيك عن مسؤوليّةٍ أو عن عملٍ، أمّا اللّهو فلا يقدّم ولا يؤخّر، ولا يُغني عنك من الله شيئاً، ويشغلك عن مسؤوليّتك وعن عملك المكلّف به، فالحياة الدّنيا هي لعبٌ ولهوٌ، وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «ما لي وما للدّنيا، ما أنا في الدّنيا إلّا كراكبٍ استظلّ تحت شجرةٍ ثمّ راح وتركها»([1])، هذا الحديث النّبويّ يمثّل معنى هذه الآية تماماً، إذاً أنت تمرّ في دار ابتلاءٍ، وهي ليست دار قرارٍ، وإنّما هي دار مرورٍ، فإمّا أن تحصّل منها ما يفيد لآخرتك، وأن تبني قبرك وما بعد القبر، وإمّا أن تكون وبالاً عليك.

الآية رقم (31) - قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ﴾: لماذا الخسارة؟ الإنسان يعمل فيزيد رأس المال، فإذا نقص رأس المال نقص الرّبح فخسر العمل والرّبح معاً، والّذين كذّبوا بلقاء الله عزَّ وجلّ كلّ عملهم ذهب هباءً منثوراً، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان].

﴿حَتَّى﴾:  جسرٌ ما بين شيئين، ما بين الدّنيا والآخرة.

﴿حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾:  لأنّ السّاعة ستأتي بغتةً، والسّاعة بالنّسبة لكلّ إنسانٍ قيامته، وساعته عند وفاته أقرب إليه من نفسه، وهو لا يعلم في أيّ لحظةٍ يأتي هذا الأجل فعندما يأتي الأجل فقد قامت قيامة الإنسان، وبالتّأكيد القيامة الكبرى عندما يقف النّاس لربّ العالمين، لكن الانتهاء من دور الحياة الدّنيا يكون في اللّحظات الّتي يموت فيها الإنسان في هذه الدّنيا لذلك قال الشّاعر:

نسير إلى الآجال في كلّ لحظةٍ
ولم أر مثل الموت حقّاً كأنّما
وما أصعب التّفريط في زمن الصّبا
ترحّل من الدّنيا بزادٍ من التّقى 

 

وأعمارنا تُطوى وهنّ مراحل
إذا ما تخطّته الأمانيُّ باطل
فكيف به والشّيب للرّأس شامل
فعمرك أيّامٌ وهنّ قلائل

﴿قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾: يومئذٍ يتحسّرون، ولكن لا يفيدهم تحسّرهم.

﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾: هذه الأوزار تتحوّل إلى أحمالٍ وأثقالٍ على ظهورهم.

﴿أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ﴾: ما يحملون.

وهم لا يحملون أوزارهم فقط، بل وأوزار من كانوا قدوتهم في هذا العمل، ومن كانوا قدوتهم في البعد عن الله عزَّ وجلّ وعن نهجه وعن سبيله وعن عطائه وعن رحمته.

الآية رقم (11) - قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

يطلب المولى سبحانه وتعالى منّا الاعتبار، والمحاكمة العقليّة، والحجّة، والبرهان، والدّليل، فقال جلَّ جلاله: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ﴾: انظروا: أي تفكّروا.

﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: لننظر إلى المكذّبين عبر كلّ التّاريخ كيف كانت عاقبتهم، ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، اقرؤوا كلّ التّاريخ، وانظروا وادرسوا واعقلوا واعلموا.

ولنتأمّل دّقّة الآية من النّاحية العلميّة أيضاً: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾: فلو أنّها من عند غير الله سبحانه وتعالى لكانت: (سيروا على الأرض)؛ لأنّك تسير على الأرض، ولن يقول أحدٌ: سيروا في الأرض، لكنّ طبقة الغلاف الجويّ هي جزءٌ لا يتجزّأ من الأرض، تدور وتتحرّك معها، وأنت تتنّفس من خلالها، لذلك فأنت تسير في الأرض لا على الأرض؛ لأنّك لو تسير على الأرض فمعناه أنّك تسير فوق الغلاف الجوّيّ. والقرآن الكريم يأتي بها بكلّ دقّةٍ علميّةٍ، بحيث يستطيع العقل البشريّ استيعابها، وعندما يتطوّر العقل البشريّ يعلم بأنّ هذا كلام الله سبحانه وتعالى، كلام العليم الحكيم الخبير الرّحيم الرّؤوف التّوّاب الحكيم، الّذي لا يقول كلمةً إلّا وتكون هذه الكلمة دقيقة في العلم الّذي لم نصل إليه بعد، وسيأتي زمانٌ يصل فيه علماؤه إلى ما لم نصل إليه.

الآية رقم (10) - وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ

ضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً بسيّدنا نوح عليه السَّلام: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [هود]، وكانوا يستهزئون به ويضحكون منه عندما كان يصنع الفلك، وكذلك استهزؤوا بصالح وشعيب وهود وإبراهيم ويوسف وبكلّ الأنبياء عليهم السَّلام، لذلك يسلّي الله سبحانه وتعالى قلب النّبيّ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم ويقول: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾، لكن أريد أن أرى النّتيجة: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ﴾.

الآية رقم (21) - وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا﴾: الظّلم ظلماتٌ، كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث القدسيّ فيما يرويه عن ربّه عزَّ وجلّ: «يا عبادي إنّي حرمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا»([1])، وأشدّ أنواع الظّلم أن يظلم الإنسان نفسه، بأن يقدّم لها شهوةً زائلةً ويحرمها من نعيمٍ مقيمٍ، وذلك عندما يرتكب الفاحشة، صحيحٌ أنّه يعتقد أنّه قد حصل على ما يريد، لكنّه بحصوله على هذا الأمر الزّائل والّذي ستزول معه الدّنيا أيضاً، سيجد الخسران يوم القيامة، إذاً هو ظلم نفسه؛ لذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾، إنّه يفتري على الله سبحانه وتعالى الكذب، ويحرّم ما حلّل الله سبحانه وتعالى، ويحلّل ما حرّمه سبحانه وتعالى، ويكذّب بآيات الله عزَّ وجلّ وبصدق بلاغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبكلّ ما جاء في القرآن الكريم، وبكلّ الأوامر الّتي وردت ويشكّك بها.

﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: هذا أمرٌ إلهيٌّ لا يمكن للظّالم أن يفلح، الظّالم الّذي ظلم نفسه، والّذي يظلم غيره، قال النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ثلاثةٌ لا تردّ دعوتهم، الإمام العادل، والصّائم حين يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام وتفتح لها أبواب السّماء ويقول الرّبّ عزَّ وجلّ: وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين»([2])، فاتّقوا دعوة المظلوم، فليس بينها وبين الله تبارك وتعالى حجابٌ.

 


([1]) صحيح مسلم: كتاب البرّ والصّلة والآدب، باب تحريم الظّلم، الحديث رقم (2577).
([2]) سنن التّرمذيّ: كتاب صفة الجنّة، باب صفة الجنّة ونعيمها، الحديث رقم (2526).

الآية رقم (8) - وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ

﴿وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾: ولو نزل مَلَكٌ فسينزل بهيئة بشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام].

﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ﴾: لو أنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يكون النّاس خاضعين ومؤمنين لانتهى الأمر، ولأَهْلَكهم عندما رأوا البيّنة والمعجزة ولم يؤمنوا بها، ولو أنزل الله سبحانه وتعالى ملَكاً لشكّكوا أيضاً في هذا الـمَلَك.

﴿ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ﴾: أي لا يُمهَلون، بل يأتيهم العذاب.

الآية رقم (15) - قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

لا يستطيع أن يغيّر قدر الله إلّا هو جلَّ جلاله، والمعصوم صلَّى الله عليه وسلَّم يعلن أنّه يخاف الله عزَّ وجلّ، وقد علّق الخوف على شرطٍ هو عصيان الله سبحانه وتعالى، ولا يأتي ذلك من الرّسول المعصوم؛ لأنّه لا يعصي الله سبحانه وتعالى أبداً، ولكن ما دام لم يعصِ ربّه فهو لا يخاف لوجود ﴿إِنْ﴾ في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وهذا تعليمٌ لأمّة محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم بأنّ سبب الخوف هو العصيان والتّمرّد على أوامر الله جلَّ جلاله.

الآية رقم (7) - وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ

لأنّهم طلبوا أن ينزل الكتاب بورقٍ مكتوبٍ في قرطاسٍ من السّماء على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأجابهم المولى جلّ وعلا: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾.

﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾: سحرٌ واضحٌ، إذاً هناك إنكارٌ للحقيقة، وإنكارٌ للأدلّة العقليّة والعلميّة والحسّيّة أيضاً؛ لأنّ المعجزات الّتي جاءت على أيدي الرّسل هي معجزاتٌ حسيّةٌ شهدها من شهدها، فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، ومنهم من قال: بأنّها سحرٌ مبينٌ.

الآية رقم (6) - أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ

انظروا إلى الأدلّة العلميّة الرّائعة: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، هنا الرّؤية سيّدة الأدلّة، فهناك فرقٌ بين أن تسمع وبين أن ترى، فعندما تسمع قد يكون هناك إشكالٌ بالسّمع، أمّا أن ترى، فهذه حُجّةٌ ليس بعدها حُجّة، وليس مع العين أين، انتهى الأمر.

﴿أَلَمْ يَرَوْاْ﴾: الخطاب هنا للمشركين الّذين يذهبون برحلة الشّتاء والصّيف وهم يرون بأمّ أعينهم، فماذا يرون؟ الجواب: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، القرن: هو مجموع السّنوات الّتي تجمع جيلاً كاملاً، وحُدّد القرن بمئة سنة كما هو متعارفٌ عليه، فالقرن جيلٌ يحكمه زمنٌ معيّنٌ، ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾: انظروا إلى القرون السّابقة.

﴿مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ﴾: لقد مرّوا على آثار عادٍ قوم هود عليه السّلام، وآثار ثمود قوم صالح عليه السَّلام، وسبأ، ورأوا بأمّ العين ماذا جرى معهم، فهذه الآثار باقيةٌ وشاهدةٌ على تلك الأقوام.