الآية رقم (68) - قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ

﴿لا فَارِضٌ:  غير مسنّة.

﴿وَلاَ بِكْرٌ:  والبكر هي الصّغيرة.

﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ: وسط بين ذلك.

وكان من الممكن أن يجدوها ويذبحوها وينتهي الأمر، لكنّهم عادوا فقالوا:

الآية رقم (52) - ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

ومرّة أخرى ارتكبوا ذنوباً عظيمة، وعفا الله عنهم؛ لأنّ الله عزَّوجل يريد أن يستبقي عنصر الخير في البشر، وفتح لهم باب التّوبة، فتابوا وعصوا ثمّ تابوا وعصوا. وكلّ الذّنوب الموبقة تحتاج إلى التّوبة؛ لأنّ في التّوبة دعوة للكفّ عن الخطأ، ودعوة متكرّرة إلى الإصلاح وترك المعاصي الّتي تؤدّي إلى الشّرور في أيّ مجتمع من المجتمعات، كالسّرقة وأخذ حقّ الغير والقتل والزّنا… وكلّ الشّرور الّتي تؤذي النّاس، والتّوبة مفتاح لإصلاح المجتمع، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ   ]هود: من الآية 114[، وهذا أمر عظيم جدّاً، فلا يكتفي المؤمن بالتّوبة، بل يفعل الحسنات ليكفّر عن سيّئاته. كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم  «وأتبع السّيئة الحسنة تمحها»([1])..

ويسعد المجتمع بك إن رجعت عن الخطأ، فإن أنت بقيت على ذنبك شقيت وشقي مجتمعك بك. وكما نهاك الله عن سرقة مال الغير فقد نهى الآخرين عن أخذ مالك، فالمنهج الإلهيّ دائماً هو لإسعاد البشر، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ  ]الزّمر: من الآية 53[، وقد فتح الله سبحانه وتعالى لبني إسرائيل باب التّوبة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ولم يقل: (لعلّكم تجحدون).

فبالشّكر استبقاء النّعم بل وزيادة فيها، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ  ]إبراهيم: من الآية 7[، وقد قال سيّدنا عيسى عليه السَّلام لربّه سبحانه وتعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ]المائدة[،  وقال: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ؛ لأنّ الله عزَّوجل غنيّ عنّ عذاب خلقه، ولكنّه فتح باب التّوبة لكي يشكروا لا ليجحدوا.


([1]) سنن التّرمذيّ: كتاب البرّ والصّلة، باب معاشرة النّاس، الحديث رقم (1987).

الآية رقم (67) - وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ

سمّيت سورة (البقرة) بهذا الاسم لورود قصّة البقرة فيها، وهي قصّة حدثت في بني إسرائيل زمن سيّدنا موسى عليه السَّلام لتثبيت قضيّة هامّة من قضايا الإيمان وهي البعث. والإيمان بالبعث هو أهمّ شرط من شروط الإيمان بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وأهمّ عنصر من عناصره، أن تؤمن باليوم الآخر وبالبعث بعد الموت، وكلّ النّاس يرون الموت لكنّهم لا يرون البعث، فهو غيب مستور مثله مثل كلّ عناصر الإيمان، من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشرّه. والرّسل قد يراهم أهل زمانهم، لكنّهم لم يُرَوا والوحي يتنزّل عليهم، ونحن نرى الكتب السّماويّة بين أيدينا، ولكننا لم نرها وهي تتنزّل، فالإيمان بالنّبوّات وبالكتب السّماويّة غيب أيضاً. والإيمان قضيّة اعتقاديّة بالمغيَّب عن الإنسان ومحلّه القلب. وهناك قصص أخرى في القرآن تؤكّد قضيّة البعث للنّاس مثل قصّة الّذي: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ]البقرة: من الآية 259[،  وكان سيّدنا عيسى عليه السَّلام -وقد بعث في بني إسرائيل- يحيي الموتى بإذن الله. وهذه القضيّة تتعلّق بالبعث بعد الموت، وقد أراهم الله سبحانه وتعالىكيف يحيي الموتى ليؤمنوا بالبعث.

وهناك فارق كبير بين القصص البشريّ والقصص القرآنيّ، ففي القصّة البشريّة نورد الأحداث كما جرت، أمّا القصّة القرآنيّة فتعطينا لقطات معيّنة لمقصد معيّن بهدف التّربية الإيمانيّة. فالقصص القرآنيّ هو أحسن القصص، وهو ليس للتّسلية، بل للتّربية، وله هدف وظيفيّ إيمانيّ، وليخدم قضيّة إيمانيّة هامّة. ولو كان كاتب القصّة بشراً فلا يمكن أن يبدأ من منتصفها كما جاء في هذه القصّة، وكذا أيَّة قصّة فيها عناصر من أحداث وشخصيّات وزمان ومكان. ولا يريد الله سبحانه وتعالى أن نتعلّق بالأحداث ولا بالشّخصيّات، لذلك هو يُبْهم الشّخصيّات، فيقول مثلاً: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ]الأعراف: من الآية 123[، وهذا لقب ملوكهم ولا ندري من هو فرعون؟ هل هو تحوتمس أم رمسيس أم غيرهما؟؟ لا ندري؛ لأنّ فرعون ليس هو المقصود لشخصه؛ ولأنّ الله سبحانه وتعالى لا يريد أن نتعلّق بالقصّة ولا بالشّخصيّات بل بالعبر، وهذه القصّة القرآنيّة تخدم قضيّة إيمانيّة تتعلّق بالبعث، وتتعلّق بممارسات شعب بني إسرائيل؛ لأنّ البشريّة في كلّ أزمنتها القادمة بعد نزول القرآن الكريم ستعاني الكثير من هذا الشّعب، وها نحن اليوم نرى كيف تآمروا على الأمّة العربيّة والإسلاميّة، ومزّقوها دويلات، واحتلّوا المسجد الأقصى، واعتدوا وفعلوا الكثير من الإيذاء للمسلمين. وهنا قال سيّدنا موسى عليه السَّلام لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.

والقوم: يقصد بهم الرّجال؛ لأنّ الله عزَّوجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ  ]الحجرات: من الآية 11[، وحين قال قوم موسى له: أتتّخذنا هزواً؟ استعاذ بالله أن يهزأ بهم؛ لأنّه نبيّ مكلّف من قبل الله سبحانه وتعالى، وهو الّذي أمره أن يبلّغهم هذا الأمر، ولا يمكن أن يكون هازئاً بهم.

وحين يأتي الأمر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر، وإذا جاء من متساويين فهو التماس، أمّا إذا جاء من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء ورجاء.. وقد أمرهم الله سبحانه وتعالى بأمرٍ على لسان نبيّهم موسى عليه السَّلام فحاول بنو إسرائيل أن يتهرّبوا من تنفيذ هذا الأمر فقالوا لموسى عليه السَّلام: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فهو نبيّ لا يمكن أن يهزأ بهم، والله سبحانه وتعالى هو الّذي أمره أن يبلّغهم إيّاه فهو أمرٌ إلهيّ، وهم يعلمون أنّه نبيّ، وقد عاشوا معه عمراً ومرّوا معه بمراحل كثيرة، ورأوا منه المعجزات الكثيرة، عندما ضرب بعصاه البحر.. وعندما اخترقوا معه البحر، وعندما أنزل عليهم المنّ والسّلوى.. وعندما رأوا كلّ الآيات البيّنات المعجزات الواضحات… وهذه صورة شعب بني إسرائيل ومماطلاتهم في مفاوضاتهم مع العرب، وكلّ مواصفاتهم نجدها قد وثّقتها هذه الآيات.

وهكذا في قضيّة البقرة، أرادوا أن يتملّصوا من هذا الأمر فأخذوا يماطلون ويسألون عن مواصفات البقرة، ولو جاؤوا بأيّة بقرة وذبحوها لأجزأتهم، لكنّهم شدّدوا فشدّد الله جلَّ جلاله عليهم، فزادت الشّروط بازدياد أسئلتهم.

الآية رقم (51) - وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ

لماذا واعد الله عزَّوجل موسى أربعين ليلة؟ ألم يكلّمه حين كان في جانب الطّور؟ فلماذا واعده ثانية في المكان الّذي كلّمه فيه؟ الجواب: أنّه واعده مرّة ثانية؛ لأنّه في اللّقاء الأوّل لم يعطه المنهج، وهناك سور تصف مناجاة الطّور الأولى بإسهاب أكثر… مثل سورة (طه): ﴿طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ]طه[، (ونحن نسعد بالقرآن بفضل الله، ولن نشقى، ونسعد بتفسيره ولا نشقى بإذن الله)، ﴿ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (3) تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ (6) وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ (9) إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى]طه[، وكلّ هذه المناجاة لا تتعلّق بالمنهج (التّوراة)، بل فيها تكليف لموسى عليه السَّلام وإمداد له وإخبار بالنّبوءة، ولفت النّظر إلى العصا الّتي سيكون لها دور كبير فيما بعد، مثل ضرب الحجر وضرب البحر. وهذا تكليف، ولم يعطه المنهج وقتها، بل أخبره بالنّبوّة، وكلّفه بأن يذهب إلى فرعون ويطلب منه أن يرسل معه بني إسرائيل. أمّا هنا، فقد واعده ليعطيه المنهج، وهو التّوراة الّتي امتنّ الله سبحانه وتعالىعليهم بها بعد أن نجّاهم من فرعون، كما امتنّ الله سبحانه وتعالى علينا نحن المسلمين بالقرآن الكريم. وكان الوعد أربعين ﴿لَيْلَةً ولم يقل: (يوماً)، ومعظم التّكاليف الإيمانيّة تأتي بقوله سبحانه وتعالى: (ليلة)، وليس نهاراً: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ]القدر[، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ]الدّخان[، إلّا يوم عرفات، كي تتوزّع التّكاليف الإيمانيّة على مدار السّنة كلّها، وتوزّع العبادات يكون بحسب التّوقيت القمريّ، والقمر يظهر ويغيب في اللّيل، ورمضان يأتي في الشّتاء تارة وفي الصّيف تارة أخرى، ولو حُدّد على أساس الشّمس لجاء في وقت واحد دائماً، لكنّه يأتي في كلّ الفصول. وقد ذهب موسى عليه السَّلام لملاقاة ربّه وتلقّي المنهج، وترك مع قومه أخاه هارون عليه السَّلام فرأوا أناساً يعبدون صنماً فطلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً مادّياً (يُرى بالعين) كالأصنام.

وبنو إسرائيل رأوا كثيراً من المعجزات وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم، فاتّخذ بنو إسرائيل من حلّيهم ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ]الأعراف: من الآية 148[، ليعبدوه، وقد أخرجت نساء بني إسرائيل معهنّ حليّ القوم الّذين كانوا يخدمونهم، ظنّاً منهنّ أنّها من حقّهنّ، وهذا مال حرام، والمال الحرام هو وبال في أيّ شيء، ونحن المسلمون لا نكافئ من عصى الله فينا إلّا بأن نطيع الله فيه، فليسمع هذا أصحاب الجرائم والقتل. روي أنّ أبا الدّرداء رضي الله عنه بلغه أنّ رجلاً قد شتمه فكتب إليه قائلاً: “يا أخي، لا تسرف في شتمنا، واجعل للصّلح موضعاً، فإنّا لا نكافئ من عصى الله فينا إلّا بأن نطيع الله فيه”. فالمؤمن يطيع الله سبحانه وتعالىفي الخصومات، فلا يقتل ولا يغدر ولا يفجر ولا يسبي ولا يسرق… فكلّ هذه الأمور محرّمات حرمة قطعيّة في ديننا. والحرام لا يأتي منه الخير مطلقاً، ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى لنا هذه القصّة للعبرة، ويقول رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّباً، وإنّ الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال عزَّوجل ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ]المؤمنون[»([1])، فقد أمرنا أن لا نأكل إلّا طيّباً، فالحرام وبال على الإنسان، وكما أنّه وبال عليه سيكون وبالاً على ذرّيته من بعده كذلك. وقد ظلم بنو إسرائيل أنفسهم؛ لأنّهم أرادوا تجسيد الله سبحانه وتعالى، والإيمان بالله عزَّوجل إيمان بغيب؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا يُرى. فأراد بنو إسرائيل أن يجعلوا إلهاً كما يشتهون؛ لأنهم مادّيّون لا يؤمنون إلّا بما يرونه أمامهم من الأمور الحسّيّة الملموسة، لذلك طلبوا من هارون أن يجعل لهم إلهاً مُشَاهداً ليعبدوه، وهم لا يفهمون معنى العبادة وأنّ العبادة طاعة، وهذا صنم لا يأمر ولا ينهى فكيف يطيعونه؟ وهذه قمّة المعصية (أن طلبوا أن يجعل لهم إلهاً ماديّاً).


([1]) صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب قبول الصّدقة من الكسب الطيّب، الحديث رقم (1015).

الآية رقم (66) - فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ

﴿نَكَالاً النّكال: هو العقوبة الشّديدة، وهذه العقوبة كانت أشدّ العقوبات؛ لأنّها جاءت بعد كلّ ما شاهدناه من معاصيهم، وبعد كلّ المراحل الّتي مرّ بها بنو إسرائيل، كانت هذه العقوبة حصيلة كلّ ما فعلوه من عصيان، وموعظة لكلّ المتّقين. والنّكول: هو الرّجوع، أي كي ترجع عن تلك الجريمة ولا تعود إليها مرّة أخرى.

ولا عقوبة إلّا بتجريم، ولا تجريم إلّا بنصّ، وهذا مبدأ قانونيّ، أي لا بدّ من وجود نصّ ينصّ على أنّ من فعل جريمة كذا فعقوبته كذا، والقرآن الكريم وضع العقوبات ليمنع وقوع الجريمة، وليس من أجل العقوبة، أي حين وضع تبارك وتعالى حدّ القطع ليد السّارق فمن أجل الرّدع والمنع، وليس من أجل القطع.

والّذين يحاولون تشويه الإسلام وأحكامه يستغلّون هذه المبادئ، ويشكّكون في قضيّة العقوبات في الإسلام، وهي في حقيقتها رادعة لمنع وقوع الجرائم

﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا: أي حين يرونها في وقت وقوعها، أي: تحويلهم خلقاً وخلُقاً إلى قردة وخنازير فهم رأوا تلك العقوبة.

﴿وَمَا خَلْفَهَا: أي لما بعدها.

وحتّى في زمن النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان هناك اليهود الّذين اعتدوا ومكروا وتآمروا مع المشركين على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمين.

﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ: فهي موعظة لكلّ المتّقين عبر كلّ زمان ومكان، وأهل كلّ الأديان.

وليست العبرة بخصوص السّبب بل بعموم المعنى.

الآية رقم (50) - وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ يعني ظرف زمان، أي وقت وقوع الحدث.

﴿فَأَنجَيْنَاكُمْ: من الغرق وهو عذاب لم يقع، ولو قال تبارك وتعالى: ﴿نجَّيْنَاكُمْلكان المعنى أنّهم غرقوا. وفي الآية السّابقة كان العذاب واقعاً عليهم فقال: ﴿نجَّيْنَاكُمْ وهنا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاكُمْ، وهو عذاب لم يقع.

والبحر غالباً ما يطلق على البحار المالحة، وقد يطلق أحياناً على الأنهار. وقد أنجى الله سبحانه وتعالىبني إسرائيل، وأغرق آل فرعون بالسّبب نفسه، وهذا ما لا يقدر عليه إلّا الله عزَّوجل فقد أهلك وأنجى بالسّبب الواحد. أمّا فرق البحر فستأتي آيات تُفصّل فيها وتذكر قصص لحاق فرعون ببني إسرائيل، وليس في القرآن الكريم تكرار، وإنّما هي إضاءات في القصّة الواحدة ولكن من زوايا مختلفة. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاكُمْ: تعني إنقاذهم من عذاب كاد أن يقع بهم وهو الغرق. والقصّة هنا لم تفصّل بأكثر من غرقهم، في حين توسّعت سور أخرى في قصّة غرقهم أكثر، كما في سورة (يونس) وغيرها.. فالقصص القرآنيّ يتنوّع بحسب الإضاءة الّتي يوجّهها على القصّة الواحدة، وبحسب الدّروس الإيمانيّة الّتي يريدها الله سبحانه وتعالى في كلّ إضاءة، وهذا ليس تكراراً. وهو يتحدّث هنا عن فرار موسى عليه السَّلام بقومه ولحاق فرعون وجنوده بهم، فأصبح البحر من أمامهم وفرعون وجنوده من ورائهم. وفي سورة أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ]الشّعراء: من الآية 61[،  أي رأى بعضهم بعضاً رَأي العين، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ]الشّعراء: من الآية 61[، أي لحقوا بنا وأدركونا، قال موسى بكلّ طمأنينة: ﴿كَلَّا  ]الشّعراء: من الآية 62[، وبحسب المقاييس الدّنيويّة يجب أن يكون الجواب: (نعم)؛ لأنّهم رأوا فرعون وجنوده رَأي العين، لكنّ سيّدنا موسى عليه السَّلام قال بكلّ ثقة بالله: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ  ]الشّعراء[. فأدخل نفسه في معيّة الله سبحانه وتعالى، وهذا يذكّرنا بقصّة سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم مع أبي بكر رضي الله عنه يوم الهجرة حين أحيط بهما في غار ثور، قال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم  «ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟»([1])، وسجّلها القرآن، وأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا  ]التّوبة: من الآية 40[، فما دام الله جلَّ جلاله معنا فلن يرونا؛ لأنّ الله سيعمي أبصارهم عن رؤية النّبيّ صلّى الله عيه وسلَّم وصاحبه.

فمن كان في معيّة الله فلا خوف عليه ولا يحزن، لا يخاف ممّا سيقع، ولا يحزن على ما وقع. لذلك يوصي الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يذكروه دائماً: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ     ]البقرة: من الآية 152[؛ لأنّ ذكر الله سبحانه وتعالى دواء وذكر غيره داء، وقد قال النّبي صلّى الله عليه وسلَّم لابن عبّاس رضي الله عنهما: «احفظ الله يحفظك»([2])، فإذاً يجب أن نكون دائماً مع الله سبحانه وتعالى.

وكذلك كان سيّدنا موسى عليه السَّلام قلبه معلّق بالله، فحدثت المعجزة:
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ: تماسكت ذرّات البحر فصار هناك ما يشبه الجبلين الكبيرين على الجانبين، وفتح الله سبحانه وتعالى لهم طريقاً في قلب البحر، والبحر حين ينشقّ يبقى أثر الماء فيكون الطّريق داخله موحلاً، لكنّ الله جعله ﴿يَبَسًا﴾]طه: من الآية 77[، جاءت ريح فجعلت الأرض يبساً ليسيروا عليها، وذلك حين أمره ربّه سبحانه وتعالى بأن يضرب بعصاه البحر فضرب فانفلق البحر، وليس الفعل للعصا بل هي السّبب، والله عزَّوجل لم يقل للبحر: (انفلق)، بل أمر موسى عليه السَّلام بأن يضرب بعصاه البحر، وهذا يعني ربط السّبب بالمسبّب، وتعليم للبشر بأن يأخذوا بالأسباب.

كذلك السيّدة مريم البتول عندما قال لها ربّها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا]مريم[، وليس هزّ النّخلة سهلاً، وقد لا يقدر عليه عشرة رجال، لكنّه أمرها أن تأخذ بالأسباب، فخذ أخي بالأسباب؛ لأنّ الدّنيا دنيا الأسباب، لكن عش مع المسبّب، كن مع الله واربط قلبك به. فالسّبب هو هزّ النّخلة، والمسبّب هو الله سبحانه وتعالى. فالمطلوب منك أيّها المؤمن أن تأخذ بالسّبب، فإن لم تأخذ بالسّبب، فإنّك لم تطع الله عزَّوجل بل خالفت أوامره. قال الشّاعر:

إنّ الطّبيب له علمٌ يُدِلُّ به
حتّى إذا ما انتهت أيّـام رحلته                     .
  إنْ كان للمرء في الأيّام تأخير
حـار الطّبيب وخانتـــــــــه العقـاقير
.

والشّافي هو الله جلَّ جلاله ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ]الشّعراء[، وعلينا أن نأخذ بالأسباب، وهذه هي القواعد الّتي جعلها الله للحياة، وقد أخبر تعالى: أنّه خلق السّماوات والأرض وما بينهما في ستّة أيّام، وهذه أسباب، وهو قادر على أن يخلق بكلمة: ﴿كُنقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ   ]يس[، لكنّه خلق الأسباب لنأخذ بها، والمطلوب أن نكون مع المسبّب. وحين أراد فرعون وجنده أن يلحقوا بموسى عليه السَّلام ومن معه بالطّريق نفسه هَمّ سيّدنا موسى عليه السَّلام أن يضرب بعصاه البحر مرّة ثانية كي يغرق فرعون وجنده، فقال له ربّه عزَّوجل ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ       ]الدّخان[، أي اترك البحر كما هو؛ لأنّ الله عزَّوجل أراد أن ينجيهم ويهلك عدوّهم بالسّبب نفسه: (بضربة العصا الواحدة)، أنجاهم وأغرق آل فرعون بالسّبب الواحد:

– فأنجى موسى ومن معه بضربة عصا.

– وأهلك فرعون وجنده بالضّربة نفسها.

وليست العصا هي الّتي ضربت، بل كلمة الله ﴿كُن هي الّتي ضربت. فالعطاء عطاءان: عطاء أنجى موسى ومن معه، وعطاء أهلك فرعون وجنده، فهاتان نعمتان.


([1]) صحيح البخاريّ: كتاب التّفسير، باب سورة (براءة)، رقم الحديث (4386).

([2]) سنن التّرمذيّ: أبواب صفة القيامة والرّقائق والورع، رقم الحديث (2516).

الآية رقم (65) - وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ

يخاطب الله سبحانه وتعالى بهذا القول اليهود الّذين كانوا في جزيرة العرب في المدينة المنوّرة وقت التّنزيل.

وقد ذُكر في القرآن الكريم يومان فقط من أيّام الأسبوع، وهما الجمعة والسّبت. وذُكر اسم الجمعة في سورة (الجمعة): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ] الجمعة: من الآية 9[، والسّبت ذُكر هنا وفي سورة (الأعراف). وأيّام الأسبوع سبعة: الأحد، الإثنين، الثّلاثاء، الأربعاء، الخميس، وسُديس هو يوم الجمعة، وسُبيع هو يوم السّبت، فالجمعة والسّبت أسماء لا تتعلّق بالعدّ، بل اختلفت عن سابقاتها.

وكان تمام الخلق في ستّة أيّام، وجمعهم يوم الجمعة، فسمّي بالجمعة وثبت واستقرّ أمر الخلق في يوم السّبت، وهو يعني السّبات، وجعله عند اليهود يوم عيد وراحة لا يجوز العمل فيه، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يبتليهم ليختبر إيمانهم وطاعتهم، وكانوا يعيشون قرب البحر، ويعتمدون على الصّيد، فجعل الله سبحانه وتعالى السّمك والحيتان تكثر يوم السّبت، ولا يجوز لهم أن يعملوا يوم السّبت، فكانوا يحتالون فيضعون أقفاصاً (يرمون شباك الصّيد) يوم السّبت يتجمّع فيها السّمك، ويأخذونها يوم الأحد. والله سبحانه وتعالى لا يُخدَع بمثل هذا، وقد وردت هذه القصّة في سورة (الأعراف) في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] الأعراف[،  وهم اعتدوا على أوامر الله سبحانه وتعالى فقال لهم جلّ وعلا: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ.

والإنسان لا يمسخ قرداً بإرادته بل هي كلمة ﴿كُن   الإلهيّة، وبكلمة ﴿كُونُواْ تحوّل كلّ من خالف وعمل يوم السّبت منهم وعصى الله سبحانه وتعالى إلى قردة وخنازير، أي مُسخوا وانقرضوا.. ولم يشمل هذا الأمر الجميع، بل أصاب الّذين عصوا واعتدوا فقط. وهذه القصّة مشهورة عندهم يعرفها كلّ بني إسرائيل، يرويها الآباء منهم للأبناء، ولهذا قال لهم تبارك وتعالى: ﴿لقَدْ عَلِمْتُمُ وقال بعض المفسّرين: مُسِخوا خَلقاً وخُلُقاً، فصارت أخلاقهم مثل أخلاق القردة والخنازير، وجاء في آية أخرى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ]المائدة: من الآية 60[؛  لكثرة ما جحدوا وعصوا، فهذه العقوبة كانت حصيلة لكلّ ما فعلوه من قبل.

الآية رقم (49) - وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ

و(إذ) ظرف يدلّ على الزّمان الماضي. وكلّ حدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان يقع فيه، و(إذ) هنا تعني في وقت كذا، أي اذكروا وقت نجيناكم.

وقد تكرّرت (إذ) في القرآن الكريم في عدّة مواضع، وكانت غاية في البلاغة والأداء، انظر إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا[التّوبة: من الآية 40[، كيف جاءت فيه (إذ) مكرّرة ثلاث مرات فالنّصر كان في ثلاثة أوقات في ثلاثة أزمنة.

وفي هذه الآيات من سورة (البقرة) جاءت (إذ) لتشير إلى زمن نجاة بني إسرائيل من فرعون، وتأتي كلمة (نجّيناكم) مرّة، وكلمة (أنجيناكم) مرّة أخرى، فهل هذا تكرار أم أنّ فيه أسراراً؟ بالطّبع هي أسرارٌ، فهناك فارق بين أنجى ونجّى، نقول: نجّى من عذاب واقع: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ]البقرة: من الآية 49[، فالعذاب كان واقعاً على بني إسرائيل. أمّا في قوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ]البقرة: من الآية 50[، ففيه معنى منع وقوع العذاب الّذي كان متوقّعاً لو غرقوا أو وقعوا في يد فرعون وجنده. فالله عزَّوجل يمتنّ على بني إسرائيل مرّتين، مرّة لأنّه نجّاهم من عذابٍ كان واقعاً عليهم، ومرّة أنجاهم من عذابٍ كان متوقّعاً لهم. ولهذا قال لهم سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ]البقرة[ والله سبحانه وتعالى يذكّر بني إسرائيل بالنّعم، أمّا نحن المسلمون فيذكّرنا بالمنعم، وفرق بين من يتعلّق قلبه بالنّعمة ومن يغرق في سبحات المنعم، ويطلب من المؤمنين من أمّة النّبيّ : أن يديموا ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا]الأحزاب[. فالمؤمن لا تشغله النّعمة عن المنعم بل يعيش مع المنعم ولسان حاله يقول كما يقول أهل العرفان (المتصوّفون):

إثبات غيرك شركٌ في عقيدتنا       محو السّوى ديننا يا قرّة العين

ويذكّر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بأن يذكروا نعمه عليهم، فالتّنجية من آل فرعون وما كان يسومهم من العذاب هي تخليصهم من عذاب كان واقعاً عليهم، وهذه نعمة، وكذلك إنجاؤهم من الغرق في البحر مَنعٌ من وقوع العذاب عليهم وهذه نعمة كذلك.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿آلِ فِرْعَوْنَهم أهل فرعون، فمن هو فرعون؟ والقرآن الكريم يقصّ علينا قصص فرعون مع سيّدنا موسى عليه السَّلام، ولا توجد أيّة وثيقة تاريخيّة مقطوع في صدقها؛ لأنّ الّذي دوّن التّاريخ بشر يعتريه من العواطف والانفعال والتّأثّر ما يعتري البشر، فالّذين يشهدون حادثة ما في مكان ما يروونها بأشكال وطرائق مختلفة متباينة. أمّا ما يرويه القرآن الكريم فهو القصص الحقّ، وليست هناك كلمة في القرآن الكريم إلّا وهي مطابقة للحقيقة تماماً. وهذا القرآن الكريم نزل على قلب نبيّنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم قبل 1400 عام من الآن، وقد كُشف مؤخّراً عن صفحتين من نسخة مخطوطة للقرآن الكريم في جامعة برمنغهام في بريطانيا، وبعد التّحليل الكيميائيّ للصّفحتين تبيّن أنّهما تعودان إلى زمن الخلفاء الثّلاث الأوائل ممّا يؤكّد أنّ هذا القرآن من عند الله سبحانه وتعالى.

ويتحدّث القرآن الكريم عن فرعون وآله، وهو لقب أطلق على حكّام مصر في فترة معيّنة من التّاريخ، فهو ليس اسم شخص، بل هو منصب ولقب، وقد عرفت أسماء بعض الفراعنة مثل: تحوتمس الأوّل ورمسيس الثّاني… وغيرهم. أمّا في سورة (يوسف) فإنّ القرآن يطلق على حاكم مصر تسمية الملك ولم يقل: (فرعون) كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ]يوسف[ مع أنّ بقيّة السّور تطلق على حكّام مصر لقب فرعون. وقد تبيّن قبل ثلاثة أو أربعة عقود حين اكتشف حجر الرّشيد في مصر وقُرئت الكتابة الهيروغليفيّة أنّ الفترة الزّمنيّة الّتي كان فيها يوسف عليه السَّلام هي الفترة الوحيدة في التّاريخ الّتي كان فيها حكم مصر للملوك الرّعاة (الهكسوس)، وكانوا يقرّبون بني إسرائيل بسبب يوسف عليه السَّلام وحين عاد الفراعنة وطردوا الهكسوس وحرّروا مصر منهم اضطهدوا بني إسرائيل بسبب ما كانوا عليه من التّحالف مع الهكسوس. وهذا إعجاز تاريخيّ للقرآن الكريم، ودلالة على أنّه وحي يوحى، تنزيل من ربّ العالمين.

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ: سام الإنسانَ العذابَ: أوغل في تعذيبه وإذلاله، وأنزل به سوء العذاب. وهذا ما فعله فرعون وحاشيته مع بني إسرائيل. والله سبحانه وتعالى يمتنّ على شعب بني إسرائيل بالنّعم الكثيرة الّتي أنعمها عليهم ومنها كثرة الأنبياء، ولم يكن منهم إلّا الجحود والعدوان والظّلم.

وقد كثر أنبياء بني إسرائيل بسبب كثرة داءاتهم؛ لأنّ الإنسان إذا كان يعاني من مرض واحد يحتاج لطبيب واحد، أمّا إذا كانت أمراضه كثيرة فهو بحاجة لمجموعة من الأطبّاء، وكذلك بنو إسرائيل كثرت أمراضهم فاحتاجوا إلى العديد من الأنبياء. ويمتنّ الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل بأن نجّاهم من فرعون، وقد كان فرعون وآله يعذّبون بني إسرائيل ويذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم؛ لأسباب لم تذكر في القرآن الكريم.

وهناك في علم التّفسير ما يسمّى بالإسرائيليّات وهي عبارة عن قصص وخرافات ومواضيع أدخلت ودُسّت في بعض التّفاسير لتشوّه معالم تفسير القرآن الكريم. وتفسير القرآن الكريم هو عمل بشريّ، ومن المعلوم أنّه لا أحد يستطيع أن يفسّر القرآن الكريم، وإنّما تُستنتج منه العبر والعظات، ولا يسمّى تفسيراً إلّا ما صحّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فعلى قلبه الشّريف نزل وبه انفعل وبه فعل.

ونحن في (التّفسير الجامع) لا نأخذ إلّا ما جاء في القرآن الكريم، أي تفسير القرآن بالقرآن، وما صحّ عن سنّة رسول الله صلّى الله عيه وسلَّم فيما يتعلّق بالتّفسير، وأمّهات كتب التّفسير المعتمدة. وهناك روايات تقول: إنّ فرعون رأى رؤيا بأنّ نهاية ملكه ستكون على يد غلام يولد من بني إسرائيل فأمر بذبح المواليد الذّكور من بني إسرائيل، وكان يتخلّص منهم بذبحهم، فالذّبح هو إسالة الدّم من الوريد إلى الوريد، أمّا القتل فيمكن أن يكون بوسيلة أخرى، بالغرق أو بالخنق أو بالرّمي… وكلّ قتل بأيّ طريقة كانت فهو جريمة وعمل إرهابيّ لا يكون إلّا من الخارجين عن منهج الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ من يتّبع منهج الله سبحانه وتعالى لا يؤذي إنساناً ولا حيواناً ولا نباتاً فكيف يقدم على قتله؟! وقد قالوا لفرعون: إنّنا إذا ذبحنا كلّ المواليد فلن يعود هناك من يخدمنا (حيث كان أهل مصر في ذلك الوقت يكلّفون بني إسرائيل بالأعمال المهينة في المجتمع)، فقرّر فرعون أن يذبح مواليد عامٍ ويترك مواليد عام، فولد هارون عليه السَّلام (أخو موسى) في العام الّذي لا يذبحون به فنجا من الذّبح، أمّا سيّدنا موسى عليه السَّلام فقد وُلِد في العام الّذي يذبحون فيه فألقته أمّه في اليمّ لتنجيه من القتل، ويمتنّ الله عزَّوجل على بني إسرائيل بأنّه نجّاهم من عذاب كان واقعاً عليهم، والقرآن الكريم هنا يخاطب اليهود الّذين كانوا في زمن التّنزيل وعاصروا سيّدنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم ويمتنّ الله عزَّوجل عليهم أن نجّى أجدادهم من عذاب آل فرعون، ولولا أن نجّاهم الله لما وصلت ذريّتهم وسلالتهم إلى المدينة المنوّرة ومن كان فيها من يهود بني النّضير وقينقاع.. وغيرهم.

فالقرآن الكريم يخاطب أحفاد اليهود الّذين عاصروا موسى عليه السَّلام ويخاطب اليهود الّذين كانوا في المدينة في وقت التّنزيل، ويذكّرهم بالعذاب الّذي كان واقعاً على أجدادهم: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ: وإذا أطلق (الابن) فهو للذّكر فقط، أمّا (الولد) إذا أطلق فيشمل الذّكر والأنثى. ولهذا قال هنا: ﴿أَبْنَاءَكُمْ.

﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ: أي يسْتَبْقون نساءكم، فكانوا يستبقون النّساء أحياءً للخدمة والمتعة… وغيرها. ويذكّرهم الله سبحانه وتعالى بهذه النّعم، ويمتنّ عليهم، ويخاطب بهذا الكلام اليهود الّذين كانوا في جزيرة العرب وقت التّنزيل من بني النّضير ويهود خيبر.. وغيرهم، ولولا هذه المنن على أجدادهم لما عاشوا هم ووصلوا إلى ما وصلوا إليه.

﴿وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ: البلاء يكون بالخير والشّر، قال جلَّ جلاله: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً]الأنبياء: من الآية 35[، والفتنة اختبار، والابتلاء قد يكون في الخير، وقد يكون ظاهر الأمر خيراً وهو استدراج، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ]الأعراف[، وقال جلّ وعلا: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ]الأعراف: من الآية 182[، وهناك الكثير من الآيات الّتي تؤكّد أنّ الابتلاء يكون بالعطاء وبالمنع والعذاب، كقوله تعالى في سورة (الملك): ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ]الملك[،  أي ليختبركم، فالدّنيا ليست دار قرار بل هي دار عدم استقرار، وهي دار امتحان وابتلاء. والمؤمن يعتقد أنّه ربّما لا ينال جزاءه في هذه الحياة الدّنيا، بل يعلّق قلبه بالآخرة وبيوم الحساب. إلّا أنّ الله سبحانه وتعالى وعده بالحياة الطّيّبة في الدّنيا بقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ   ]النّحل[.

الآية رقم (64) - ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ

﴿فَضْلُ اللَّهِ:  الفضل: هو الزّيادة، أي ما زاد على العدل، كما قال تعالى عن الشّهداء الأبرار -وهذه بشرى من الله سبحانه وتعالى-: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ]آل عمران[، فرحين بفضله وليس بعدله، والفضل فوق العدل، فالعدل أن تأخذ بقدر ما فعلت، أمّا الفضل فهو أن تأخذ أكثر ممّا فعلت.

الآية رقم (48) - وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ

هذا خطاب لبني إسرائيل لكنّه موجّه للنّاس كافّة؛ لأنّ اليوم الآخر الّذي يعد الله عزَّوجل به سيبعث فيه كلّ البشر، بنو إسرائيل وغيرهم. لكنّه يخصّ هنا بني إسرائيل في الخطاب، ويقول لهم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا: أي اجعلوا حاجزاً بينكم وبين عذاب ذلك اليوم، وهو يوم القيامة، يوم الحساب والجزاء، وقد يفلت الإنسان من الحساب في الدّنيا لكن لن يفلت من الحساب في الآخرة، ولو لم يكن هناك حسابٌ في الآخرة لبغى النّاس وطغوا أكثر ممّا بغوا وطغوا، القول في تأويل قوله تعالى : ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ  ]البقرة: من الآية 281[، يوماً لا تزر فيه وازرة وزر أخرى.

﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ: الشّفاعة: من الشّفع، أي المصاحبة والعدد الزّوجيّ شفع، يقول تبارك وتعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ]الفجر[، والشّفاعة هي أن ينضمّ غيرك إليك وجاهةً ووسيلة.. ويوم القيامة لا ينفع الإنسان عملُ غيره: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ   ]النّجم[، ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا  ]لقمان: من الآية 33[.

يوم القيامة لا يشفع أحدٌ لأحدٍ إلّا بإذن الله، ولا يشفع إلّا من ارتضاه الله سبحانه وتعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ]البقرة: من الآية 255[،  ولا يستطيع أحد أن يحمل وزر أحدٍ، وعلينا أن نعمل لذلك اليوم ولن ينفع أحداً إلّا عمله.

﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ: العدل هو الشّفاعة والفدية الموازية، وعِدل بكسر العين معناه: العوض من الشّيء نفسه والمقدار نفسه، نقول: عِدل حنطة بحنطة، أمّا العَدل بفتح العين فهو الإنصاف والحقّ والمساواة، وهو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغيّر.

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، والنّفس هي اجتماع الرّوح والجسد، والجنين يصبح نفساً إن نُفِخت فيه الرّوح، أي عند اجتماع الرّوح مع المادّة، والرّوح سرّ من أسرار الله، يقول سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ]الإسراء: من الآية 85[،  وقال في خلق سيّدنا آدم عليه السَّلام: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي]الحجر: من الآية 29[، فالرّوح تسبّح الله، والمادّة تسبّح الله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ]الإسراء: من الآية 44[، والتقاء المادّة مع الرّوح تنتج عنه النّفس، وعندها تدخل الشّهوات والخيارات، فيكون الإنسان مخيّراً بشيء ومسيّراً بآخر، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ]الشّمس[.

ويتابع المولى سبحانه وتعالى في مخاطبته شعب بني إسرائيل، وخصوصيّة سبب النّزول لا تنفي عموميّة المعنى. والحديث هنا عن اليهود الموجودين في المدينة وقت التّنزيل، والّذين كانوا يتآمرون على المسلمين، وهم من حرض القبائل العربيّة لقتال المسلمين في غزوة الخندق على الرّغم من وجود ميثاقٍ بينهم وبين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بموجب الدّستور الّذي وضعه لهم صلَّى الله عليه وسلَّم حين هاجر إلى المدينة، والّذي جعل من المسلمين والمشركين وأهل الكتاب أمّة واحدة وهم بمجموعهم يدٌ على من سواهم.

فالإسلام يعترف بالآخر ويعطيه كامل الحقوق والحريّة، وليس هناك تشريع سماويّ ساوى بين النّاس وعدل بينهم كالإسلام: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ]الحجرات[. هذا الدّين الّذي رفع بلالاً الحبشيّ الأسود ليعتلي بقدمه ظهر الكعبة، تلك القدم الّتي كانت تُسحل على صحراء مكّة من قبل أسياده الأغنياء من قريش، اعتلى ظهر الكعبة ونادى: “الله أكبر.. الله أكبر”. وفي حجّة الوداع وقف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعلن وصاياه الأخيرة لأمّته وللبشريّة جمعاء: «أنتم بنو آدم وآدم من تراب …»([1])، فأيّة مساواة وأيّ عدل وإنصاف وأيّ حقوقٍ للآخرين قدّمتها شريعتنا الغرّاء (الشّريعة الإسلاميّة)!!. وفي هذه الآيات نجد الخطاب موجّهاً إلى اليهود الّذين كانوا يؤذون المسلمين ويعتدون عليهم في زمن تنزّل القرآن الكريم. وعداؤنا مع اليهود لا علاقة له بدينهم، بل بمكرهم وتآمرهم، وهم يهود المدينة ويهود شبه الجزيرة العربيّة. وقد شرع الإسلام الجهاد لردّ العدوان، فقال سبحانه وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا  ]الحجّ[، وقاتل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المشركين لكونهم معتدين وليس لكونهم مشركين: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ]البقرة: من الآية 194[، أي ردّوا عن أنفسكم الاعتداء والعدوان، فالجهاد إذاً لحماية الأوطان والبلدان من أيّ اعتداء ولا تقوم به إلّا الجيوش النّظاميّة الّتي لها شرعيّة في البلاد. فلا يتحدثنّ أحدٌ عن الجهاد لمآرب وغايات يخفيها لينال من الإسلام، فالإسلام الّذي أُنزل على قلب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واضح بيّن لا شبهة فيه. وهذه الآيات تتعلّق بعدوانيّة شعب بني إسرائيل وتآمرهم، وليس لانتمائهم ليعقوب عليه السَّلام أو لموسى عليه السَّلام.


([1]) سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب في التّفاخر بالأحساب، رقم الحديث (5116).

الآية رقم (63) - وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

حين نزلت التّوراة وأعطى الله سيّدنا موسى عليه السَّلام المنهج اختار موسى مِن قومه سبعين رجلاً وأخذ عليهم العهد، لكنّهم نكثوا العهد فزعزع الله الجبل ورفع فوقهم جبل الطّور وهدّدهم بأن يطبقه عليهم أو يؤمنوا، فخافوا وعادوا وسجدوا وعيونهم على جبل الطّور خوفاً من أن يقع عليهم، وحتّى الآن نجد أنّ اليهود حين يسجدون يزيحون جزءاً من وجوههم وينظرون جانباً، وهذه الحركة مأخوذة من سجودهم وهم يخشون أن يقع عليهم جبل الطّور، وهم لا يعرفون أنّ أصل ذلك هو هذه القصّة.

وعلى الإنسان أن يُقبل على طاعة الله بقوّة، دون تهرّب وتردّد بين إقبال وإدبار كما فعل بنو إسرائيل، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «يا بلال، أقم الصّلاة، أرحنا بها»([1])؛ لأنّ المؤمن يرتاح في طاعة الله سبحانه وتعالى ويُقبل عليها بكليّته؛ لأنّ حبّ التّكليف والأنس بالعبادة يؤدّي إلى التّقوى، ويزرع الخير في المجتمعات، ويؤدّي إلى كلّ خير، والتّقوى هي جوامع كلّ خير، فمثلاً أنت كمؤمن تأنس بالصّلاة، وتتمنّى زرع الخير والحبّ في كلّ مكان.. وهذا شأن المؤمنين الّذين عشقوا التّكليف، أمّا بنو إسرائيل فقد جحدوا، ومع كلّ العطاءات الّتي جاءتهم من الله سبحانه وتعالى تولّوا واستكبروا.


([1]) سنن أبي داود: كتاب الأدب، باب في صلاة العتمة، الحديث رقم (4985).

الآية رقم (47) - يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

جاءت قصص بني إسرائيل موزّعة على سورٍ كثيرةٍ في القرآن الكريم، وهي من أكثر قصصه؛ لأنّ سيّدنا موسى عليه السَّلام وهو شيخ أنبياء بني إسرائيل، عانى من بني إسرائيل أكثر ممّا يعانيه العرب والمسلمون اليوم من جرائمهم وإرهابهم وتآمرهم من خلال دولتهم الّتي تدّعي الانتساب لإسرائيل. وقد تحدّثت الآيات السّابقة عن العهد والميثاق الّذي أخذه الله تعالى عليهم. أمّا هذه الآية فهي تتحدّث مباشرة عن النّعم الّتي أنعم الله بها على بني إسرائيل، ويخاطبهم الله سبحانه وتعالى بنداء: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَفيقرّع اليهود الّذين عاصروا زمن تنزّل القرآن الكريم في شبه جزيرة العرب، وبالتّحديد من كان منهم في المدينة المنوّرة، حيث كانوا يعاندون ويجحدون ويتآمرون على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. والعبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب.

وهذه الآية تذكّر شعب بني إسرائيل بأبيهم الّذي يتكنّون به، فإسرائيل هو يعقوب عليه السَّلام وهم يسمّون شعبهم باسمه زوراً وبهتاناً، ويبنون دولتهم العنصريّة الإرهابيّة الّتي زُرِعت في قلب الأمّة العربيّة والإسلاميّة تحت ستار اسم هذا النّبيّ، ويتستّرون وراء هذا الاسم ويتّخذونه شعاراً لجرائمهم. كما يتّخذ التّكفيريّون اليوم شعارات إسلاميّة لتغطية جرائمهم، والله عزَّوجل يقول: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ   ]البقرة[. ودين الله سبحانه وتعالىلا يأمر بالتّكفير ولا بالقتل، ولا يأمر بالبغض والحقد والكراهية، بل يأمر بالتّعاون على البرّ والتّقوى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  ]المائدة: من الآية 2[، وديننا يقول: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا   ]المائدة: من الآية 32[، ولم يحدّد النّفس مسلمة كانت أم غير مسلمة، ولا انتماء هذه النّفس ولا جنسيّتها أو دينها أو معتقدها بل أطلق كلمة نفس.

أمّا ما يفعله اليهود اليوم فهو تحريف وإلباسٌ للحقّ بالباطل، وقد كانت قصص بني إسرائيل في القرآن الكريم أطول القصص، والحديث بين موسى عليه السَّلام ومحمّد صلّى الله عليه وسلَّم عند معراج النّبيّ صلّى الله عليه وسلَّم إلى السّماء كان من أطول الأحاديث. لأنّ أكثر ما ستتعرّض له الأمّة والبشريّة من فتن ومشاكل وجرائم ستكون من شعب بني إسرائيل، والله عزَّوجل بعلمه الكاشف يعلم ما سيحصل وما سيكون. وعندما يخبر الله سبحانه وتعالى عن قضيّة معيّنة، أو يذكر ما حدث في وقت مضى فإن في ذلك العظة والعبرة لكلّ زمان.

والله سبحانه وتعالى يناديهم باسم أبيهم يعقوب عليه السَّلام كمن يقرّع ولداً ويذكّره بأبيه الصّالح وبما أوصاه به، ولا شكّ أنّ وصيّة الإنسان لأولاده وهو على فراش الموت ستكون أصفى وأنقى ما يقول، وهي تحمل خلاصة تجربته في الحياة، والله سبحانه وتعالىحين يقول لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَيذكّرهم بوصيّة أبيهم يعقوب وهو إسرائيل: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ   ]البقرة: من الآية 132[. وعندما خاطب القرآن الكريم بني إسرائيل ذكّرهم بوصيّة أبيهم الّتي لا تحمل البغض ولا الكراهية ولا العدوان ولا الجرائم ولا الإرهاب، ولا التّآمر وحبّ المال، ولا حبّ الدّنيا والمتاع. وهذا تذكير لبني إسرائيل بنعم الله عليهم، وقد فضّلهم بكثرة إرسال الأنبياء إليهم، لكنّهم جحدوا نعم الله عليهم فلعنهم الله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ]المائدة[.

والقرآن الكريم يفسّر بعضه بعضاً، ولا يمكن تجزيء القرآن ولا فصل سورةٍ أو بترها عن غيرها. وقد تأتي كلمة التّفضيل بمعنى التّمحيص والمساءلة لهم أكثر من غيرهم بسبب النّعم الكثيرة الّتي خصّهم الله سبحانه وتعالىبها، فجحدوا هذه النّعم وقتلوا الأنبياء. ولن تستمرّ النّعمة مع الجحود عند أيّ شعبٍ من الشّعوب، أو فرد من الأفراد فالنّعمة مرهونة بالشّكر وبعدم الجحود.

ويخاطب الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بتذكيرهم بآبائهم من الأنبياء، فيعقوب عليه السَّلام هو إسرائيل، وهو ابن إسحاق بن إبراهيم أبي الأنبياء الّذي أنجب إسماعيل من قبل إسحاق، ومن نسل إسماعيل عليه السَّلام كان نبيّنا محمّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ويعقوب هو ابن إسحاق، والأسباط من أولاد يعقوب عليه السَّلام.

الآية رقم (62) - إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

أي كلّ الرّسالات الّتي جاءت قبل الإسلام، وكلّ من آمن بالله وأتبع إيمانه بالعمل الصّالح. والإيمان دائماً مرتبط بالعمل الصّالح؛ لأنّ الإيمان هو ما وقر في القلب وصدّقه العمل، وليس مجرّد كلمة تُقال، بل لا بدّ من أن يتبعها العمل الصّالح.

وكلّما جاءت كلمة الإيمان في القرآن الكريم أتبعت بالعمل الصّالح، في مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا  ]الكهف[، وقوله: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ]العصر[، والمؤمن دائماً مصدر للخير.

﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: لقول فريق من بني إسرائيل: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ  ]الأعراف: من الآية 156[، أي تُبنا ورجعنا إليك.

فهم الّذين تابوا ومشوا مع سيّدنا موسى عليه السَّلام.

﴿وَالنَّصَارَىٰ: سبب تسميتهم بذلك:

– أنّهم الّذين اتّبعوا سيّدنا المسيح عيسى عليه السَّلام كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ]آل عمران[.

– أو لأنّهم من النّاصرة.   

﴿وَالصَّابِئِينَ: الصّابئون: كانوا في الجاهليّة يقولون لمن أسلم في شبه الجزيرة العربيّة في بداية الدّعوة إلى الإسلام: صَبَأَ، أي خرج عن معتقد الآباء، ورفض أن يعبد الأصنام، وهم الّذين رفضوا أن يعبدوا الأوثان.

فكلّ الّذين آمنوا بالله سبحانه وتعالى واتّبعوا الرّسالات السّابقة يشملهم قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

الآية رقم (46) - الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

الخاشعون هم الّذين يظنّون أنّهم ملاقوا ربّهم وأنّهم إليه راجعون.

وقد قال: ﴿يَظُنُّونَولم يقل: (متيقّنون)، والظّنّ هنا بمعنى اليقين، فلماذا أتى بكلمة الظّنّ مادام يقيناً؟ وهذه إشارة قرآنيّة عظيمة، ولو أنّ الّذي كتب هذا القرآن من البشر لما خطر له أبداً أن يقول: ﴿يَظُنُّونَ، مادام المقصود هو اليقين. فالمعنى أنّهم متيقّنون، لكنّهم بمجرد الظّنّ يسارعون إلى الطّاعة. ومثال ذلك: أنّك لو كنت تسير في طريق سفر وقالوا لك: هناك طريقان ولك أن تختار ما تشاء، وأشاروا لك إلى أحد الطّريقين وقالوا لك: ولكن نظنّ أنّ هذا الطّريق يمكن أن يكون فيه قطّاع طريق، فأنت بمجرد الظّنّ ستختار الطّريق الآخر. وهكذا أمر الله سبحانه وتعالى، فالخاشعون بمجرّد الظّنّ بأنّهم ملاقوا ربّهم يخشعون أتمّ الخشوع، فإذا كنت تخشع في صلاتك بمجرّد الظّنّ فكيف إذا كنت متيقّناً؟

﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ: الرّجوع إلى الله هو ديدن هذه الدّنيا، يقول تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ  ]طه[، وليس هناك على وجه الأرض إنسان لن يموت، فكلّ من عليها فان، وقد قال الله سبحانه وتعالى لرسوله : وهو أعظم بشر عاش على وجه الأرض: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ]الزّمر[. ولم تستطع قوى الأرض رغم كلّ التّقدّم أن تمنع إنساناً من الموت، أو تؤخّر في أجله. والمؤمنون الصّالحون يقولون: الحمد لله على الموت. ولو تحدّثنا بشكل موضوعيّ بغض النّظر عن عقيدتنا وديننا، فإنّني أسأل كلّ دعاة السّلام ودعاة الحريّة والتّقدّم: أيّهما أفضل: أن نقول للنّاس: افعلوا ما شئتم ولكم مطلق الحريّة، أم أن نقول لهم: إنّكم ستموتون وستبعثون وستحاسبون؟ والنّاس اليوم برغم يقينهم بالموت، ورؤيتهم لمن يموت، والميّت يحمل ميّتاً إلى قبره، ومع ذلك هم يقتلون بعضهم بعضاً، ويسفكون دماء بعضهم بعضاً ويأكلون أموال بعضهم. ولو لم يكن موت لأصبحت الدّنيا غابة، فالحمد لله على الموت وعلى الإيمان وعلى دين الإسلام.

الآية رقم (61) - وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ

إنّ الأذى والإفساد في الأرض والعصيان والاعتداء هي صفات متركّزة متأصّلة في نفوس بني إسرائيل عبر التّاريخ مع كلّ نعم الله سبحانه وتعالى عليهم.

وهنا في هذه الآية يرفضون الصّبر على طعام واحد، ويقصدون بالطّعام الواحد المنّ والسّلوى، وهما طعامان: (لحم وحلوى)، وليسا طعاماً واحداً، ولكنّهم اعتبروهما طعاماً واحداً؛ لأنّه يتكرّر كلّ يوم، وطلبوا أن يخرج الله لهم: ﴿مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ]البقرة: من الآية 61[.

والبقل: ليس المقصود به البقول فقط، بل هو كلّ نبات لا ساق له، مثل الخسّ والملفوف والجرجير.

والقثّاء: هو صنف من الخيار.

والفوم: هو القمح أو الثّوم.

والعدس والبصل معروفان. وهذه الأطعمة كانوا قد اعتادوا عليها حين كانوا مسخّرين عند آل فرعون.

﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ: والباء تدخل على المتروك، فهل تتركون الّذي هو خير وتأخذون الأدنى؟ وليس المقصود أنّ ما طلبوه من بقل وقثّاء وفوم وعدس وبصل (وهو طعام الفقير) أدنى من اللّحم والحلوى (وهو طعام الغنيّ)، فالله سبحانه وتعالى لا يفرّق بين غنيّ وفقير في العطاء، بل المقصود هنا هو أنّهم فضّلوا ما يخرج من الأرض على ما كان ينزل عليهم من السّماء بكلمة: ﴿كُنْ، فالمنّ والسّلوى خير؛ لأنّهما من السّماء وجاءا بأمر الله سبحانه وتعالى دون أسباب، ولذلك فهما خير، وهم مادّيّون يريدون ما تُخرجه الأرض ممّا يرونه ويلمسونه، وقد خافوا أن ينقطع عنهم هذا الخير، وطلبوا أن يزرعوا بأنفسهم ويحصدوا ويأكلوا، وهذا إمعان في المادّية، وقد قال لهم:

﴿اهْبِطُوا مِصْرًا: وقد وردت كلمة (مصر) في القرآن الكريم أربع مرّات ممنوعة من الصّرف، والمقصود بها بلاد مصر أي وادي النّيل، قال تعالى: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ]الزّخرف: من الآية 51[، وفي سورة (يوسف): ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ]يوسف: من الآية 21[، وقال جلّ وعلا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ]يوسف: من الآية 99[، فإذا جاءت (مصر) ممنوعة من التّنوين فهي بلاد مصر المعروفة وهي وادي النّيل، وإذا جاءت منوّنة فهي أيّ بلاد فيها أناس وحاكم وزرع.. وغيرها، لا على التّعيين، أي اهبطوا مصراً من الأمصار.

﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ: كلّ هذه الأسباب أدّت إلى أن ضربت عليهم الذّلة والمسكنة، ولُعنوا من الله سبحانه وتعالى، وكلمة ﴿وَضُرِبَتْتوحي بأنّها سكّت سكّاً كالختم؛ لأنّهم استبدلوا الّذي هو أدنى بالّذي هو خير؛ ولأنّهم جحدوا نعم الله عليهم وعبدوا العجل؛ ولأنّهم رفضوا أن يؤمنوا حتّى يروا الله جهرة… وكلّ هذه الأسباب أدّت إلى ضرب الذّلة والمسكنة عليهم.

﴿الذِّلَّةُ: هي الانكسار والحاجة الدّائمة للآخرين، كما نرى الصّهاينة اليوم يلهثون وراء أمريكا وغيرها.

والمتأمّل في الآيات السّابقة الّتي تحدّثت عن بني إسرائيل يأخذ فكرة عن شعب بني إسرائيل عبر الأزمنة المتطاولة، وعن العوامل الّتي أدّت بهم إلى هذه النّتائج، مثل المادّيّة والجحود لنعم الله سبحانه وتعالى، وقتلهم الأنبياء، وعدم الرّضا بقضاء الله جلَّ جلاله والنّظر دائماً إلى المحسوس والملموس.

الآية رقم (45) - وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ

في الآية قبل السّابقة قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ والقرآن الكريم حين يتحدّث عن الصّلاة يتحدّث عن (إقامة) ولا يتحدّث عن أداء، وهذا أمر هامّ جدّاً؛ لأنّ بعض النّاس يقول: أنا أصلّي بقلبي، فنقول له: صلّ، ولكن هذه ليست إقامة الصّلاة، فالإقامة لها شروطها وأركانها وفرائضها المعروفة من طهارة وستر واستقبال للقبلة وركوع وسجود.. وهذا معنى إقامة الصّلاة.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَأمر، أمّا هنا فالمقصود الاستعانة، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يقول لنا: ستكون في هذه الحياة ابتلاءات، والإنسان على هذه الأرض ليس محصّناً من الابتلاءات من مرض وموت وفقر وهمّ وغمّ.. ولا أحد ينجو منها، فمن كان محصّناً من المرض أو الموت فليمنع نفسه منها، ولا يمكن لأحد أن يمنع نفسه؛ لأنّ الإنسان أغيار، يعتريه التّبدّل، ويتعرّض لأمورٍ كثيرة، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ]البقرة[، والاستعانة بالصّلاة غير إقامة الصّلاة، وكأنّ الله سبحانه وتعالى يقول لنا في هذه الآية: ستكون هناك ابتلاءات في الحياة، وأنا أعطيكم سلاحين يؤدّيان وظيفة واحدة، تستعينون بهما على مواجهة هذه الابتلاءات، وعليكم أن تأخذوهما معاً، ولا يصحّ أن تأخذوا واحداً وتتركوا الآخر، وهما: الصّبر والصّلاة. وليس هناك إنسان محصن، فما دام هو إنساناً فستعتريه كلّ الابتلاءات من مرض وكآبة وهرم وغيرها.. فاستعن بهذين السّلاحين على مواجهتهما. وقدّم الصّبر على الصّلاة لأهمّيته، وقد قال سيّدنا عليّ كرم الله وجهه: (الصّبر من الإيمان كالرّأس من الجسد)؛ لأنّ الصّبر فيه مجاهدة للنّفس ومكابدة أكثر من الصّلاة. وهناك صبر على المحذور، وصبر على المأمور، وصبر على المقدور. وهناك أوامر طلبها الله سبحانه وتعالى منّا نصبر على أدائها كالصّوم وترك الشّهوات.. وهناك أمور نخشى الوقوع فيها ونحذر منها. وهناك أمور قدّرها الله علينا وقضاها، وعلينا أن نصبر على تحمّلها. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ]الزّمر: من الآية 10[، وكلّ حسنة بعشر أمثالها إلّا الصّبر فهو بغير حساب؛ لأنّه علامة الإيمان الحقيقيّ. وقد يقول قائل هنا: إنّ الاستعانة تكون بالله سبحانه وتعالى فكيف تقولون: نستعين بالصّبر والصّلاة؟ وفي الحديث الصّحيح عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: كنت خلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوماً فقال: «يا غلام، إنّي أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجَاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلّا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء، لم يضرّوك إلّا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصّحف»([1]) وهذا حديث صحيح، ولكنّنا أُمرنا ألّا نسجد لغير الله أيضاً، وقال الله سبحانه وتعالى لنا: بأن نستقبل القبلة في صلاتنا، فنحن نتوجّه كما أمرنا الله جلَّ جلاله وهكذا يأمرنا الله سبحانه وتعالى هنا بالاستعانة بالصّبر والصّلاة؛ لأنّ طريقة الاستعانة بالله تكون باستخدام ما أمرنا الله عزَّوجل به، والاستعانة بالصّبر والصّلاة هي استعانة بالله. والصّلاة اتصال مع الله عزَّوجل وأيّ عظيم تريد مقابلته تحتاج إلى موعد مسبق منه ووقت محدّد وهو الّذي يتحدّث، وينهي المقابلة متى يشاء. أمّا الله سبحانه وتعالى فأنت تقابله متى تشاء، وأين تحبّ، وهو لا ينهي المقابلة أبداً، بل أنت تنهيها حين تريد. وعطاء الله لا ينفد، وعطاء البشر ينفد: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ]النّحل: من الآية 96[، فالاستعانة بالصّلاة هي استعانة بالله، وهذا ما قاله أحد العابدين:

حسب نفسي عزّاً بأنّي عبدُ هو في قدسه الأعزّ ولكنْ                     . يحتفي بي بلا مواعيد ربُّ
أنا ألقاه متى وأين أحبُّ
.

فهذه عظمة الصّلاة والاستعانة بها وبالزكاة.

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ولم يقل: وإنّهما لكبيرتان؛ لأنّ الغاية من كليهما واحدة، والغرض واحد، وهذا مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ]الجمعة: من الآية 11[، ولم يقل: انفضّوا إليهما؛ لأنّ الغاية واحدة، وإن كان اللّهو شيئاً والتّجارة شيئاً آخر، وهذا أسلوب القرآن العظيم. فمن هم الخاشعون؟

كان الإمام زين العابدين رضي الله عنه عندما يدخل إلى الصّلاة يصفرّ وجهه ويرتجف، فإذا سئل عن السّبب كان يقول: أتدرون بين يدي من أقف؟ وهو الخاشع الزّاهد. ونحن الآن نصلّي ونلتفت وتجول بنا الخواطر وننظر إلى هنا وهناك، وهذا ليس خشوعاً، والخشوع هو أن نعرف بين يدي من نقف.


(([1] جامع التّرمذيّ: كتاب صفة القيامة والرّقائق والورع، الحديث رقم (2453).

الآية رقم (60) - وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ

﴿وَإِذِ:  إذ: ظرف زمان، أي: اذكروا حين.

ويخاطبهم الله سبحانه وتعالى دائماً عن قضيّة الإفساد: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  ]المائدة[، والإفساد صفة شعب بني إسرائيل، وكلّ ما نراه منهم اليوم هو مصداق لوصف الله سبحانه وتعالى لهم. وكانوا أصيبوا بالقحط ولم يعد عندهم ماء للشّرب ولا للزّرع وغيره. والاستسقاء هو طلب السّقيا، وحين تنفد الأسباب يلجأ الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى عن طريق الاستسقاء.

ورزق السّماء من أجلّ النّعم الّتي أكرمنا الله سبحانه وتعالى بها، وقد جعل الله ثلاثة أرباع الكرة الأرضيّة مغمورة بالمياه، أي بحار وأنهار كي تتبخّر وتتشكّل الغيوم بحرارة الشّمس وتلتقي بالهواء البارد، وتعاود النّزول بعد تقطيرها في طبقات الجوّ. ولو أردنا تقطير كميّة ضئيلة من مياه البحر لكلّفتنا الكثير من المصانع الكبيرة والضّخمة جدّاً. فلاحظوا هذا الكمّ الهائل من المطر الّذي ينزل على الكرة الأرضيّة، ونحن حين يتأخّر علينا غيث السّماء نتوسّل إلى الله عزَّوجل برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وبآل بيته الأطهار ونطلب السّقيا.

ولقد حاربت الوهّابيّة احتفالات المولد والاستسقاء، وهدمت الآثار الإسلاميّة وأزالتها لتقطع الأمّة عن تاريخها، ومسحت الأضرحة والقبور، وحاربت معظم تعاليم الإسلام الصّحيحة، وجعلت ديناً موازياً للدّين الحقّ، حتّى التّوسّل برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جعلته محرّماً، فأنت لا تستطيع الوقوف عند قبر الرّسول صلَّى الله عليه وسلَّم ولا التّوسّل به، وهم الّذين اخترعوا التّكفير والقتل، وبرّروا بالتّكفيرِ القتلَ، وقطع الرّؤوس. وسيّدنا عمر استسقى بالعبّاس عمّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين حدث في عهده جفاف وقحط. فالتّوسّل برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وآل بيته هو جزءٌ لا يتجزّأ من إيماننا بهذا الدّين، وقد طلب بنو إسرائيل السّقيا من موسى عليه السَّلام فلجأ إلى ربّه وهو كليمه، فأجابه سبحانه وتعالى وأمره أن يضرب بعصاه الحجر، وعادة يأتي الماء بالاستسقاء من السّماء ولا يأتي من الأرض، وهؤلاء جاءهم الماء من الصّخر زيادة في الإعجاز وتجاوباً مع مادّيّتهم، ولو نزل عليهم الماء من السّماء لقالوا: إنّما هي غيمة ماطرة، ولكنّ الله سبحانه وتعالى قال لموسى عليه السَّلام ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ، وهل يضرب الصّخر بالعصا؟! أم الحجر هو الّذي يضرب العصا؟، وعادةً إذا ضربت الحجر بالعصا تنكسر العصا ولا ينكسر الحجر، ولكنّ الله عزَّوجل أخرج لهم الماء بكلمة: ﴿كُنْ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً بعدد أسباط بني إسرائيل الاثني عشر، وهم سيّدنا يوسف وإخوته، الّذين تفرّعت عنهم قبائل بني إسرائيل، وسيّدنا موسى عليه السَّلام من نسل يعقوب وهو (إسرائيل)، وكان سيّدنا موسى قد أُمِر قبل ذلك أن يضرب الماء بالعصا، وليس الفعل للعصا بل الفعل لربّ موسى والعصا.

الآية رقم (44) - أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

خصوصيّة السّبب في هذه الآية لبني إسرائيل الّذين كانوا يستفتحون على مشركي العرب، ويقولون لهم: إنّ نبيّاً سيأتي وسيؤمنون به وسيقتلونهم قتل عادٍ وإرم. ولم يكونوا يعلمون أنّ النّبيّ لن يكون منهم، بل سيأتي من العرب، فلمّا جاءهم كفروا به وهم الّذين كانوا يأمرون النّاس بالبرّ.

أمّا عموميّة المعنى فهي للنّاس كلّهم، ولكلّ الدّعاة إلى الخير، من علماء وخطباء ومشايخ وواعظين… فعليهم أن يلتزموا بما يدعون النّاس إليه، وكما قال الشّاعر:

لا تنهَ عن خُلُق وتأتي مثله                     .   عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم
.

أمّا عالِـم الرّياضيّات والفيزياء والكيمياء والفلك… فإنّ النّاس يأخذون عنهم مادّتهم ولا يسألون عن سلوكهم، إلّا عالِـم الدّين الّذي إذا انفصل سلوكه عن قوله سقطت دعوته. وكما قال الشّاعر:

يا أيّها الرّجل المعلّم غيره
تصفُ الدّواء لذي السّقام وذي الضَّنى                     .
  هلّا لنفسك كان ذا التّعليم
كيما يصحّ به وأنت سقيم
.

 

فمن يصعد المنبر وينهى عن الغيبة ويأتي بأدلّة قرآنيَّة ويتلو قول الله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ   ]الحجرات: من الآية 12[، ثمّ بعد دقائق يخرج ويقول: فلان فعل كذا، وفلان قال كذا.. فيكون سلوكه قد خالف قوله. والدّين كلمة تُقال وسلوك يفعل، فإذا انفصل السّلوك عن الكلمة سقطت الدّعوة. والدّين بالأسوة، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]الأحزاب[، فإذا لم تكن هناك أسوة سلوكيّة فلن تكون هناك كلمة دعويّة. ولن يكون هناك أيّ مصلح في أيّ زمان ما لم يكن أخلاقيّاً ومصدر أسوة سلوكيّة. فمن يحدّث النّاس بكلام ويفعل غير ما يقول، لا يمكن أن يكون داعية، مثل الّذي يتحدّث عن الميراث ويأكل ميراث غيره، ويقول: لا تشربوا الخمر وهو يشربه، وينهى عن النّميمة ويمشي بها… والبرّ هو جوامع الخير كلّه، بكلّ الاتّجاهات وبكلّ الطّرق الّتي تؤدّي إلى الخير.

﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ: والمقصود هو كلّ الكتب السّماويّة الّتي لم تأت إلّا رحمة للبشريّة ولهدايتهم. والهداية لا تكون إلّا بالأسوة السّلوكيّة، ولا بدّ من اقتران دعوة الخير بالسّلوك العمليّ، فلا تقل: خذوا بأقوالي ولا تأخذوا بأفعالي واتركوا النّار للحطب. بل لا بدّ لدعوة الخير والإصلاح من أن تقترن بالعمل، وإلّا ضاعت الدّعوة تماماً.

الآية رقم (59) - فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ

أمرهم الله سبحانه وتعالى بأن يدخلوا الباب سجّداً ويقولوا: حطّة، فمن فعل ذلك غفر الله له، ومن أحسن زاده الله من خيره، والله سبحانه وتعالى يزيد الإنسان دائماً من الخير إن هو أعطى وأحسن، ويعاقبه إن أساء وأفسد.

وعبادة الله سبحانه وتعالى على وجه الأرض هي لمصلحة الإنسان، أي للإصلاح، وهي تشمل كلّ حركة الإنسان في الحياة، أي بأن يعود بكلّ عمل نافع وخيّر على نفسه وأسرته وأقربائه وجيرانه وحيّه ومدينته ووطنه وعلى الإنسانيّة جمعاء، وهذه هي رسالة الأديان.

ويحدّثنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن شعب بني إسرائيل من خلال توجيه الضّوء على تصرّفاتهم وحركاتهم وسكناتهم، وضبط كلّ ما يتعلّق بعدوانيّة هذا الشّعب الّذي سيكون هو الشّعب الإرهابيّ المجرم، والّذي يحتلّ المسجد الأقصى في قادم الأيّام ويدنّسه. وكان الله يمنّ عليهم وهم يجحدون، وبدلاً من أن يقولوا: حطّة، أي: حُطّ عنّا خطايانا، قالوا: حنطة (قمح)؛ لأنّهم لا يفكّرون إلّا بالطّعام، وبدلاً من أن يدخلوا الباب سجّداً دخلوا بعصيان وبشكل غير الّذي طُلِب منهم، وقيل: إنّهم دخلوا على ظهورهم، وهذا لم يثبت، وكلّ هذه الأحداث جرت معهم وهم في صحراء التّيه.

الآية رقم (43) - وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ

وهذه ثلاثة أوامر موجّهة إلى شعب بني إسرائيل الّذين عاصروا تنزيل القرآن الكريم في جزيرة العرب، وهي رسالة موجّهة للنّاس جميعاً. وكلّ الدّيانات السّماويّة جاءت بالصّلاة والزكاة، ونجد ذلك في مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا   ]طه: من الآية 132[، وفي دعاء إبراهيم الّذي ورد في القرآن الكريم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي  ]إبراهيم: من الآية 40[، وفي قول سيّدنا عيسى عليه السَّلام كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا    ]مريم: من الآية 31[. والصّلاة والزكاة ركنان أساسيّان من أركان الإسلام، وأركان الإسلام خمسة كما ورد في الحديث الصحيح: «بُني الإسلامُ على خمس: شهادة أنْ لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله، وإقامِ الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والحجّ، وصوم رمضان»([1])، أي أنّ الأركان الّتي بني عليها الإسلام هي هذه الخمسة وليس الإسلام هو هذه الأركان فقط. فالأركان هي الأعمدة وليست هي البناء، البناء هو البناء، ولا يتمّ البناء من غير أركان، لكن الأعمدة ليست هي البناء، فالبناء أكبر وأشمل، كذلك الإسلام أوسع وأشمل من الأركان.

والعبادة أشمل من الصّلاة والصّوم والزكاة والحجّ، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ    ]الذّاريات[، فلا يمكن أن نكون قد خُلِقنا فقط للصّلاة والزكاة والصّوم والحجّ، فنحن نأكل ونفكّر ونتعلّم ونعمل ونتزوّج ونتناسل ونحبّ ونبغض ونسير على الأرض. والعبادة هي كلّ عمل يعود على الغير بالخير. وهي نفع الفرد والمجتمع والبشريّة كلّها، فالعبادة عطاء للبشريّة، والعابد هو من يعطي عطاءً خيّراً لمجتمعه، إذا كانت العبادة والطّاعة صحيحة كما أمر الله سبحانه وتعالى. ولا تنظروا إلى تحريف البشر، ولا تنظروا إلى الانحراف والشّواذ بل انظروا إلى الأصل.

وأركان الإسلام هي أركان كلّ الشّرائع السّماويّة، والصّلاة والزكاة متلازمان دائماً؛ لأنّ الصّلاة صلة مع الله، والزكاة صلة مع خلق الله. فأرني أثر صلاتك في صلتك، وأرني أثر صلاتك في مجتمعك. وأثر الصّلاة يكون بالزكاة؛ لأنّ الصّدقة برهان على الإيمان. وهناك من إذا قلت له: صلّ أربع ركعات يصلّي أربعين، وهي أسهل عليه من الزكاة والصّدقة، وإن قلت له: تصدّق على الفقراء، أحسن إلى النّاس، أعط من مالك للمحتاجين، ابنِ مبرّة مثلاً، تجده لا يفعل من ذلك شيئاً، فهذا هو البرهان على صدق الإيمان من عدمه. والصّلاة هي دعاء وصلة مع الله سبحانه وتعالى، والزكاة هي لاستيعاب حركة الإنسان في الحياة، وهي عمل من أجل الغير، وذلك حين تعمل وأنت تنوي أن تجني مالاً تقتطع منه جزءاً للزكاة. فالزكاة حركة في المجتمع، ودعوة للإصلاح والتّكافل الاجتماعيّ؛ لأنّه اقتطاع جزء من الوقت للعمل من أجل الغير. وكذلك الصّلاة فهي اقتطاع جزء من الوقت للدّعاء والتّعبّد.

وبالنّتيجة: الصّلاة والزكاة ركنان أساسيّان في الحياة الإنسانيّة لتستمرّ الحياة بصلات صحيحة مع البشر، وبصلات قويمة مع ربّ البشر.

﴿وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ: وقد نتساءل هنا لماذا خصّ الرّكوع مرّة أخرى مع أنّ الصّلاة تشتمل على الرّكوع؟ الجواب: أنّ الرّكوع هنا بمعنى الخضوع العامّ لله سبحانه وتعالى، كما يأتي السّجود أحياناً بمعنى التّعظيم والتّحيّة والامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى.

أمّا المعنى الاصطلاحيّ للسّجود فهو وضع الجبهة على الأرض في الصّلاة، وأمّا المعنى الاصطلاحيّ للرّكوع فهو الانحناء في الصّلاة. والرّاكعون هم الملتزمون الطّائعون لأوامر الله سبحانه وتعالى والممتثلون لطاعته. وهذا ليس خطاباً موجّهاً إلى بني إسرائيل وحدهم، بل هو موجّه للنّاس جميعاً، فخصوصيّة السّبب لا تنفي عموم المعنى.


(([1] صحيح البخاريّ: كتاب الإيمان، باب الإيمان وقول النّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم «بني الإسلام على خمس»، الحديث رقم (8).